إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (127)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم جعل المرأة سلعة تباع وتشترى ولا تستأذن في زواجها

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلا ً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: نعود في بداية هذا اللقاء سماحة الشيخ إلى رسالة الأخت صابرين الصغيرة من ليبيا، أختنا عرضنا أسئلتها في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة تسأل وتقول: هل المرأة مكان للتجارة، حيث يتعنت الآباء في تكاليف الزواج؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فلا شك أن هذه المسألة التي تقدمت بها الأخت في الله صابرين مسألة جديرة بالعناية، فإن الواجب على الآباء أن يعنوا بأمر البنات، وأن يجتهدوا في تزويجهن على الأكفاء، وأن يسهلوا في التزويج وأن لا يتكلفوا، فليست المرأة سلعة تباع وتشترى، وليست محلاً للتجارة، ولكن المقصود التماس الكفء الصالح الدين الذي يتولاها ويحسن إليها، فإن ناسبته أحسن إليها وأحسن عشرتها، وإن لم تناسبه لم يظلمها بل وسع لها.

    هذا هو الواجب على الآباء وعلى الأولياء جميعاً أن يتقوا الله في النساء، وأن يجتهدوا في التماس الأكفاء، وعدم رد الخاطب الطيب، وأن لا يجبروهن على من لا يرضين، لابد من استئذانها، ولابد من أخذ رضاها إذا بلغت تسعاً فأكثر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله!وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت) وفي اللفظ الآخر: (قالوا: يا رسول الله! إنها تستحي، قال: إذنها صماتها)، وفي اللفظ الآخر: (واليتيمة تستأذن وإذنها السكوت) واللفظ الآخر: (والبكر يستأذنها أبوها وإذنها السكوت) فصرح بالأب وأن الأب ليس له الجبر، وهو الأب الذي هو أقرب ولي، فإذا كان الأب لا يجبر، فالبقية من باب أولى، وهذا هو المختار، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأب يجبر البكر.

    ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأب يجبر البكر التي لم تتزوج، وهذا قول مرجوح.

    والصواب أنه ليس له الإجبار بل عليه أن يسترضيها وأن ينصحها ويشير عليها وليس له جبرها ما دامت بلغت تسعاً فأكثر، أما إن كانت دون التسع فلا بأس أن يزوجها بغير إذنها؛ لأنه أعلم بمصالحها والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة ولم تستأذن؛ لأنها كانت صغيرة بنت ست أو سبع كما جاء في الحديث الصحيح، زوجها الصديق وهي بنت ست أو سبع، ودخل عليها النبي وهي بنت تسع عليه الصلاة والسلام.

    فالحاصل إذا كانت دون تسع ورأى من المصلحة أن يزوجها؛ لئلا يفوت الكفء الطيب لا من أجل المال، بل من أجل المصلحة الدينية، إذا رأى وليها يعني: أباها أن يزوجها وهي دون التسع؛ لأنه خطبها رجل كفء طيب صاحب دين وخير وخشي أن يفوت فلا بأس.

    أما بقية الأولياء فليس لهم تزويجها إلا بإذنها بعد التسع، ليس لهم أن يزوجوها وهي صغيرة قبل التسع لا، إنما هذا خاص بالأب لقصة عائشة رضي الله عنها، أما بقية الأولياء كالإخوة والأعمام ونحوهم فليس لهم تزويج البنت حتى تكمل تسعاً وحتى تصلح للزواج ثم لابد من استئذانها، فإن أذنت وإلا لم يجز لهم تزويجها، وليس لهم التعنت بالتماس أصحاب المال وأصحاب التجارة أو الوزارة والوظائف لا، الواجب عليهم أن لا يردوا الخاطب الكفء وإن كان من غير ذوي المناصب.

    ولهذا جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إن لا تفعلوه؛ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) وفي لفظ: (وفساد عريض) وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) فإذا كان الرجل يؤمر بأن يظفر بذات الدين فهكذا ولي المرأة وهكذا المرأة عليهم الحرص أن يظفروا بذي الدين وصاحب الدين، فعليها أن تسعى لذلك وتجتهد في ذلك وتقول لأوليائها أن يلتمسوا ذلك، وعلى وليها أن يجتهد في ذلك حتى يلتمس الكفء الطيب، فإن صاحب الدين ينفعها ولا يضرها، بخلاف الفجرة فإنهم يضرونها، وقد يجرونها إلى فجورهم، أصحاب الخمور وأصحاب الفساد شرهم عظيم، فينبغي التحرز منهم حتى لا يضروها، أما الذي لا يصلي فلا يزوج بالمرأة المسلمة؛ لأن ترك الصلاة كفر أكبر -نسأل الله العافية- في أصح قولي العلماء.

    فالحاصل والخلاصة: أن الواجب على الآباء والأولياء أن يعنوا بالأكفاء وأن يحرصوا على تزويج البنات بالرجل الطيب ولو كان فقيراً، ولو كان بمهر قليل، فالمطلوب عفتها وصيانتها، ليس المطلوب المكاثرة بالمال، قال تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32] فالمال يأتي به الله سبحانه وتعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ولم يقل: إذا خطب منكم ذو المال الكثير، بل أمر الجميع بالزواج هذا عام للرجال والنساء، (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج) فإذا كان الشاب مأموراً بالزواج فهي كذلك مأمورة، إذا خطب إليها الكفء فعليها أن تتزوج، وعليها أن تبادر وعليها أن ترضى وأن تقبل، ولا يجوز لأوليائها منع الزواج من أجل المال والمكاثرة بالمال، أو لأسباب لا وجه لها.

    1.   

    حكم إيقاف الحمل بعد إنجاب أحد عشر مولوداً

    السؤال: أختنا تسأل في سؤالها الأخير وتقول: إن والدتها أنجبت أحد عشر مولوداً، خمسة صغار والبقية كبروا، وقد تعبت كثيراً هل لها أن تقف عن الحمل والولادة ؟

    الجواب: إذا كان يضرها الحمل بشهادة الأطباء فلا بأس، وإلا فلا تقف، قد يرزقها الله ولداً خيراً من هؤلاء وأصلح فلا تقف إلا إذا كان هناك مضرة، فإذا كان مضرة فلا بأس.

    1.   

    حكم انتقاض وضوء من أصيب بغيبوبة أو صرع

    السؤال: أخت لنا من المغرب عائشة عرضنا بعض أسئلتها في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة تسأل وتقول: الذين يعيشون لحظات غيبوبة هل ينتقض وضوءهم أو لا؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل: مثل النوم إن كان شيء يسير ما يزيل الوعي، ولا يمنع الإحساس بخروج الحدث فلا يضر، كالنائم الذي ينعس يصيبه نعاس خفيف، ما يستغرق في نومه يسمع الناس يسمع الحركة هذا لا يضره، طهارته صحيحة حتى يعلم أنه خرج منه شيء، هكذا إذا كانت الغيبوبة لا تمنع الإحساس، مثل من تعاطى بعض الأدوية أو بعض الأشياء التي قد يحصل له بها شيء من الغيبوبة لكنها غير تامة، يحس معها بالحدث يسمع الكلام، هو مثل الناعس.

    أما إذا كانت غيبوبة تمنع شعوره بما يخرج منه كالسكران، والمصاب بمرض أفقده شعوره، صار في غيبوبة، هذا ينتقض وضوءه كالإغماء، كمن أغمي عليه بأي سبب من الأسباب فإنه أعظم من النوم ينتقض معه الوضوء.

    وكذلك إذا صرع ثم عافاه الله وزال عنه الصرع يتوضأ.

    1.   

    حكم دخول الأماكن التي فيها صور

    السؤال: أختنا تسأل تقول: هل لها أن تدخل في مجلس عليه صور وليس لها الحق في نزعها؟

    الجواب: نعم إذا كان لها حاجة في حاكم يقضي، في محلات باعة يبيعون ويشترون تشتري منهم حاجاتها ما يضرها، أما إذا كان ما لها حاجة فعدم الدخول أولى، أما إذا كان هناك حاجة لأنه في محل للبيع والشراء، في محل حلقة علم، في محل قاضي يحتاج إلى الدخول عليه، محل أمير يحتاج إلى رفع شكواهم إليه، يعني في محل حاجة لا بأس.

    1.   

    حكم قول: (صدق الله العظيم) عقب الانتهاء من قراءة القرآن

    السؤال: المستمع علي حسن بكري الربعي يسأل عن حكم لفظ: صدق الله العظيم في نهاية قراءة القرآن الكريم، هل هي بدعة، أم هي سنة، أما ماذا حكمها؟ وما الحكم فيمن قال إنها بدعة؟

    الجواب: هذه الكلمة حدثت أخيراً بين الناس واشتهرت بين الناس، ولا نعلم لها أصلاً عن السلف الصالح، ولكنها الآن واقعة بين الناس، وربما وقعت بين أهل العلم أيضاً عندما يقرأ عليهم قارئ فالناس يتسامحون فيها كثيراً، والذي يظهر لي أنه لا أصل لها، وأن تركها أولى، والقول بأنها بدعة قول قريب ليس ببعيد؛ لأن القاعدة كل ما حدث مما يتقرب به إلى الله وليس له أصل يقال له: بدعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وقال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) فالتزامها بعد كل قراءة حتى إن بعضهم يقرؤها في الصلاة، هذا لا وجه له.

    والذي أرى أن الواجب ترك ذلك. أما إذا فعل بعض الأحيان، أو عند وجود أسباب مثلاً رأى ما يدل على ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يقع في آخر الزمان فيقول: صدق الله ورسوله، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كذا كذا وقد وقع، نعم.

    كما فعل علي رضي الله عنه لما رأى المخدج في الخوارج لما قتلهم ورأى المخدج، الذي هو علامة أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه قال: صدق الله ورسوله. يعني هذه علامة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالحاصل أنه إذا وجد لها أسباب، أما كونه يلزمها عند كل قراءة هذا لا أصل له، والذي ينبغي ترك ذلك، نعم.

    المقدم: بارك الله فيكم من قالها سماحة الشيخ هل يأثم؟

    الشيخ: يخشى عليه إذا داوم على ذلك؛ لأن وصف البدعة ينطبق عليها.

    1.   

    التحذير من ضلالات الصوفية وبدعهم

    السؤال: من جمهوية اليمن الديمقراطية الشعبية حضرموت منطقة ترس رسالة بعث بها أخونا سعيد خميس الصويل ضمنها خمسة أسئلة.

    في سؤاله الأول يقول: يوجد عندنا الكثير من علماء الدين -كما يصفهم- يقومون بدق الطبول داخل المساجد مع استعمال المدروف الناي، وهو نوع من الموسيقى، وينشدون معه الأناشيد المعبرة عن أشخاص مقبورين، يسألونهم ويطلبون منهم العون، فبماذا ترشدون هؤلاء أبقاكم الله؟

    الجواب: هؤلاء يسمون الصوفية، والتصوف الذي أحدثه هؤلاء بدعة في الدين، وكان أصل ذلك أنه وجد في المسلمين زهاد وأهل ورع وزهد يتعبدون ويحرصون على العبادات والقراءة والذكر في المساجد والبيوت حرصاً منهم على الخير، ثم تطورت الأحوال حتى حدث هؤلاء الذين أحدثوا بدعاً ومنكرات في الدين، منها هؤلاء الذين ذكرهم السائل، الذين يتعبدون بالطبول والدفوف والأناشيد والأغاني وآلات اللهو، هذا منكر من القول وبدعة.

    وقد أنكر ذلك العلماء، وأطال في ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله وغيره من أهل العلم في كتابه إغاثة اللهفان، وأطال غيره فيها من أهل العلم وبينوا بطلان ذلك وأن هذا منكر عظيم يجب تركه، ولا يجب أن يسمى هؤلاء علماء ليسوا بعلماء هؤلاء، بل هؤلاء جهال في الحقيقة، وليسوا بعلماء بل أضلوا الناس ولبسوا على الناس، فلا يجوز اتباعهم في هذا الأمر، ولا تقليدهم في هذا الأمر بل يجب أن ينصحوا وأن يوجهوا إلى الخير، وأن يحذروا من هذه البدعة المنكرة.

    وأشنع من هذا وأكبر دعاؤهم الأموات والاستغاثة بالأموات، هذا شرك أكبر، هذا شرك الجاهلية شرك أبي جهل وأشباهه، دعاء الأموات كـالعيدروس أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو البدوي أو الحسين أو غيرهم من الناس هذا شرك أكبر، هذا مثل فعل المشركين الأولين مع اللات ومع العزى، ومثل فعل النصارى مع عيسى وغيرهم فهذا شرك أكبر.

    فإذا قال: يا سيدي فلان! اشف مريضي، أو رد علي غائبي، أو اقض حاجتي، أو أنا في حسبك، أو المدد المدد يا سيدي! سواء كان هذا مع النبي عليه الصلاة والسلام أو مع الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو مع الشيخ عبد القادر الجيلاني ، أو مع العيدروس أو مع البدوي ، أو مع الست نفيسة أو الست زينب أو غيرهم ممن اشتهروا في مصر وغيرها، وفي الجنوب العيدروس وناسا آخرين، وفي العراق الجيلاني وأناساً آخرين.

    كل هذا من الشر العظيم، وكل هذا مما أحدثه الجهال وأشباه الجهال، فدعوة الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم والذبح لهم هذا من الشرك الأكبر بإجماع أهل العلم، يقول الله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي [الأنعام:162] يعني: قل يا محمد! للناس: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي يعني: ذبحي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163] فجعل الصلاة لله والذبح لله ( لا شريك له ) وقال سبحانه: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:1-2] فالصلاة لله والذبح لله، فمن صلى لغير الله كفر وهكذا من ذبح لغير الله، وقال جل وعلا: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] فنهى أن يدعى مع الله أحد، وقوله: (أحداً) يعم الأنبياء والأولياء وغيرهم، نكرة في سياق النهي تعم الناس كلهم وتعم الخلائق.

    وقال عز وجل: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106] يعني: المشركين، وكل مخلوق دون الله لا ينفع ولا يضر هذا وصف عام جميع المخلوقات لا تنفع ولا تضر، إلا بالله هو الذي جعل فيها النفع والضر سبحانه وتعالى، فلا يجوز دعاء أي مخلوق بعد الله لا صنم ولا شجر ولا حجر ولا نبي ولا ولي ولا صاحب قبر ولا غير ذلك، وقال سبحانه: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117] فسمى هذا كفراً، وسماهم كافرين نعوذ بالله، بدعائهم الأموات وبدعائهم الأصنام والأشجار والأحجار.

    وقال سبحانه في كتابه العظيم: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13] هذا يعم الأصنام والأولياء والأنبياء وغيرهم وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13] والقطمير: اللفافة التي على النواة، كلها ملك لله سبحانه وتعالى.

    إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ما يقدرون (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:14] فسمى عملهم شركاً، سمى دعاءهم إياهم شركاً، قال: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:14] ثم قال سبحانه: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14] وهو الله سبحانه، هو الذي أخبر عن هذا وهو العالم بأحوالهم سبحانه وتعالى، فسماه بهذا شركاً، وفي آية المؤمنون سماه كفراً فقال: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ [المؤمنون:117]، كل كافر ما له برهان فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117].

    وقال عز وجل: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5-6] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة) فجعل الدعاء هو العبادة نفسها، فهذا يدل على عظم شأن الدعاء، فإذا قال: يا سيدي! اشف مريضي، رد حاجتي، رد غائبي، اشفع لي، المدد المدد، أو ذبح له، فقد وقع منه أنواع من الشرك.

    وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من ذبح لغير الله) رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: (حدثني رسول الله بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض) أربع مسائل لعن أصحابها، لعنهم الله جل وعلا، وأعظمها الذبح لغير الله، يتقربون بالبقر أو بالإبل أو بالغنم، أو بالعجول أو بالدجاج إلى غير الله، من الأموات والغائبين، هذا شرك أكبر.

    وروى الإمام أحمد رحمه الله بإسناد جيد عن طارق بن شهاب رضي الله عنه، قال: (مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ليس عندي شيئاً أقرب، قالوا: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار -ذباب تقرب به إلى غير الله- وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله عز وجل، فضربوا عنقه فدخل الجنة) فهذا يدل على أن التقرب لغير الله في العبادات من ذبح أو دعاء أو استغاثة أو نذر أو نحو ذلك شرك أكبر بالله سبحانه وتعالى، حتى ولو كان المقرب حقيراً كعصفور أو حمامة أو ذباب أو ما أشبه ذلك، كيف بالذي يقرب الإبل والبقر والغنم والعجول يكون شركه أكبر نعوذ بالله وأشد.

    فالحاصل: أن هذا العمل من هؤلاء من دعائهم الأموات والاستغاثة بالأموات شرك أكبر، وضربهم بالدفوف وقيامهم بالأغاني والناي وأنواع الملاهي هذا من المنكرات وتعبدهم بهذا من البدع، ومن تعبد بهذا من البدع التي أحدثها الصوفية، والصوفية شرهم عظيم نسأل الله أن يهديهم، قد أحدثوا بدعاً كثيرة فنسأل الله أن يهديهم وأن يردهم إلى الصواب.

    الواجب عليهم وعلى غيرهم الرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يسيروا على ما كان عليه النبي وأصحابه هذا هو الهدى، هذا هو الصراط المستقيم، ما سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو الصراط المستقيم، لا يجوز لأهل التصوف ولا غيرهم أن يتركوا طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأن يحدثوا طريقاً آخر، لا، الباب موقوف، باب العبادة توقيفي، ليس لأحد أن يحدث شيئاً في دين الله عز وجل؛ ولهذا يقول الله سبحانه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153].

    روى الإمام أحمد وغيره ومحمد بن نصر المروزي في كتاب السنة وجماعة آخرون بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (خط الرسول صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً فقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله فقال: هذه السبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه) هكذا هذه السبل التي أحدثها الصوفية وأشباههم كلها من الشياطين، كلها طرق دعا إليها الشيطان، فالواجب الحذر.

    والشياطين قسمان، صنفان: شياطين الإنس وشياطين الجن، وكل من خرج عن طريق الله وتمرد على شرع الله فهو من الشياطين، فشياطين الإنس من جنس دعاة الشرك من الصوفية وغيرهم، هم شياطين الإنس، وشياطين الجن كثيرون.

    فالواجب الحذر من شياطين الإنس والجن، وكل من دعا إلى غير الله أو دعا إلى البدع فهو من شياطين الإنس، وإن كان من الجن فهو من شياطين الجن.

    فالواجب على هؤلاء الذين ذكرهم السائل في الجنوب أو في غير الجنوب في أي مكان الواجب عليهم التوبة إلى الله، والرجوع إلى الله، والاستغفار مما فعلوا، والندم على ذلك، وأن يجددوا دينهم وأن يسلكوا ما سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عليهم أن يسلكوا طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطريق أصحابه الذي سار عليه التابعون لهم بإحسان من الاستقامة على دين الله، وعبادته كما شرع الله سبحانه وتعالى وترك البدع، رزق الله الجميع الهداية والتوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    حكم قراءة الفاتحة عند بداية أو نهاية كل أمر فيه خير

    السؤال: سماحة الشيخ! ما حكم قراءة الفاتحة عند كل أمر في بدايته خير؟

    الجواب: لا أصل لهذا، لا قبله ولا بعده، ما يفعل بعض الناس يقرأ الفاتحة عند البدء أو عند النهاية، عند نهاية الطواف أو السعي أو غير ذلك من العبادات لا أصل لهذا، إنما شرع الله قراءتها في الصلاة، قراءتها مع القرآن كلما ختم عاد وبدأ بها وقرأ طيب، أما أن يخصها بقراءة عند طوافه، أو آخر طوافه، أو في أنواع المعاملات التي يعملوها ليس لهذا أصل، لكن إذا قرأ الحمدلة في أول الدعاء وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:1-4] أول الفاتحة؛ لأنها حمد وثناء أو تحمد بغير ذلك من أنواع الحمد لا بأس، عند أول الدعاء ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو، هذا لا بأس به قراءة أولها لأنها حمد وثناء، لأنها ثناء على الله وتمجيد له سبحانه وتعالى.

    كذلك إذا قرأ القارئ في مسجد أو في مناسبة معينة آيات من القرآن الكريم وانتهى من ذلك يقول: الفاتحة، هذا لا أصل له بدعة.

    المقدم: إذاً على المسلم أن يتجنبها ولا يستجيب لهذا النداء؟

    الشيخ: نعم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول قاعدة شرعية يقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذا في العبادات، هذا في الأعمال التي يتعبد بها الناس، أما أمور الدنيا في البيع والشراء والزراعة هذه أمور إلى عادات الناس وعرفهم، أما العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى الله هذا ليس له أن يحدث شيئاً، لا عند الدعاء ولا غيره.

    1.   

    حكم الصلاة عند القبور ودفع الأموال لغرض بناء القباب عليها وزخرفتها

    السؤال: أخونا يسأل سؤالاً طويلاً أرجو أن يتسع له بقية وقت هذه الحلقة، يقول: يقوم بعض الناس بوضع نقود ليست بسيطة على القبور بما يسمونها قبور الأولياء، ثم تجمع هذه النقود ويصرفونها في تعمير القباب وزخرفتها ووضع الأنوار عليها واستعمال مكبرات الصوت على تلك القباب لنشر دعايات ذلك الولي، كما يؤدون هناك صلاة الفريضة أحياناً داخل المقابر حول ذلك الولي، فما حكم الدين الإسلامي في مثل هذه الأفعال أفادكم الله؟

    الجواب: أولاً: التقرب بالنقود أو بالطعام أو بالخبز إلى القبور هذا منكر ومن الشرك الأكبر؛ لأنها تقرب إليهم وعبادة لهم، الصدقات يتقرب إليهم يرجو بهذا فضلهم وثوابهم وبركتهم مثل ما لو ذبح لهم، ومثل لو صلى لهم؛ لأنه إنما تقرب بذلك لأنه يرى أنهم يصلحون لهذا الأمر، وأنه يتقرب إليهم بالصدقات أو بالذبائح أو بغير ذلك حتى ينفعوه، حتى يشفعوا له، حتى يبرئوا مريضه، وحتى يعطوه الولد وإلى غير ذلك.

    وأما ثانياً: فاتخاذ القباب على القبور أيضاً منكر، لا يجوز البناء عليها مطلقاً، بل يجب أن تبقى مكشوفة ليس عليها بناء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ولما ثبت في الصحيح عن جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور وعن القعود عليها، وعن البناء عليها) فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن البناء عليها، ونهى عن الكتابة عليها، فالواجب أن لا يكتب عليها وأن لا يبنى عليها، لا قبة ولا غيره.

    ثالثاً: الصلاة عند القبور لا تجوز، الرسول صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذها مساجد، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم في الصحيح، فنهاهم أن يتخذوها مساجد، ومن صلى عند قبر فقد اتخذه مسجداً، ولو ما بنى عليه قبة، ولو ما بنى عليه مسجد، ما دام يصلي عند القبور أو بين القبور فإنه بهذا يتخذها مسجداً؛ لأن الرسول عليه السلام قال: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فمن صلى في محل اتخذه مسجداً؛ ولهذا لا يصلى في المحل النجس، ولا يصلى بين القبور، فإذا صلى عند القبور أو إلى القبر أو في طرف المقبرة كل هذا اتخاذ لها، فالواجب الحذر من ذلك.

    المقدم: بارك الله فيكم، سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم والمستمعون على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من الإذاعة الخارجية سجلها لكم زميلنا خالد منور خميس ، شكراً لكم جميعاً وإلى الملتقى وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.