إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (107)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    نصيحة لزوج يشك في زوجته ويسيء فيها الظن

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب، رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة سماحة الشيخ! رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين من الرياض يقول: أخوكم (م. ل. م) أخونا ملخص رسالته: أنه متزوج منذ فترة وأنه يصلي ولله الحمد وكذلك زوجته، إلا أنه يشك فيها، بم توجهونه سماحة الشيخ، والواقع الرسالة مطولة؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فالواجب على المؤمن اجتناب سوء الظن، إلا عند وجود أمارات واضحة ودلائل بينة تدل على ذلك؛ لأن الله يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)، فالواجب على الزوج إحسان الظن بزوجته، وحملها على أحسن المحامل، ونصيحتها إذا شك في شيء، توجيهها إلى الخير، وعدم طاعة الشيطان في ظن السوء الذي لا أساس له ولا بينة عليه ولا شواهد له، أما إن كان هناك شيء يشهد لبعض الظن، فينبغي فيه النصيحة والتوجيه والتحذير مع المراقبة حتى يزول الشك، نسأل الله للجميع الهداية نعم.

    1.   

    حكم طاعة الأم في الحج وتقديم ذلك على تزويج الإخوة وإصلاح الأرض

    السؤال: الرسالة التالية وصلت إلى البرنامج من الأخ سعيد السعيد السوداني ، رسالته مطولة يقول فيها: سماحة الشيخ! أنا سوداني متعاقد أعمل بالمملكة، كلما ذهبت إلى وطني في إجازة طلبت مني والدتي الحج، وأصبحت تكرر وتلح في الطلب كلما نزلت في إجازتي السنوية، أنا لا أرفض بخلاً؛ فقط هناك أشياء أقدمها على حجها كإصلاح الدور وتعميرها، وكذلك إصلاح الأراضي الزراعية من أجل أشقائي وتزويجهم حفظاً لهم وصوناً لدينهم.

    أولاً: هل كل الأمور التي ذكرتها تقدم على طلب الوالدة للحج، علماً بأن الحج أصبح يكلف في بلادنا تكلفة كثيرة، أم أمضي قدماً في تنفيذ إصلاح حال الأهل بيوتهم وزراعتهم؟

    ثانياً: هل يدخل في طاعة الوالدين الاستجابة لطلبها الحج؟

    ثالثاً: والدي شيخ كبير مسن ومريض لا يقوى على الحج والأسفار، فأخشى إذا قمت بإحضار الوالدة للحج أن يؤثر ذلك في نفسياته، سيما وهما يسكنان لوحدهما منذ فترة طويلة، ولا أخت لنا تقوم بخدمة الوالد إلى حين رجوع الوالدة من الحج.

    رابعاً: تقول لي دائماً: إذا لم تحججوني سوف أقوم ببيع أملاكي من أراضٍ زراعية وأؤدي منها الفريضة.

    أخيراً: هل قيامي بتزويج أشقائي أو تجهيزهم للزواج أفضل من حج الوالدة، أم أيهما أفضل؟ أفتوني حول هذه المواضيع جزاكم الله خيراً.

    الجواب: بر الوالدين من أهم المهمات ومن أعظم الواجبات، ومراعاة نفس الوالدة والحرص على رضاها وعلى هدوء قلبها ونفسها أمر مهم جداً، ولكن لا يجب الحج عليها إلا إذا كانت قادرة مستطيعة من جهة المال، لقوله جل وعلا: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، ولا يجب عليك أيضاً تحجيجها؛ لأن الحج عليها هي ليس عليك، لكن من مكارم الأخلاق ومن محاسن الأعمال ومن البر العظيم أن تراعي طلبها وأن تحقق لها رغبتها حسب الإمكان، وتؤجل ما يتعلق بالزواج بتزويج من ذكرت إلى رجوعك من الحج؛ لأن الحج أمره عظيم وفائدته كبيرة، والوالدة نفسها معلقة به، فإذا أحسنت إليها وأخذت بخاطرها وحجتها كان ذلك من أفضل القربات ومن أعظم الطاعات، أما والدك فلعله يسمح، تقول له: إن الحج يشق عليك وأنت في هذه الحال، فلعله يسمح حتى تحجج أمك، أو تسمح هي بالصبر حتى يشفى فيحجا جميعاً أو يسمح لها بالحج بعد ذلك.

    المقصود أن عليك أن تراعي هذه الأمور، وأن تجتهد في سماحها حتى تؤجل الحج، أو سماح الوالد حتى تحج بها من دون مشقة عليه، وأما تركها وعدم المبالاة بها فهذا شيء لا ينبغي؛ لأن إصلاح المزارع وتزويج من ذكرت فكل هذا في الإمكان بعد الحج، المدة ليست طويلة، فمراعاة خاطر الوالدة وتلبية طلبها، والحرص على تحجيجها أمر مطلوب، ولا سيما إذا كان الحج واجباً عليها؛ لأنها مستطيعة، فإن كانت غير مستطيعة فتلبية حج طلبها وتحجيجها ولو كانت غير مستطيعة فيه خير لك وفضل عظيم وبر لها وإحسان إليها وتطمين لقلبها، فاحرص على ذلك وابذل وسعك في تحقيق رغبتها، إلا إذا كان الوالد يريد الحج معها وأنت لا تستطيع، فاستعمل الكلام الطيب والأسلوب الحسن في تأجيل حجهما جميعاً إلى وقت آخر، لعله يشفى ولعل الأمور تكون أيسر في الوقت المستقبل، بعبارات حسنة وأسلوب حسن، أو بتوسيط من ترى من الأقارب والأصدقاء حتى يشيروا عليها وحتى ينصحوها بالتأجيل؛ رفقاً بوالدك ورفقاً بك، فإذا فعلت ذلك فأنت إن شاء الله على خير ومأجور.

    المقدم: بارك الله فيكم، سماحة الشيخ يذكر أن والدته لها تركة وهي تقول: إن لم تحججوني فسوف أبيع أملاكي وأحج منها، فهل هو الحج واجب عليها؟

    الشيخ: إذا كانت أملاكها تتسع لهذا ولا تحتاجها في نفقتها فلا بأس، إذا كان الوالد يقوم بحاجاتها وهو غني يستطيع أن يقوم بحاجاتها والنفقة عليها، وإلا فنفقتها في مالها إذا كان عاجزاً، وأخشى أن تكون هذه الأموال لا تدر عليها شيئاً له أهمية حيث يفضل منه ما يحججها، فإذا كان المال هذا يحججها مع ما تحتاج إليه في نفقتها إن كان زوجها عاجزاً؛ فإنها يجب عليها الحج، لكن يراعى في ذلك مسألة المحرم في السفر، إذا كان ليس لها محرم إلا ولدها فهي في حاجة إليه لا حج عليها إلا بوجود محرم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) فوجود المحرم من شروط وجوب الحج عليها، فإذا كان مالها يتسع للحج فلا مانع أن يحج بها من مالها، أو يحج بها من ماله ويدع مالها لها كما هو ظاهر كلامه، وله في هذا الأجر العظيم إذا لاحظها وأكرمها وحججها من ماله فهو خير له، ومن أعظم البر لها، ومن تطييب نفسها، لكن يراعى في ذلك مسألة والده لئلا يشق على والده الحج وهو بهذه الحال التي ذكر من المرض، وهكذا يشق على الولد أيضاً كونه يقوم بذلك مع كونه عاجزاً بسبب المرض الذي هو فيه حالياً.

    فالحاصل مثل ما تقدم أنه يوسط من يرى من الأخيار، حتى ينصح الوالدة ويشير عليها بالتأجيل إلى أن يشفى والده وإلى أن تكون الأمور أيسر من هذا الوقت.

    1.   

    حكم الإمام إذا قام إلى الثالثة من التراويح سهواً ثم سلم

    السؤال: أخونا له سؤال آخر يتعلق بصلاة التراويح سماحة الشيخ يقول: نرجو بيان الحكم؛ إذا صلى الإمام بنا في التراويح ثلاث ركعات وسلم على اعتبار أنها ركعتين، هل هناك سجود للسهو في السنة، أو لا؟

    الجواب: نعم فيه السجود، إذا نوى ركعتين كالعادة يعني: السنة صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا قام إلى ثالثة ينبه يقال: سبحان الله، سبحان الله، وعليه أن يرجع ويكمل قراءة التحيات والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء، ثم يسجد للسهو ثم يسلم، فإن مضى ولم يجلس نبهوه حتى يجلس ولو بعد الثالثة، فيجلس ويقرأ التحيات وما بعدها من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء، ثم يسجد للسهو، كما أنه مشروع في الفريضة مشروع في النافلة. نعم.

    1.   

    حكم اتباع المرأة للجنائز والصلاة عليها

    السؤال: الرسالة التالية وصلت إلى البرنامج من العراق بغداد الأعظمية منطقة الرصافة، باعثة الرسالة إحدى الأخوات من هناك تقول (مها . ع. ز) ، لها مجموعة من الأسئلة من بينها سؤال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس للنساء نصيب في الجنازة) ما هي الأمور التي تجتنبها المرأة في موضوع الجنازة؟

    الجواب: هذا الحديث الذي ذكرته السائلة: (ليس للمرأة نصيب في الجنازة) لا نعلم له أصلاً، ولا نعلم أحداً أخرجه من أهل العلم، وإنما الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا: (أنه صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)، ولعن أناساً آخرين كالبناء على المساجد كبناء مسجد على القبور ونحو ذلك، ونهى عن اتباع الجنائز للنساء من دون لعن، بل نهى عن اتباع الجنائز، قالت أم عطية رضي الله عنها: (نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا) يعني: لم يؤكد علينا، فدل ذلك على أنها لا تتبع الجنازة إلى المقبرة، ولا تزور القبور، وإنما هذا من خصائص الرجال، لكنها تصلي على الجنازة، إذا صلي عليها في البيت أو في المسجد تصلي المرأة مع الرجال على الجنائز، كما صلت عائشة رضي الله عنها على جنازة سعد بن أبي وقاص في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالحاصل أن المرأة تصلي على الجنائز مع الرجال لا بأس، أما ذهابها مع الجنازة إلى المقبرة أو زيارة القبور فهذا هو الذي نهي عنه فلا يجوز لها ذلك، نعم.

    1.   

    حكم لبس المرأة للثوب الأسود إذا مات زوجها ولسنة كاملة

    السؤال: سؤالها الآخر تقول: المعروف بالنسبة للنساء في العراق إذا شخص مات تلبس عليه ثوباً أسود لمدة سنة كاملة، وإذا لم تلبس يقولون عليها: بأنها فرحت بموت ذلك الشخص، وكلام الناس لا ينتهي ولا يدعون الناس في حالهم، وأنا علمت أن هذا لا يجوز، فماذا تقولون لو تكرمتم في هذا عسى أن يستفيد الناس ويعملوا؟

    الجواب: هذا الذي ذكرت هو مثلما ذكرت لا يجوز، كونها تحاد سنة كاملة في ثوب أسود هذا لا أصل له، هذا من عمل الجاهلية، كانت الجاهلية تحاد المرأة فيهم إذا مات زوجها سنة كاملة، فأبطل ذلك الإسلام وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من سنة الجاهلية، وأوجب الله على المرأة بدلاً من ذلك أربعة أشهر وعشراً إذا كانت غير حامل، أما إن كانت حبلى فإنها تنتهي من العدة بوضع الحمل، ولو بعد موت زوجها بساعات أو أيام، أما أن تعتد سنة أو في لباس خاص أسود فقط هذا لا أصل له، بل هو من عمل الجاهلية، فلها أن تلبس الأسود والأصفر والأخضر والأزرق، لكن تكون ملابس غير جميلة تكون عادية لا تلفت النظر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نهى المحادة أن تلبس شيئاً من الثياب الجميلة المصبوغة، قال: (إلا ثوب عصب)، فقال أهل العلم: إن ثوب العصب ليس فيه جمال، فالمشروع لها أن تلبس ثياباً ليس فيها جمال؛ لأنها تعرضها للفتنة، تكون ملابسها ملابس عادية لا تلفت النظر، هذا هو المشروع للمحادة، كما أنه يجب عليها أن تتجنب الطيب مدة العدة، وكذلك الحلية من الذهب والفضة ونحوها كاللؤلؤ والماس وأشباه ذلك مدة العدة، وهكذا تجتنب الكحل في عينيها والحناء كل هذا مما تمنع منه الحادة.

    والحاصل أن الحادة تؤمر بخمسة أمور:

    الأمر الأول: أنها تبقى في بيت زوجها الذي مات وهي ساكنة فيه حتى تنتهي من العدة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمحادة: (امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله) هكذا قال عليه الصلاة والسلام: (امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله)، لكن لا بأس أن تخرج لحاجة، لحاجة من السوق تشتريها من طعام وغيره، أو إلى الطبيب لحاجتها إلى الطبيب لا بأس بهذا، أما خروجها لغير ذلك كالزيارات ونحو ذلك فلا، بل تبقى في بيتها، ولا تسافر أيضاً لا لحج ولا غيره حتى تنتهي من عدتها.

    الأمر الثاني: أنها لا تلبس الملابس الجميلة، بل تلبس ملابس عادية ليس فيها جمال يلفت النظر، سواءً كانت سوداء أو خضراء أو زرقاء أو حمراء أو غير ذلك.

    الثالث: عدم الحلي من الذهب والفضة ونحوها كاللؤلؤ والماس وأشباه ذلك، لا تلبس هذا؛ لأن الرسول نهى عن ذلك عليه الصلاة والسلام.

    الرابع: عدم الطيب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمس طيباً) يعني: المحادة، فلا تمس الطيب سواءً كان من البخور أو غير ذلك دهن العود والورد وأشباه ذلك، إلا إذا كانت تحيض كالشابة فإنها لها أن تتبخر عند طهرها من حيضها كما أمر بهذا النبي صلى الله عليه وسلم وأذن فيه.

    والخامس: الكحل؛ ليس لها أن تكتحل ولا أن تتعاطى الحناء؛ لأنه جمال، فتجتنب ذلك وما أشبهه.

    هذه الأمور الخمسة هي التي يلزم المحادة أن تراعيها وتعتني بها، أما ما سوى ذلك فهي من جنس بقية النساء، لها أن تغتسل متى شاءت تتروش متى شاءت، تغير ثيابها متى شاءت، تستعمل الدواء فيما عندها من مرض في عينيها أو غيره من أدوية، تطبخ حاجتها في البيت، تخدم بيتها، تصعد إلى السطح في الليل تخرج إلى الحوش وإلى الحديقة في بيتها، كل هذا لا بأس به، تكلم من شاءت من يكلمها من جيرانها أو من غير جيرانها أو من طريق الهاتف كالتلفون أو غيره، كل هذا لا بأس به إذا كان كلاماً ليس فيه ريبة ولا منكر، فهي من جنس بقية النساء. نعم.

    1.   

    حكم زيارة النساء للقبور ومعنى النائحة والمستمعة

    السؤال: لها سؤال آخر سماحة الشيخ تقول فيه: هل يحرم على النساء زيارة القبور إذا كان المتوفى أعز شخص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله المرأة النائحة والمستمعة) صدق رسول الله، لكنني في الحقيقة لم أفهم معنى المستمعة في هذا الحديث، هل يقصد المرأة الفضولية التي تتنصت على كلام الناس، أم المرأة التي تستمع الأغاني، أم التي تستمع التلفاز والراديو؟ نرجو التوضيح عن هذا جزاكم الله خيراً.

    الجواب: زيارة القبور للنساء تقدم أنها لا تجوز، النبي صلى الله عليه وسلم قال: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) يعني: به الرجال، وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)، وفي حديث عائشة : (يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين)، أما النساء فنهاهن عن هذا، جاء في الأحاديث: (لعن زائرات القبور)، فلا يجوز لهن زيارة القبور، ولكن يشرع لهن الدعاء لموتاهن بالمغفرة والرحمة ودخول الجنة والنجاة من النار من غير زيارة للقبور، وهن في بيوتهن، ولا مانع أن يصلين على الموتى كما تقدم في المساجد أو في المصلى، كما صلى النساء على الجنائز في عهده صلى الله عليه وسلم وفي عهد أصحابه.

    أما النائحة والمستمعة فقد نهى النبي عن النوح عليه الصلاة والسلام، وقال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت)، وقال: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) خرجه مسلم في صحيحه، فبين صلى الله عليه وسلم أن النياحة على الموتى من أمر الجاهلية المذموم، فالواجب تركه، وقالت أم عطية : (أخذ علينا الرسول صلى الله عليه وسلم في البيعة أن لا ننوح)، وروى أبو داود رحمه الله في سننه عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (لعن النائحة والمستمعة) وفي سنده ضعف، ولكن معناه له شواهد وهي أن النوح محرم ومنكر، فلا يجوز للمرأة أن تتعاطى النوح ولا للرجل أيضاً، ليس للرجال ولا للنساء النياحة، والنياحة: رفع الصوت بالبكاء هذه النياحة، وهكذا قوله بـ: واعضداه واكاسياه واحر قلباه برفع الصوت، كل هذا من النياحة، وأما المستمعة: فهي التي تستمع للنوح وتشجع على النوح، تجلس معهن تستمع نياحتهن وتشجعهن على النياحة، هذه داخلة في ذلك؛ لأن جلوسها نوع من التشجيع فلا يجوز لها أن تستمع، بل إذا لم تسكت النائحة وجب أن تفارق وأن لا يجلس معها، من باب الهجر لها ومن باب الإنكار عليها، فإذا جلست تستمع صار في ذلك نوع من المساعدة، ونوع من التشجيع، فلا يجوز أن تستمع للنائحة، بل تنكر عليها وتنهاها، فإن أقلعت وإلا تركتها ولم تجلس معها تستمع لها.

    أما سماع الأغاني والأشياء الأخرى هذا فيها بحث آخر غير سماع النياحة، سماع الأغاني منكر على الرجال والنساء، الأغاني من المنكرات ومن أسباب مرض القلوب وقسوتها والضلال عن الحق كما قال الله عز وجل في كتابه العظيم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لقمان:6] هذا دليل على أن اشتراء لهو الحديث يعني: اعتياضه سواءً بغير ثمن أو بالثمن أنه من المنكر المذموم، فالله ذكر هذا على سبيل الذم لهم والعيب لهم وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي [لقمان:6]يعني: لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [لقمان:6] قرئ (ليضل) بالضم، وقرئ (ليضل) بالفتح، هذا يدل على أن اشتراء لهو الحديث من أسباب الضلال والإضلال بغير علم، ومن أسباب اتخاذ آيات الله هزواً، ولهذا قال بعده: وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا [لقمان:6] يعني: سبيل الله يعني: دين الله، وهذا خطر عظيم، ولهو الحديث هو الغناء كما قال جمهور أهل العلم، قال أكثر أهل العلم من المفسرين وغيرهم إنه الغناء، وإذا كان معه آلة عزف كالعود أو الكمان أو الدف أو الطبل كان التحريم أشد، كان الإثم أكبر، فلا يجوز ذلك، وليس للمرأة ولا للرجل تعاطي ذلك، سواءً كان ذلك في التلفاز أو في الإذاعة أو في المسجلات أو غير ذلك أو في الفيديو كل هذا ممنوع، وإذا كان مع ذلك الفيديو مرائي منكرة كاجتماع النساء والرجال اختلاط النساء بالرجال، أو رؤية الرجل مع زوجته أو ما أشبه ذلك كان التحريم أكثر وكان الإثم أعظم، فلا يجوز مثل هذا أبداً لا للرجال ولا للنساء.

    ولكن مسألة النياحة شيء آخر، فالنياحة لها تعلق بالميت سواء كان ناح عليه في البيت أو عند القبر أو في أي مكان، فلا يجوز الاستماع للنائحة ولا تشجيعها على عملها السيئ، بل يجب الإنكار عليها وتحذيرها ومنعها من ذلك، والله المستعان.

    1.   

    حكم رفض المرأة طلب الوالدين في الموافقة على الزواج

    السؤال: نعرض لها سؤال في نهاية هذه الحلقة ونبقي بقية أسئلتها إلى حلقة قادمة إن شاء الله، تقول: إن والدي أو والداي يرغبان في زواجي، لكني في الحقيقة لم أفكر في هذا الموضوع أصلاً ولا أريد أن أتزوج للأبد، فإني أرفض طلبهما وأنا خائفة من الله سبحانه وتعالى؛ حيث في الآية -كما تقول- (سخط الله من سخط الوالدين) فهل هذا يعتبر نوعاً من عقوق الوالدين؟ وماذا أعمل؟

    الجواب: ليست هذه آية: (سخط الله في سخط الوالدين)، وإنما هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين) فليس هذا من القرآن، بل هذا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالمقصود أن هذا ليس من القرآن ولكنه من الحديث، فالواجب عليك أن تنظري في الأمر فإن الزواج فيه مصالح كثيرة، وهو سبب للعفة لغض البصر وحفظ الفرج، ومن أسباب تكثير الأمة ووجود النسل، فينبغي لك أن تنظري في الأمر ولا تتركي الزواج، بل عليك أن تطيعي أبويك في ذلك فقد نصحا لك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه وله وجاء) وهذا يعم البنين والبنات، فكما يجب على الابن التزوج إذا تيسر له ذلك فهكذا البنت يجب عليها ذلك، إذا تيسر لها الزوج المناسب.

    واختلف العلماء في هذا: هل يجب وجوباً أو يستحب ويتأكد، أو فيه تفصيل: إن خاف الزنا وإلا فلا، على أقوال لأهل العلم، والأظهر أنه يجب متى تيسر الأمر وجب؛ لأن الرسول أمر بهذا عليه الصلاة والسلام قال: ( فليتزوج ) والأصل في الأمر للوجوب، هذا هو الأصل، ولأن طبيعة الإنسان وفطرته تدعوه إلى ذلك، وفي ترك الزواج خطر كبير على الذكر والأنثى جميعاً، فربما وقع كل منهما في الفاحشة بسبب ذلك، وربما أطلق بصره بسبب ذلك، فالواجب هو التزوج مع القدرة على الزواج، إذا كان له شهوة في النكاح، وكانت لها شهوة في الرجال فالواجب لهما الزواج، اللهم إلا أن يكون هناك مانع يمنع من ذلك، لعدم وجود ما يستطيع به جماع المرأة؛ لأنه ليس له أرب في النساء، أو فيها هي مانع من عيب يمنع من الزواج هذا شيء آخر.

    المقصود أنه ما دام الرجل سليماً والفتاة سليمة فالواجب الزواج مع القدرة؛ لما فيه من المصالح العظيمة التي منها: غض بصر الجميع، ومنها: حفظ الفرج، ومنها: تكثير نسل الأمة الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يباهي بها الأمم يوم القيامة، ومنها: مصالح أخرى في إيجاد الزواج، فلا ينبغي للبنت ولا للابن ترك ذلك، بل ينبغي الحرص عليه عند القدرة. نعم.

    1.   

    حكم من تزوج بامرأة وأنجب منها وهي لا تصلي

    السؤال: الرسالة الأخيرة في حلقة هذا المساء رسالة الأخ محمد محمود إدريس من الرياض، أخونا يقول: إنه متزوج من حرمة وله منها أربعة أولاد، وهي الآن حاملة بالخامس، لكن حرمته لا تصلي منذ أن تزوجها حتى الآن، بم تنصحونه سماحة الشيخ؟

    الجواب: هذا منكر عظيم؛ لأن الصلاة عمود الإسلام، وهي أعظم الفرائض وأهمها بعد الشهادتين، كما قال الله جل وعلا: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور:56]، وقال سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، وقال سبحانه: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، وقال جل وعلا: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] فدل ذلك على أن من لم يصل لا يخلى سبيله بل يقتل، وهكذا ليس أخاً في الدين من لم يصل، فالواجب استتابتها وتأديبها حتى تصلي، ومن تاب تاب الله عليه، فإن أبت لا يجوز بقاؤها في حباله، بل يرفع بأمرها إلى المحكمة حتى تستتيبها فإن تابت وإلا قتلت مرتدة عن الإسلام في أصح قولي العلماء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، وقال جماعة من أهل العلم: إنها تقتل حداً لا ردة، وبكل حال فالواجب استتابتها فإن تابت وإلا وجب على ولي الأمر وهو القاضي النائب عن ولي الأمر الأمر بقتلها إذا لم تتب، وعلى الزوج أن يفارقها إذا لم تتب؛ لأنها كافرة، والمسلم لا يتزوج كافرة ولا يبقي بحبال كافرة، هي كافرة في أصح قولي العلماء، وقال قوم: إنه كفر دون كفر، ولكن الصواب أنه كفر أكبر، فلا ينبغي للزوج ولا يجوز له أن يبقى في حبال امرأة لا تصلي، بل يجاهدها ويؤدبها ويقوم عليها لعلها تتوب ولعلها تصلي، فإن لم تفعل فارقها وسوف يعوضه الله خيراً منها، والواجب عليه أن يؤدبها هو وأبوها وأهلها حتى تقوم بالواجب حتى تصلي، فإن دعته الحاجة إلى رفعها إلى ولي الأمر كالمحكمة رفعت إليه إلى المحكمة حتى تستتيبها فإن تابت وإلا قتلت مرتدة كافرة عند جمع من أهل العلم، أو حداً عند آخرين من أهل العلم كما هو معلوم. ولا حول ولا قوة إلا بالله، نعم.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، الواقع سماحة الشيخ المدة طويلة جداً كونها تنجب خمسة أو أربعة، وإلى الآن لم يفكر في هذا الموضوع، يبدو لي أنه مقصر كثيراً، لكن لعله يستدرك ما فات ويتوب فجزاكم الله خيراً إذ نصحتموه؟

    الشيخ: لا شك أنه مقصر، لا شك أن سكوته عنها وعدم قيامه عليها منكر عظيم، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) وهو قادر على أن ينكر بلسانه ويده جميعاً، والله يقول جل وعلا في كتابه العظيم: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71] فإنكار المنكر أمر لازم على الرجال والنساء جميعاً، نسأل الله للجميع الهداية.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل بعد الله سبحانه وتعالى، على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير وفي صحة وعافية.

    الشيخ: وأنتم كذلك، نسأل الله التوفيق.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.