إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (95)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    ابتلاء الأطفال ومصيرهم في الآخرة

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير، هذه حلقة جديدة في برنامجكم اليومي نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، في بداية لقائنا نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز.

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====

    السؤال: شيخ عبد العزيز! أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من السليمانية بالعراق، باعثها أخونا: سمير محمد حسين.

    أخونا يقول: كثيراً ما يتحدث الناس عن الأطفال، عن أمراضهم، وعن عاهاتهم وأيضاً عن مصيرهم في الآخرة، ماذا يقول سماحة الشيخ حتى يصحح عقيدة بعض الذين يخطئون ويقولون: إن الأطفال لا ذنب لهم، فكيف يمرضون، وكيف يصابون بالعاهات، وما هو مصيرهم في الآخرة؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن الله عز وجل أخبر عن نفسه بأنه حكيم عليم، وأنه جل وعلا يبتلي عباده بالسراء والضراء، والشر والخير، يختبر صبرهم، ويختبر شكرهم، والأطفال وإن كانوا لا ذنب عليهم، فالله يبتليهم بما يشاء لحكمة بالغة، منها: اختبار صبر آبائهم وأمهاتهم وأقاربهم، واختبار شكرهم، وليعلم الناس أنه جل وعلا حكيم عليم، يتصرف في عباده كيف يشاء، وأنه لا أحد يمنعه من تنفيذ ما يشاء سبحانه وتعالى، في الصغير والكبير، والحيوان والإنسان، فما يصيبهم من أمراض وعاهات لله فيه الحكمة البالغة التي منها يعلم الناس قدرته على كل شيء، وأنه يبتلي في السراء والضراء، حتى يعرف من رزق أولاداً سالمين فضل نعمة الله عليه، وحتى يصبر من ابتلي بأولاد أصيبوا بأمراض، فيصبر ويحتسب فيكون له الأجر العظيم والفضل الكبير على صبره واحتسابه، وإيمانه بقضاء الله وقدره وحكمته، وأما مصيرهم في الآخرة فهم تبع أهليهم، فأولاد المسلمين في الجنة مع أهليهم، أجمع على هذا أهل السنة والجماعة، وحكى الإمام أحمد وغيره إجماع أهل السنة والجماعة على أن أولاد المسلمين في الجنة.

    أما أولاد الكفار فقد سئل عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: (يا رسول الله! ما ترى في أولاد المشركين؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين) قال أهل العلم: معناه أنهم يمتحنون يوم القيامة فهم من جنس أهل الفترات الذين لم تأتهم الرسل، ولم تبلغهم الرسل، وأشباههم ممن لم يصل إليه رسول، فإنهم يمتحنون ويختبرون يوم القيامة بأوامر توجه إليهم، فإن أجابوا صاروا إلى الجنة وإن عصوا صاروا إلى النار، وقد ثبت هذا في أحاديث صحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعند هذا يظهر علم الله فيهم، فيكونون على حسب ما ظهر من علم الله فيهم، إن أطاعوا صاروا إلى الجنة، وإن عصوا صاروا إلى النار، هذا هو المعتمد فيهم، وهذا هو القول الصواب فيهم.

    وقال جماعة من أهل العلم: إنهم يكونون في الجنة؛ لأنهم لا ذنب عليهم، فيكونون في الجنة كأولاد المسلمين، ولكنه قول مرجوح، والصواب أنهم يمتحنون ويختبرون يوم القيامة؛ لأن الله سبحانه قال: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، فهو لا يعذب إلا بمعصية من المعذب، أو كفر من المعذب، والأطفال ليس منهم معصية ولا كفر، فلهذا يمتحنون يوم القيامة كما يمتحن الذين لم تبلغهم دعوة الرسل، فيمتحنون يوم القيامة بما يظهر أمر الله فيهم من طاعة أو معصية، والله ولي التوفيق.

    1.   

    حكم الأناشيد المصحوبة بالموسيقى للأطفال

    السؤال: الرسالة التالية باعثها أخونا عبد الله العنيزان من الجبيل، أخونا له عدد من الأسئلة من بينها سؤال يقول: ابنتي تذهب إلى الروضة، رياض الأطفال، ولكن من بين الأشياء التي يؤدونها بالروضة: أن المدرسة تفتح لهم المسجل، وتسمعهم الأناشيد غير المبتذلة، مثلاً عن الأم والوطن وما شابه ذلك، ولكن تلك الأناشيد تكون مصحوبة بالموسيقى، فهل يجوز لي أن أدع ابنتي تذهب، وهل يكون علي ذنب إذا استمعت لمثل ذلك؟

    الجواب: هذا غلط من المدرسة، أما سماع الطفلة للأناشيد السليمة فلا حرج في ذلك، وهكذا الطفل، وهكذا غيرهما، الأناشيد التي ليس فيها محرم، إنما هي للتشجيع على الأخلاق الفاضلة، أو ما يتعلق بواجب الوطن عليهم، وواجب دولتهم ونحو ذلك.

    أما إصحابها بالموسيقى فهذا غلط ولا يجوز، والواجب على القائم على الروضات منع ذلك، حتى لا يبقى هناك مانع من مجيء الأطفال إليهم، فعليك أنت وإخوانك أن تتصلوا بالمسئولين عن هذه الروضات حتى يمنعوا هذا الشيء؛ لأن هذا لا حاجة إليه، ويربي الأطفال الصغار على حب الموسيقى والتلذذ بها واستماعها بعد ذلك، فالطفل على ما ربي عليه، فعليكم أن تتصلوا بالمسئولين في هذا عن المدارس حتى يمنعوا ذلك، وحتى تسلم هذه الروضات مما يخالف شرع الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    حكم الدخول مع من يصلي العصر بنية الظهر

    السؤال: الرسالة التالية وصلت إلى البرنامج من الأخ: يعقوب عبد الله أحمد يقول: معلم سوداني مقيم في اليمن، أخونا له أيضاً عدد من الأسئلة، ومن بين أسئلته سؤال يقول فيه: اختلفت مع زميل لي في كيفية صلاة الجماعة لشخصين مثلاً، وفي وقت صلاة العصر إذا علمنا أن أحدهم قد نسي ولم يصل الظهر، ولكنه استدرك في وقت العصر، والسؤال: هل يدخل في صلاة الجماعة مع زميله لصلاة العصر على أن ينوي هو بصلاة الظهر، ثم بعد الفراغ منها يصلي العصر أم لا؟

    ثانياً: أيهما يؤم الثاني إذا هم للجماعة، وكل منهما ينوي صلاة معينة، كأن نوى الأول لصلاة الظهر، والثاني لصلاة العصر، علماً أن كلاً منهما مستوفياً لشروط الإمامة؟

    الجواب: نعم، إذا كان هكذا فلا مانع من أن يصليا جماعة، وأيهما أم صاحبه فلا بأس، فإن أم من يريد العصر صلى خلفه من عليه الظهر بنية الظهر، فإذا فرغ صلى العصر بعد ذلك حسب الترتيب الشرعي، وإن أم من عليه الظهر لكونه أقرأ أو أسن أو نحو ذلك صلى خلفه من عليه العصر في وقت العصر صلاها بنية العصر، هكذا يجب.

    1.   

    ما يفعل المأمومون إذا أتى الإمام بزيادة في الصلاة

    السؤال: سؤاله الثاني: إذا قام الإمام بعد إتمام الصلاة وقبل السلام، وهم بأن يأتي بركعة زيادة عن الصلاة، واستدرك المأمومون بذلك وأرادوا التنبيه عن سهوه، بقول: سبحان الله، ولكنه مع ذلك أصر على الوقوف للزيادة، فما حكم ذلك، وماذا يعمل المأمومون بعده أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: الواجب على المأمومين التنبيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال، ولتصفق النساء)، والواجب على الإمام إذا نبهوه أن يرجع، إلا إذا كان يعتقد أنه مصيب وأنهم مخطئون، فإنه يعمل بصواب نفسه باعتقاده ويستمر حتى يكمل الصلاة باعتقاده، والذين نبهوه إن كانوا متيقنين أنه غلطان وأنه مخطئ لا يقومون معه، يجلسون، يقرءون التحيات ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعون، وينتظرونه حتى يسلموا معه؛ لأنه معذور وهم معذورون باعتقادهم أنه مخطئ، وهو معذور باعتقاده أنه مصيب وأنهم مخطئون، فكل منهما معذور في اجتهاده وتيقنه بزعمه صواب نفسه، فإذا سلم سلموا معه.

    أما إن كان ما عنده يقين، فالواجب عليه أن يرجع إذا كان من نبهه اثنين فأكثر، عليه أن يرجع إذا كان ليس عنده يقين وإنما ظن، فإنه يرجع كما رجع النبي صلى الله عليه وسلم لقول ذي اليدين لما نبهه وسأل الناس وصوبوا ذا اليدين رجع النبي صلى الله عليه وسلم وأتم صلاته، ولم يعمل بقول ذي اليدين ؛ لأنه واحد، فالواحد لا يلزم الرجوع إليه إلا إذا اعتقد الإمام أنه مصيب رجع، أما إذا كان المنبه اثنين فإنه يرجع لقولهما، ويبني على قولهما ويدع ظنه، هكذا الواجب.

    وأما المأمومون فإنهم لا يتابعونه في الخطأ، لا في الزيادة ولا في النقص، إن كان فيه زيادة فيجلسون، حتى يسلم ويسلموا معه، وإن كان فيه نقص ولم يمتثل وجلس في الثالثة من الظهر مثلاً أو العشاء أو العصر، أو جلس في الثانية من الفجر أو الجمعة ولم يطعهم فإنهم يقومون يكملون صلاتهم ويتمونها ويخالفونه؛ لأنه أخطأ باعتقادهم.

    1.   

    حكم قنوت الإمام في الفجر إذا أصر المصلون على ذلك

    السؤال: سؤاله الثالث: أصلي بجماعة وهم يصرون على قراءة دعاء القنوت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح، إلا أن يقيني في هذا الدعاء وحسب علمي من بعض المصادر الصحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأه في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح عند الابتلاءات فقط، فهل أعمل برأيهم وأخالف السنة، أم أعمل برأيي فأصيب السنة، أم أتنازل عن الإمامة تفادياً للخلاف، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: عليك أن تعمل بالسنة وأن تنبههم على هذا، وترشدهم إلى ذلك بالأسلوب الحسن، فإن القنوت دائماً في الفجر ليس من المشروع، بل هو محدث، ثبت في مسند أحمد رحمه الله وسنن الترمذي و النسائي وابن ماجه عن سعد بن طارق بن أشيم الأشجعي ، عن أبيه أن سعداً قال: (يا أبت! إنك صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف أبي بكر و عمر وعثمان وعلي -رضي الله عن الجميع- أفكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أي بني محدث) فبين طارق أن هذا محدث.

    وثبت من حديث أنس ومن حديث غير أنس كـأبي هريرة وجماعة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت في النوازل في الصبح وغيرها، فإذا وقع ابتلاء من عدو وقع بالمسلمين أو نزل بالمسلمين، أو سرية قتلت المسلمين، أو ما أشبه ذلك، يدعو الأئمة في المساجد في الركعة الأخيرة من الفجر، بعد الركوع بقدر النازلة أياماً أو شهراً أو نحو ذلك، ثم يمسكون، ولا يستمرون، هذا السنة عند الحاجة والنازلة يدعى ويقنت، لكن من غير استمرار، أما الاستمرار دائماً دائماً فهذا خلاف السنة، فعليك أن تقنعهم وأن توجههم إلى الخير، فإذا لم يقنعوا ولم يحصل التئام بينك وبينهم، فلا مانع من الانتقال عنهم إلى مسجد آخر وعدم مخالفة السنة.

    1.   

    حكم من أكل أو شرب سهواً في نهار رمضان وفي صيام القضاء

    السؤال: بارك الله فيكم! سؤال يقول: ما حكم من أفطر سهواً في نهار رمضان وأكمل باقي يومه صائماً، وما حكم من أفطر سهواً في صيام القضاء، ولكنه أكمل باقي يومه صائماً أيضاً؟

    الجواب: إذا أكل الصائم أو شرب ناسياً في رمضان أو في قضاء رمضان أو في النذر أو في الكفارات، فصومه صحيح، يكمله ولا شيء عليه؛ لأنه ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه).

    هكذا جاء في الصحيحين، وهذا من أصح الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي اللفظ الآخر خارج الصحيحين عند الحاكم وغيره: (من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة)، هذا هو المعتمد.

    1.   

    حكم التتابع في قضاء من أفطر أياماً من رمضان

    السؤال: سؤال يقول: هل يجوز قضاء أيام من رمضان يوماً بعد يوم؟

    الجواب: نعم يجوز، المتابعة أفضل إذا تيسر ذلك، فإن فرق بين أيام القضاء فلا بأس؛ لأن الله جل وعلا قال: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185]، ولم يقل: متتابعة قال: فَعِدَّةٌ [البقرة:185]، وهذا يشمل المتتابعة والمفرقة، فالأمر في هذا واسع والحمد لله.

    1.   

    حكم السفر للحج بنية العمل

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من الأخ: أحمد صالح إدريس سوداني يعمل في المملكة، يقول: نويت العمل في المملكة، لكن الخروج من السودان لا يتم إلا عن طريق الحج، فحضرت وحجيت وبقيت أطلب العمل حتى الآن، ما حكم الحج والحالة هذه؟

    الجواب: لا بأس والحمد لله، نويت الحج ولو كان لك نية أخرى، فإذا خرج الإنسان من بلده إلى الحج ولقصد آخر؛ للتجارة، أو للعمل، أو لزيارة الأقارب، فالأمر في هذا واسع والحمد لله، حجك صحيح، ونسأل الله أن يسهل لك العمل النافع المفيد المباح.

    المقدم: لكن هذا يصوره أخونا في صورة احتيال سماحة الشيخ؟

    الشيخ: جعله طريقاً للعمل لا بأس، كأن يجعله طريقاً للتجارة، هو ملزوم يريد التجارة، ولكن لا طريق إلا الحج، فالحج يؤدي المناسك وليتجر، صرح العلماء بهذا، وأنه لا حرج المكاري، والتاجر وغيرهم.

    1.   

    حكم قول: (من ليس له شيخ شيخه الشيطان)

    السؤال: أخونا يقول: شائع لديهم أن الذي ليس له شيخ شيخه شيطان، وهكذا يستمر في التفصيل ويطيل في هذا الموضوع، بم توجهونهم سماحة الشيخ لو تكرمت؟

    الجواب: هذا غلط عامي وجهل، فإن الإنسان إذا تعلم وتبصر في دينه، في سماع الحلقات العلمية، أو بتدبر القرآن واستفاد من ذلك، أو بقراءة السنة، واستفاد من ذلك، ما يقال: شيخه الشيطان، يقال: قد اجتهد وقد فعل ما ينبغي، لكن ينبغي له أن يجتهد في الاتصال بالعلماء وسؤالهم، العلماء المعروفين بالعقيدة الطيبة؛ لأنه إذا كان ما يسأل أهل العلم قد يغلط كثيراً لاعتماده على فهمه، وإذا حضر حلقات العلم وحضر المواعظ فله شيوخ كثيرون، فإن صاحب الحلقة العلمية أو خطبة الجمعة شيخ للسامعين، فهذا لا يقال: إنه ليس بشيخ لهم، فالذي يحضر حلقات العلم ويسمع خطب الجمع، وخطب الأعياد، والمحاضرات التي تعرض في المساجد وفي غيرها، هؤلاء كلهم شيوخ له يستفيد منهم، وإذا اختص بأحد من علماء السنة ليسأله عما أشكل عليه كان هذا من الكمال والتمام، ولا يقال: من ليس له شيخ شيخه الشيطان، كل هذا ما له أصل.

    فإن طالب العلم لابد يكون له شيوخ يسألهم ويستفيد منهم، والإنسان ما يتعلم بنفسه فقط، لابد يحتاج إلى سماع علماء في حلقاتهم، وفي خطبهم وفي غير ذلك.

    1.   

    حكم اشتراط المؤجر دفع الزكاة له من المستأجر

    السؤال: أخذت من شخص قطعة أرض لكي أزرعها، واشترط علي أن أعطيه الزكاة، سواء كان فقيراً أم غنياً، فقد أعطيته، فهل أديت الواجب علي وهذه الحالة أم لا؟

    الجواب: هذا العقد باطل، لا يجوز أن تشترط أنك تعطيه الزكاة، هذا لا يجوز، تتفق معه على الأجرة التي ترضاها ويرضاها ويكفي، أما شرط الزكاة فلا، ولو كان فقيراً ما يصير شرط الزكاة له؛ لأن الفقراء كثيرون، وهذه إجارة، معاملة ما تكون بالزكاة تقوم بأجور أخرى، وإذا كان فقيراً فلك أن تعطيه من الزكاة إذا أردت ذلك من دون شرط ولا يلزم، بل لك أن تعطي غيره من الفقراء، المقصود: لا يجوز شرطها في الأجرة أبداً لا قليلاً ولا كثيراً، بل يجب أن تكون الأجرة من غير الزكاة متفقاً عليها بينكما، أما كونك تعطيه من الزكاة أم لا فهذا شيء آخر، لك أن تعطيه إذا كان من أهلها، ولك أن تحرمه وتعطي غيره، ليس عليك جناح في هذا، ولا يجوز أن تربط بالإجارة من كل الوجوه.

    1.   

    موقف الإسلام من الاحتكار ومن كسب المحتكرين

    السؤال: الرسالة التالية باعثها أخونا: محمد أحمد تركي سوداني مقيم في المدينة المنورة يقول: لقد وجد بعض الناس عندنا وهم يحتكرون السلع الاستهلاكية وقت الوفرة خاصة الحبوب، ثم القيام بتخزينها حتى تتصاعد أسعارها وتصبح جنونية -كما يقول- فيبيعونها وهم في أماكنهم بما يشتهون، فبماذا ينصح الإسلام أمثال هؤلاء، وما هو موقف الشرع من كسبهم هذا؟

    الجواب: المحتكر: هو الذي يشتري السلع وقت مضايقة الناس، وقد جاء في الحديث لعن ذلك والوعيد فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحتكر إلا خاطئ)، وقال: (من احتكر فهو خاطئ) يعني: فهو آثم.

    قال العلماء: هم الذين يشترون السلع يعني: الطعام ونحوه مما يحتاجه الناس في وقت الشدة، ويخزنه إذا اشتد الغلاء حتى يبيعه بأكثر، هذا ما يجوز ومنكر وصاحبه آثم، ويجب على ولي الأمر إذا كان في البلاد ولي أمر ينفذ أمور الشرع، يجب عليه أن يمنعه من ذلك، وأن يلزمه بيع الطعام بسعر المثل بسعر الوقت الحاضر الذي في الأسواق، ولا يمكنه من خزانته، هذا إذا كان في وقت الشدة.

    أما الذي يشتري الطعام أو غير الطعام مما يحتاجه الناس في وقت الرخاء وكثرته في الأسواق، وعدم الضرر على أحد، ثم إذا تحركت السلع باعه مع الناس من دون أن يؤخره إلى شدة الضرورة، بل متى تحركت وجاءت الفائدة باعه فلا حرج عليه، وهذا عمل التجار في قديم الزمان وحديثه.

    1.   

    حكم مصافحة المرأة الأجنبية

    السؤال: هنا رسالة باعثها مجموعة من الإخوان من السودان أيضاً من بينهم الأخ: محمد عبد القادر محمد ، ومحمد سر الختم إسماعيل من السودان، الإخوة يشتركون في سؤال واحد يقول: هناك من يقول بحرمة مصافحة المرأة الأجنبية، فهل هذا الكلام صحيح، ونرجو الدليل؟

    الجواب: مصافحة النساء الأجنبيات لا تجوز، ولا شك في ذلك، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني لا أصافح النساء)، لما بايع النساء ومدت بعض النساء يدها قال: (إني لا أصافح النساء)، فدل ذلك على أنه لا يجوز، والمسلمون يتأسون به صلى الله عليه وسلم في ذلك، وقالت عائشة رضي الله عنها فيما ثبت في الصحيح، لما ذكرت البيعة للنساء، قالت: (ما مست يده يد امرأة قط، ما كان يبايعهن عليه الصلاة والسلام إلا بالكلام) هذه سنته عليه الصلاة والسلام عدم مصافحة النساء، لا في البيعة ولا في غيرها، والله سبحانه يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، ويقول صلى الله عليه وسلم: (من رغب عن سنتي فليس مني) ولأن مصافحتهن فتنة ووسيلة إلى شر، حتى قال بعض أهل العلم: إنها شر من النظر، لأن مس يدها فتنة، وقد تكون شابة، وقد تكون يدها ناعمة.

    فالحاصل: أن مس اليد فتنة، فهو من جنس النظر أو أشد من النظر وهو محرم، فيكفي المؤمن ما ثبت في السنة ولا يجوز له مخالفتها ولاسيما في مثل هذه المقامات الخطيرة، رزق الله الجميع التوفيق والهداية.

    المقدم: الذين يصورون هذا سماحة الشيخ في صورة احتقار للمرأة ماذا يقال لهم؟

    الشيخ: هذا ليس باحتقار، ولكنه إكرام لها وصيانة لها، وصيانة للمؤمن عن أن يقع فيما حرم الله، فيقول لها: يا أختي أو يا فلانة، ليس المقصود احتقارك، وإنما المقصود طاعة الله ورسوله، والبعد عن أسباب الفتن، فليس لها أن تصافح أخا زوجها، ولا زوج أختها، ولا ابن عمها، ولا جارها في البيت .. ولا غيرهم، ولكن تسلم عليهم بالكلام، وعليكم السلام، السلام عليك يا فلان، كيف حالك؟ مع الحجاب والتستر وعدم كشف الوجه أو غيره، تكون متسترة ومحتجبة، وتسلم بالكلام الطيب رداً وبدءاً، كيف حالك كيف أولادك؟ إلى غير هذا.. كما قال الله عز وجل في كتابه العظيم في سورة الأحزاب: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53].

    بين سبحانه أن التحجب والبعد عن الفتنة هي الطهارة لقلوب الجميع، قال عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59]، وقال سبحانه: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ [النور:31] الآية، واليد من الزينة.

    1.   

    بيان ما يقطع صلاة المرء إذا مر أمامه

    السؤال: أخونا يسأل سؤالاً آخر ويقول: سمعت من أحد العلماء أن هناك ثلاثة أشياء تبطل الصلاة، وهي: مرور الكلب الأسود أمام المصلي، ومرور المرأة الحائض وأيضاً الحمار، فهل هذا الكلام صحيح مع الدليل إذا كان صحيحاً؟

    الجواب: نعم صحيح، رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يجزئ أحدكم في الصلاة أن يكون بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإذا مر بينه وبينها المرأة والحمار والكلب الأسود قطعت صلاته)، وفي اللفظ الآخر: (يقطع صلاة المرء المسلم المرأة والحمار والكلب الأسود)، خرجه مسلم في الصحيح، وخرجه أيضاً من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وليس فيه ذكر الأسود، ولكن قاعدة الشرع: أن الحديث المطلق يقيد بالمقيد، فلهذا قال له أبو ذر (يا رسول الله! ما بال الأسود من الأحمر والأصفر؟ قال: الكلب الأسود شيطان)، بين صلى الله عليه وسلم أن الأسود هو شيطان وهو جنس الكلاب، فيقطع الصلاة دون بقية الكلاب، والحمار كذلك مطلقاً، وأما المرأة فجاء في حديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي بإسناد جيد تقييدها بالحائض، فيكون رواية ابن عباس مقيدة لرواية أبي ذر وأبي هريرة، وأنها المرأة البالغة التي قد بلغت المحيض، مثل ما في الحديث الآخر، يقول صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة المرأة الحائض إلا بخمار).

    فالحائض لها شأن وهي التي قد بلغت الحلم، وصارت المحل الشهوة للرجال، والصغيرة لا تقطع الصلاة، وإنما تقطعها المرأة التامة البالغة التي قد بلغت المحيض، هذه الثلاث تقطع الصلاة، وقد أشكل هذا على عائشة رضي الله عنها، وقالت: بئس ما شبهتم بنا بالحمير والكلاب؟ لقد كنت أعترض بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم على السرير وهو يصلي. وهذا الذي قالته رضي الله عنها حسب اجتهادها، مع كونها من أفقه النساء، ولكن يخفى عليها أشياء، وهذا مما خفي عليها، فإن كونها على السرير وكونها مضطجعة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمرور، إنما المرور هو الذي يقطع، أما كونها مضطجعة أو جالسة أمام المصلي، فهذا ليس بمرور ولا يقطع الصلاة، وإنما الذي يقطعه المرور، فـعائشة رضي الله عنها خفي عليها هذا الأمر، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم مقدم عليها وعلى غيرها، فهو المشرع والمعلم عليه الصلاة والسلام.

    فالواجب طاعة أمره واتباع شريعته، وإفهام النساء وغير النساء مراده عليه الصلاة والسلام.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، شيخ عبد العزيز ! لا أدري هل هناك فرق بين المرأة إذا مرت أمام محرمها أو إذا مرت المرأة أمام رجل يصلي وهو من غير محارمها؟

    الجواب: لا فرق في ذلك، إذا مرت المرأة بين يدي المصلي، سواء كان المصلي محرماً لها أو أجنبياً أو امرأة أيضاً، حتى ولو كانت امرأة، إذا مر الحمار والكلب والمرأة بين يدي المصلي رجلاً أو امرأة، قريباً أو بعيداً، زوجاً أو غير زوج، كلهم، الحديث يعم الجميع.

    المقدم: هل بينت الحكمة كما بينت في الكلب شيخ عبد العزيز؟

    الجواب: ما أذكر شيئاً في هذا.

    المقدم : لعله يبحث هذا الموضوع سماحة الشيخ ولاسيما أن الكثيرين يثيرون حوله أكثر من سؤال؟

    الشيخ: القاعدة التي عليها أهل العلم تلقي ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بقلب منشرح وصدر رحب، سواء علمنا الحكمة أو لم نعلم الحكمة، لأننا نقطع ونجزم أن ربنا حكيم عليم، وأنه لا يأمر إلا لحكمة، ولا ينهى إلا عن حكمة، فقد تظهر لطالب العلم وقد تخفى، وقد يخفى بعضها ويظهر بعضها، فمن ظهرت له الحكمة هذا نور على نور وفضل من الله، وإن لم تظهر الحكمة فليس له أن يعترض، عليه أن يتبع، وأن يلتزم بأمر الله، ولا يقول في الحكمة، فهذه الصلاة الآن الظهر أربع والعشاء أربع والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والفجر ركعتان، فقد يتنازع الناس: ما هي الحكمة في هذا؟! وربك هو الحكيم العليم سبحانه وتعالى، وإذا قال أحد: إن الظهر أو العصر أو العشاء وقت مناسب للطول، فقد يقول آخر: الفجر أنشط وأقوى في حق من نام مبكراً، فهو أنشط على أن يصلي الفجر أربعاً، وأنشط أن يصلي صاحب المغرب ثلاثاً إذا كان مستريحاً العصر أو مستريحاً الظهر والعصر.

    فالحاصل: أن هذا لا ينبغي أن يعتبر به، بل علينا التسليم والانقياد، وطاعة الله ورسوله في ذلك.

    وهكذا في الصيام، قد يقول القائل: ما الحكمة في جعل رمضان ثلاثين، صيام رمضان في الشتاء والصيف، في الشتاء برد وفيه مشقة، في القيام فيه مشقة، لو جعل القيام ليلة خمسة عشر وفي الشتاء ثلاثين، كل هذه تخرصات ليس للعبد أن يقولها، بل عليه أن يرضى ويسلم ويقبل شرع الله، وهكذا في الحج، وقد يقع في وقت الشتاء، وقد يقع في وقت الصيف، وفيه مشاق، ومع هذا الله سبحانه وتعالى نظمه في وقت معين، فعلينا أن نتبع ونسلم لأمر الله، ونخضع لحكمه سبحانه، وإذا بين لنا شيئاً من الحكم فهذا فضل منه سبحانه.

    المقدم: بارك الله فيكم، وجزاكم الله خير الجزاء، عسى أن تتاح لنا فرصة أخرى سماحة الشيخ لتتفضلوا بمزيد من الإيضاح حول هذا الموضوع.

    الشيخ: إن شاء الله.

    المقدم: في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين وفتواهم في قضاياهم، وآمل أن نلتقي وأنتم على خير وعافية إن شاء الله.

    مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وسجلها لكم زميلنا: سليمان اللحيدان ، شكراً لكم جميعاً، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.