إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (46)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم صلاة العصر نسياناً قبل صلاة الظهر

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

    أيها السادة المستمعون! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم في هذا اللقاء الذي نعرض فيه ما وردنا منكم من أسئلة واستفسارات على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    سماحة الشيخ! لدينا مجموعة كبيرة من أسئلة المستمعين لبرنامج نور على الدرب، ونختار منهم حسب الورود إلى الإذاعة: محمد عرفان البردي من جمهورية مصر العربية، وغزاي محمد الشلوي من الرياض، والسائل (م. ق. س) من حائل، وسعيد صالح الزهراني من مدينة أبها، والمستمع زبين زبن الشهري من بلاد بني شهر، ورسالة المستمع (س. م. ت) من الرياض. ونبدأ أولاً برسالة محمد عرفان البردي :

    ====

    السؤال: يقول: نمت قبل الظهر، فلما استيقظت وجدت أناساً في المسجد يصلون الظهر، وفكرت أنهم يصلون العصر، فدخلت معهم بنية العصر، فهل أصلي بعد انقضاء الصلاة ظهراً أم لا؟ ومتى أصليها وفقكم الله؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فهذا السائل في جوابه تفصيل: إن كان حين صلى معهم العصر ظن أنه قد صلى الظهر، وهو في اعتقاده أنه قد صلى الظهر، وظنهم يصلون العصر لأنه في اعتقاده قد صلى الظهر؛ أجزأته صلاة العصر، وعليه أن يصلي الظهر بعد ذلك؛ لأنه صلى العصر ظاناً أنه قد صلى الظهر، فتكون صلاته صحيحة.

    أما إذا كان تعمد صلاة العصر، وهو يعلم أن عليه الظهر، فإنها لا تجزؤه، فعليه أن يعيد العصر بعدما يصلي الظهر، يصلي الظهر أولاً، ثم يصلي العصر؛ لأن الله رتب هذه بعد هذه، فالواجب أن تؤدى كما فرضها الله، فيصلي الظهر أولاً ثم يصلي العصر؛ لكن إذا صلى العصر ناسياً يحسب أنه ليس عليه ظهر، ثم بان أن عليه الظهر بعدما صلى العصر أجزأته.

    1.   

    مدة القصر للمسافر ومسافته

    السؤال: هذه رسالة من غزاي محمد الشلوي من الرياض يقول: متى يقصر المسلم صلاته؟ وما المدة التي يجوز فيها القصر؟

    الجواب: إذا سافر المؤمن سفر قصر، يعني: سفراً يعتبر سفر قصر؛ شرع له القصر؛ لأن الله جل وعلا قال: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء:101]، (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر قصر)، يعني: صلى ثنتين الظهر والعصر والعشاء، هذه محل القصر، أما الفجر فلا قصر فيها، والمغرب لا قصر فيها، إنما القصر في الظهر والعصر والعشاء في الرباعية، فإذا سافر ما يعد سفراً من سبعين كيلو.. ثمانين كيلو.. أكثر من ذلك، وهما في العهد الأول مرحلتان للإبل، يعني: يومين قاصدين، فلما ذهبت الإبل صارت السيارات الآن سبعين كيلو.. ثمانين كيلو أو ما يقاربها مرحلة تعد سفراً، هذا هو الأحوط للمؤمن، إذا كان في هذه المسافة قصر، وإذا كان في أقل منها كالخمسين والأربعين فالأحوط ألا يقصر؛ لأنها تشبه الضواحي للبلد، وتقرب من البلد بالنسبة إلى سرعة السيارات، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن السفر كل ما يعد سفراً، فإذا احتاج إلى زاد ومزاد، هذا يعد سفراً وإن لم يبلغ سبعين كيلو ولم يبلغ يوماً وليلة، إذا كان يحتاج إلى زاد وإلى مزاد -إلى ماء يعني- ما يعد سفراً، ما يعد سفراً هو الذي يقصر فيه، وهو الذي يحتاج إلى الزاد يعني الطعام، والمزاد يعني: الماء- كخمسين كيلو وأربعين كيلو ونحو ذلك، في المطية والمشي على الأقدام.

    أما السيارة فإن حالها غير حال الأقدام، وغير حال المطية كما هو معلوم بسبب السرعة، فلهذا إذا احتيط في هذا وصار السفر ما يعد سبعين كيلو تقريباً أو ثمانين كيلو يكون هذا أقرب وأحوط، وهو موافق لما قرره العلماء سابقاً من اليومين القاصدين، فإذا ذهب إلى نحو هذه المسافة قصر، صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين والعشاء ركعتين، وإن كانت أقل من ذلك فإنها تشبه ضواحي البلاد، فالأحوط له أن يتم أربعاً.

    المقدم: أيضاً يقول: ما المدة التي يجوز فيها القصر؟ وأعتقد أنه يقصد المدة التي يقيم فيها الإنسان في سفره؟

    الشيخ: المدة التي يقيم فيها الإنسان في سفره، تنقسم إلى قسمين:

    قسم مدة يحددها، ومدة لا يحددها، فأما المدة التي لا يحددها بأن يكون له حاجة في البلد، لا يدري متى تنقضي مثل طلبه لإنسان، يلتمس إنساناً لعله يجده، مثل حق له على إنسان يطلبه منه، مثل خصومة يريد إنجازها وما أشبه ذلك، ليس لها مدة معلومة، بل مهمته أن ينهي هذه الحاجة، ولو في يوم واحد أو يومين، هذا يقصر مدة إقامته؛ لأنه ليس له أمد محدود، فهذا لا يزال يقصر حتى ينتهي، أما الحال الثاني فهي حالة الإنسان الذي قد عزم على أيام معلومة قد حددها، كونه يقيم عشرة أيام، عشرين يوماً، أربعة أيام، خمسة أيام، فهذه اختلف فيها أهل العلم:

    منهم من قال: تحدد بثلاثة أيام، ومنهم من حددها بأربعة أيام، ومنهم من حددها بخمسة عشر يوماً، وقيل: بعشرين يوماً، والأحوط في هذا أربعة أيام، إذا نوى أكثر من أربعة أيام أتم، والحجة في هذا إقامة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فإنه أقام أربعة أيام؛ لأنه صبح مكة اليوم الرابع صباحاً، وأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، ثم توجه إلى منى وعرفات في اليوم الثامن، قال العلماء: هذه أربعة أيام قد عزم على إقامتها، فيقصر فيها الصلاة كما قصر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا نوى أكثر من ذلك أتم؛ لأن الأصل هو الإتمام، الأصل أن الواجب إتمام الصلاة، شرع القصر في السفر، فهذه إقامة ليست سفراً، إقامة فيتم فيها، بخلاف الأربعة أيام فأقل فإنها في حكم السفر، كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ولعل هذا أحوط إن شاء الله وأقرب.

    1.   

    حكم الزواج من ابنة زوجة الأب من رجل آخر

    السؤال: هذه رسالة يقول مرسلها من حائل (م. ق. س): تزوج أبي امرأة ثم فارقها، وأخذها شخص آخر فأنجبت منه بنتاً، فهل تصلح لي أن أتزوجها؟ وفقكم الله.

    الجواب: نعم، بنت زوجة أبيه لا حرج فيها، إذا كان ما في رضاع يحرمها، إذا كان زوجة أبيه ليس بينه وبينها رضاع، ومجرد كونها زوجة أبيه لا يحرم بنتها عليه، لو كان معها بنت من قديم -قبل أبيه- من زوج سابق وتزوجها هو وأبوه، تزوج الأم لا بأس، وهكذا البنت الجديدة من زوج جديد له أن يتزوجها.

    1.   

    حكم ضالة الغنم

    السؤال: هذه رسالة من سعيد صالح الزهراني من أبها، يقول: عندي واحد من جماعتي ضاعت له غنم، وقصدنا بلداً بعيداً، فقال: إن وجدتم غنمي فهاتوا بها معكم، فوجدنا رجلاً تهامياً عنده ثلاث غنم ضائعة، وعليها وسم صاحبي، فطلبتها منه، فقال: أنا خسرت عليها رعاية وشعيراً، فأعطيته مائة ريـال، فلما جبتها لصاحبي قال: ما هي غنمي، والآن لا أستطيع وجود التهامي ولا صاحبها، فكيف أعمل بها؟ وفقكم الله.

    الجواب: الذي يجب في مثل هذا أنه ينادي عليها.. يعرفها سنة كاملة؛ لأنها في حكم اللقطة؛ لأن صاحبها أخبر أنها لقطة، فيعرفها هو، وينادي عليها في مجامع الناس: من له غنم؟ من له غنم؟ ويعرف صفاتها ويحفظها، وإذا خاف عليها من النفقة يبيعها، ويحفظ الصفات والثمن، وينادي سنة كاملة، فإن وجد أهلها وإلا فهي له، الثمن له، وإن تصدق بذلك إذا لم يجد أهلها، فهذا لا بأس به.

    المقصود أن حكمها حكم اللقطة يعرفها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها)، رواه مسلم وهذه ضالة، فهذا عليه التعريف، والتعريف أن ينادي عليها في مجامع الناس في الشهر مرتين.. ثلاثاً.. أربعاً، يقول: من له الغنم الضائعة؟ فإذا جاءه من يعرف صفاتها وأماراتها الخفية دفعها إليه، أو جاءه يقيم البينة عليها دفعها إليه، فإن مضت سنة ولم تعرف فهي له، سبيلها سبيل ماله، كما جاء في الحديث، وإن تصدق بها ولم تطب نفسه بقبولها فلا بأس.

    المقدم: طيب، لو تصدق بها وبعد سنتين جاء صاحبها؟

    الشيخ: يخير صاحبها، إن شاء صارت الصدقة له، وإن شاء دفع له القيمة التي تساويها، وإن قبل الصدقة فالحمد لله.

    المقدم: وتكون الصدقة للأول لو أخذ ..

    الشيخ: الأجر، نعم؛ لأن النبي عليه السلام قال في بعض الأحاديث: (متى جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه).

    المقدم: طيب لو مثلاً مكثت عنده ولم يبعها وأنجبت مثلاً غنم أخرى؟

    الشيخ: كلها له، بعد مدة بعد السنة إذا أنجبت بعد السنة فهو له، وليس لصاحبها إلا الأصول؛ لأنها صارت ملكاً له بعد تعريفه.

    1.   

    حكم مراجعة الزوجة بعد طلاقها ثلاثاً حال الغضب

    السؤال: هذا رجل من بلاد بني شهر يقول: رجل طلق زوجته بالثلاث قائلاً: أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق، طلقات ما لي بعدهن رجعة، وكان زعلان على زوجته لمخالفتها أمره، ثم بعد مدة شهور راجعها وجابت منه أولاداً، أفتوني جعل الله مثواكم الجنة؟

    الجواب: إذا كان الرجل حين طلقها هذا الطلاق بقوله: طالق، ثم طالق، ثم طالق طلقات ما فيها رجعة قد اشتد به الغضب، وانغلق عليه الأمر، وصار أقرب إلى عدم الشعور، فطلاقه غير واقع في أصح قولي العلماء، وإعادته لزوجته لا بأس بها، ولكن كان الواجب عليه أن يستفتي قبل أن يعيدها؛ لأن الطلاق خطير، وليس كل أحد يقدر الغضب الشديد ويعرفه.

    فالواجب عليه أن يستفتي حتى يحتاط لدينه، فإذا كان غضبه قد اشتد به، وغلب عليه شدة الغضب حتى ما تمكن من إمساك نفسه عن الطلاق، بل اضطر إلى الطلاق بسبب شدة الغضب؛ لأنها سبته، أو تسابا جميعاً أو تضاربا، أو سمع منها كلاماً أوجب شدة الغضب، فهذا لا يقع معه الطلاق، لما جاء في الحديث المشهور عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه السلام، قال: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)، أخرجه أحمد رحمه الله وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم.

    والإغلاق فسره العلماء بأنه الإكراه، والغضب الشديد، ولأدلة أخرى تدل على أن شدة الغضب لا يقع معها الطلاق، وصاحبها أقرب إلى زائل العقل كالمعتوه والمجنون ونحو ذلك.

    أما إن كان غضبه عادياً ليس بشديد، بل هو غضب عادي، فالطلاق يقع، فطالق ثم طالق ثم طالق، أو طالق وطالق وطالق، أو أنت طالق، أنت طالق أنت طالق بالثلاث تقع، وليس له رجعة عليها إلا بعد زوج، إذا طلقها في حال الرضا أو في حال الغضب الخفيف، فالطلاق واقع، وليس له الرجوع إليها إلا بعد زوج؛ لأنه طلقها ثلاثاً بكلمات متعددة؛ فوقعت، لقول الله سبحانه: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]، ولقوله: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، فهذه طلقات مكررة فوقعت.

    المقدم: لكن إذا كان هذا الزعل ليس إغلاقاً كما ذكرتم، ما حكم رجعتها هذه، وإنجاب الأولاد بعد؟

    الشيخ: هذا على كل حال يعتبر غلطاً أعظم منه؛ لأنه تساهل، ولكن الذي يظهر أن أولاده يلحقونه؛ لأن الشبهة أعادها بسبب شدة الغضب، فيلحقه الأولاد، ولكن قد أساء وأخطأ حيث أفتى نفسه ولم يستفت أهل العلم، كان الواجب عليه يراجع القضاة الذين حوله ويستفتي، حتى يفتوه ويدلوه.

    1.   

    حكم قضاء الصلاة لمن فاتته بسبب الإغماء

    السؤال: هذا يقول: أنا رجل مريض بداء السكري، وآخذ عنه علاجاً، وأحياناً ينزل السكر تحت المعدل ثم أصاب بإغماء في النوم، وإذا قمت ما أدري هل أنا في اليوم الذي نمت فيه أو بعده بيوم، فأسأل عشيرتي ويخبروني بنفس اليوم الصحيح، فأصلي مجتهداً، ولكني لا أضبط صلاتي من حيث عدد الركعات، فهل هذه الصلوات صحيحة أو أعيدها إذا صحيت جداً، وشكراً (س. م. ت) الرياض؟

    الجواب: الواجب على من يصاب بالإغماء أنه إذا انتبه واستيقظ وزال إغماؤه يقضي، إذا كان مدة الإغماء قليلة كاليوم واليومين والثلاثة، وقد جاء عن بعض الصحابة أنهم أغموا كـعمار وغيره فقضوا الصلوات، فهو إذا انتبه وزال إغماؤه يقضي ما مضى، لكن لا يعجل حتى يئول إليه عقله، حتى يثبت عقله، لا يعجل وهو ما بعد ما ثبت عقله حتى لا يميز بين الركعات، لا، لا يعجل، حتى يستقيم عقله، حتى يستطيع أن يؤدي الصلوات مضبوطة.

    أما إذا أداها وعقله حتى الآن ما يميز بين الركعتين والثلاث، فهو حتى الآن ما بعد استقام عقله، ولا تصح صلاته إنما عليه التأني والتثبت، فإذا أتم حضور عقله واستقام أمره قضى الأيام التي أخبره إخوانه الذين عرفوا حاله أنه ضيعها.

    المقدم: لكن بالنسبة لصلواته التي صلاها وهو لم يصح من الإغماء هل يعيدها؟

    الشيخ: يعيدها، الصلوات التي صلاها بدون شعور ما ضبطها يعيدها.

    المقدم: وإن كان لا يعلم هل هي ظهر أو عصر؟

    الشيخ: يتحرى بالظن، ويعيد.

    المقدم: أحسنتم، أثابكم الله! إلى هنا -أيها السادة- ونأتي على نهاية لقائنا هذا الذي استضفنا فيه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وقد عرضنا على سماحته أسئلة السادة: محمد عرفان البردي من جمهورية مصر العربية، وغزاي محمد الشلوي من الرياض، والمستمع (م. ق. س) حائل، وسعيد صالح الزهراني من أبها، وزبين زبن الشهري من بلاد بني شهر، وأخيراً رسالة المستمع (س. م. ت) من الرياض ويسأل عن صلاة من أغمي عليه.

    أيها السادة! حتى نلتقي بحضراتكم إن شاء الله تعالى نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.