إسلام ويب

كلمة في جمع الكلمةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اجتماع الكلمة ولمّ الشمل من أهم مقومات هذا الدين، ومن الدعائم الأساسية لهذا المجتمع، ولا يتأتى هذا إلا بنبذ الفرقة والتنازع، فعلينا أن نسعى بجد واجتهاد من أجل زرع المحبة، وتوطيد الأواصر الأخوية فيما بيننا، وأن نجتنب الأسباب المؤدية إلى التشتت والتشرذم، فلن يتأتى النصر على الأعداء إلا بعد أن نتوحد على منهج الكتاب والسنة.

    1.   

    أهمية جمع الكلمة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وعلى أزواجه وذريته وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً.

    أيها الإخوة الحضور السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إنني أحبكم في الله تعالى..

    أحبكم حُب الشحيح ماله     قد ذاق طعم الفقر ثم ناله

    إذا أراد بذله بدا له

    أحبكم حباً لا تفسير له إلا هذه الرابطة التي جعلها الله تعالى في قلوب المؤمنين، يحِنُّ بعضهم إلى بعض وإن تناءت بهم الديار، وتباعدت الأقطار، إلا أن رابطة الحب في الله تعالى تجمعهم..

    أحبك لا تفسير عـندي لصبوتي     أفسر ماذا والهوى لا يفسر

    فإذا ألمت بك ملمة، أو نزلت بك نازلة، أو أغلقت دونك الأبواب، أو تعسَّرت الأسباب؛ فتذكر أن قلوباً صافية تأسى لأساك، وتحزن لحزنك، وتفرح لفرحك، وتتابعك وإن كنت لا تعرفها وكانت لا تعرفك، فإن رأتك على خيرٍ بكت فرحاً، وإن رأتك على سوء بكت ألماً.

    ولعل هذه الكلمة -كلمة الحب- تصلح لجمع الكلمة، فمع الحب تذوب المشكلات بين الزوجين .. بين الشركاء .. بين الأصحاب في العمل .. بين المتخالطين .. بين الجيران .. بين المختلفين، لكن إذا تنافرت القلوب فلا ينفع حينئذٍ وئام ولا اتفاق.

    لدينا في هذه الليلة المباركة (كلمة في جمع الكلمة) ومجموعة من المسائل التي نحب أن نتدارسها..

    1.   

    التفرق والاختلاف والفرق بينهما

    أولاً: عنوان هذه الكلمة يوحي بأهمية الاجتماع والأمر به، والنهي عن التفرق في الدين، ويجب أن ندرك -أيها الأحبة- أن ثمة فرقاً بين التفرق وبين الاختلاف؛ فالله سبحانه وتعالى في تنزيله نهى عن التفرق مطلقاً، ولهذا نقول: كل تفرق فهو مذموم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى أصحابه عن التفرق بالأجساد، ويقول لهم: (إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما هو من الشيطان) فكانوا إذا نزلوا وادياً اجتمعوا حتى لو وضع عليهم بساط لوسعهم.

    فالتفرق مذموم في الأحوال، والأقوال، والمذاهب، والمواقف، والأبدان أيضاً إذا كان تفرقاً مبنياً على غير سبب، ولهذا قال الله عز وجل: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا [آل عمران:105].

    أما الاختلاف فليس مذموماً بالإطلاق، بل منه ما هو مذموم ومنه ما هو محمود، ولهذا قال في الآية بعدها: وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران:105].

    إذاً فالاختلاف المذموم، والاختلاف في الكتاب أو الاختلاف على الكتاب هو اتباع الهوى؛ أن يختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وإلا فقد يكون اختلافاً محموداً، ومن أمثلته: اختلاف التنوع؛ أن يكون إنسان يعمل خيراً وآخر يعمل خيراً غيره، أو هذا يرى رأياً باجتهاده، وهذا يرى رأياً مختلفاً، كما وقع، وسنتبين جوانب من هذا الموضوع.

    إذاً: التفرق مذموم بالإطلاق، وأما الاختلاف فمنه المذموم ومنه المحمود، والتنوع هو سنة ربانية قامت الحياة كلها على أساسه، فالله تعالى خلق من كل شيء زوجين، وجعل تنوعاً في أشكال الناس ومظاهرهم وألوانهم، وفي مخلوقات الله تبارك وتعالى، وفيما يراه الإنسان من حوله، فهذا التنوع هو جزء من ثراء الحياة الإنسانية، وجزء من التجدد والطرافة فيها، ولذلك يقول المتنبي :

    تخالف الناس حتى لا اتفاق لهـم     إلا على شجبٍ والخلق في الشجب

    فقيل تخرج نفس المرء سالمة     وقيل تشرك جسم المرء في العطب

    يعني: أن الناس اختلفوا في كل شيء إلا في الروح، وحتى الروح اختلفوا فيها، فقيل: إنها تفنى مع الجسد. وقيل: تسلم. ولا شك أن هذا من كلام الشعراء: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ [الشعراء:224] والمقصود الذي نقره من هذه الأبيات هو: أن الاختلاف شيء عميق في الحياة البشرية.

    التفرق المذموم -أيها الأحبة- هو اتباع لسنة أهل الكتاب الذين: تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران:105] ولهذا نهى الله سبحانه وتعالى عن اتباع هديهم وسنتهم، والتفرق المذموم مخالفة لمقتضى المصلحة والعقل والرشد والبصيرة، ولهذا قال الله تعالى عن اليهود: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [الحشر:14] فاختلافهم بسبب نقص عقولهم.

    وكذلك التفرق هو نقض لأساسٍ من أسس الشريعة، فإن الشريعة جاءت بوحدة المسلمين، ولهذا كان الخطاب في القرآن الكريم جماعياً، وما لا يحصى من الآيات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:104] .. وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] ومعظم أحكام الشريعة لا يمكن تنفيذها إلا من خلال وحدة واجتماع.

    كيف تستطيع أن تطبق الأخلاق الإسلامية, وتعرف إن كنت صبوراً، أو كنت حليماً، أو كنت كريماً، أو كنت شجاعاً؟ إلا من خلال الاختلاط بالناس .. كيف تستطيع أن تؤدي شعائرك؛ فتصلي، وتصوم، أو تحج أو تعتمر؟ إلا من خلال الاختلاط بالناس.

    إذاً: التفرق اتباع لسنة أهل الكتاب، ومخالفة لما تقتضيه العقول السليمة والبصائر المستقيمة، وهو نقض لأساس من أسس الشريعة.

    ونحن -أيها الأحبة- لا نتحدث فقط عن الدعاة والاختلافات التي تقع بينهم، أو العلماء واختلافهم في الفتوى، أو ما يسمى بالإسلاميين وتنوع مشاربهم ومذاهبهم فحسب؛ وإنما نتكلم عن الاختلاف بين المسلمين، الاختلاف الذي يضرب هذه الأمة، وإذا كنا نشهد في التاريخ الإسلامي ألواناً من الاختلافات التي لم يكن لها سبب ولا مسوغ ولا مبرر، والتي قضت على وحدة المسلمين وأكلت جهودهم وطاقاتهم، ومكَّنت أعداءهم منهم في غير مرحلة، فإننا نشهد في واقع المسلمين اليوم ألواناً وألواناً من هذا الاختلاف، جديرة بمبضع الجراح الذي يقوم بعلاجها.

    1.   

    الأخوة الإسلامية لكل مسلم وبحسب إسلامه

    الله تبارك وتعالى يقرر لنا أن المؤمنين إخوة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] ويقول سبحانه: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:52] ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (المسلم أخو المسلم).

    إذاً الأخوة ليست في العروبة، وليست في الأرض، فالأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله. وليست في المصلحة المشتركة، وليست في التاريخ المشترك، وإنما الأخوة الحقيقية هي التي تظلل الناس في ظل هذا الدين..

    إن يختلف نسب يؤلف بيننا     دين أقمناه مقام الوالد

    أو يفترق ماء الوصال فماؤنا     عذب تحدَّر من غمام واحد

    حتى حينما يقع عليك عدوان أو ظلم من أخيك، فهذا لا يعني أن أخوته زالت، تأمل قول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10] بين طائفتين وصل الأمر بينهما إلى حدِّ الاقتتال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات:9] ومع ذلك سماهم إخوة وقال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10] وكذلك قول الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة:178] يعني: في شأن القاتل الذي قتل أخاه المسلم، ومع ذلك سمَّاه الله تعالى أخاً، فالقاتل أخ للمقتول، والمقتول أخ للقاتل، إذاً هذه الأخوة التي عقدها الله تبارك وتعالى، لا يجوز أبداً لعوامل الفرقة والاختلاف، وحتى العداوة التي تقع بين المسلم وأخيه -لا يجوز أن تقضي على أساس هذه الأخوة أو تزيلها.

    نعم، قد تجد من الناس من يقع منه تقصير في دينه -مثلاً- أن يكون عنده انحراف، أو معصية، أو تقصير، لكن ما دام يصح له وصف الإسلام فله أصل الحقوق، وإذا تم له كمال الإيمان كملت له الحقوق، وهذه نقطة مهمة جداً، نقول: كل من صح أن يوصف بأنه مسلم فله حقوق المسلم.. (حق المسلم على المسلم ست: رد السلام، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر المظلوم، وعيادة المريض..) وغير ذلك من الحقوق التي لم تذكر في هذا الحديث, فكل من صح له وصف الإسلام ولو كان في الدرجة الدنيا منه فله قدر من هذه الحقوق، لكن كلما عظم قدره في الإسلام كلما عظمت حقوقه؛ ولهذا كان أعظم الحقوق على المسلمين بعد حق الله تعالى حق النبي عليه الصلاة والسلام، ثم حق الصحابة رضي الله عنهم، ثم حق أهل العلم، وأيضاً حقوق الوالدين.

    فالمقصود أن الحق باقٍ لكل من صح أن يوصف بأنه من المسلمين، وإن كان عليه نقص أو زلل أو تفريط، أو عنده شيء من الخطأ.

    ولذلك قد يقول البعض: هذه أخوة عامة وأخوة خاصة، وأنا أفضل عدم استعمال هذا المصطلح؛ لأن الأخوة العامة والخاصة أجراها النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجرين والأنصار، فآخى بين فلان وفلان، هذا مهاجري وهذا أنصاري، وكان بينهم نوع من الاندماج، حتى في أموالهم وفي سكنهم وفي أمورهم، حتى قال سعد بن الربيع لـعبد الرحمن بن عوف : [انظر شطر مالي فهو لك، وانظر أجمل زوجتيَّ فأطلقها حتى تعتدَّ ثم تتزوجها من بعدي] وهذا الحديث في صحيح البخاري ، فهذه أخوة خاصة كانت بين عبد الرحمن و سعد مثلاً.

    لكن المقصود: أن الأخوة بين المسلمين قائمة، ولا مانع أن يعلم الجميع أن هذه الأخوة تتفاوت درجاتها، فليس حق شيخك العالم الجليل، صافي المشرب والمذهب، صادق السريرة، صالح القول والعمل المؤثر عليك؛ كحق إنسان بعيد من الناس، أو كحق شخص مضيع أو مفرِّط.

    معايير الالتزام وحقيقته

    وكثير من الناس أحياناً، ربما في معظم أو كل المجتمعات الإسلامية تسمعون بالتقسيم، أن في المجتمع ناساً نسميهم بالملتزمين، وهناك أناس نقول عنهم: غير ملتزمين، وهذه القسمة شاعت وذاعت، حتى أصبحنا نجد كثيراً من الشباب قد يتصل بك أو يقابلك فيقول: كان الشخص غير ملتزم، ولكنه يحب الخير، ومحافظ على الصلوات.. أنت تتعجب!

    أولاً: ما هو معيار الالتزام؟ هل نقصد بالالتزام أن يكون مظهر الإنسان فقط متفقاً ومنسجماً مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، أو نقصد بالالتزام التمسك بالدين؟

    فهذا الإنسان الذي قد يكون مفرطاً في مظهره وعنده معصية ظاهرة، ربما يكون من جهة أخرى ملتزماً؛ فهو مبكر إلى الصلوات، حريص على الجماعات، بار بوالديه، كثير الإنفاق في سبيل الله، عنده جوانب من الخير عظيمة، فهو ملتزم بهذا الاعتبار وإن كان عنده تفريط، كما أن ذاك الأخ الآخر الذي ربما عنده التزام ظاهر في ملابسه .. في شكله .. في شعره .. في هيئته .. في هديه وسمته الظاهر، لا يمنع هذا أن يكون عنده نقائص وعيوب خفية؛ فقد يكون مفرطاً -مثلاً- في صلاة الفجر مع الجماعة، وقد يكون عنده نوع من التقصير في حق الوالدين، أو ما أشبه ذلك من الأخطاء.

    إذاً: ينبغي أن نضبط المعيار حينما نقول: ملتزم، أو غير ملتزم .. هذا أولاً.

    ثانياً: من الخطأ أن نعتبر أن هذه القسمة أو هذه التسمية تقتضي نوعاً من الانفصال بين الناس بعضهم بعضاً، فإذا كنت أنا غير ملتزم -مثلاً- بهذا الاعتبار الذي ذكرناه قبل قليل، فأنا محتاج إلى أولئك الملتزمين لأستفيد منهم ومن علمهم ومن أخلاقهم، وأقتبس منهم، والآخر أيضاً الملتزم هو محتاج إلى أن يسوِّق بضاعته ودعوته عند من يسميهم أحياناً بغير الملتزمين.

    إذاً: هي مجموعات داخل هذا المسمى يحتاج بعضها إلى بعض، وعلينا ألا نسرف في استخدام هذه الكلمة، وأن نضع لها الضوابط، وأيضاً ألا نسمح بأن توجد نوعاً من الانفصال.

    إن كثيراً من شبابنا اليوم -مثلاً- في الأرصفة، أو في الاستراحات، أو في المنتديات، أو حتى في المدارس، ربما أصبحت القنوات الفضائية، أو مواقع الإنترنت، أو المجلات، أو السفريات، أو العلاقات الخاصة والمجموعات؛ ربما أصبحت تؤثر في صياغة سلوكهم أكثر مما يؤثر المجتمع المحيط بهم .. ربما الأب عاجز؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه .. ربما الأم أيضاً لا تستطيع أن تسيطر أو تضبط أولادها، لكن زملاؤهم وأساتذتهم ومن في سنهم، ربما لو جدُّوا واجتهدوا لاستطاعوا أن يؤثروا فيهم تأثيراً بعيداً.

    1.   

    ألوان التفريق

    لقد تحدثت عن تفرقٍ داخل الأمة الإسلامية في حاضرها وفي ماضيها وتاريخها، ولا بأس أن أضرب بسرعة ألواناً ونماذج من هذا التفرق.

    الانتساب للمذاهب الفقهية

    أولاً: الانتساب للمذاهب الفقهية.

    حنفي ومالكي وشافعي وحنبلي وأوزاعي وظاهري .. إلى غير ذلك، فهذا الانتساب هو نوع -أحياناً- من التفرق إذا ترتب عليه تعصب؛ لأنه في الأصل من الاختلاف المحمود، اختلاف الشافعي ومالك وأحمد ليس اختلافاً على القرآن والسنة..

    وكلـهم من رسول الله ملتمس     غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

    لكنهم اختلفوا بهذا الاعتبار، لكن إذا تحول الأمر إلى نوع من العصبية والتمسك، وتقديم قول الشيخ على قول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يتحول هنا إلى لون من التفرق المذموم؛ لأنه بني على تعصب، وأحياناً يكون هو معقد الولاء والبراء، فتجد هؤلاء يوالون بعضهم بعضاً؛ لأنهم من المذهب الفقهي الفلاني، وقد يجافون من لا يوافقهم في المذهب أو في المشرب، وهذا يقع فيه كثير، تجد مثلاً حنبلياً يقول:

    أنا حنبلي مـا حييت وإن أمت     فوصيتي للناس أن يتحنبلوا

    نقول: هذا ليس بصواب، الناس مطلوب منهم أن يتبعوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو إمام الأئمة، وهو الوحيد من الناس الذي يجب على الناس اتباعه مطلقاً، وأما الأئمة فما منهم إلا راد ومردود عليه، وما منهم إلا ويؤخذ من قوله ويترك، فاعتبار أن هذا الإمام أياً كان هو معقد الولاء والبراء، وأن الحق محصور في هذا القول أو المذهب؛ فهذا خطأ، وقد حفل التاريخ والواقع بأشياء من هذا القبيل، مثلاً: الرجل الذي كان يقول: عذيري من قومٍ..، وهو مالكي، والمالكية ليسوا شديدي التعصب، لكن هذا النموذج الذي أذكره وأحفظه:

    عذيري من قوم يقولون كلـما     طلبت دليلاً هكذا قال مالك

    فإن قلت قالوا هكذا قال أشهب     وقد كان لا تخفى عليه المسالك

    فإن قلت قالوا قال سحنون مثله     ومن لم يقل ما قاله فهو آفك

    فإن قلت قال الله، ضجوا وعولوا     وصاحوا وقالوا أنت قرن مماحك

    وإن قلت قد قال الرسول فقولهم     أتت مالكاً في ترك ذاك المسالك

    صلى الله على محمد، أي: أن مالكاً رحمه الله أول هذا الحديث أو وجهه وجهةً معينة، وهكذا تجد أن من أصحاب المذاهب من كان يقول: كل ما خالف مذهبنا فهو منسوخ أو مؤول.

    إذاً هذه المذاهب الفقهية هي تصنع أحياناً اختلافاً بين المسلمين، وأحياناً أخرى تصنع لوناً من التفرق.

    الانتساب للجماعات والحركات

    ثانياً: الانتساب لجماعة أو مجموعة أو حزب، أو حركة من حركات الدعوة في العالم الإسلامي.

    فكثيراً ما نسمع من يقول مثلاً: هذا من الإخوان، وهذا من السلفيين، وهذا من التبليغ، وهذا من هذه الفئة، وهذا من تلك، وأحياناً يكون هناك ولع وانهماك واندماج في التصنيف بشكل عجيب، حتى أصبح هذا فناً يدرس ويلقى!

    نعم. التعاون على البر والتقوى مطلوب: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] والتواصي بالحق والتواصي بالصبر من دين الله عز وجل، وأن يجتمع الإنسان مع إخوانه، ويتشاور معهم، وينسق المواقف، ويستفيد منهم؛ كل ذلك طيب ولا حرج فيه، وهذه الأشياء كلها تعني مزيد الصلة بين المؤمنين، ومزيد التلاحم والترابط، لكن لا تعني مجافاة من قد يكون له اجتهاد آخر، أو يكون في بلد آخر، أو يكون في واجب أو فرض كفائي آخر يقوم به أيضاً، فإن هذه الأشياء ينبغي ألا تتحول إلى حواجز بين المؤمنين، وألا نحاكم الناس أو نحاسبهم على أساس القائمة، بمعنى: ما دام أن فلاناً من المجموعة الفلانية فهو فاضل، وما دام أنه من تلك المجموعة الأخرى فهو خاطئٌ أو منحرف أو ضال .. ليس هذا بلازم، الله سبحانه وتعالى يقول: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95] هل قال: كلهم سوف يأتون جماعات ويحصرون في قوائم؟! لا. قد يكون الشخص مع مجموعة عليها نوع من التقصير وهو فاضل، وقد يكون مع مجموعة فاضلة وهو مقصر، وكثرة الاشتغال بمحاسبة الناس ومحاكمتهم والقيل والقال، هذه ليست من الأشياء المحمودة، فإن أكمل الناس وأفضلهم هو أعفهم لساناً، حتى حينما يريد أن يصحح أو يعدل؛ لأننا لا نزعم أن التجمعات أو العناوين الإسلامية أنها مجموعات للكملة والفضلاء، أو أن هذه هي الإسلام، إنما قصاراها أن تكون مثل المذاهب الفقهية، مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرها، اجتهادات معينة يستند أصحابها في الأصل على الشريعة وعلى الكتاب والسنة، ولكنهم يخطئون ويصيبون، والتعصب مردود، كأن تقبل خطأه وصوابه؛ لأنك تحبه، أو أن ترد كل ما عنده؛ لأنك لا تحبه.

    التعصب للقبيلة

    المثال الثالث: التعصب للقبيلة.

    وهذا أمر عريق عند العرب، كان العربي الأول يقول:

    أمرتهم وأمري بمنعرج اللوى     فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ

    فلما عصوني كنت منهم وقد أرى     غوايتهم أو أني غير مهتدي

    وهل أنا إلا من غزية إن غـوت     غويت وإن ترشد غزية أرشدِ

    (وأربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن.. ) فنحن نجد اليوم التعصب القبلي يضرب بجرانه في كثير من البلاد والمجتمعات الإسلامية.

    ليس هناك مشكلة أبداً أن يعرِّف الإنسان نفسه بأنه من قبيلة كذا وكذا، لكن المشكلة أن يتحول هذا إلى ولاء؛ بحيث تجد أن فزعة هذا الإنسان، وأن قيامه، وأن ولاءه ومحبته وجهده ينصرف إلى من يوافقه في هذا الانتساب، لكن لو جاء شخص من قبيلة أخرى، وربما يحتفظ بذكريات تاريخية أو قصص من الآباء والأجداد، فإنه يتجافى عنه وقد لا يساعده أو يعينه بل لو استطاع لضره، فهنا تحول الانتساب القبلي إلى نوع من الانفصال والانشقاق داخل المجتمعات الإسلامية.

    الانتساب لمنطقة أو إقليم أو غيرها

    المثال الرابع: الانتساب لمنطقة أو إقليم، أو شعب من الشعوب، أو جزئية من الجزئيات.

    فهذا نجدي، وهذا حجازي، وهذا غربي، وهذا شرقي، وهذا خليجي، وهذا شامي، وهذا مصري، وهذا عراقي، وهذا كذا .. هذه الانتسابات إذا كانت مجرد تعريف فلا تضر، وقد كان الصحابة ومن بعدهم يتعرفون بمثل هذه الأشياء، ولا يضير أن يقول الإنسان أنه من بلد كذا، لكن إذا تحولت -كما هو الواقع عند كثير من الناس- إلى نوع من العصبية, ونوع من الولاء على هذه النسبة؛ فإن هذا خطأ كبير، وقد تجد أن الكثيرين -مثلاً- إذا التقوا فيما بينهم أصبحوا يتبادلون النكت والطرائف المضحكة الدالة على تنقص الفئة الأخرى، فإذا اجتمعنا وكلنا من قبيلة معينة أو منطقة معينة، أو من جنسية معينة، لم نجد حرجاً أن نستطرد في إصدار الأحكام التعميمية أن أهل الإقليم الفلاني فيهم كذا وكذا، وأن القبيلة الفلانية فيها كذا وكذا، وأن الشعب الفلاني فيه كذا وكذا، ثم هذا يأتي بقصة، وهذا يأتي بنكتة، وهذا يأتي بتجربة مر بها .. وهكذا، حتى تشبعت نفوس الكثيرين منا بأنواع وألوان من الانفصال؛ قضت أو أضعفت من الأخوة الدينية القائمة بين المؤمنين.

    ربما يستغل الأعداء هذا الكلام في كثير من الأحيان، كما نلاحظ -على سبيل المثال- أن القوى الغربية، وبالذات القوة الأمريكية المتغطرسة اليوم، التي إذا أردنا أن نسمي الأمور بأسمائها لقلنا إنها تسعى إلى إعادة استعمار العالم بشكل جديد، وإنها تضرب برأي الناس عرض الحائط، وتصر على مقاصدها وعلى اتجاهاتها وعلى نياتها، وإنها لا تبالي أن يموت الناس أو يحيوا، المهم أن تنفذ مآربها وأهدافها..

    نلاحظ أنها كثيراً ما تعتمد على إثارة هذه الاختلافات وعلى توظيفها؛ من أجل تحقيق أهدافها ومآربها، وهذا يؤكد علينا أهمية أن نكون يقظين، وأن نحوّل هذا الكلام إلى واقع عملي في تجنب كل الأشياء التي تخدش من صفاء الأخوة الإيمانية.

    ما بيننا عربٌ ولا عجمٌ     مهلاً يد التقوى هي العليا

    خلوا خيوط العنكبوت لمن     هم كالذباب تطايروا عميا

    وطني كبيرٌ لا حدود له     كالشمس تملأ هذه الدنيا

    بـأندونسيا فوق إيران     في الهند في روسيا وتركيَّا

    آسيا ستصهل فوقها خيلي     وأحطِّم القيد الحديديا

    ولست أبغي سوى الإسلام لي وطناً     الشام فيه ووادي النيل سيان

    وحيثما ذكر اسم الله في بلدٍ     عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

    بـالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا     بـالرقمتين وبـالفسطاط جيراني

    ولي بـطيبة أوطان مجنحةٌ     تسمو بروحي فوق العالم الفاني

    وما بريدة مهما لجَّ بي دمها     أدنى إلى القلب من فاس وتطوان

    دنياً بناها لنا الهادي فأحكمهـا     أعظم بأحمد من هادٍ ومن باني

    التعصب للشيخ أو للمتبوع

    كذلك التعصب للشيخ، أو التعصب للمتبوع أو المربي أو الأستاذ.

    فإنه ينبغي أن يعتدل الإنسان، وأن يحفظ له قدره دون أن يتعصب له، أو يبالغ في ذلك، أو يتبع أقواله بمفرداتها؛ فإن الاتباع للمنهج لا للأقوال المفردة، فلهذا نقول نحن -مثلاً- عندما نكون أمام قول لـأحمد ، أو الشافعي ، أو مالك ، أو أبي حنيفة، نقول: العبرة بالدليل، والعبرة بالإجماع، فإذا كان قد خالفه من خالفه، أو وجد الدليل فيما يظهر لنا على خلافه، لم نجد حرجاً في رده، فهكذا من عايشناهم وعاشرناهم واقتبسنا منهم، ينبغي أن نطبق معهم هذا.

    أيضاً: الانتساب لمذهب من المذاهب الفكرية أو الدعوية -كما أشرنا إليه قبل قليل- فلا ينبغي أن يمتحن الناس في الأسماء والألقاب، وإنما ينبغي أن تكون العبرة بما يقوله الإنسان وما يعمله.

    1.   

    استيعاب العدو للخلاف وتوظيفه لمصالحه

    وإزاء هذا الاختلاف الكبير الذي نتفق جميعاً على أنه عاصف بالمجتمعات الإسلامية اليوم، وإنني لا أتحدث الآن عن مجموعة ضخمة وهائلة من الدول العربية والإسلامية، ولا أتحدث عن داخل الدولة الواحدة مثلاً، بل ولا عن داخل الإقليم أو داخل القبيلة، بل الواقع أنك كلما دخلت إلى دائرة أضيق وجدت مجموعة من الخلافات، حتى تصل إلى مدينة أو ربما قرية، فتجد في هذه القرية عدداً من التقاطعات .. هناك تقاطعات بين الأحياء هذا الحي وذاك الحي .. هناك تقاطعات بين الانتسابات، بين من ينتسبون إلى هذه القبيلة أو تلك، أو بين من ينتسبون إلى قبيلة ومن لا ينتسبون إلى قبيلة أصلاً، إضافة إلى الاختلاف بسبب المصالح الدنيوية.

    إذاً: العالم الإسلامي اليوم يضج بألوان من الاختلافات التي تحتاج إلى نوع من العلاج، فإزاء هذا الاختلاف الكبير، نجد أن من الصدق مع النفس القول بأن هذا الاختلاف يستنزف المجهودات الإسلامية، بينما عدونا استطاع أن يستوعب الخلاف، فأحزاب اليمين واليسار التي نجدها الآن فيما يسمى بـدولة إسرائيل، كيف استطاعوا أن يستفيدوا حتى ممن يعتبرون متطرفين بمعاييرهم .. الأحزاب الليكودية والأحزاب اليمينية المتطرفة، كيف دخلت إلى عالمهم وإلى موضع القرار والمشاركة، وأصبح لها دور كبير، ولها جهود ولها شعبية، إضافة إلى اليساريين، إضافة إلى ألوانهم وأصنافهم: السفرديم، والأشكلاز ، اليهود العرب، واليهود الأوربيون وغيرهم، كلهم يشاركون في صناعة وصياغة وبناء هذا المجتمع اليهودي؛ لأنهم يشعرون بالخطر، وأنهم جزيرة في بحر عربي إسلامي، يرفضها ويلفظها ولا يتقبلها، ولا يتواكب أو يتطبع معها.

    إذاً: عدونا استطاع أن يستوعب الخلاف، وهذا نموذج، وكذلك نجد مثل هذا في الدول الغربية .. أوروبا -مثلاً- استطاعت أن تصنع أو تؤسس لوحدتها، مع أن كل دولة منها ربما كانت تعد قارة بأكملها، أو إمبراطورية كـفرنسا مثلاً أو ألمانيا أو بريطانيا ، ومع ذلك فهم يسعون في تحقيق ما يسمى بالوحدة الأوروبية، ونجحوا فيما يتعلق بالحدود، وفيما يتعلق بالجمارك، وفيما يتعلق بالعملة، ولديهم خطط قوية جداً في هذا.

    أيضاً: عندما تنظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، هي عبارة عن خمسين دولة، خمسين ولاية انضم بعضها إلى بعض فتكون هذا الكيان الهائل القوي الضخم، هذه الإمبراطورية أصبحت تمارس نوعاً من التسلط والبغي والنفوذ كما هو واضح.

    1.   

    المنهج النبوي الشرعي في التعامل مع الخلاف

    إذاً: عدونا استطاع أن يوظف هذا الاختلاف، وأن يحيط نفسه كلما هم بشيء بمجموعة من الأحلاف، فيضع معه في اتجاهه من يستطيع أن يضعهم من الأسماء المعروفة وغير المعروفة، فلم يبق أمامنا نحن المسلمين، ونحن نعيش في هذا العالم المضطرب، ونواجه هذه التحديات الصعبة، التي أصبحت تستهدف ديننا وإيماننا وعقائدنا، ووحدتنا وإخاءنا، وخيراتنا وثرواتنا، وحاضرنا ومستقبلنا، وأجيالنا الحاضرة وأجيالنا القادمة -لم يبق لنا إلا أن نلتزم ضرورة بالمنهج الشرعي النبوي في التعامل مع الخلاف، وهذه هي النقطة الثالثة.

    الشرع الذي أقرَّ الخلاف واعترف به كجزء من الطبيعة البشرية، إلا أنه وضع مفردات في منهج التعامل مع هذا الخلاف، أعرض شيئاً منها:

    المجادلة بالتي هي أحسن

    أولاً: المجادلة بين المتخالفين بالتي هي أحسن, كما قال الله سبحانه وتعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] .. وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46] فإذا كان القرآن الكريم يرشدنا إلى مجادلة اليهود والنصارى بالتي هي أحسن، أي: لم يقل بالحسنة، وإنما بالتي هي أحسن، أي: بأفضل ما يمكن من الألفاظ والعبارات والطرائق والأساليب والحجج، فكيف بمجادلة من يتفقون معك في أصل الدين وأصل الانتماء، ولكن قد يختلفون معك في اجتهاد أو رأي أو موقف، أو حتى مصلحة دنيوية أو موقف دنيوي؟! فهنا تأتي قضية المجادلة بالتي هي أحسن، تبدأ من علاقة الإنسان مع زوجته مثلاً .. مع طفله في المنزل .. مع شريكه في العمل .. مع رئيسه .. مع مرءوسه، وتنتهي بالحوار العام بين جميع فئات الأمة وطوائفها.

    ومن المجادلة بالتي هي أحسن: استخدام لغة راقية بعيدة عن الشتم والسَّب والاتهام، وقدرة الإنسان على أن يسيطر على عواطفه، وألا يسمح للاستفزاز أن يتحكم فيه، ولهذا قال أهل العلم كـابن تيمية وابن القيم والغزالي والشاطبي وغيرهم، قالوا: لو كان الغلب في المجادلة والمناظرة بالسّب والشتم لكان أكثر الغالبين من الجهَّال، وإنما الغلبة بالحجة وقوتها وإن كان الصوت منخفضاً.

    ولهذا ليس رفع الصوت ولا الصخب والضجيج من عوامل النجاح في الخصومة والمجادلة، وليس استخدام العبارات القاسية بالتهجم على صاحبك، وتشبيهه -مثلاً- بالحيوانات أحياناً، أو بالرخم والطيور أحياناً أخرى، أو اتهامه، أو تجريحه، أو ما أشبه ذلك؛ هذه أيضاً لا مدخل لها في الحوار أصلاً.

    التفريق بين الشأن الشخصي والموضوع العلمي

    ثانياً: التفريق بين الشأن الشخصي والموضوع العلمي:

    فحينما تبحث مسألة علمية؛ قد تكون فقهية، أو دعوية، أو ما أشبه ذلك، عليك ألا تدخل فيها القضية الشخصية مع هذا الشخص الذي تتحدث معه أو تحاوره، ومما يذكر من الطريف في هذا: أن داود الظاهري ناظر رجلاً وجادله، فقال له ذلك الرجل بعد قليل: أنت يا أبا بكر ! قلت كذا وكذا وكذا فقد كفرت والحمد لله. فقال له داود الظاهري: سبحان الله! متى عهد أن مسلماً يفرح ويستبشر بكفر أخيه المسلم. يعني: لو قلت: فقد كفرت ولا حول ولا قوة إلا بالله! وإنا لله وإنا إليه راجعون! معقول! أما أن تقول: كفرت والحمد لله، كأنك كنت مغتبطاً بأنه وقع في الكفر من حيث لا يدري ولا يريد، وربما لا يكون كفراً ولكن هكذا فسر الآخر.

    عدم الدخول في القضايا التي لا يحسنها الإنسان

    كذلك النقطة الثالثة وهي: عدم الدخول في قضية أو مسألة لا يد للإنسان فيها، ولا يدرك الإنسان أبعادها، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء:36] فإن كثيراً كثيراً من الناس ربما يتكلمون في قضايا ويتحدثون عنها, كما لو كان الواحد منهم ابن بجدتها ويقول: أنا عذيقها المرَّجب، وجذيلها المحكك .. ويتكلم في هذه القضية كأنه يدركها تماماً، بينما لو أخذت وأعطيت ربما تجده لم يفقه أصل المسألة؛ فضلاً عن تفاصيلها وأقوال الناس فيها وأدلتهم والراجح والمرجوح.

    ولهذا فإن من الحكمة والذكاء أن يكفَّ الإنسان عن كثير من الأسئلة وكثير من المناقشات والمجادلات التي لا يملك الإنسان دليلها ولا حسن النظر فيها.

    في بعض الأحيان يصبح الحوار؛ سواء كان حواراً في القنوات الفضائية، أو في المجالس، أو في (الإنترنت) -يصبح كأنه نوع من التصفيق، وكأننا في حلبة مصارعة أو ملاكمة، هؤلاء يصفقون لهذا وهؤلاء يصفقون لهذا، وربما لو أمسكت بأحدهم وسألته: ما الموضوع؟ أو ما الخطب؟ لم تجد عنده معلومة دقيقة سوى أنه يحب هذا ولهذا يصفق له، أو يكره هذا ولهذا يحاول تحطيمه، وهذا ليس من العقل ولا من الرشد في شيء.

    ولا زلت أذكر أستاذاً كان يدرسنا في الجامعة، فجرى نقاش بينه وبين أحد الطلاب يوماً من الأيام، وكان نقاشاً علمياً هادئاً، لكن في آخر الفصل كان هناك طالب عنده نوع من قلة الأدب وقلة الحياء، وأحب أن يستفز المدرس، فكان كلما حصل توقف في النقاش صرخ هذا الطالب الآبق بأعلى صوته وقال: واحد صفر. يعني: لصالح الطالب، باستمرار، ومع ذلك كان المدرس لبقاً وذكياً؛ ولذلك عامل الموضوع بهدوء حتى انتهى النقاش.

    أيضاً من آداب المجادلة بالتي هي أحسن: الحرص على التي هي أحسن، كما ذكر ربنا: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83].. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر:18] وهنا لاحظ التعبير بالأحسن، فالله سبحانه وتعالى حتى فيما أنزل هناك حسن وأحسن: يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر:18] وهناك حسن وأحسن، وعلى الإنسان أن يختار الأفضل والأحسن بقدر المستطاع؛ لأن الشيطان ينزغ بينهم: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً [الإسراء:53].

    الإمام الشافعي رحمه الله كان يقول للربيع، والربيع أحد تلاميذه، كان يقول له: يا ربيع ! اكسُ ألفاظك. يعني: ألبسها كسوة، لا تخرج اللفظ عارياً، أو بعيداً، أو غليظاً، وإنما حاول أن تصنع عليه لباساً جيداً.

    وجاءه مرة من المرات الربيع وهو مريض، فقال له: يا إمام! قوَّى الله ضعفك. فقال له الشافعي : يا ربيع ! أصبت المعنى وأخطأت اللفظ، لو قوَّى الله ضعفي لزاد ضعفي فمرضت ومت، وإنما قصدك أن يزيل الله ضعفي، أو يضعف ضعفي فتقوى قوتي.

    ولا شك أن اختيار الألفاظ الجيدة هو من الأدب الذي ينبغي أن يأخذ النشء به أنفسهم.

    إذاً النقطة الأولى: المجادلة والمحاورة والمحاجة بالتي هي أحسن، بمعني: بدون صخب ولا ارتفاع أصوات ولا استخدام ألفاظ سيئة، ودعوني أضرب أمثلة سريعة: الزوجان عندما يختلفان في مسألة من المسائل، تلاحظ في بعض الحالات أن الزوج ربما يأتي بما تقدم وما حدث، يقول لهذه المرأة مثلاً: تذكرين من يوم تزوجنا وأنا في نكد وتعب وعناء، وقلة راحة، ومن هذا القبيل.. ويبدأ يسرد لها تاريخاً طويلاً، بينما كانت القضية محدودة، لسنا بحاجة إلى استدعاء تاريخ قديم يضاف إلى الواقع الحالي، فتصعب المعالجة، وإنما على الإنسان أن يعالج الموقف الموجود دون أن يستدعي إليه ما يضيف.

    وكذلك المرأة ربما غضبت على زوجها فقالت -كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم-: (ما رأيت منك خيراً قط) وحاولت أن تطيح بكل ماضيه وكل عمله. فعلى الإنسان حينئذٍ أن يحرص على أن يضبط نفسه، وهذه هي قيمة الإنسان:

    أقبل على النفس واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    قيمة الإنسان أن عنده قدرة على ضبط نفسه، وضبط مشاعره، فلا تسع لتأتي بالعبارات القوية التي تظن أن بها الانتصار على الطرف الآخر، ولا أقول خصماً؛ فليست زوجتك خصماً، كذلك الولد، أو الزميل، أو المجادل لك في مسألة علمية، أو في مسألة دعوية، أو المختلف معك أيضاً.

    الإنصاف من النفس

    ومن صور الالتزام بالمنهج الشرعي: هي قضية الإنصاف من نفسك.

    أن تنصف الآخرين من نفسك، حينما نحاول نحن أن نزن حسنات الآخرين وسيئاتهم تجدنا في الغالب لا بد أن نضع إصبعنا على طرف الكفة لترجح، أو هناك بحسب ميلنا أو هوانا، فهنا حينما يكون لك علاقة بهذا الطرف، أو تحشر نفسك معهم؛ فإنك تميل إليهم، وقد قال عمار رضي الله عنه كما في صحيح البخاري : [ثلاث من جمعهن فقد استكمل الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار] ومعنى الإنصاف من نفسك: أن تضع نفسك في موضع الطرف الآخر، فتعامله كما لو كنت في مكانه، وهذه قضية أقول أحبتي بالتجربة والمعايشة للناس: ربما أتحدى أن يكون باستطاعتك أن تظفر بإنسان يوصف بأنه منصف من نفسه، لكن بعض الناس مسرف، وبعض الناس متوسط أو معتدل، وكما قيل:

    أتمنى على الـزمان محالا     أن ترى مقلتاي طلعة حر

    حر أي: حر من قيد النفس ومن قيد الهوى، يستطيع أن يلاحظ ما للآخرين وما على نفسه:

    ولم تزل قلة الإنصاف مانعة     بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم

    وكثيراً ما تجد من إذا غضب على شخص أطاح به, ونسي جميع حسناته وجميع فضائله، وإذا تكلم عنه، حتى وإن كانوا إخوة لأم ولأب أشقاء، واختلفوا على قطعة أرض -مثلاً- أو في تجارة أو في عمل؛ لوجدت هذا يتكلم عن أخيه بما لا يتكلم به أشد الناس عداوة، ثم تأتي للآخر وتجده يتكلم بمثل ذلك، فمتى يمكن أن تزول وتذوب هذه الفواصل بينهم؟

    إذا تمسك كل واحد بما عنده وقال:

    نحن بما عندنا وأنت بما     عندك راضٍ والرأي مختلف

    النقطة الخامسة من المنهج الشرعي: قضية الالتزام بنظام الخلق الإسلامي؛ من حسن الأدب، وحسن الحديث مع الآخرين، وحسن الاستماع، وحسن الظن بهم، والتماس المعاذير، والرفق، والصبر، والصفح.

    وهنا لدينا مستويات:

    المستوى الأول: ألا يبدأ الإنسان أخاه بشيء من الشر، فإن البادئ أظلم، فكونك تبدؤه بذلك تكون قد استثرته.

    والمستوى الثاني: أنه إذا بدئ بشيء من ذلك فعليه ألا يرد، وهذا مستوى راقٍ: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35] وقد تجادلت امرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أكثرت الأولى على الأخرى قامت وردت عليها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (كان هناك ملك موكل يذبُّ عنكِ فلما تكلمت ذهب وترككِ).

    إن الرد والمخاصمة أيها الأحبة! في كثير من الأحيان لا يزيد النار إلا اشتعالاً وخصومة، والقيل والقال ليس سبباً في إزالة الإشكال.

    1.   

    الأسباب المعينة على ضبط الأنفس عند الاختلاف

    هناك ثمانية أسباب ينتج عنها أو عن واحد منها ضبط النفس، أعدها لك باختصار، الأسباب المعينة على ضبط النفس:

    الرحمة بالمخطئ

    أولاً: الرحمة بالمخطئ، والشفقة عليه، واللين والرفق.

    وهنا نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159] نأخذ من هذه الآية فائدة وعبرة عظيمة وهي: أن الناس يجتمعون على الرفق واللين، ولا يجتمعون على الشدة والعنف، هذا مقتضى الآية؛ لأن الله تعالى قال: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] وهؤلاء هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، والسابقين الأولين، فكيف بمن بعدهم؟! وكيف بمن ليس له مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس، سواء كان من العلماء أو من الدعاة، أو ممن لهم رياسة أو وجاهة أو مكانة أو تجارة، أو ما أشبه ذلك؟!!

    إذاً: فالرحمة والرفق بالناس أمر ضروري وأساسي، ولا يمكن أن يجتمع الناس إلا على أساس الرحمة والرفق، ولهذا يقول أبو الدرداء لرجل سبه وشتمه وأغلظ له: [يا هذا! لا تغرقن في سبنا وشتمنا، ودع للصلح موضعاً، فإننا لا نكافئ من عصى الله تعالى فينا بأفضل من أن نطيع الله تعالى فيه].

    وشتم رجل الشعبي فقال له: [إن كنت كما قلت فغفر الله لي، وإن كنت لست كما قلت فغفر الله لك].

    وشتم رجل معاوية شتيمة في نفسه، فدعا له وأمر له بجائزة.

    إذاً.. القدرة على تعويد النفس على الرضا، والصبر واللين والمسامحة، هي قضية أساسية، والإنسان يتحلَّم حتى يصبح حليماً، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإسناده لا بأس به: (إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحلم بالتحلُّم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه).

    وعليك ألا تؤاخذ الآخرين، وعليك أن تتذكر أن تحية الإسلام هي: السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نقولها لأهلنا إذا دخلنا، بل قال الله تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ [النور:61] وأن نقولها للصغار والكبار، ومن نعرف ومن لا نعرف، كما ورد في الحديث: (السلام لمن تعرف ومن لا تعرف) .. [بذل السلام للعالم].

    هذه التحية فيها معنى السلام، أي: أنت تسلم مني؛ من لساني، ومن قلبي، ومن يدي، فلا أعتدي عليك بقول، ولا بفعل، وفيها الدعاء له بالسلامة أيضاً، وفيها الدعاء له بالرحمة، وفيها الدعاء بالبركة، هذه المعاني الراقية التي نقولها بألسنتنا علينا أن نحولها إلى منهج في حياتنا وعلاقتنا مع الآخرين.

    سعة الصدر وحسن الثقة

    ثانياً من الأسباب التي تدفع أو تهدئ الغضب: سعة الصدر، وحسن الثقة مما يحمل الإنسان على العفو، ولهذا قال بعض الحكماء: أحسن المكارم عفو المقتدر وجود المفتقر. فإذا قدر الإنسان على أن ينتقم من خصمه غفر له وسامحه: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43] .. (ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء) :

    هداني هادٍ غير نفسي ودلني     على الله من طرَّدتُّه كل مطردِ

    شرف النفس وعلو الهمة

    ثالثاً: شرف النفس وعلو الهمة..

    بحيث يترفع الإنسان عن السِّباب، ويرى أنه لا يجعل نفسه في هذا المقام..

    لن يبلغ المجد أقوام وإن عظمـوا     حتى يذلِّوا وإن عزوا بأقوام

    ويشتموا فترى الألـوان مسفرةً     لا صفح ذلٍّ ولكن صفح أحلام

    يعني: لا بد أن تعود نفسك على أن تسمع الشتيمة فيسفر وجهك، وتقابلها بابتسامة وضحكة عريضة، ليس على سبيل التمثيل، ولا تقل: لا أريد لخصمي أن يقطف زهرة الانتصار علي، وإنما تدرب نفسك تدريباً عملياً على كيفية كظم الغيظ..

    وإن الذي بيني وبين بني أبي     وبين بني عمي لمختلف جدا

    فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم     وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

    ولا أحمل الحقد القديم عليهـم     وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

    عود نفسك على هذه المقامات السامقة الراقية العظيمة .. نعم، إنها جرعة غيظ تتجرعها في ذات الله تعالى، يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه معاذ بن أنس الجهني عند أهل السنن وهو صحيح: (من كظم غيظاً وهو قادر على إنفاذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء).

    اسمحوا لي يا إخوة! فالكلام سهل وطيب، وأعتقد أن أي واحد منا يمكن أن يلقي محاضرة خاصة في هذا الموضوع، لكن بمجرد ما يواجه أول موقف يتغير عنده (الترمومتر)!

    استحياء الإنسان أن يضع نفسه في مقابلة المخطئ

    السبب الرابع: استحياء الإنسان أن يضع نفسه في مقابلة المخطئ..

    وقد قال بعض الحكماء: احتمال السفيه خير من التحلي بصورته، والإغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته.

    وهكذا قال لقيط بن زرارة وهو من حكماء وشعراء العرب، قال:

    وقل لبني سعد فمالي ومالكـم     ترقون مني ما استطعتم وأعتق

    لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف وقد ردوه شر رد، حتى إنه لم يفق إلا وهو بـقرن الثعالب ، فجاءه ملك الجبال وقال: (مرني بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، قال: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً).

    أيها الأخ الحبيب! إن هذه العضلة التي في صدرك وهي القلب، هذه العضلة مهمة جداً، وقابلة للتدريب والتمرين، فمرِّن عضلة القلب على كثرة التسامح، والتنازل عن الحقوق، وعدم الإمساك بحظ النفس، وجرِّب قلبك أن تملأه بالمحبة، فلو استطعت أن تحب المسلمين جميعاً فلن تشعر أن قلبك ضاق بهم، بل سوف تشعر بأنه يتسع كلما وفد عليه ضيف جديد، وأن يسع الناس كلهم لو استحقوا هذه المحبة، فمرِّن عضلات قلبك على التسامح، وفي كل ليلة -وهذه نصيحتي لإخوتي- قبل أن تخلد إلى النوم وتسلم عينيك لنومة هادئةٍ لذيذةٍ؛ سامح كل الذين أخطئوا عليك، وكل الذين ظلموك، وكل الذين حاربوك، وكل الذين قصروا في حقك، وكل الذين نسوا جميلك، بل وأكثر من ذلك؛ انهمك في دعاء صادق لله سبحانه وتعالى أن يغفر لهم، وأن يصلح شأنهم، وأن يوفقهم، ستجد أنك أنت الرابح الأكبر من مثل هذا، وجرِّب أيضاً أنه كما تغسل وجهك ويدك بالماء في اليوم الواحد بضع مرات، أو أكثر من عشر مرات؛ لأنك ستواجه به الناس، فإن هذا القلب هو محل نظر الرب تبارك وتعالى: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم) وفي لفظ: (وأعمالكم) هذا القلب الذي ينظر إليه الرب تبارك وتعالى من فوق سبع سماوات، احرص على ألا يرى فيه ربك تبارك وتعالى إلا الأشياء الطيبة، وكل ما يكره الله تعالى في هذا القلب تقوم بكنسه كنساً وترمي به -مع شديد الاحترام- في أقرب زبالة.

    صحِّح هذا القلب .. اغسل هذا القلب .. تعاهده بشكل يومي؛ لئلا تتراكم فيه الأحقاد والكراهية والبغضاء، والذكريات المريرة التي تكون أغلالاً وقيوداً تمنعك من الانطلاق، ومن المسير ومن العمل، ومن أن تستمتع بنومك وشربك وأكلك ويقظتك ومعايشتك لأهلك ومعاشرتك لهم، وجلوسك مع أطفالك، وقيامك بعملك .. تخلَّص من هذه الأشياء التي لا فائدة منها.

    قطع السباب وإنهاؤه مع من يصدر منهم

    السبب الخامس: قطع السباب وإنهاؤه مع من يصدر منهم:

    وهذا لا شك أنه من الحزم، حكي أن رجلاً قال لـضرار بن القعقاع : والله لو قلت واحدة لسمعت مني عشراً، فقال له ضرار : والله لو قلت عشراً لم تسمع مني واحدة.

    إنني أقول لك بالتأكيد وبالخبرة والمشاهدة: إن الجهد الذي تبذله في الرد على من قد يسبك أو يشتمك أو ينتقصك؛ إن هذا الجهد لن يعطي نتيجة مثل النتيجة التي جاء بها الصمت، ولكنك بالصمت حفظت لسانك ووقتك وقلبك، ولهذا قال الله تعالى لمريم عليها السلام : فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً [مريم:26] أحياناً الكلام والأخذ والعطاء والرد والمجادلة تنعكس على قلبك وتضر أكثر مما تنفع.

    رعاية المصلحة

    السبب السادس: رعاية المصلحة..

    ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بقوله: (إن ابني هذا سيد، ولعلَّ الله أن يصلح به بين طائفتين من المسلمين) فأولاً ذكر أنهم من المسلمين، وأثنى على الحسن بهذه المنزلة، وكان هو سيد شباب أهل الجنة مع أخيه الحسين ، فدلَّ هذا على أن رعاية المصلحة أحياناً تحمل الإنسان على الحرص على الاستماع وتجنب المخالفة.

    حفظ الإنسان لمعروف سابق

    السبب السابع: حفظ الإنسان لمعروف سابقٍ أو سالف.

    ولهذا كان الشافعي رحمه الله يقول:

    الحرُّ من راعى ودادَ لحظةٍ، أو تمسك بمن أفاده لفظة.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حسن العهد من الإيمان) وأمثلة ذلك كثيرة.

    سكوت الإنسان مكراً ودهاءً وانتظاراً للفرص

    السبب الثامن: أن يسكت الإنسان مكراً ودهاءً وانتظاراً للفرص.

    وهذا في نظري أنه لا بأس به؛ لأنه ربما إذا سكت الإنسان وانتظر زالت حرارة الغضب من نفسه، فإنه يكون قادراً على السيطرة عليها فيما بعد ذلك، ولهذا كانت العرب تقول: من أظهر غضبه قلَّ كيده.

    بعض الناس غضبه في لسانه، فإذا غضب زمجر وأرغى وأزبد وصرخ وتوعد وهدد، ثم بعد يوم تأتيه وكأن شيئاً لم يكن، بينما بعض الناس ربما يسكت ولكن يظل محتفظاً بالبغضاء، ولا شك أن الأول خير، ولكن خير منهما من لا يظهر الغضب عليه، لا في حاضره ولا في مستقبله، تقول العرب أيضاً:

    تعاقب أيدينا ويحلم رأينا     ونشتم بالأفعال لا بالتكلم

    وأيضاً من مشهور الأمثال العالمية أنهم يقولون: الذي يريد أن يفعل فإنه في الغالب لا يهدد.

    هذا من التشريع الذي فيه حفظ لحقوق الأخوة، فدعونا أيها الأحبة نتعلم مثل هذه الأشياء ونربي أنفسنا على هذه المعاني.

    1.   

    اختلاف الاجتهاد بين العلماء والدعاة

    وهذا الاختلاف أولاً أمر طبيعي لا حيلة فيه، بل من المصلحة بقاؤه، والله تعالى يقول: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4] فهذا جزء من خلقة الإنسان، الناس مختلفون في البصمة: بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ [القيامة:4] مختلفون في حدقة العين، مختلفون في نبرة الصوت .. هناك أيضاً كل إنسان له نبرة وبصمة وحدقة مختلفة في عقله وتفكيره، ونظرة في الأمور يختلف عن الآخر تماماً.

    أسباب الاختلاف بين العلماء

    إذاً: السبب الأول من أسباب الاختلاف هو: الاختلاف في التكوين الفطري والنفسي والجبلِّي، وفي المزاج الذي ركِّب منه هذا الإنسان، فـأبو بكر يختلف عن عمر وعن عثمان وعن علي ، فكل واحد له تكوين خاص يختلف عن الآخر.

    السبب الثاني هو: الاختلاف في التحصيل, أي: قدر ما حصَّله هذا الإنسان من المعرفة والعلم، ومن الفهم والإدراك.

    السبب الثالث هو: الاختلاف في الظرف الذي يعيشه هذا الإنسان؛ فإنه قد يعيش شخص ظرفاً معيناً يختلف عن الآخر بحسب تغير الأحوال والظروف، والمجتمعات، والسن، والحرب والسلم، والقوة والضعف، والصحة والمرض، وغير ذلك.

    ثم هناك سبب رابع وهو: الهوى الخفي.

    والهوى الخفي قلًَّ من يسلم منه، حتى ذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله أنه وقع فيه كثير من الأكابر من أهل الفضل والعلم، ومن السابقين من الأئمة والعلماء.

    إذاً: يوجد عند الإنسان أحياناً من الهوى الخفي الذي لا يشعر به صاحبه ولا يلام عليه؛ لأن فضل الله تعالى واسع وعظيم، وإن كان على الإنسان أن يراقب نفسه بشكل جيد، لكن يقع للإنسان أحياناً نوع من الهوى الخفي الذي لا يدركه، وقد يحمله على بعض المواقف.

    الاختلاف إذاً طبيعي، وهو جزء من الشخصية البشرية، ومن الحياة البشرية، ومن الحكمة الربانية .. اختلاف التنوع الهائل الضخم الذي بموجبه تعمر هذه الدنيا.

    لقد اختلف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم أنبياء الله ورسله .. اختلف موسى وهارون: وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ [الأعراف:150].

    واختلف موسى والخضر: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي [الكهف:66] .. أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا [الكهف:71] .. أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ [الكهف:74] .. لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف:77].

    واختلف موسى وآدم فقال موسى: (يا آدم! أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة بأكلك من الشجرة، فقال له آدم: ألست تجد يا موسى! وأنت الذي كلمك الله واصطفاك برسالته وكلامه أن الله تعالى كتب هذا عليَّ قبل أن يخلقني بكذا وكذا، فحجَّ آدم موسى، فحجَّ آدم موسى).

    والنبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به أيضاً ومرَّ على موسى قال له: ( إني جربت الأمم قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك -ومرة وثانية وثالثة وعاشرة- حتى قال: قد راجعت ربي حتى استحييت).

    إذاً هذا الاختلاف وقع حتى بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    أيضاً: اختلف الصحابة رضي الله عنهم في أسرى بدر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ترون؟ قال عمر رضي الله عنه) وهو الرجل الذي في جبلَّته وطبيعته وتكوينه الفطري أو النفسي الخلقي نوع من القوة والشجاعة والجرأة، حتى كان الشيطان يخاف منه، قال: (والله يا رسول الله! إني أرى أن تمكنني من فلان، وتمكن علي بن أبي طالب من عقيل، وتمكن الباقين من أقاربهم حتى يقتلوهم؛ فإن هذا أول يوم أعزَّ الله فيه الإسلام، فشرِّد بهم من خلفهم، وسأل أبا بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! أهلك وعشيرتك، وأرى أن تستأني بهم لعلَّ الله تعالى أن يهديهم إلى الإسلام -فهوى النبي صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قاله عمر ، وقال صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر : إن مثلك كمثل إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:36] ومثلك يا عمر كمثل نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً [نوح:26] أو كمثل موسى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ [يونس:88] ..) المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد القضية إلى نوع من التركيب الذي هو موجود حتى عند الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. أيضاً تجد الخلاف عند الأئمة، كأئمة الفقه -مثلاً- والتفسير، والحديث، في الأحكام، وفي الحكم على الأحاديث وفي تخريجها، وما أشبه ذلك من ألوان العلوم، فإن هذه الأشياء كلها موجودة وقائمة.

    ثلاثة أسئلة تطرحها على نفسك إذا اختلفت مع غيرك

    وإذا اختلفت مع أخيك في مسألة دينية أو علمية أو شرعية، فإني أقترح عليك أن تطرح على نفسك ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: هل أقول عن نفسي: أنا أعلم من فلان بالدين والشرع؛ ولذلك اختلفت معه؟ أو أعتقد أنه يكون له من العلم مثل الذي عندي أو أفضل؟

    السؤال الثاني: هل أعتقد أنني أعقل منه، وأنني قد أوتيت من الغريزة العقلية الفطرية المركبة في أصل تكويني، ومن قوة الإدراك وحدة الذهن ما لم يؤت؛ فأنا أعقل وأذكى منه، فلذلك أدركت ما لم يدركه؟

    السؤال الثالث: هل أعتقد أن عندي من الصدق مع الله سبحانه وتعالى، والإخلاص وسلامة النية والغيرة شيئاً ليس عنده ولذلك اختلفت معه؟

    كل هذه الأشياء الإنسان لا يزكي فيها نفسه، وإنما يقول: لعل أخي أعلم مني، ولعله أعقل مني، ولعله أصدق وأخلص وأغير مني، فهذا لا يعني أن أتابعه، ولكن يعني أن أعذره.

    1.   

    نقاط مهمة في توظيف الخلاف لجمع الكلمة

    وفي هذا السبيل في مجال الاختلاف في الانتسابات الدعوية وفي الاجتهادات العلمية بين الدعاة وبين العلماء وغيرهم، هنا عدة نقاط:

    عدم نسبة الإنسان رأيه واجتهاده

    النقطة الأولى: قضية عدم نسبة الإنسان رأيه واجتهاده إلى الدين:

    فإن بعض الإخوة إذا اختلف ربما نسب قوله إلى شريعة الله، وحكم على من يخالفونه بأنهم كأنهم يردون على الله والرسول، فيقول مثلاً من قال كذا وكذا فكأنه يقول: لا سمع ولا طاعة لك يا رسول الله، مع أنه لا يوجد أحد من المسلمين يقول هذا، وإنما هم ينازعونك في القول الذي تقوله، هل يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم أم لا يقوله؟

    فينبغي على الإنسان أن يتعود على احتمال وجهات نظر الآخرين فيما يحتمل مثل هذا.

    التعاون بين المختلفين والتنسيق بين الدعاة وترك الترفع

    النقطة الثانية: قضية التعاون على البر والتقوى بين المختلفين، والتنسيق بين الدعاة من غير أنفة ولا ترفع ولا استعلاء.

    فإن الميادين اليوم مكشوفة، والحاجة إلى الدعوة وإلى جهود الدعاة ضخمة جداً، فينبغي أن يكون ثمة تعاون، وأن نضع أيدينا في أيدي بعض، فالبعض من الإخوة قد يمتنعون من التعاون بدافع تنظيمي كما يقال، أي: أنه يرى أنه ليس من المصلحة ذلك؛ ولذلك لا يقوم به، والبعض قد يمتنع بدافع تنظيري، أي: أنه يرى أنه لا يجوز أو لا يشرع له أن يتعاون مع إخوانه في الله تبارك وتعالى.

    وفي نظري أن من الحكمة والحزم الاستفادة ممن دونك مهما كانوا، الاستفادة من الآخرين أن تنتفع بتجاربهم أو تتعاون معهم، والله تعالى أمر بذلك في محكم التنزيل، فأصبح هذا الأمر من الواجبات: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] فدعونا نعزز روابط التعاون والأخوة والتنسيق بين المؤمنين، ونتجنب عوامل الفرقة والاختلاف.

    العناية بجوانب الاتفاق أكثر من جوانب الاختلاف

    النقطة الثالثة: قضية العناية بجوانب الاتفاق أكثر من جوانب الاختلاف:

    لأن هذه الجوانب التي نختلف حولها قليلة، ولكنها تكبر بالتركيز عليها، وأضرب لذلك مثلاً صغيراً أكرره أحياناً لبعض الإخوة: عندما تصلي مع الجماعة، ويصلي إلى جوارك أخوك المسلم؛ تجد أنك تراقبه .. كيف يهوي في سجوده؟ أين يضع يديه؟ كيف يحرك إصبعه السبابة في التشهد؟

    فهذه الأشياء التي تعودنا أن نراقبها حتى نحكم عليها، وبعد الصلاة ربما أمسكه وأقول: أنت تفعل كذا.. لماذا؟ بينما نسيت أنك تتفق معه في أصول الدين وأركان الإيمان، في أركان الإسلام، وصلاة الجماعة، وأركان الصلاة، وشروط الصلاة، وواجبات الصلاة، بل في معظم سنن الصلاة، في (90 أو 80%) منها، والخلاف هو في (10%) من السنن فقط، ومع ذلك ربما كبرها الشيطان، وقد ذكر أبو بكر بن العربي أن شيخه أبا بكر الطرطوشي ذهب إلى بلاد الأندلس ، وصلى عند حاكم هناك، فكان يرفع يديه عند التكبير وعند الركوع وعند الرفع منه، قال: فأمر هذا الحاكم بأن يقتل الشيخ.

    قال أبو بكر بن العربي : فأصابني ما قرب وما بعد، وأتيت إليه وقلت: غفر الله للأمير، أصلح الله الأمير، هذا شيخ الأمة، هذا فقيه الوقت، كيف يقتل بمثل هذا؟

    قال: لماذا يرفع يديه؟

    قال: فما زلت به حتى بينت له أن هذه هي السنة، وأن هذا وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقول لكثير من أهل العلم، قال: فسكن، وإلا كاد أن يقتله.

    وهدد أحدهم أخاه وقد رآه يحرك إصبعه بطريقة معينة، هدده بأنه سوف يقطع إصبعه.

    ودعوني أذكر لكم هذه الحادثة التي وقعت لي شخصياً، ونحن نتكلم الآن عن تجنب الخلاف وعدم التركيز على عوامل الفرقة، هذا الكلام قلته كثيراً .. قبل أسبوع صليت بجوار أحد الشباب، فلما كنا في التشهد جاءني وتسلل إليَّ الشيطان وقال: انظر هذا الشاب كيف يحرك إصبعه؟ فنظرت فوجدته يحرك إصبعه محنية ويحركها باستمرار، فبدأ الشيطان يهمس لي وقال: ألا تلاحظ أنه يعتمد على حديث ضعيف وهو: (أنه حناها شيئاً ما) هذا الحديث لا يثبت عند أهل العلم، والشيطان أحياناً يصدق وهو كذوب، وقد ينقل الإنسان من المفضول إلى الفاضل بدلاً من أن تقبل على صلاتك أو تحقق أخوتك، يحاول أن يشغلك بذكريات من الأمور العلمية التي هي موجودة ومستقرة، لم يضف شيئاً جديداً لكنه بعثها وأشغلك بها.

    ثم قال أيضاً: ألا تلاحظ أن كثرة حركته للإصبع لا تتناسب مع خشوع الصلاة وسكونها وهدوئها. فصرت في حديث وحوار في هذا الموضوع، واستيقظت على سلام الإمام.

    فلاحظ هنا أننا بحاجة كبيرة جداً إلى أن نتدرب مرة وعشراً ومائةً وألفاً على قضية التركيز على عوامل الاجتماع وجوانب الوحدة بيننا، وهي كثيرة وعظيمة جداً، وعزل جوانب الاختلاف، وألا نلغيها ولكن لا نضخمها أولا نبالغ فيها.

    التخصص والتناوب في الأعمال

    النقطة الرابعة قضية التخصص والتناوب في الأعمال..

    بحيث يكون اختلافنا من اختلاف التنوع كما يقال، أو كما يطلق بعضهم: كلانا على خير، هذا مشغول بدعوة، وهذا مشغول بإغاثة، وهذا بتعليم، وهذا بعلم، وهذا بإصلاح، وفي كلٍ خير، ولا أحد يستطيع أن يستوعب الخير كله.

    هذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كان قائداً للجيوش، ولما انتهت مهمته في الحرب كان يصلي بالناس فيقرأ بقصار المفصل، ويقول: [شغلني الجهاد عن القرآن] بينما أبو هريرة رضي الله عنه لم يقد جيشاً ولا معركة، وإنما كان معروفاً بنقل العلم وروايته وحفظه.

    ينبغي أن ندرك -أيها الأحبة- أن شمولية الإسلام لا تقتضي شمولية المسلم، نعم.. الإسلام دين شامل للحياة كلها، لكن المسلم ليس هو تعبيراً كاملاً عن الإسلام ولا شمولية له، ولهذا قد يتخصص في شيء أو ينشغل بشيء، أو يعتني بأمر دون غيره.

    الخطوط المتوازية

    النقطة الخامسة: قضية الخطوط المتوازية:

    فلا يلزم أن نتقاطع دائماً إذا اختلفنا، أو يدمر بعضنا جهود بعض، حتى لو لم يكن لديك قناعة بما يفعله الآخرون دع الأمر للوقت، ربما يتبين مع الأيام أن ما كان يفعله صواباً أو خطأ، أو أن فيه بعض الصواب وبعض الخطأ.

    أحياناً فرط إحساسنا -أيها الإخوة- بالمسئولية، كأننا مسئولون عن الأمة، وعن الناس، وعن الدعوة، وعن العلم، فرط الإحساس يحملنا على توزيع البطاقات الحمر ذات اليمين وذات الشمال مع كل من نختلف معهم في الرأي أو في الاجتهاد, أو في القول، أو في الانتساب, أو حتى في المزاج في بعض الأحيان.

    وربما نقوم بمراقبة الآخرين ونفتح ملفات لأخطائهم، فعندنا قائمة بماذا أخطأ فلان وماذا أخطأ علان.. وهذا في الواقع هو إلى الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان من أقوال عيسى عليه السلام: لا تنظروا في أعمال الناس كأنكم أرباب، بل انظروا فيها كأنكم عبيد.

    ولذلك يقال: إن رجلاً اغتاب بعض الصالحين عند ابن المبارك، فقال له: غزوت الروم ؟ قال: لا.. السند؟ قال: لا.. الديلم؟ قال: لا.. الترك؟ قال: لا، قال: سلم منك الروم والهند والسند والديلم والترك؛ ولم يسلم منك أخوك المسلم!!

    ولذلك تجد أن كثيراً منا ربما لا يستخدم الأسلوب نفسه مع أعداء الإسلام، ولو قيل له في ذلك لم يعر اهتماماً لهذا، وقد لا يعتني بمتابعة الأحوال والأوضاع والمتغيرات التي لها أثر عقيم وعظيم في واقع الأمة، وفي سلوكها، وفي حاضرها ومستقبلها، ورجالها ونسائها، ولها تأثير في غاية الأهمية، ربما يرى أن الاشتغال بمثل هذه الأشياء نوع من الفضول، ويعتني ببعض الخلافات التي تقع مع إخوانه المسلمين.

    أذكر الإخوة في هذا المجال بقضية التعاون، وقضية أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، الشافعي رحمه الله كان يقول:

    قالوا يزورك أحمد وتزوره     قلت الفضائل لا تغادر منزله

    إن زارني فبفضله أو زرته     فلفضله فالفضل في الحالين له

    وأحمد رحمه الله كان يقول: الشافعي كالشمس للدنيا والعافية للبدن، فهل ترى لهذين من عوض، أو عنهما من خلف؟!!

    وكان يقول أيضاً: كنا على خلافٍ مع أهل الرأي -من أصحاب أبي حنيفة من أهل الكوفة - حتى جاء الشافعي فأصلح بيننا.

    وكثيراً ما كان يقول: إنه قلَّ ما أصلي إلا ودعوت الله تبارك وتعالى له.

    ومالك هو أحد شيوخ الإمام الشافعي .

    وهكذا تجد أن هؤلاء الأئمة كانوا كلهم كأنهم عائلة واحدة وأسرة واحدة.

    التفريق بين الثوابت والمتغيرات

    النقطة السادسة: قضية التفريق بين الثوابت والمسلمات القطعية المعروفة من الدين بالضرورة، وبين الاجتهادات والمتغيرات والأشياء القابلة للأخذ والرد..

    فبالنسبة للثوابت والمسلمات هي محكمات في دين الله عز وجل، لا مجال للاختلاف حولها؛ من نصوص الكتاب والسنة، وإجماعات السلف الصالح رضي الله عنهم الصادقة القطعية، وهذه الأشياء هي معقد الولاء والبراء بين المؤمنين، وهي أصل الدين، ولهذا يسميها ابن تيمية رحمه الله: الدين الجامع؛ لأنه لا خلاف حولها، وهناك الأمور التي يقع فيها اختلاف، بعضهم يحدث عنده خلل، فربما يشكك في المحكمات، كما نجد في بعض المدارس الفكرية المعاصرة، في كثير من المؤلفات والمصنفات والكتب، فقد أصبحت تشكك في بعض محكمات الدين وقطعياته وضرورياته، وتحاول إعادة فهم القرآن الكريم، وهذا لا شك أنه انحراف خطير يفضي بأصحابه إلى خارج الدائرة الإسلامية.

    لكن ثمة خلل آخر يقع أيضاً، وهو أن يقوم البعض بما أسميه التخريج على الثوابت، وأعني به أن يخرج الإنسان بثوابت الدين وقطعياته ما ليس منها، ليعزز اختصاصه بشيء أو تميزه بشيء، أو ليخرج غيره ممن يختلفون معه، ولهذا أقول: إن حكاية (المنهج) وربما الكثيرون يطلقون كلمة المنهج المنهج المنهج.. علينا أن ندرك أن كلمة (المنهج) لا تعني إلا الكتاب والسنة والدين الصحيح، عندما يقول الإنسان: نتمسك بالمنهج وما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم، يجب ألا يعتمد فيه على الرأي المجرد، أو الاجتهاد الخاص، وإنما على النقل المحقق، وحتى القول لواحد من أئمة السلف، كأن يكون قولاً لـأحمد أو الشافعي أو مالك أو الأوزاعي أو سفيان أو الزهري، فإنه لا يتحول إلى منهج بمجرد كونه قولاً قاله، وإنما المنهج هو ما أجمعوا وأطبقوا عليه وانطلقوا منه.

    الخلاف إذاً لا يكون في الثوابت والمسلَّمات وإنما يكون فيما وراء ذلك.. يكون في الفقهيات والفروع وهي كثيرة جداً، وأمور عملية؛ كالخلاف في بعض مسائل الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج، وكان الصحابة رضي الله عنهم يختلفون فيها.

    أيضاً: يكون الاختلاف في الوسائل وليس في الغايات، الغاية واحدة لكن اختلفنا في وسيلة معينة.. هل نستخدم هذه الوسيلة أم تلك؟

    البعض -مثلاً- قد يتحدثون عن الاختلاف في استخدام التقنيات الحديثة في الدعوة إلى الله عز وجل، أو استخدام طريقة معينة في دعوة الشباب، يكون الاختلاف في الأساليب لا في الأهداف، فالأهداف واحدة لكن أسلوب الدعوة أن يكون بشدة أو بلين، أو بطريقة أو بأخرى، أو بصورة فردية أو جماعية، هذا أيضاً أسلوب لا يؤثر الاختلاف فيه.

    مثال ذلك أيضاً: الاختلاف في نوازل الأمة التي تلاقيها، فإن الخلاف في هذه النوازل والأمور الواقعة الحادثة الجديدة التي لا سابق لها، يحتاج إلى نظر وإلى تأمل وإلى استنباط: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83].

    1.   

    أهمية إعطاء الأزمات والمحن حقها

    فإننا اليوم نعيش في أزمة ومحنة لا يعملها إلا الله عز وجل، ولو قلت: إنه منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى اليوم لم يطرق ناموس هذا العالم مثل هذه المصائب الضخمة الهائلة التي تحيط بالمسلمين من كل مكان.. إن مثل هذه المعاناة التي نجدها اليوم توجب علينا -أيها الإخوة- وإن لم يكن المقام مقام الحديث عن هذه الأزمة، فلها حديث مفصل ومطول، وربما بعض المقالات والكتابات التي كتبت حول قضية التوظيف الإيجابي للأحداث، أو حول واجب الوقت، فيها بعض الإشارات إلى ما يجب علينا أن نعمله: أن نوحد صفوفنا، وأن نتقارب فيما بيننا، وأن نهدئ من عوامل الفرقة والانشقاق في وجودنا وفي أشخاصنا وفي حياتنا، إن الله تعالى يقول: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46].

    إن من السخرية أن تهيمن على الحياة الإسلامية نظم غربية، وأن تبدأ القوى الإمبراطورية باحتواء المسلمين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً؛ بينما نجد أن كثيراً من المسلمين يلتقطون كسرة خبز، ويتصارعون حولها في زاوية صغيرة، وكأنهم لم يشعروا بصخب الحياة وضجيجها من حولهم.

    أيها الإخوة: لا أزيد على ما تعرفونه من معاناة المسلمين في أرض فلسطين من الصلف اليهودي، والعدوان الغادر، وقتل الرجال والنساء والصبيان والأطفال، وهدم المنازل، واستهداف الرجال بكافة وسائل القتل والاغتيال وسفك الدماء، لا تقتصر على أن يكون همك نفسك، اجعل همك واسعاً؛ همّ الأمة كلها، أشركهم في دعائك..

    وإني لأدعو الله حتى كأنما     أرى بجميل الظن ما الله صانع

    أشركهم في دموعك.. أعطهم دموعاً تغرف من قلبك حينما ترى هذه المصائب التي تنزل بهم.. أشركهم في إمكانياتك وقدراتك، إن كان عندك شيء من مال، كما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال صلى الله عليه وسلم: ولو بشق تمرة).

    أيضاً: اصنع الحياة، ولا تقتصر على مجرد معالجة الأزمة أو الوقوف معها.. اصنع الحياة.. ابن نفسك بناءً أخلاقياً علمياً تربوياً دعوياً .. اكتسب المهارات والمواهب والقدرات .. رب إخوانك وأولادك ومن حولك .. دعونا نصنع الحياة الإسلامية المستقرة، فإن هذه الأشياء المطلوبة من الأمر بالمعروف لا ينبغي أن تتوقف بسبب أزمة عابرة مرت بنا.

    إنني أؤكد لك والله تعالى أعلم بالغيب: أنه ربما تكون الأيام المقبلة لا تختلف اختلافاً كبيراً جداً عن الأوضاع التي يعيشها الناس اليوم.. نعم، تتفاوت أشياء سوف تسوء وأشياء سوف تتحسن، سوف تأتي أمور صعبة، وأمور ربما تتحول إلى فرص، لن يكون كبير شيء في المستقبل إلا ما يصنعه الناس بجهودهم وصبرهم ومعاناتهم، وعليك ألا تفقد صبرك واتزانك وتفكيرك..

    عليك أن تخطط، فإن عدوك إنما غلبك بالتخطيط وبُعد النظر، وألا تقبل الاستفزاز، بل وعليك ألا تسمح لهذه الأزمات أن تقلق راحتك أو تزيل سكينتك، أو تنقلك من هدوئك.

    أقترح عليك أن تسعد وأنت نائم، وأنت صاح، وفي مأكلك ومشربك، ومع زوجتك ومع صبيانك، احضنهم وداعبهم واضحك معهم وعلمهم وتعلم منهم، ولا تظن أن هذا يتنافى مع صدق الإحساس بالمصيبة التي تنزل بالأمة، بل ربما هذا هو المناسب، ولهذا امتن الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] في ظروف ومحن صعبة كان يواجهها صلى الله عليه وسلم، وكان الدين يواجه خطر الاستئصال أيضاً، ومع ذلك فإن انشراح الصدر وهدوء النفس وقرة العين والسكون هو أهم شيء من شأنه أن يجعل الإنسان يتصرف ويعمل بشكل صحيح.

    أنتهي من هذه الكلمة المختصرة أيها الإخوة! وفي النفس حاجات إليكم كما هي، ولكن الوقت لا يسمح بأكثر من ذلك، فلعلَّ الله سبحانه وتعالى بمنه وفضله أن يأذن بلقاءات أخرى.

    وأشكركم أنتم أيها الإخوة! يا من حضرتم وتجشمتم العناء، واقتطعتم هذا الجزء من وقتكم، وإذ فعلتم ذلك فأدعو الله تعالى لكم جميعاً: اللهم أنزل على إخواننا من فضلك ورحمتك يا حي يا قيوم ما تلم به شعثهم، وتهدي به قلوبهم، وتصلح به شئونهم، وتهديهم به إلى ما تحب وترضى، اللهم أصلح نياتهم وذرياتهم، وارزقهم العلم النافع والعمل الصالح، واجمع قلوبهم على البر والتقوى، واجعلهم من ورثة جنة النعيم.

    1.   

    الأسئلة

    حقيقة التقريب بين الطوائف والفرق

    السؤال: هناك دعوات للتقريب بين المذاهب ونبذ الخلاف، أعني: إلى التقريب بين أهل السنة والرافضة، فما رأيكم فيمن يتكلمون في ذلك؟

    الجواب: إن الكلام الذي قلناه واضح من حيث التأصيل والحديث، إن الكلام يتعلق بمن هم على أصل اتباع ما كان عليه سلف هذه الأمة من القرآن والسنة والإجماع أياً كانت الأسماء.

    أما ما يتعلق بقضية الموقف من المخالفين في أصل من الأصول كـالخوارج مثلاً، أو الشيعة أو غيرهم، فهذا موضوع آخر وله حديث، ربما كنت ذكرت جوانب منه؛ لكن الوقت لم يسمح لي بعرضها، وهناك جوانب منها:

    أولاً: ما يتعلق بضرورة العدل في الحكم.

    فـالخوارج مثلاً هم شر فرق أهل الإسلام، حتى إنه صح الحديث فيهم عن النبي صلى الله عليه وسلم من نحو عشرة أوجه كما قاله الإمام أحمد ، ولم يرد في السنة شيء يصح في أهل البدع إلا ما ورد في الخوارج ، ومع ذلك كان القول الراجح الصحيح الذي عليه الصحابة والتابعون وأكابر أهل العلم, وفصله ابن تيمية تفصيلاً: أنهم لا يكفرون، ولهذا لما سئل عنهم علي رضي الله عنه: [ أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، قيل: فهم منافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً وهؤلاء يذكرون الله بكرة وعشياً، قالوا: فما نقول؟ قال: إخواننا بغوا علينا ] إذاً لابد من العدل، فلم نتكلم فيما يتعلق بموضوع الشيعة مثلاً، وليس هذا المجال مناسباً للحديث، لكن خلاصة كلام أهل العلم، خلاصة ما ذكره الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى في منهاج السنة أو في الصارم المسلول أو في غيره، التفصيل في شأنهم:

    القسم الأول: هناك أقوال لا شك أنها كفر، فمن ادعى -مثلاً- أن جبريل خان الرسالة، أو أن عائشة الصديقة رضي الله عنها -وقد برأها الله- وقعت في الفاحشة، أو ادعى أن القرآن محرف، أو ادعى كفر الصحابة؛ فهذه الأقوال لا شك أنها كفر.

    القسم الثاني: أن يوجد هذا القول عند الإنسان ولكنه لا يجهر به ولا يقوله، بل ينفيه وينكره ويدعي خلافه، فهذا أمره إلى الله تعالى، وظاهره أنه مسلم ويعامل معاملة المسلمين، وحاله مثل المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، والمنافق يعامل معاملة المسلم.

    القسم الثالث: من لا يعتقد هذه الأشياء ولا يقول بها، ولا يدين بها ظاهراً ولا باطناً، ولكنه يقع في نوع من المخالفة والبدعة، كـالمفضلة -مثلاً- الذين يفضلون علياً رضي الله عنه على الشيخين، أو يقعون في بعض البدع العملية، فهذا مسلم ولكنه واقع في شيء من البدعة.

    الأمر الثاني: ينبغي أن أؤكد أن هذه الأمم الموجودة داخل الأمة الإسلامية هي بأمس الحاجة إلى الدعوة إلى الله تعالى؛ لأنك لا تصنع شيئاً بمجرد الكلام ومجرد إصدار الأحكام، ولكنك تستطيع أن تصنع الكثير من خلال الدعوة بالتي هي أحسن، والخلق الطيب، ولا يمكن أن تدعو إنساناً وأنت تقسو عليه، كما قال الإمام أحمد : قلَّ ما أغضبت أحداً فقبل منك. فلا بد أن يكون هناك خلق طيب، وسلوك مستقيم، ومعاملة بالحسنى، ويكون ذلك سبباً إلى دعوة هؤلاء الناس بالأسلوب الأمثل المناسب إلى الله تعالى وإلى السنة النبوية.

    الأمر الثالث وهو أيضاً نقطة مهمة: أننا نلاحظ أن خصوم الإسلام يحاولون أن يوظفوا جميع التناقضات الموجودة داخل المجتمع الإسلامي، فعلوا هذا في أفغانستان، وأعتقد أنهم سيفعلونه في العراق ، فهم سيحاولون توظيف العرب ضد الأكراد والأكراد ضد العرب، والشيعة ضد السنة والسنة ضد الشيعة ، والقبائل ضد بعضها، وهكذا سيحاولون أن يلعبوا على هذه التناقضات.. إذاً: من السياسة الشرعية ومن الحكمة أن يكون هناك نوع من التعقل في دراسة هذه الأمور وتناولها وتعاطيها, بحيث يستطيع الإنسان أن يجمع بين بيان الحق بأدلته الشرعية وإقامة الحجة على الناس، وإظهار الصواب والقرآن والسنة وأقوال أهل العلم دون أن يفضي الأمر إلى نوع من إثارة خلاف أو صراع في ظرفٍ ربما لا يكون هو الأفضل والأنسب.

    أؤكد أن الموضوع هذا يتطلب وقتاً مطولاً؛ ولذلك الكلام ربما يكون فيه نقص، لكن لعله يكون له فرصة أخرى إن شاء الله.

    التكفير عند أهل السنة والجماعة

    السؤال: ما هو معتقد السلف في قضية التكفير؟ وهل من أعمدة أهل السنة والجماعة ... ؟

    الجواب: صحيح أن هذا موضوع التكفير يحتاج لا أقول محاضرةً بل يمكن دورة أحياناً، لكني أريد أن أقول:

    أولاً: التذكير بقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصحيح من حديث ابن عمر وغيره: (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما) والحديث الآخر: (فإن كان كذلك وإلا حار عليه) وقوله صلى الله عليه وسلم هذا يؤكد على أن المسلم ينبغي أن يتوقى الحكم بالتكفير، حتى لو كان الشخص يحتمل أن يكون كذلك؛ لأنه لو لم يكن كذلك رجع التكفير عليك، لكن دعونا نتذكر هذه النقطة المهمة جداً ونعتبرها قضية منهجية، فعندما ننظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هل نجد أنه كفَّر أحداً ممن ادعى الإسلام؟!!

    لا. المنافقون مثلاً قال الله سبحانه وتعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة:101] فهو سبحانه يعلمهم، ومع ذلك لم يعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعاملهم معاملة المسلمين.

    الرجل الذي قال: (اعدل يا محمد) وفي مرة قال: (هذه قسمة ما أريد بها وجه الله) ومع ذلك قال بعض الصحابة عمر أو غيره: (دعني أضرب عنقه يا رسول الله! قال: لعلَّه أن يكون يصلي) وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) وهذا الحديث عظيم، ذكر فيه ابن تيمية رحمه الله أن كل من توضأ بنية وصلَّى فهو مسلم، إلا أن يكون منافقاً؛ عادة المنافق ألا ينوي، لكن من توضأ بنية وصلَّى بنية فالأصل أنه مسلم، حتى لو وقع في أخطاء، ويقول رحمه الله: كائناً ما كان خطؤه.

    فمسألة التكفير ليست بالمسألة الهينة، قد يقع الإنسان أحياناً في كفر ولكن لا يوصف بأنه كافر؛ لأنه يقع فيه بسبب التأويل، أو بسبب الجهل، أو الإكراه، فيوجد نوع من العوارض الأهلية التي تمنع من إصدار الحكم عليه.

    كذلك الصحابة رضي الله عنهم والخلفاء الراشدون، هل تجد أنهم كانوا يصدرون أحكاماً بالتكفير على أحد؟!!

    ربما تقرأ سيرتهم فيعييك أن تجد أنهم حكموا على شخص واحد ممن يدعي الإسلام بالتكفير.

    ثم انظر للسلف كالأئمة الأربعة مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، كم عدد الأحكام التي أصدروها على الناس؟ وهل كان يوجد هناك كفار؟ هل كان هناك منافقون؟ هل كان يوجد مذاهب ونحل باطلة؟ بلى؛ كانت توجد، ولكنهم كانوا يعالجون هذه النحل، ويردون عليها، ويبينون الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، دون أن يقحموا أنفسهم في الحكم على الشخص المعين، فالأصل أن من ادعى الإسلام يسلم له بهذه الدعوى، وحتى لو وقع في نوع من الكفر؛ فإنه قد يكون ذلك بتأويل أو بجهل أو بإكراه، فلا يحكم عليه إلا بعد توفر الشروط وزوال الموانع، كما نص عليه الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    ولأن يخطئ الإنسان في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، فمسألة كون كثير من الإخوة أحياناً ربما يحملهم فرط الغيرة أوالخلاف مع شخص، أو كأن سمع كلمة بشعة أو فظيعة استعجل في التكفير، وربما لو سألته: هل أنت متأكد أن فلاناً قال هذه الكلمة؟ قال: والله ما أدري، وإنما سمعت فلاناً يقول.

    إذاً عليك بالآتي:

    أولاً: تأكد أن كون هذا الإنسان قال هذه الكلمة.

    ثانياً: تأكد أن هذه الكلمة لا تحتمل تأويلاً آخر إلا الكفر، أي: ليس لها إلا وجهاً واحداً، أنا رأيت من قد يتعجل بتكفير الناس بأقوال أقول: إنها ليست خطأ أصلاً، فضلاً عن أن تكون قولاً مرجوحاً.

    فأحياناً ربما قصر فهم الإنسان أو عدم إدراكه يجعله يتسرع في الحكم على الآخرين بالتكفير ولا فائدة، ثم ماذا إذا كفرته؟ هل أنت قاضٍ؟ هل أنت حاكم؟ إنما مثلك مثل غيرك أنك من المسلمين بشر ممن خلق: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:284] والأولى ألا يتسرع ويتجرأ الناس على إطلاق أحكام التكفير، احكم على الفعل، أحياناً تستخدم لغة القرآن والسنة فإنها تكفيك، فالله سبحانه وتعالى عندما يقول مثلاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51] لم يقل: فإنهم من الكافرين، أو فهو كافر، قال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] والآية الأخرى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [الممتحنة:1] إلى قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [الممتحنة:1] فأحياناً لغة القرآن والسنة تغني عن الدخول في مضايق أو متاهات ربما تصبح أسلوباً أو منهجاً قد يتسامح فيه ويتسرع فيه بعض الناس حتى لمن لا يستحق.

    اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، والطف بإخواننا المسلمين في كل مكان.

    اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العليا، واسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا أرحم الراحمين! يا واحد يا أحد يا صمد! يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد! يا منان! يا بديع السموات والأرض! اللهم احفظ إخواننا المسلمين فوق كل أرض وتحت كل سماء، اللهم احفظهم في كل مكان، اللهم احفظهم يا خير الحافظين، اللهم سدد سهامهم ورأيهم ورميهم واجمعهم على الحق والهدى، اللهم انصرهم يا خير الناصرين، اللهم اخذل أعداء الإسلام والمسلمين، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم يوماً أسوداً كيوم فرعون وقومه، اللهم إنهم قد طغوا وبغوا وتجاوزوا الحد فهيئ لهم يداً حاصدة لا تبقي ولا تذر.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.