إسلام ويب

فتنة النساءللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أشد ما يُخاف على الرجال هي فتنة النساء، وقد جاء الإسلام بمقاصد كلية منها: حفظ الأعراض، وشرع لأجل ذلك التدابير الواقية من الافتتان بالنساء المؤدي إلى هتك العرض، كما شرع سبل الحلال التي تحفظ العرض، وتشبع الرغبة عند الناس.

    1.   

    عظم الفتنة بالنساء

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

    اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد أيضاً:

    فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر)، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان الذي امتن الله عليه بعصمته من الفتن، وبتثبيته إذا ابتلي بالصبر، فإنه هو السعيد حق السعادة، فكلمة الفتن تنصرف في أذهاننا إلى فتن آخر الزمان، وما يكون من أشراط الساعة.

    لكن الفتن منها هذا القسم بلا شك، وقد بدت ولاحت كثير من علامته، ومنها فتن موجودة مع البشر بحكم كونهم بشراًً، سواء في ذلك فتنة الشهوات، أو فتنة الشبهات، وأشد فتنة من فتن الشهوات هي الفتنة بالنساء، فمن ثم اختصت هذه الفتنة بكثير من التحذير والاحتياط، والتنبيه على لسان الشرع الشريف.

    تحذير الشرع من خطر الفتنة بالنساء

    كان الإشفاق من وبال هذه الفتنة أشد ما خامر قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشد ما أشفق منه على أمته، وفي سبيل تحذير هذه الأمة من خطر هذه الفتنة ألقى على السابقين الأولين من المسلمين كلمته خالدة: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه).

    بين لنا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كيف أن الافتتان بالمرأة قد يؤدي إلى إحباط عمل من أفضل ما يتقرب به إلى الله عز وجل، ألا وهو الهجرة إلى الله سبحانه, وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

    وأشار القرآن الكريم إلى خطر فتنة المرأة فقال سبحانه وتعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران:14] فقدم سبحانه وتعالى على رءوس هذه الفتن كلها فتنة النساء لعراقتهن في هذا الباب؛ ولأن أكثر الرجال إنما دخل عليهم الخلل من قبل هذه الشهوة، لعله لأجل ذلك أيضاً قدم الله سبحانه وتعالى المرأة على الرجل في قوله عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2] لأن دواعي الفتنة قد تكون من جانب المرأة إذا تساهلت في هذا أكثر منها من جانب الرجل، في حين قدم الرجل في السرقة لأنه هو الحريص على جمع المال؛ لأنه المسئول عن النفقة فقدم سبحانه وتعالى الرجل فقال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ [المائدة:38] ، أما في الزنا فإن الخلل إذا أتى من قبل المرأة تكون الفتنة أشد.

    وقال سبحانه وتعالى حاكياً عن عزيز مصر قوله: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف:28] ، ثم حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتنة المرأة ونصح لأمته في هذا الباب أعظم النصح فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء).

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان) قال بعض العلماء: المعنى المتبادر من هذا الحديث أنه ما دامت المرأة في خدرها لم يطمع فيها الشيطان وفي إغواء الناس، فإذا خرجت المرأة من بيتها الذي هو قرارها ومستقرها طمع فيها الشيطان وأطمع فيها الناس؛ لأنها حبائله.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (استشرفها الشيطان) أصل الاستشراف وضع الكف فوق الحاجب حينما تريد أن تطل على شيء بعيد.

    يقول المنذري : يستشرفها الشيطان أي ينتصب ويرفع بصره إليها، ويهم بها؛ لأنها قد تعاطت سبباً من أسباب تسلطه عليها، وهو خروجها من بيتها. وهذا في حق شياطين الجن، فما بالك بشياطين الإنس في هذا العصر الذين هم أضر على المرأة من ألف شيطان جني، حيث إن أغلب هؤلاء الشباب لا مروءة عندهم ولا دين ولا شرف، ويتعرضون للنساء بشكل مفجع وهيئة تدل على خساسة ودناءة وانحطاط، فلا شك أن فتنة هؤلاء الشباب بهذه المرأة إذا خرجت -خاصة إذا خرجت أيضاً متبرجة- شديدة.

    وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أيضاً: إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس، فيستشرفها الشيطان فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتيه، وإن المرأة لتلبس ثيابها فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضاً أو أشهد جنازة أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها.

    فأعظم أنواع العبادة وأعلى درجات الحجاب أن تعبد المرأة ربها في داخل حدود بيتها، كما أمر الله سبحانه وتعالى في القرآن العظيم: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] .

    فتنة نساء بني إسرائيل

    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). أوغل بنو إسرائيل في المعاصي، وتفنن نساؤهم في فتنة الرجال؛ لذلك حذرنا النبي عليه السلام من هذه الفتنة، وقرن هذه الأمة ببني إسرائيل مباشرة؛ لأنها أكبر الأمم التي سبقتنا، والقرآن يربط بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وبين هذه الأمة وبني إسرائيل. وعلى أي الأحوال فإن نساء بني إسرائيل أوغلن في المعصية. ومن مظاهر تفننهن تفنن نساء بني إسرائيل في فتنة الرجال ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في قوله: (كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتماً من ذهب مغلق مطبق ثم حشته مسكاً، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها فقالت: بيدها هكذا) يعني جعلت في هذا الخاتم مسكاً ثم جعلت له شيئاً مثل الغطاء فإذا مرت بمجلس رجال وأرادت أن تفتنهم حركت هذا الغطاء حتى تفوح هذه الريح، وفي رواية: (فكانت إذا مرت بالمجلس حركته فتمسح ريحه أو فتنفخ ريحه) فينشر ريحه في الجو لتفتن بهذا الطيب الرجال. أيضاً هذه المرأة كانت قصيرة، وكانت ستظهر قصيرة إذا مشت مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وهو يشبه ما يسمى الآن بالكعب العالي، حتى تبدو طويلة، وهي في الحقيقة قصيرة.

    حكم صلاة النساء في المساجد إذا خشيت الفتنة

    روى عروة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: (كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلاً من خشب يتشرفن للرجال في المسجد، فحرم الله عليهن المساجد وسلطت عليهن الحيضة) تبين عائشة أن نساء بني إسرائيل كن يصلين في المسجد مع الرجال، فإذا كان للمرأة خليل وتريد أن يعرفها وسط النساء تتخذ رجلين من خشب حتى تتطول لخليلها فيراها، فيتشرفن للرجال في المسجد عن طريق هذه الأحذية العالية، فحرم الله عليهن المساجد، وسلطت عليهن الحيضة.

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان الرجال والنساء من بني إسرائيل يصلون جميعاً، فكانت المرأة إذا كان لها خليل، تلبس القالبين أو القالبين -بالفتح أو الكسر وهو نعل من خشب كالقبقاب -تطول بهما لخليلها فألقى الله عليهن الحيض.

    فكان ابن مسعود يقول: أخرجوهن من حيث أخرجهن الله. يعني: إذا سلك النساء المسلمات نفس هذا المسلك فأخرجوهن من المساجد كما أخرج الله نساء بني إسرائيل من قبل.

    وفي لفظ آخر: فأخروهن حيث أخرهن الله. يعني: باعدوا بينهن وبين الرجال.

    وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت فيما روته عنها عمرة بنت عبد الرحمن : لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعته نساء بني إسرائيل، قيل لـعمرة: أومنعن؟ قالت: نعم. أي أن نساء بني إسرائيل منعن لما أحدثن الزينة والتبرج داخل المساجد.

    أيضاً النساء اللائي يحضرن عقود القران وبعض الاحتفالات في المساجد في منتهى التبرج والتهتك لا شك أن لهن نصيباً من مثل هذه الزواجر.

    يقول الإمام الكرماني رحمه الله تعالى: فإن قلت: من أين علمت عائشة رضي الله تعالى عنها هذه الملازمة، والحكم بالمنع وعدمه ليس إلا لله تعالى، يعني: كيف تجزم عائشة بأن الرسول عليه الصلاة والسلام لو رأى ما أحدثته النساء من الزينة لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل؟

    قال: قلت: مما شاهدت من القواعد الدينية المقتضية لحسم مواد الفساد.

    جاء في كتب بني إسرائيل -حتى الكتب التي لا زالت بين أيديهم مع تحريفها- ما يشير إلى وقوع هذا العقاب الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد جاء في الإصحاح الثالث من سفر أشعيا : (إن الله سيعاقب بنات صهيون على تبرجهن والمباهاة برنين خلاخيلهن بأن ينزع عنهن زينة الخلاخيل والضفائر والأهمة والحلق والأساور والبراقع والعصائب)، وفي هذا أن النقاب له أصل في التوراة والإنجيل، وأن النساء كن يتنقبن في الأمم السابقة، بدليل قوله: (والبراقع)، وإن كنا لا نحتاج لكتبهم؛ وإنما هذا كنوع من الشاهد يستأنس به.

    فنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع بعض نساء أمته في نفس هذه الكبيرة، وذكرهن بأسوأ مصير، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) فيريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن مثل هؤلاء النساء بعيدات عن الجنة حتى لا يجدن ريح الجنة فضلاً عن أن يدخلنها.

    وصفة هؤلاء النساء أنهن كاسيات عاريات، وفي العصور السابقة كان العلماء يختلفون في معنى (كاسيات عاريات) أما في هذا الزمان فأصبحنا لا نحتاج لشرح الحديث مما نراه من تطبيق هذه الأحاديث حتى ممن يزعمن أنهن محجبات وهن عين المتبرجات المتهتكات الكاسيات العاريات. (مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة) وهي نوع من الإبل لها سنام.

    أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء} أوغل بنو إسرائيل في المعاصي، وتفنن نساؤهم في فتنة الرجال، لذلك حذر النبي عليه السلام، وقرن هذه الأمة ببني إسرائيل مباشرة؛ لأنها أكبر الأمم التي سبقتنا، والقرآن يربط بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وبين هذه الأمة وبين بني إسرائيل.

    وعلى أي الأحوال فإن نساء بني إسرائيل أوغلن في المعصية، كما بين النبي عليه الصلاة والسلام: {فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء}.

    من مظاهر تفنن نساء بني إسرائيل في فتنة الرجال ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في قوله: {كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتماً من ذهب مغلق مطبق ثم حشته مسكاً وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها فقالت: بيدها هكذا} يعني جعلت في هذا الخاتم مسكاً ثم جعلت له شيء مثل الغطاء فإذا مرت بمجلس رجال وأرادت أن تفتنهم تحرك هذا الغطاء حتى تفوح هذه الريح، وفي رواية: {فكانت إذا مرت بالمجلس حركته فتمسح ريحه أو فتنفخ ريحه} فتنتشر في الجو لتفتن بهذا الطيب الرجال.

    أيضاً هذه المرأة من صفاتها أنها كانت قصيرة، وكانت ستظهر قصيرة إذا مشت مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وهو يشبه ما يسمى الآن بالكعب العالي، حتى تبدو به المرأة طويلة وهي في الحقيقة قصيرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم )

    قد يقع الافتتان بالمرأة من وجه آخر، وذلك إذا سحرت المرأة لب الرجل وزينت له ترك الواجب أو فعل الحرام، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن). لهذا يقول بعض الشعراء: إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أَركانا قال الله عز وجل مبيناً هذا النوع الخفي الدقيق من الفتنة بالمرأة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن:14-15]. قال المفسرون: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم فيقيم ويقعد عن الجهاد، فنزلت الآية منبهة لذلك محذرة من الركون إلى الأزواج والأولاد. وروي أنها نزلت في رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما هاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد زمان طويل ورأوا الناس قد فقهوا في الدين، هموا أن يعاقبوا أولادهم ونساءهم الذين كانوا يمنعونهم من الهجرة مبكراً. فكان أحدهم يقول: لأرجعن إلى الذين كانوا ينهون عن هذا الأمر فلأفعلن ولأفعلن، فأنزل الله عز وجل: ((وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)). يقول العلماء رحمهم الله: هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدواً لذاته -أي أن الأزواج والأولاد في مثل هذه الحالة ليسوا بأعداء على الحقيقة- وإنما كان عدواً لفعله، فإذا فعلت الزوجة والولد فعل العدو كانوا هم العدو، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين طاعة ربه عز وجل. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان فقال: أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك؟ فخالفه وآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له أتهاجر وتترك مالك وأهلك؟ فخالفه فهاجر، ثم قعد له على طريق الجهاد، فقال له: أتجاهد فتقتل نفسك، وتنكح نساؤك، ويقسم مالك؟ فخالفه فجاهد فقتل، فحق على الله أن يدخله الجنة). وقعود الشيطان الوارد في الحديث يكون بوجهين: أحدهما: بالوسوسة. الثاني: أن يحمله على ما يريد من ذلك الزوجة والولد والصاحب. فإما أن يوسوس لك الشيطان مباشرة بهذه الأشياء، أو يسلط عليك الزوجة أو الولد فينطق على لسانهم بما يريد من تثبيطك عن طاعة الله عز وجل، يقول الله عز وجل: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [فصلت:25]. وكما أن الرجل يكون له ولده وزوجته عدواً كذلك المرأة يكون لها زوجها وولدها عدواً بهذا المعنى بعينه، فإن قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ)) يشمل الرجال ويشمل النساء، فالمرأة يمكن أن تفتن الرجل في دينه، وكذلك الرجل يمكن أن يكون عدواً للمرأة يفتنها في دينها بنفس هذا المعنى، فيفعل فعل العدو، فقوله تعالى: (( إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ )) يدخل فيه الذكر والأنثى، وهذه الآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد، ومن ذلك أن يبكي الأولاد يريدون جهاز التلفزيون كما أن أولاد الجيران عندهم جهاز تلفزيون، فيأتي ويقول: الأولاد بكوا وضغطوا علي وما استطعت أن أفعل شيئاً، وهذا أحسن من أن يذهبوا بيوت الجيران وينظروا عندهم، وهكذا كأنه سلطان بلا تاج، وكأنه لن يسأل عن هذه الرعية التي يهلكها بنفسه! ومن ذلك السكوت على الزوجة والأولاد إذا قعدوا عن فريضة من فرائض الله كالصلاة والصيام وغيرها، أو ارتكبوا معصية من معاصي الله تبارك وتعالى. ومن ذلك: إقرار الزوجة والبنات على التبرج والتكشف والسفور والاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، وسماع آلات اللهو، وإقرار النساء على مخالطة المتبرجات، ومماشاتهن في الشوارع والطرقات، ومجالستهن في المجامع والضيافات. قال العلماء: إن في النساء فتنتين، وفي الأولاد فتنة واحدة. أما الفتنتان اللتان في النساء: فإحداهما: أن تؤدي إلى قطع الرحم؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطع الأمهات والأخوات، وإذا لم يتفطن لهذه المحاذير فإنه ربما طاوع امرأته حتى أدت هذه المطاوعة إلى أن يقطع رحمه من أمهات أو أخوات .. إلى آخره. الفتنة الثانية في الزوجة: أن يبتلى بجمع المال لها من الحلال أو الحرام. أما الأولاد فالفتنة فيهم واحدة، وهي أنه ابتلي بجمع المال من أجلهم. فإذا بحث الإنسان عن ذات الدين، سلم له دينه؛ لذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم وشدد في الوصية وقال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)؛ لأن المرأة إما أن تكون ستراً من النار، أو تكون هي النار بعينها، أو السبب المؤدي للإنسان إلى النار إذا لم يلتفت لهذه الفتنة.

    1.   

    الفرق بين النظام الإسلامي وغيره في جانب حفظ الأعراض

    قبل أن نذكر يعني احتياطات الإسلام لحماية المجتمع من فتنة المرأة لا بد من مقدمة مهمة نقول فيها: إن كل مجتمع من المجتمعات له عقيدة، فإنه يحدد أهدافاً له يحققها في هذه الحياة طبقاً لما يعتقد.

    هذه الأهداف يحققها عن طريق وسائل ونظم تكون خادمة لأهدافه الأولى الأصيلة، وفي إطار هذه العقيدة، فالإسلام عقيدة الحق بلا شك، وهو يهدف من خلال نظامه الاجتماعي إلى تحقيق هدف معين، وهو صيانة الأعراض وترويض الشهوات وضبطها بضوابط أخلاقية تضمن الطهر والعفاف، وتؤدي إلى سعادة الدنيا وسعادة الأخرى.

    إذا تأملت في نظام الإسلام ستجد الأحكام كلها تصب في خمسة روافد أساسية، وهي: حفظ الدين، والعرض، والعقل، والمال، والنفس، فأي حكم شرعي ستجده يحافظ على شيء من هذه الأشياء، فالصلاة مثلاً تتعلق بالدين، والزكاة تتعلق بالدين وتتعلق بالمال، وهكذا، فجميع الأحكام الإسلامية لا بد أن تدخل لخدمة أحد هذه المقاصد أو أكثر من واحد.

    والمحافظة على العرض أحد مقاصد الشريعة العليا التي تشكل رافداً أساسياً من روافد الشريعة إذاً: فأحد أهداف المجتمع الإسلامي تحقيق هذا الهدف الأكبر من مقاصد الشريعة العليا الخمسة ومن أجل صيانة الأعراض تجد مئات من الأحكام تصب في هذا المجرى.

    وهناك جملة كبيرة من العقائد تمثل خلفية للنظم الإسلامية، كلها تنبثق عن أننا لم نخلق عبثاً ولن نترك سدى، اعتقادنا في هذه الغيبيات: جنة.. نار.. حساب.. صراط.. ميزان.. حشر، فكل هذه الأهوال ستصير بين أيدينا ونوقن بوقوعها، من أجل ذلك فنحن ننضبط بحيث نراعي حق الله، ونراعي حق المجتمع، وحق النفس، فحق الله سبحانه وتعالى مراعى في النظام الاجتماعي الإسلامي، فتارك الصلاة وإن لم يؤذ أحداً لكنه مضيع لحق الله.

    فالمقصود أن عقيدة المجتمع التي يتبناها لا بد أن تنعكس على نظامه، بحيث يجب أن يكون النظام خادماً لهذه العقيدة ومتماشياً مع أسانيدها.

    النظام الغربي نظام مادي إلحادي قضية الدين عندهم قضية شخصية، وكل إنسان حر في تدينه: تكفر، تعبد الشيطان، تعبد الهوى، تعبد الحجر، تعبد الشجر، فهذا أمر يرجع إليك.

    اليابان: من أكبر الدول المتقدمة في العالم، وما زال اليابانيون الذين أوتوا القدرة العجيبة على الاختراع يعبدون صنم بوذا.

    إذاً: هذا مجتمع عقيدته أن الدنيا هي فرصته الوحيدة في الوجود، وأن الدنيا ليس وراءها آخرة ولا حساب، فبالتالي لا شك أن هذه العقيدة ستنعكس على أهداف المجتمع وعلى وسائله، فأهداف هذا المجتمع الملحد الذي يسقط حق الله، أن يحول الحياة إلى متع ومسرات وملذات وشهوات؛ لأنها فرصته الوحيدة، ثم لا يخشى حساباً من أحد، ولا يعرف حق الله، فمن أجل ذلك تجد هذا المجتمع سلك إلى تحقيق هذه الأهداف بوسائل، من هذه الوسائل:

    رفع الحجب تماماً بين الرجال وبين النساء، وإشراك المرأة مع الرجل في كافة مجالات الحياة، واستعمال الشهوات والتفنن في تزيينها وتحويلها إلى أوضاع بهيمية كما هو معلوم عن أحوالهم.

    ففي أمريكا نسبة الزواج (30 %) وهي لا تتم إلا بعد معاشرة قد تطول، ثم بعد ذلك قد يقررون الزواج وقد لا يقررون والمقصود أن هذا انعكاس لعقيدة المجتمع الذي لا يؤمن بالله.

    وتعريف الحرية عندهم أنك أنت حر ما لم تضر، ونحن نقول: أنت حر ما لم تضر الآخرين وما لم تعص أوامر الله عز وجل، وعندهم أن لك أن تعتقد ما شئت من العقائد، لكن هذه العقيدة تظل حبيسة الصدر، ولا يكون لها أي تأثير على واقع المجتمع، فقد يعتقدون أن الله خلق العالم ثم حركه ثم تركه، فلا أوامر ولا نواه، ولا شريعة ولا حساب، ولا عذاب.

    إذاً: هذه القضية تنعكس على سلوك المجتمع، ولذلك فهم لا يراعون صيانة العرض، وكما قال بعض الباحثين: إن قواميس الأوروبيين تخلو من كلمة العرض، فلا يعرفون الغيرة والشرف والعرض، بل يعتقدون أن الغيرة على النساء من الأمراض النفسية التي ينبغي أن يتخلص منها الإنسان، أو أنها من العقائد الشرقية المتخلفة.

    فالمقصود من هذه المقدمة: إن المجتمع لا بد أن يكون له عقيدة، هذه العقيدة تحدد له أهدافاً، هذه الأهداف يسلك المجتمع وسائل من أجل تحقيقها.

    هدف الإسلام من نظامه الاجتماعي هو صيانة الأعراض، فمن أجل ذلك شرع مجموعة من الضوابط كلها تصب في هذا الرافد، وهو صيانة أعراض الناس وترويض شهواتهم وتصريفها فيما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.

    ومن هذا نوقن أنه ليس من الإنصاف أن نسلك سلوك النظام الغربي في هذا الجانب، ثم نحاول الترقيع بأن نصبغ عليه أدلة من الإسلام، ونصوغه بقواعد النظام الاجتماعي في الإسلام، فهذا ليس من الإنصاف، فضلاً عن أنه يخالف الحقيقة، فيأتي أناس لهم هوى في إباحة الاختلاط، فيفتشون في أعماق الكتب، لعلهم يجدون نصاً قابلاً للتأويل أو حديثاً ضعيفاً، أو أي نوع من القصص المنحرفة فيقولون: الإسلام يبيح الاختلاط، ويستدلون بما ليس فيه دلالة، يقول لك: بعض النساء كن يساعدن الرجال في القتال، فيوسعون هذه الرخصة، ويقولون: لا بد من خروج النساء إلى المجتمع.

    1.   

    احتياطات الإسلام لصيانة الأعراض

    فالمقصود هو أن نظام الإسلام واحتياطات الإسلام شرعت من أجل صيانة الأعراض، فما هي هذه الاحتياطات التي شرعها الله سبحانه وتعالى لسد ذرائع الفتنة بالمرأة؟

    لا شك أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وهو أعلم به، قال عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه ركب في الإنسان شهوة الفرج تركيبا قوياً، وجعل لها عليه سلطاناً شديداً، فإذا ثارت فإنها تكون أشد الشهوات عصياناً، فإن لم يكن عند الإنسان تقوى وورع وخوف من الله، فإنه لا يحرجه من المعصية شيء.

    قالت مريم عليها السلام: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا [مريم:18]، علمت أن التقوى تحجب صاحبها عن المعصية فأرادت أن تذكره بالتقوى.

    الدليل على شدة هذا الميل في الإنسان أنه يحتمل بكل الرضا مشاق وتكاليف الزوجية، وتربية الأولاد والكد والتعب من أجلهم، بحيث صار الإنسان مسوقاً عن طريق هذه الشهوات إلى التناسل وعمارة الدنيا، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

    والمرأة من طبعها استهواء الرجل والسيطرة على مشاعره، وامتلاك حسه ولبه، وفي سبيل إغوائه ولفت نظره إليها، قد تصنع من ألوان الفتن ما يجر إلى المنكر.

    فإذا ترك الناس لدواعي هذه الشهوات فسدت الأعراض وفشت الإباحية، فالله سبحانه وتعالى خلق الرجل والمرأة والشيطان، وقد بين الله أن هدف الشيطان الأساسي في موضوع المرأة أن يوقع العبد في حضيض الفاحشة الكبرى والعياذ بالله، ونحن نعرف أن الشيطان عنده خبرة بهذه الأحابيل وهذه الأساليب، فيسلك مسالك الاستدراج وإغراء الإنسان بالشهوات عن طريق خطوات بعضها يقود إلى بعض كدرجات السلم، ولذلك عندما يحذرنا الله سبحانه وتعالى من فتنة الشيطان يقول: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [البقرة:168]، سماها خطوات؛ لأنه يستدرج الإنسان خطوة خطوة، فإن أول ما يبدأ الشيطان بفتنة الإنسان في هذا الباب بالنظرة، فإذا تسامح الإنسان في النظرة فإن النظرة تولد خطرة، هذه الخطرة -أي الفكرة- تطرق القلب فإن دفعها العبد استراح مما بعدها، وإن لم يدفعها قويت فصارت وسوسة، فكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة، فإن عالجها وإلا صارت إرادة، فإن عاجلها وإلا صارت عزيمة، فإذا وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها واقترن بها الفعل ولا بد.

    دفع مبادئ هذه الفتنة أسهل مما بعد ذلك، فإذ غض المرء بصره كما أمر الله كفي شر هذه الفتنة، لكن إذا اتبع الشيطان فلم ينته واستجاب لهذا الاستدراج فإنه يقع فيما هو أصعب، يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النور:21]، ولهذا لما أراد ربنا سبحانه وتعالى أن ينهى العباد عن فاحشة الزنا لم يقل لهم: ولا تزنوا، ولكنه قال لهم: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، فنهى عن مجرد الاقتراب منه، وهذا أبلغ؛ وقال عز وجل: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا [البقرة:187] فكيف بمن يتعداها ويتخطاها، فنقول: إن من أجل شدة هذه الفتنة على العباد فإن الشريعة الإسلامية جعلت أحد مقاصدها العليا الحفاظ على العرض، فإذا تأملت جميع الأحكام التي تتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة في الإسلام وجدتها كلها تصب في هذا الهدف، وهو الحفاظ على الأعراض ومنع وقوع فاحشة الزنا والعياذ بالله.

    فمن أجل تعظيم حرمات الله، وصيانة الأعراض والمحافظة على النفس، وتطهيراً للمجتمع من الرذيلة، اتخذت الشريعة في مواجهة هذه الفتنة اتجاهين:

    اتجاه وقائي، واتجاه علاجي.

    الاتجاه الوقائي يمنع وقوع الفاحشة عن طريق سد الذرائع التي تؤدي إليها سداً محكماً.

    والاتجاه العلاجي عن طريق فتح أبواب التعفف والحصانة على مصارعها، وشق الطرق المعبدة الممهدة التي توصل إلى ما أحل الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    التدابير الوقائية من الفتنة بالنساء

    التقوى والورع

    أول ما اهتم به الإسلام لمنع هذه الفاحشة وغيرها من الفواحش، أن جعل الإيمان وتعمير القلب بمراقبة الله سبحانه وتعالى والخوف منه أعظم رادع عن المعاصي، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) ويقول عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) فصلاح القلب هو أول أسباب الوقاية من المحرمات.

    التربية الإيمانية، التوجيه الواعي، لزوم جماعة المسلمين الصالحين، اجتناب صحبة الفاسقين، ومع إن الشريعة تحثنا على مراقبة الله سبحانه وتعالى، لكن الشريعة لا تكلنا فقط إلى ضمائرنا؛ لأن الضمير يمكن أن يطرأ عليه انحراف، والقلب الحي يمكن أن يطرأ عليه المرض.

    فمن أجل ذلك وضعت ضوابط صارمة، فلا يحل للإنسان أن يتعلل مثلاً بطهارة قلبه، ويقول: سأخلو بهذه المرأة وقلبي طاهر، أو سأصافح هذه المرأة وقلبي سليم، هناك ضوابط لا بد من سلوكها وعدم التهاون بها.

    تحريم الزنا

    الإجراء الوقائي الثاني: وهو تحريم فاحشة الزنا، وبيان أنه خراب للدين والدنيا:

    فقد أجمعت كل الشرائع السماوية على تحريم هذه الفاحشة، واعتبرت هذا الفعل من أكبر الآثام وأعظم الجرائم التي تدنس النفس البشرية وتحول بينها وبين سعادتها وكمالها، ووضعت له أشنع عقوبة في الحدود الشرعية، وهي الرجم بالحجارة حتى الموت للزاني المحصن، وتوعدت فاعليها بالعقوبات الآجلة والعذاب الأليم في العاجلة، قال الله عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32] .

    ليس هذا فحسب، بل قرن الله سبحانه وتعالى الزنا بأكبر الكبائر فقال عز وجل في صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان:68] * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:69] إلى آخر الآيات.

    وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة الكسوف: (يا أمة محمد! والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته) تخيل الأب كيف يغار على عرض ابنته، وكيف يغار الزوج على عرض زوجته، فالله عز وجل أشد غيرة من هذا الرجل على ابنته أو امرأته فيغضب الله سبحانه وتعالى حين تنتهك حرماته وتعصى أوامره.

    ثم قال: (يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ثم رفع يديه فقال: اللهم هل بلغت؟) ليس هذا فحسب، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفي الإيمان من قلوب هؤلاء الذين استمرءوا الكبائر، ويبين انسلاخهم من الدين، يقول صلى الله عليه وسلم (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان على رأسه كالظلة) يخرج الإيمان من قلبه، ويبقى بعيداً عنه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله)، وقال صلى الله عليه وسلم (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم).

    وعن بريدة مرفوعاً: (ما ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا سلط الله عز وجل عليهم الموت).

    بلغ التنفير من هذه الفاحشة وتبغيضها إلى قلوب المؤمنين أن أم جريج العابد دعت على ابنها حينما أتته في صومعته ونادته ثلاث مرات، وفي كل مرة كان يتنفل بالصلاة يقول: يا رب أمي وصلاتي، فيقبل على صلاته، فدعت عليه أمه بعقوبة شديدة، وهي ألا يموت حتى يرى وجوه الزانيات، فكان أن افترت عليه امرأة زانية وادعت أنه هو الذي فعل هذه الفاحشة، وكان مظلوماً، فأتى إلى الغلام المولود من الحرام، فغمزه بيده وقال: من أبوك؟ فقال: فلان الراعي، فبرأه الله سبحانه وتعالى، لكن المقصود من هذه القصة: أن مجرد وقوع العين على الذين يقعون في هذه الفاحشة عقوبة دعت بها أم هذا العبد الصالح عليه بأن يعاقب بها.

    وجعل الله سبحانه وتعالى التعفف من هذه الفاحشة من صفات المؤمنين المصلحين، قال عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1] * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2] * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3] * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [المؤمنون:4] * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون:5] * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:6] * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7] .

    وقصة يوسف دليل على فضيلة العفة وحسن عاقبتها، وفي السنة أحاديث كثيرة صحيحة في هذا المعنى، وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال عليه الصلاة والسلام: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من يضمن لي ما بين رجليه وما بين لحييه أضمن له الجنة).

    في حديث الثلاثة الذين توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم بعدما أطبقت عليهم الصخرة في الغار، توسل كل منهم بصالح عمله، فتوسل أحد أو استشفع ببره بوالديه، والآخر برده أجر العامل الذي تركه عنده فاستثمره له، واستشفع الثالث بأنه كانت له ابنة عم يهواها، فما زال يراودها عن نفسها حتى ألم بها قحط فروادها فخضعت له، فلما تمكن منها قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فإذا هو يرتعد من خشية الله، وينصرف عنها ويترك لها المال الذي أعطاها ابتغاء وجه الله، فأزال الله الصخرة عن فم الغار بفضل هذه الأعمال الصالحة.

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كان فيمن كان قبلكم رجل اسمه الكفل ، وكان لا ينزو عن شيء، -وفي رواية: كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله- فأتى امرأة علم بها حاجة، فأعطاها عطاءً كثيراً -وفي رواية: أعطاها ستين ديناراً- فلما أرادها على نفسها ارتعدت وبكت فقال: ما يبكيك؟ قالت: لأن هذا عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا من مخافة الله، فأنا أحرى، اذهبي فلك ما أعطيتك، ووالله لا أعصيه أبداً فمات من ليلته، فأصبح مكتوباً على بابه: إن الله تعالى قد غفر للكفل ، فعجب الناس من ذلك، حتى أوحى الله تعالى إلى نبي زمانهم بشأنه) هذا الحديث رواه الترمذي في صفة القيامة وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي : هذا حديث حسن، وهو عند الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .

    عقوبات الزنا في الإسلام

    شدد الله سبحانه وتعالى عقوبة الزاني الأثيم المادية والمعنوية، أما العقوبة المادية فهي العذاب الأليم بالجلد أو الرجم، وأما العقوبة المعنوية فهي ألا يرأف به المؤمنون، ولا يجدوا في قلوبهم أي رحمة له، قال عز وجل في هذا الأول: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2].

    وزادت السنة الشريفة بعد هذه العقوبة الحكم بجلد الزاني البكر والزانية البكر مائة جلدة أن يغربا عاماً، وزادت أيضاً الرجم بالحجارة للمحصن، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم).

    وهنا إشارة يسيرة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (نفي سنة) فإنها عقوبة فيها حكمة عظيمة جداً، وهي: أن من مقتضيات التوبة أن يغير الإنسان البيئة التي كان يعيش فيها، والتي عرف فيها بمزاولة المعصية؛ لأنه ربما كان له في هذه البيئة أصحاب سوء يزينون له المعاصي، فإذا هاجر إلى مكان جديد تمكن من التوبة.

    فخص الله سبحانه وتعالى عقوبة هذه الجريمة بثلاث خصائص:

    أولها: القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خفف العقوبة جميع بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.

    الأمر الثاني: أنه نهى عباده عن أن تأخذهم بهؤلاء الناس رأفة في دينهم، بحيث تمنعهم من إقامة الحد.

    الثالث: أنه سبحانه وتعالى أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون في خلوة بحيث لا يراهم أحد؛ لأن ذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر.

    ثبتت أحاديث كثيرة بتعذيب الزناة في قبورهم إلى يوم القيامة، كما جاء في الحديث المشهور في رؤيا النبي صلى الله عليه وآله سلم.

    وهذه الفاحشة لها مراتب، ففعل هذا الأمر بأجنبية لا زوج لها عظيم، وأعظم منه بأجنبية لها زوج، وأقبح منه زوجة الجار، فقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره).

    وزنا الشيخ لكمال عقله أقبح من الشاب، قال عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر).

    من مفاسد الزنا وشنائعه

    من مفاسد هذه الفاحشة وعواقبها الوخيمة: أن يَعْمى القلب، ويُطمَس نوره، والزنا يحقر النفس ويقمعها، ويسقط كرامة الإنسان عند الله وعند خلقه، ويؤثر في نقصان العقل، ويمحق بركة العمر، ويضعف في القلب تعظيم الله، ويوجب الفقر، ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس.

    من خاصيته أيضاً: أنه يشتت القلب ويمرضه، ويجلب الهم، والحزن، والخوف، ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان، وليس بعد مفسدة القتل مفسدة أعظم من الزنا، فلهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها، ولو بلغ العبد أن امرأة من نسائه قتلت لكان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت.

    وروي أن الجزاء من جنس العمل، فإن الله سبحانه وتعالى قد ينتقم من هذا الزاني بأن يسلط على عرضه من لا يتقي الله فيه، فينال من عرضه كما نال هو من أعراض الناس.

    يقول بعض الشعراء:

    يا هاتكاً حرم الرجال وتابعاً طرق الفساد فأنت غير مكرم

    من يزن في قوم بألفي درهم في أهله يزنى بربع الدرهم

    إن الزنا دين إذا استقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم

    وصف بعض العلماء لآثار هذه الفاحشة المدمرة قال: عاره يهدم البيوت الرفيعة، ويطأطئ الرءوس العالية، ويسود الوجوه البيض، ويشبه بأسود من القاري أنصع العمائم بياضاً، ويخرق الألسنة البليغة، ويبدل أشجع الناس من شجاعتهم جبناً لا يدانيه جبن، ويهوي بأطول الناس أعناقاً وأسماهم مقاماً وأعرقهم عزاً إلى هاوية من الذل والازدراء والحقارة، ليس لها من قرار.

    وهو أقدر أنواع العار على نزع ثوب الجاه مهما استتر، ونباهة الذكر مهما بعدت، وإنبات ثوب من الخمول ينبو بالعيون عن أن تلفت إلى من كان في بيوتهم لفتة احترام، وهو -أي الزنا- لطخة سوداء إذا لحق التاريخ أسرة غمرت كل صحائفه البيض، وتركت العيون لا ترى منها إلا سواداً حالكاً.

    وهو الذنب الظلوم الذي إن كان في قوم لا يقتصر على شين من قارفته من نسائهم، بل يمتد شينه إلى من سواها منهم، فيشينهن جميعاً شيناً يترك لهم من الأثر في أعين الناظرين ما يقضي على مستقبلهن النسوي، وهو العار الذي يطول عمره طولاً، فقاتله الله من ذنب، وقاتل فاعليه!

    يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رءوسهم بين الناس، وإن حملت من الزنا فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل، وإن أبقته حملته على الزوج فأدخلت على أهلها وأهله أجنبياً ليس منهم، فورثهم وليس منهم، ورآهم وخلا بهم وانتسب إليهم وليس منهم.

    وأما زنا الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضاً، وإفساد المرأة المصونة وتعريضها للتلف، والفساد ففي هذه الكبيرة خراب الدين والدنيا.

    منع الزواج ممن عرف بالفاحشة ومنع الاختلاط والبذاءة

    ثم اتخذ الشرع نتيجة خطورة هذه المعصية إجراءات كثيرة جداً، منها منع الزواج ممن عرف بالفاحشة ومنع الاختلاط، وأنت إذا فتشت عن أي معصية وقعت من هذا النوع، وجدت أن أسبابها الأولى التي أدت إليها وجود خلل في نظام الأسلاك الشائكة، فالإسلام جعل من الرجال الأجانب والنساء نظام أسلاك شائكة تمنع اختلاط الحابل بالنابل، وتمنع ما يحدث في مثل هذه المجتمعات المتحللة، فإذا بحثت وفتشت فلا بد أن تجد ثغرة حصلت في الأسلاك الشائكة، قد تكون بدأت بنظرة، بمصافحة، بخلوة، بأي شيء من هذه الإغراءات التي نذكرها والتي من شأنها أن تمنع وقوع الفاحشة.

    ومن ذلك أن الله سبحانه وتعالى حرم البذاء ومنع الفحش من القول، لأن الآذان تتعود على سماع الألفاظ القبيحة، فعد من الاحتياطات التي يسد بها ذرائع الفاحشة: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:148] .

    وحرم الشرع أن يظن السوء بالمؤمن، وأوجب على المؤمن إذا سمع عن أخيه سوءاً أن يظن به البراءة من الإثم، والطهارة من السوء كما أنه يثق بنفسه أنه طاهر وبريء، كما قال تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ [النور:12] يعني: بإخوانهم خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12] * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:13].

    وهذا حدث فعلاً في السنة، فشهد الثلاثة بالفاحشة شهادة مفصلة، ثم تلكأ الرابع ولم يضبط الشهادة الشرعية المفروضة، فحد الأربعة حد القذف، بعض الناس في هذا الزمان يظنون الخوض في أعراض الناس أمراً سهلاً؛ لأنهم لا يعاقبون عقوبات شرعية، لكن أين يفرون من عقاب الله في الآخرة.

    فبعض الناس يعتبر الخوض في الأعراض بطولة، وبمجرد الظن أو الشك في الناس يشيع الفاحشة في المؤمنين ويغفل عما ينتظره من العقاب الأليم.

    إذاً: يجب على أي مسلم إذا أتاه رجل فرمى شخصاً بالفاحشة أن يقول له: هل معك أربعة شهداء، أو هل معك ثلاثة شهداء؟ فإذا لم يأت فلك أن تقول له: إنك من الكاذبين، إن هذا هو الإفك المبين الذي حذرنا منه الله سبحانه وتعالى.

    خطر إشاعة الفاحشة والإيلاء من النساء

    حرم الشرع إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد، يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] ، فإذا كان مجرد حب إشاعة الفاحشة يترتب عليه هذه العقوبة، فكيف بمن يشيع الفاحشة في المجتمع الإسلامي، ويدفع الناس إليها دفعاً؟! وحظر الشرع على الرجل أن يغيب عن زوجه مدة طويلة، قال عز وجل: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:226-227] . إذا حلف الرجل ألا يقرب زوجته ترك أربعة أشهر، فإما أن يرجع بعد فترة الإيلاء ويتوب فيغفر الله له، وإما أن يطلق.

    فرض الحجاب على النساء

    من أعظم التدابير الوقائية في أمر هذه الفتنة: فرض الحجاب على النساء، واعتبار قرار المرأة في بيتها هو الأصل الأصيل في دائرة عملها، قال صلى الله عليه وسلم: (والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسئولة عن رعيتها) فأصل مقر المرأة هو البيت، وليس ما يحصل في هذه الأزمان، وإنما تخرج محجبة، وتخرج بشروط معروفة جماع هذه الشروط حمايتها وحماية المجتمع من فتنتها.

    من ذلك أيضاً: أنه حرم التبرج وإظهار الزينة والتجمل للفت نظر الأجانب، يقول تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33].

    تشريع الاستئذان عند دخول البيوت وغض البصر

    من هذه الإجراءات تشريع الاستئذان وعدم دخول البيوت إلا بإذن، فربما وقعت عين خائنة على عورة غافلة فوقع المحرم.

    أيضاً من هذه الاحتياطات: الأمر بغض البصر، يقول تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] وهنا فعل مقدر محذوف، والتقدير: قل للمؤمنين غضوا يغضوا ... إلخ، فحذف صيغة الأمر (غضوا) وأتى الجواب: (يغضوا).

    فكأن المؤمنين ليس لهم شأن أمام أوامر الله إلا الامتثال، فأصل الآية: قل للمؤمنين غضوا يغضوا من أبصارهم، أي: سوف يستجيبون لك إذا قلت لهم ذلك؛ لأن هذا شأن المؤمنين.

    قرن الله سبحانه وتعالى الأمر بغض البصر بالأمر بحفظ الفرج، لأن غض البصر هو السبيل إلى هذا الحفظ، ثم ختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30] ، حتى يراقب الإنسان ربه ولا يراقب عين الناس، ولا يقع في خائنة الأعين، كما قال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء تمر به، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه ود لو اطلع على عورتها، وأن لو قدر عليها فزنى بها .

    وقال الثوري : الرجل يكون في مجلس في القوم يسترق النظر إلى المرأة التي تمر بهم، فإذا رأوه ينظر إليها اتقاهم فلم ينظر، وإن غفلوا نظر.

    (وما تخفي الصدور) يعني: ما يجد في نفسه من الشهوة، لا شك أن خائنة الأعين في هذا الزمان تضاءلت، لأنها الآن تخرج في الشارع على أقبح صورة وأبلغ زينة، فلم يبق خائنة احتمال وجود الأعين إلا عند المسلمين الذين تستتر نساؤهم، أما الذين فتنوا بتقليد الكفار فقد عدمت فيهم خائنة الأعين، وحل محلها تسريح النظر في النساء الأجنبيات ومضاحكتهن ومجالستهن، والتحدث معهن في الخلوة وفي غير الخلوة، يقول تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ [غافر:19] يقول سفيان : هي النظرة بعد النظرة، فإن النظرة الأولى معفو عنها: (يا علي ، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة).

    ويشترط للعفو عن الأولى ألا تكون عمداً، بل تكون نظرة فجأة عفواً بغير قصد، فإذا كان الإنسان ينظر عمداً فلا تحل له الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، فإنما الكلام هنا في نظرة الفجأة التي لا يتعمدها الإنسان.

    كذلك يجب على من رأى رجلاً يترصد امرأة أن ينصحه ويرشده إلى غض البصر، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر) فهذا إنكار باليد، وهو أبلغ مراتب الإنكار.

    وننبه هنا إلى خطأ يقع من بعض الناس حتى المتدينين، وهو التساهل في النظر إلى المخطوبة، فالمخطوبة يجوز لك أن تنظر إليها إذا أردت الخطبة، فإذا لم يكفك النظر مرة طلبت الثانية، ولا يجوز أن يظل الباب مفتوحاً؛ لأنها أجنبية، وإلا أصبحت بنات الناس معارض ومسارح للناظرين، فالمخاطب أن ينظر إليها عند الحاجة، ويتكلم معها عند الحاجة، شأنها شأن أي امرأة أجنبية، لأن الخطبة ما هي إلا وعد بالزواج، لا يترتب عليه أي أثر، فالتساهل في هذا الباب لا شك أنه خلل في نظام الأسلاك الشائكة.

    تحريم مس الأجنبيات

    أيضاً من هذه الإجراءات تحريم مس الأجنبية ومصافحتها، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه).

    الشاهد قوله عليه الصلاة والسلام: (واليد زناها البطش) وهو أن يمس بها امرأة أجنبية.

    المتساهل بمصافحة النساء يقول: الصغيرة تبقى مثل أخته، والكبيرة تبقى مثل أمه، إذاً: حدود الله تنسى وتمحى، فيتساهل الناس في هذه المعصية ويحتجون بطهارة القلب وسلامة النية، ويقول بعضهم: إنه لا يتأثر بذلك! فلا شك أن هذا ينادي على نفسه بنقص صفات الرجولة، وهو كذاب في دعواه قطعاً؛ لأن أطهر ولد آدم صلى الله عليه وسلم قال: (إني لا أصافح النساء) وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها) أي يملك نكاحها ، فهل هو أطهر قلباً من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟

    أيضاً: هناك تنبيه تمس الحاجة إليه فيما يتعلق بالمصافحة وغيرها، وهو أن بعض الناس يتهاونون بمثل هذه الأحكام بزعم أن المرأة تمد يدها فيصافحها، ويقول: أنا استحييت، أو العكس المرأة تقول: أنا استحييت، فيقول: صافحت حتى لا أحرجه أو حتى لا أحرجها، فهذا في الحقيقة ليس بحياء، هذا عجز عن المحافظة على حدود الله، فأنت راعيت حق العبد وضيعت حق الله، وكان ينبغي أن تغار على حدود الله سبحانه وتعالى أكثر من خشيتك أن تغضب هذا العبد.

    يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: لقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يأخذ نفسه بالحياء ويأمر به، ويحث عليه، ومع ذلك لا يمنعه الحياء من حق يقوله، أو أمر ديني يفعله، تمسكاً بقوله في الحديث: (إن الله لا يستحيي من الحق) .

    وهذا هو نهاية الحياء وكماله، وحسنه واعتداله، فإن من فرط عليه الحياء حتى منعه من الحق، فقد ترك الحياء من الخالق واستحيا من الخلق، ومن كان هكذا حرم منافع الحياء، واتصف بالنفاق والرياء، والحياء من الله هو الأصل والأساس، فإن الله أحق أن يستحيا منه، فليحفظ هذا الأصل فإنه نافع.

    تحريم الخلوة بالأجنبيات

    من هذه الإجراءات أيضاً تحريم الخلوة بالأجنبية:

    حقيقة الخلوة أن ينفرد الرجل بامرأة أجنبية عنه في غيبة عن أعين الناس، فهذه من أعظم الذرائع وأقرب الطرق إلى وقوع الفاحشة الكبرى.

    وهذه الخلوة كما ذكر القرطبي من الكبائر، ومن أفعال الجاهلية، قال مجاهد في قوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة:12]:

    لا تخلو المرأة بالرجال، وقال بعض السلف: لا تخلو برجل غير ذي محرم ولا تسافر إلا مع ذي محرم.

    فالخلوة بالأجنبية من أخطر الذرائع التي تؤدي إلى المحرم، فهي من الأسباب القرب التي قال عز وجل فيها: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، فتجد أن الله سبحانه وتعالى حينما يعالج جريمة القتل، ينهى عن القتل نفسه: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، وقال: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام:151] لأن النفس أصلاً تكره القتل، لكن هذه الفاحشة يعالجها بالحجز عن أسبابها: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32].

    فشدد الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر الخلوة، حتى تسد منافذ الفاحشة، وتجفف منابع الفتنة.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم)، وقال عليه الصلاة والسلام: (ألا لا يخلون رجل بامرأة، إلا كان ثالثهما الشيطان) فأي واحد يقول بخلاف قول رسول الله فهو كذاب، ينادي على نفسه بالكذب والفجور والفسوق والعصيان، فما دام الرسول الذي لا ينطق عن الهوى يخبر بقوله: (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) فحتماً يكون ثالثهما الشيطان.

    هذا الحديث يعم جميع الرجال حتى الصالحين، ويعم جميع النساء حتى الصالحات والعجائز.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان).

    وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندخل على المغيبات) ، والمغيبة هي المرأة التي غاب زوجها.

    وعنه أيضاً: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان)، وفي حديث آخر: (لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم).

    أيضاً قرابة .... أخو الزوج وأقاربه الرجال غير الأب لا يحل لهم أن يدخلوا على المرأة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ -الحمو هو قريب الزوج- قال: الحمو الموت) يعني: أنه يفسد حياة الزوجية كما يفسد الموت البدن.

    وقد حكى الإجماع على تحريم الخلوة بالأجنبية غير واحد من العلماء منهم النووي وابن حجر ، وقال النووي : وكذا لو كان معهما من لا يستحيا منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحوه، فإن وجوده كالعدم، وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية فهو حرام.

    ويقول الإمام الأبي رحمه الله تعالى: لا تعرض المرأة نفسها بالخلوة مع أحد وإن قل الزمن. يعني: داخل المكتب، أو المصعد (أصنصير) وأي شيء تقع فيه خلوة لا يحل، يقول: لعدم الأمن، لاسيما مع فتاة الزمن، والمرأة فتنة إلا فيما جبلت النفوس من محارم النسب.

    يقول بعض الشعراء:

    لا يأمنن على النساء أخ أخا ما في الرجال على النساء أمين

    إن الأمين وإن تعفف جهده لا بد أن بنظرة فيخون

    فالمقصود: أن لا يوكل الأمر إلى الضمائر والثقة، ولا بد من مراعاة حدود الشرع، يقول سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: ائتمنوني على خزائن الذهب والفضة، ولا تأتمنوني على أمة سوداء.

    يقول بعض السلف: ولا تدخل على امرأة وإن قلت أعلمها القرآن.

    تحريم سفر المرأة بغير محرم

    من ذلك أيضاً: أن الشريعة حرمت سفر المرأة بغير محرم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يخلو رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. قال: انطلق فحج مع امرأتك) جعله يترك الجهاد حتى يحج مع امرأته ولا يدعها تسافر بدون محرم.

    يقول الإمام النووي : المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته، وقلة دينه، ومروءته وحيائه.

    فالذين يتهاونون بالخلوة والاختلاط ويقولون: إن بناتنا أو أولادنا تربوا على الفضيلة ورعاية الخلق.. إلى آخر هذا الكلام، هؤلاء تماماً مثل قوم وضعوا كمية من البارود بجانب نار متوقدة، ثم ادعوا أن الانفجار لن يقع، لأنه مكتوب على البارود تحذير من الاشتعال والاحتراق، فهل يغني هذا التحذير شيئاً؟ فهذا خيال ومغالطة للواقع.

    تحريم خروج المرأة متعطرة

    ومن هذه الإجراءات تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة، فما يشمه الرجل من ريح المرأة لا شك أنه من دواعي الفتنة، يقول عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم يجدون ريحها فهي زانية، وكل عين زانية) فالحياء الإسلامي يبلغ من رقة الإحساس ألا يحتمل حتى هذا العامل الخفي اللطيف!

    خرجت امرأة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه متطيبة، فوجد ريحها فعلاها بالدرة، ثم قال: تخرجن متطيبات فيجد الرجل ريحكن، وإنما قلوب الرجال عند أنوفهم.

    اخرجن تفلات، يعني: غير واضعات هذه الروائح.

    تحريم الخضوع بالقول

    ومن هذه الإجراءات تحريم الخضوع بالقول:

    فإن خضوع القول لا شك يؤدي إلى بلية المعصية أو بلية العشق.

    قال بشار الشاعر:

    يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا

    فربما أوقع الصوت الرجل في هذه الفتنة، فلهذا نهيت المرأة عن الخضوع بالقول، لكن تتكلم بجفاء وبقسوة.

    فالمقصود أن المرأة تنفر الرجل الأجنبي منها.

    بعض الناس رأى أختاً منتقبة تلبس ثياباً ذات ألوان غامقة بحيث إنها تنفر الذي يراها، فقال: هذا لا يصح.. هذا منفر! فكان الجواب: إن المفروض أنها تنفر.

    فليس المقصود مد جسور المودة بينهم، والكلام إنما يجوز للحاجة بقدر الحاجة: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]، فهذا الخطاب وجه لأشخاص أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن، فكيف بمن دونهن؟

    وقال عليه الصلاة والسلام: والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، فهذا أيضاً من المحرمات.

    تحريم الاختلاط

    أعظم وسائل الإسلام في تجفيف منابع هذه الفتنة تحريم الاختلاط:

    فالاختلاط هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعاً يؤدي إلى ريبة، أو هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة أو الكلام أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد.

    أقوى دليل على تحريم الاختلاط قول الله عز وجل: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]، وإذا رجعنا إلى كتب التفسير، لننظر ما يذكره المفسرون عن تبرج الجاهلية الأولى، نجد أن الجاهلية الأولى تستحي مما عليه الجاهلية الأخيرة الآن، ففي تفسير الآية يقولون: كانت المرأة تخرج فتمشي بين أيدي الرجال، أو تخرج وقد غطت رأسها وأظهرت نحرها، فهذا هو تبرج الجاهلية الأولى، فماذا نقول في تبرج الجاهلية الأخرى ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ويقول الله عز وجل: (( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا )) يعني فتوى، أو طعاماً، أو صدقة (( فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ )) ثم علل الحكم فقال: (( ذَلِكُمْ )) يعني: الحجاب، أو السؤال من وراء حجاب أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53] ثم يأتي بعض الناس الذين لم يشموا رائحة الفقه، ويقولون: إن هذه خاصة بأمهات المؤمنين.

    سبحان الله! إذا كان الخطاب موجهاً لأمهات المؤمنين اللاتي هن محرمات علينا، وموجهاً لجيل الصحابة الذين هم خير أمة أخرجت للناس، وعلل الحكم بأن ذلك الحجاب والكلام من رواء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن، فكيف نقول في رجال ونساء هذا الزمان؟ يقول النبي عليه الصلاة والسلام (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها).

    وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء بالطريق، فقال لهن: (استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق) أي: ليس لكن أن تمشين في حاق الطريق وهو وسط الطريق.

    الآن الرجال لكي يتقوا شر النساء يمشون على الرصيف، ويتقون بالجدران، فقال عليه الصلاة والسلام: (استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به، أي من شدة الحرص على عدم المخالطة أوقات الخروج من المسجد.

    وقد أفرض النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد باباً خاصاً بالنساء لا يشاركهن ولا يخالطهن فيه الرجال، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو تركنا هذا الباب للنساء) قال نافع : فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات، وكان عمر بن الخطاب ينهى أن يدخل المسجد من باب النساء.

    شرع الرسول عليه الصلاة والسلام للمصلين ألا يخرجوا فور التسليم من الصلاة إذا كان في الصفوف الأخيرة بالمسجد نساء حتى يخرجن.

    قال أبو داود: باب انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة.

    عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم مكث قليلاً، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال).

    وجاءت أم حميد الساعدية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي)، أي المسجد النبوي، ومعروف فضيلة الصلاة في المسجد النبوي.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن) .

    وقال عليه الصلاة والسلام: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، وهذا في حالة العبادة والبعد عن الشيطان، فما بالك بما خالف ذلك.

    كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حذرة، أي تطوف بالليل حول الكعبة حتى لا تخالط الرجال، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين! فقالت: انطلقي أنت، وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن، أي: إذا أراد نساء المؤمنين أن يدخلن الكعبة وقفن على بها حتى يخرج الرجال، ثم تدخل النساء.

    ودخلت على عائشة رضي الله عنها مولاة لها فقالت لها: يا أم المؤمنين! طفت بالبيت سبعاً، واستلمت الركن مرتين أو ثلاثاً، فقالت لها عائشة رضي الله عنها: لا آجرك الله، لا آجرك الله، تدافعين الرجال، ألا كبرت ومررت!

    ومن أجل ذلك تجد الشرع حث على صلاة الجمعة، ولكن ليست واجبة على النساء، وجعل جهادهن هو الحج المبرور، ولما أرادت فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم سليم ، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك).

    كل هذه الإجراءات تبين لنا أن روح الشريعة يرفض تماماً انفتاح النساء على الرجال واختلاطهن بهم بهذه الصورة المزرية.

    صور من الاختلاط يتهاون بها الناس

    هناك صور من الاختلاط يتهاون بها الناس لا بد من الالتفات إليها.

    أول صور الاختلاط المحرم: اختلاط الإخوة الذكور والإناث بعد التمييز في المضاجع، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بينهم في المضاجع في الحديث: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) فلا بد من التفريق بين الذكور والإناث حتى لو كانوا أشقاء في المضاجع.

    صورة أخرى: اتخاذ الخدم من الرجال، بعض الناس يأتون بخدم في المنزل من الرجال يختلطون بالنساء، وقد تحصل بهن الخلوة.

    الصورة الثالثة: اتخاذ الخادمات في بعض البيوت، وقد تحصل بهن الخلوة.

    السماح للخطيبين بالمصاحبة والمخالطة التي تجر إلى الخلوة، يقول: هذا خطيبها، فيخلو بها، فيجرهم الاختلاط إلى الخلوة ثم إلى ما لا تحمد عقباه، فيقع العبث بأعراض الناس بحجة التعارف وأن يدرس بعضهم بعضاً.

    الصورة الخامسة: استخدام المرأة أقارب زوجها الأجانب، أو أصدقاؤه في حال غيابه ومجالستهم، هذا أيضاً مما ينافي أحكام الإسلام.

    الاختلاط في دور التعليم والمدارس والجامعات والمعاهد والدروس الخصوصية.

    الاختلاط في الوظائف والأندية والمواصلات والأسواق والمستشفيات والزيارات بين الجيران.

    الخلوة في أي مكان ولو بصفة مؤقتة كالمصاعد والمكاتب والعيادات عند الطبيب إلى غير ذلك، فلا ينبغي حصول خلوة أبداً، ولا أن يسمح الرجل بخلوة امرأته حتى في الطريق.

    والحاصل أننا ينبغي أن نحذر الخلوة والاختلاط والتبرج، وكل هذه الأشياء والزنا رفيقان لا يفترقان، وصنوان لا ينفصمان أبداً.

    يقول بعض الشعراء:

    إن الرجال الناظرين إلى النسا مثل السباع تطوف باللحمان

    إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوض ولا أثمان

    فالإسلام وضع حصوناً وقلاعاً؛ لأن الإسلام يعرف ما معنى العرض، وما معنى الشرف.

    هؤلاء الغربيون يعيشون كالبهائم العجماوات، وإذا سبرت أغوارهم وعرفت أحوالهم، وجدت الحيوانات أفضل منهم، فليسوا هم أسوتنا، لكن أسوتنا خير أمة أخرجت للناس، فإذا لم نحل بين الرجال والنساء الأجانب بهذه الحصون والقلاع، فلا بد أن تسقط الأعراض أمام هذه الهجمة الشرسة ويقع المحذور، ولا ينفع حينئذ بكاء ولا ندم، والتبعة كل التبعة، واللوم أولاً وأخيراً على ولي البنت الذي ألقى الحبل على غاربه وأرخى لابنته العنان، فيداه أوكتا وفوه نفخ.

    يقول بعض الشعراء:

    نعب الغراب بما كره ت ولا إزالة للقدر

    تبكي وأنت قتلتها فاصبر وإلا فانتحر

    ويقول الآخر:

    أتبكي على لبنى وأنت قتلتها لقد ذهبت لبنى فما أنت فاعل

    فلا يلومن أحد إلا نفسه، كل أب أو ولي يفرط في هذه الواجبات فمسئوليته أمام الله سبحانه وتعالى.

    أخيراً نقول: إن جعبة الباحثين والدارسين لظاهرة الاختلاط حافلة بالمآسي المخزية والفضائح المشينة التي تمثل صفعة قوية في وجه كل من يجادل في الحق بعدما تبين.

    وإن الإحصائيات الواقعية في كل البلاد التي فشا فيها الاختلاط صارخة بخطر الاختلاط على الدين والدنيا، لخصها العلامة أحمد وثيق باشا العثماني رحمه الله، فقد كان من الأتراك المشهورين، وكان قد سأله بعض عشرائه من رجال السياسة في أوروبا في مجلس إحدى العواصم الأوروبية قال له: لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن من غير أن يخالطن الرجال ويغشين مجامعهم؟

    فأجابه في الحال قائلاً: لأنهن لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجهن!

    وكان هذا الجواب كصب ماء بارد على رأس هذا السائل، فسكت على مضض كأنه ألقم الحجر.

    لما وقعت فتنة الاختلاط في الجامعة المصرية على يد طه حسين كان ما حدث، ووقعت حوادث يندى لها الجبين، وسئل طه حسين : ما رأيك في الاختلاط والسنة السيئة التي أدخلتها في بلاد المسلمين حدث منها كذا وكذا، مما يندى الجبين عرقاً من حكايته؟

    فكان جوابه لا بد من ضحايا، لكنه لم يبين بماذا تكون التضحية؟ وفي سبيل ماذا لا بد من ضحايا؟ وهل يوجد شيء أغلى وأثمن من أعراض المسلمين حتى يضحى به في سبيل غيره؟!

    نستطيع أن نجزم بحقيقة لا مراء فيها، وهي أنك إذا وقفت على جريمة دنس بها العرض وذبح العفاف وأهدر الشرف، ثم فتشت عن الخيوط الأولى التي نسجت هذه الجريمة وسهلت سبيلها، فإنك حتماً ستجد أن هناك ثغرة حصلت في الأسلاك الشائكة التي وضعتها الشريعة بين الرجال والنساء، ومن خلال هذه الثغرة دخل الشيطان، قال الله عز وجل: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء: 28] .

    فلأن الإنسان ضعيف ولأن الله بنا رحيم، شرع لنا هذه القيود وهذه الضوابط كي تصب في هذا المجرى العظيم، صيانة العرض وحماية المجتمع من هذه الفاحشة.

    حال الغربيين بسبب الاختلاط

    هؤلاء الغربيون يعيشون كالبهائم العجماوات، وإذا سبرت أغوارهم وعرفت أحوالهم؛ وجدت الحيوانات أفضل منهم، فليسوا هم أسوتنا، لكن أسوتنا خير أمة أخرجت للناس، فإذا لم نحل بين الرجال والنساء الأجانب بهذه الحصون والقلاع، فلا بد أن تسقط الأعراض أمام هذه الهجمة الشرسة ويقع المحذور، ولا ينفع حينئذ بكاء ولا ندم، والتبعة كل التبعة، واللوم أولاً وأخيراً على ولي البنت الذي ألقى لها الحبل على غاربه، وأرخى لابنته العنان، فيداه أوكتا وفوه نفخ، يقول بعض الشعراء: نعب الغراب بما كرهـ ت ولا إزالة للقدر تبكي وأنت قتلتها فاصبر وإلا فانتحر ويقول الآخر: أتبكي على لبنى وأنت قتلتها لقد ذهبت لبنى فما أنت فاعل فلا يلومن أحد إلا نفسه، كل أب أو ولي يفرط في هذه الواجبات فمسئوليته أمام الله سبحانه وتعالى. أخيراً نقول: إن جعبة الباحثين والدارسين لظاهرة الاختلاط حافلة بالمآسي المخزية والفضائح المشينة التي تمثل صفعة قوية في وجه كل من يجادل في الحق بعدما تبين، وإن الإحصائيات الواقعية في كل البلاد التي فشا فيها الاختلاط صارخة بخطر الاختلاط على الدين والدنيا، لخصها العلامة أحمد وثيق باشا العثماني رحمه الله، فقد كان من الأتراك المشهورين، وكان قد سأله بعض عشرائه من رجال السياسة في أوروبا في مجلس إحدى العواصم الأوروبية، فقال له: لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن من غير أن يخالطن الرجال ويغشين مجامعهم؟ فأجابه في الحال قائلاً: لأنهن لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجهن! وكان هذا الجواب كصب ماء بارد على رأس هذا السائل، فسكت على مضض كأنه ألقم الحجر. ولما وقعت فتنة الاختلاط في الجامعة المصرية على يد طه حسين وقعت حوادث يندى لها الجبين، وسئل طه حسين : ما رأيك في الاختلاط والسنة السيئة التي أدخلتها في بلاد المسلمين، وقد حدث منها كذا وكذا، مما يندى الجبين عرقاً من حكايته؟ فكان جوابه: لا بد من ضحايا! لكنه لم يبين بماذا تكون التضحية؟ وفي سبيل ماذا لا بد من ضحايا؟ وهل يوجد شيء أغلى وأثمن من أعراض المسلمين حتى يضحى به في سبيل غيره؟! نستطيع أن نجزم بحقيقة لا مراء فيها، وهي أنك إذا وقفت على جريمة دنس بها العرض وذبح العفاف وأهدر الشرف، ثم فتشت عن الخيوط الأولى التي نسجت هذه الجريمة وسهلت سبيلها؛ فإنك حتماً ستجد أن هناك ثغرة حصلت في الأسلاك الشائكة التي وضعتها الشريعة بين الرجال والنساء، ومن خلال هذه الثغرة دخل الشيطان، قال الله عز وجل: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:27-28]. فلأن الإنسان ضعيف ولأن الله بنا رحيم، شرع لنا هذه القيود وهذه الضوابط كي تصب في هذا المجرى العظيم، صيانة العرض وحماية المجتمع من هذه الفاحشة.

    خظر إشاعة الفاحشة والإيلاء من النساء

    وحرم الشرع إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد، يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19] ، فإذا كان مجرد حب إشاعة الفاحشة يترتب عليه هذه العقوبة، فكيف بمن يشيع الفاحشة في المجتمع الإسلامي، ويدفع الناس إليها دفعاً؟! وحظر الشرع على الرجل أن يغيب عن زوجه مدة طويلة، قال عز وجل: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:226] * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:227] .

    إذا حلف الرجل ألا يقرب زوجته ترك أربعة أشهر، فإما أن يرجع بعد فترة الإيلاء ويتوب فيغفر الله له، وإما أن يطلق.

    1.   

    التدابير الإيجابية لصيانة الأعراض

    هذه بعض الإجراءات الوقائية حتى تسد باب الفتنة، فماذا عن الإيجابيات التي شرعها الإسلام بهذا الصدد؟

    الترغيب في النكاح

    فتح الإسلام أبواب الحلال على مصارعها، وقضى على أي عقبة تعترض النكاح بكل قوة، فرغب الإسلام في الزواج المشروع وحث عليه، وبين أنه من سنن الهدى وجادة الإسلام، ونهت الشريعة عن التبتل والرهبانية وأنها مولود مبتدع في الملة النصرانية، وشدد الله النكير على فعلتها، فليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، ولا يحل لأي إنسان أن يستحسن العزوبة بأي عذر، فإنه يقع حينئذ تحت قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن رغب عن سنتي فليس مني).

    ومعروف حديث الثلاثة الرهط الذين أتوا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: (تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى)، فمن أحد مقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية تكثير نسل المسلمين.

    فبعض المضلين يستدلون ببعض الحالات الفردية أو بعض الأحاديث الواردة في إباحة العزل على إباحة استئصال النسل المسلم والتآمر عليه، فهناك فرق بين دراسة الحالات الفردية كرخص طبقاً لظروف شخصية لبعض الناس، وبين أن الدولة تتبنى سياسة تنافي وتضاد مقاصد الشريعة الإسلامية، فلا تحل المناداة برفع شعار يتعارض مع المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، وقد ذكرنا أن من مقاصد الشريعة الإسلامية العليا حفظ العرض عن طريق هذه الوسائل التي نذكرها.

    فالمقصود: أن الترغيب في النكاح أصل مقطوع به من دين الإسلام، يقول عليه الصلاة والسلام: (تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى)قال طاوس رحمه الله: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج، أي: لا يحل للواحد أن يقول: أنا اشتغل بالتعبد ويترك الزواج.

    وقال لـإبراهيم بن إبراهيم بن ميسرة : تزوج أو لأقولن لك ما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لـأبي الزوائد : لا يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور.

    لكن التعبد لا يمنع من النكاح، قال المروزي . قال أبو عبد الله -يعني الإمام أحمد بن حنبل -: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء.

    تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة، ومات عن تسع، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح وما عندهم شيء، من الفقر، وكان يختار النكاح ويحث عليه، ونهى عن التبتل، فمن رغب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو على غير الحق.

    وتزوج يعقوب في حزنه وولد له، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (حبب إلي من دنياكم النساء).

    وقال الإمام أحمد : لبكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه خبزاً أفضل من كذا وكذا. يعني: حتى لو كان فقيراً، لأن الله يحب أن يكثر نسل المسلمين الذين يشهدون بالتوحيد، فما يدريك لعله أن يخرج منهم من ينقذ الله به الأمة.

    ويقول الإمام أحمد : أنى يلحق المتعبد المتعزب المتزوج.

    وعن عثمان بن خليل قال شداد بن أوس : زوجوني، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني ألا ألقى الله عزباً.

    وقال ابن مسعود : لو لم يبق من أجلي سوى عشرة أيام، أعلم أني أموت بعدهن، ولي طول النكاح فيهن، لتزوجت مخافة الفتنة.

    ففقهاء الإسلام يقررون أن النكاح سنة مؤكدة، والبعض يقول: بالوجوب، أخذاً من قوله عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء).

    أرشد الإسلام إلى الصيام كشيء بديل؛ لأنه مما يعين على غض البصر، وفي القرآن إشارة إلى هذا في قوله سبحانه وتعالى: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ [الأحزاب:35] ثم عقب بقوله: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ [الأحزاب:35] لأن الصيام يعين على هذا الأمر، يقول بعض العلماء: لو سأل سائل: فقال إني رجل مستطيع النكاح ولا أخاف على نفسي الحرام لو لم أتزوج، وأريد أن أظل عزباً ليكفيني أقل مال وعمل لكسب معيشتي، وسأشغل وقتي كله بالعبادات من صلاة وصوم وذكر وقرآن إلى آخره؛ لقال العلماء لهذا الرجل: الزواج مع أداء العبادات المفروضة والسنن الراتبة أفضل.

    تيسير النكاح

    حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تيسير النكاح، فقال عليه الصلاة والسلام: (خير النكاح أيسره) وهذا إرشاد إلى التساهل من جانب الأولياء ومن جانب الأزواج.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (خير الصداق أيسره).

    وأمر الله عز وجل من لم يجد النكاح بالاستعفاف، ولم يفتح أي ثغرة إلى ما حرم الله، قال عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون:5] * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:6] * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7] فأي وسيلة غير هذه التي أحلها الله فهي من العدوان الذي حرمه الله سبحانه وتعالى.

    هكذا نظم الإسلام الحياة الاجتماعية تنظيماً دقيقاً، ووضع لنا التشريعات التي تكفل السعادة والاستقامة، وبينا كيف أن الشريعة حينما تحرم شيئاً تحرم كل الأسباب التي تؤدي إليه، حتى تستوقف المرء على مسافة بعيدة قبل أن يفضي إلى حدود الجريمة الأصلية.

    لا ترتضي الشريعة الإلهية المحكمة حين تحرم شيئاً من الجرائم أن تلقي في الناس أن العقوبة قد شرعت لمجرد التمثيل بهم ومحاسبتهم، بل تشعرهم أنها ناصحة لهم، ومصلحة لمفاسدهم، ومزيلة لمفاتنهم، فتستخدم كل ما يؤثر من التدابير الوقائية الممكنة والتدابير العلاجية التي توصد باب الفتنة، وتعين على اجتناب الموبقات: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28] .

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    الترخيص في نكاح الإماء للعاجز عن الحرائر

    ولكي يزيد الإسلام فتح في باب الحلال كتدبير إيجابي لسد باب الفتنة، رخص لمن لم يقدر على نكاح الحرائر أن ينكح الإماء، وأمر المسلمين بالتعاون على تزويج عزابهم من نساء ورجال حتى لا يبقى في القرية أو الحي عزب تخشى فتنته، والدليل قوله تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32]، والأيامى: جمع أيم، وهو من ليس له زوج من رجل أو امرأة، قال ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح، ثم تلا هذه الآية: (( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ )).

    وقال عمر : عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح، وقد قال الله تعالى: (( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ )) بين هذا وشرحه قول النبي صلى الله عليه وسلم: {حق على الله عون من نكح التماس العفاف عما حرم الله}، وقال عليه الصلاة والسلام: {ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف}.