إسلام ويب

رسالة من غريقللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إنّ الهداية إلى هذا الدين القويم هي أعظم نعم الله على العبد، فإنها تخرج العبد من الظلمات إلى النور، من ظلمات التيه والاضطراب إلى نور اليقين والثبات، ومن ظلمات القلق والكآبة إلى نور الطمأنينة والانشراح، ومن ظلمات العبودية للدنيا ورذائلها وسفاسفها إلى نور العبودية لله الواحد القهار، ومن ظلمات الشهوات والشبهات إلى نور العزم وقوة الإرادة والبصيرة، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم. وقد لا يشعر العبد بعظمة هذه الهداية، فعليه أن يعتبر بمن افتقدها ممن يعيش في دياجير الجهل والشهوات والشبهات، وفي ظلمات التيه والاضطراب والشك؛ ليعرف مقدار هذه النعمة.

    1.   

    بين يدي الموضوع

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أخي المسلم!

    روى أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما طلعت شمس قط إلا بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان من على الأرض غير الثقلين: أيها الناس! هلموا إلى ربكم، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. ولا غربت إلا بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم! أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً).

    هذا الحديث رواه الطيالسي والإمام أحمد وابن حبان والحاكم والبغوي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي ، وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح. وقال محقق الأنواع والتقاسيم لـابن حبان : صحيح على شرط مسلم .

    وهذا الحديث فيه الدعوة إلى الإخبات إلى الله سبحانه وتعالى، وعدم الانشغال بالدنيا، والاكتفاء منها بالقليل، (فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى).

    وحديثنا عبارة عن موضوعين:

    الأول: تذكرة وموعظة، وجهها أحد إخواننا الأفاضل، وهو: الأخ مجدي الهلالي في رسالة له بعنوان: (رسالة من غريق)، وهي تعكس حال كثير منا، فكثير منا يحتاج إلى هذه التذكرة الوجيزة البليغة، ولذلك -إن شاء الله- نتواصى بها.

    الثاني: جواب سؤال يتعلق بحكم الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة.

    1.   

    موعظة في ذم الدنيا والتحذير من الانغماس فيها

    يقول مجدي الهلالي: إن الناظر المتفحص لأحوالنا يجد الكثير منا قد جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، يعدو وراءها ويلهث في سبيل تحصليها، كلما نال منها شيئاً ازداد طلبه لها وجريه وراءها علّه ينال منها أشياء أخرى، كما قال الشاعر:

    فما قضى أحد منها منالته ولا انتهى أرب إلا إلى أرب

    فالإنسان الذي يشتغل بالدنيا ويؤجل الأعمال الصالحة إلى أن يفرغ لا يمكن أبداً أن يفرغ؛ لأن آمال الدنيا لا تنتهي، ولا يقضي أحد وطره منها أبداً، فعليه أن يجعل الهموم هماً واحداً، وهو إرضاء الله سبحانه وتعالى، فيتولى الله سبحانه وتعالى تيسير أمور دينه ودنياه.

    أما أحوالنا في الآخرة فتجارتها عندنا كاسدة، ولا يلتفت إليها إلا أقل القليل، مع أن المتأمل لآيات القرآن الكريم يجد أن الله سبحانه وتعالى -عند الحديث عن الآخرة- يحثنا على السعي الحقيقي إليها، فنتأمل تعبيرات القرآن، كقوله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50] فالذي يفر لا بد من أن يكون مسرعاً جداً، وكذلك قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، وقال أيضاً: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الحديد:21]، وقال أيضاً: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61]، وقال: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، فهناك تنافس أمرنا به، وهناك تنافس نهينا عنه، فأما الذي أمرنا به فهو التنافس في الآخرة، وأما الدنيا فقد قال فيها عليه الصلاة والسلام: (ولا تنافسوا) يعني: في أعراض الدنيا. ومع ذلك فإنك تجد أغلب الناس يتنافسون في الدنيا، ويغفلون عن التنافس في الآخرة.

    وكذلك نجد أن الأمر بتحصيل الدنيا يرشد إلى أنه أهون وأبطأ، كما قال سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15] فلم يقل: اسعوا، أو سابقوا، أو (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) ولم يقل أيضاً: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)، ولم يقل فيها: سابقوا إلى الدنيا. وإنما قال: (فَامْشُوا) والمشي يكون أهون وأبطأ.

    وقال تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [الجمعة:10] وحينما تكلم عن صلاة الجمعة في أول الآيات قال تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] أي: بادروا.

    وأما قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ) فهو مجرد انتشار لطلب الرزق الحلال.

    والحقيقة الباقية والقائمة هي أن القلب لا يتسع أبداً للدنيا والآخرة معاً، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى) فهما ضرتان، إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، ومن ظن أنه سيرضي الاثنتين فقد ظن ما لا يقع أبداً ولا يكون، فإما أن نختار الدنيا وإما الآخرة.

    1.   

    حقيقة الزهد في الدنيا

    ليس معنى الكلام السابق الإعراض الكامل عن الدنيا، وفهم الزهد في الدنيا على أنه الفقر والحرمان والرغبة عنها بالمرة، بل حقيقة الزهد في الدنيا تجريد القلب عن محبتها، فالمسكنة التي يحبها الله سبحانه وتعالى من عبده والتي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبها في قوله: (اللهم! أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله سبحانه وتعالى أن يرزقه حبه، وحب من يحبه، وأن يرزقه حب المساكين، وأمره الله تعالى أن يلزم هؤلاء الذين يريدون وجه الله سبحانه وتعالى، وأن لا يعرض عنهم إلى أصحاب الدنيا كما بين ذلك في أكثر من موضع في القرآن الكريم كقوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28] المسكنة المقصودة هنا ليست مسكنة الفقر؛ لأن الفقر شيء مذموم، ويكفي في ذمه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرنه بالكفر فقال: (أعوذ بك من الكفر والفقر) كما في أذكار الصباح والمساء، فإنّ المال عون على الدين، فإنه يؤدى به فرض الزكاة وغيرها من الفروض، ويستغنى به عن القرض، ويصان به العرض، فالمال -بلا شك- أمر مهم، ولكن المقصود بالمسكنة مسكنة القلب، وهي إخبات القلب وذله وخشوعه وتواضعه لله سبحانه وتعالى، وهذه المسكنة لا تنافي الغنى، فيمكن أن يكون الإنسان غنياً مكتفياً وفي نفس الوقت يكون مسكيناً مستكيناً ذليلاً لله سبحانه وتعالى، فليس هناك تلازم بين الفقر والمسكنة.

    فالزهد بينه الله تبارك وتعالى في قوله: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:23] هذا هو الزهد كما قال الجنيد رحمه الله تعالى.

    قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ [الحديد:22-23] أي: لا تأسوا على ما فاتكم من أمور الدنيا؛ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:23] فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود، ولا يأسف منها على مفقود.

    قال الإمام أحمد في الزهد: هو عدم فرحه بإقبالها وحزنه على إدبارها. ويقول الإمام أحمد وقد سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهداً؟ قال: نعم، على شريطة أن لا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت.

    فليس الزاهد من لا مال عنده، وإنما الزاهد من لم يشغل المال قلبه وإن أوتي مثل ما أوتي قارون ، فالتحذير إنما هو من تغلغل الدنيا في قلوب الناس، فتتحول نياتهم من عمل لرفعة الإسلام وعبادة الله إلى طلب جاه ومنصب ومال، فالمطلوب أن تكون الدنيا في يد الإنسان لا في قلبه.

    وقد ضرب بعض أخواننا مثالاً طيباً لتوضيح هذه الحقيقة فقال: الدنيا مثل السفينة، فالسفينة ما دام الماء خارجها تستطيع أن تمشي في البحر الخضم سالمة ناجية، أما إذا دخلها الماء واستقر داخلها فإنها تغرق وتهلك، فكذلك الدنيا، فإن أهم شيء أن لا يستقر حبها في قلب المؤمن، فإذا دخلت في القلب أفسدت عليه دينه، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) يعني أنّ حرص المرء على المال والشرف يفسد دينه أكثر مما يفسد الذئبان الجائعان اللذان أرسلا في غنم لا راعي لها، فكيف الظن بذئبين جائعين مطلقي الحرية في الفتك بهذه الغنم؟!

    فالفساد الذي يتحصل من وراء هذين الذئبين ليس أشد من الفساد الحاصل من حرص المرء على المال والشرف على الدين، فمكر الشيطان هو محاربتنا بسلاحنا، فيأتينا من حيث لا نتوقع.

    يقول: فالكثير منا عندما يعاب عليه انشغاله بالدنيا فإنك تجد الحجج والمعاذير والتبريرات التي لا تنتهي معدة جاهزة عنده سلفاً مثل السهام والصورايخ، فإذا قلت له: هون عليك، أو ما قاله عليه الصلاة والسلام: (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب) يعني: هونوا عليكم في طلب الدنيا، ولا تستميتوا في طلبها.

    فتجد أنك إذا ذكرته بمثل هذا المعنى يسارع في الاستدلال بقول الله تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15]، وقوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32].

    والسعي في طلب الرزق يشغل في الإسلام حيزاً محدوداً، فلا يكون طلب الرزق هو كل ما يشغل الإنسان، فهذا أحد واجبات الفرد المسلم وليس كل واجباته.

    وقد يتشدق بعضهم بهذه المقولة التي يجعلها كأنها آية قرآنية، أو حديث عن المعصوم عليه الصلاة والسلام، وهي (العمل عبادة) أو (طلب الدنيا عبادة)، ومنهم من يحول بين المرءوسين أو العاملين عنده -سواء في مدرسة، أو في مصنع، أو في أي مكان- وبين الصلاة، فيقول لمن يريد الصلاة: نحن في عبادة. حتى لو خرجت الصلاة عن وقتها، وقد تؤدى الامتحانات ساعة صلاة الجمعة، ويقولون: العمل عبادة. وهذا من تلبيس إبليس على هؤلاء الجهلة، فالنفقة على الأهل وعلى الأولاد وطلب الرزق الحلال جزء من الواجبات على المسلم، وعندك الوقت كله، فكيف تنشغل عن الوقت الذي هو مخصص لأداء واجب الصلاة والله تعالى يقول: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]؟!

    فالمسلم مطالب بإصلاح نفسه وتزكيتها، وتربية أهله، والعمل لدين الله سبحانه وتعالى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة) فتجدهم منشغلين بجمع المال أو طلب الدنيا، ويتجرأ بعض الجهلة ويفتيهم بأنه إذا عاد أحدهم إلى البيت في المساء فإنه يجوز له أن يجمع كل الصلوات، فيجوز أن يُصلي الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعاً قبل أن ينام.

    ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس ينخدعون بهذا الفتاوى المضلة، ويفعلون هذه الجريمة الكبرى، فهؤلاء آثمون قطعاً، ويجب عليهم أن يسألوا أهل العلم وأن يسألوا أهل الذكر ليبينوا لهم الحكم، فهذا ضلال مبين، وإخراج الصلاة عن وقتها بحجة طلب الدنيا من كبائر الذنوب، يقول عليه الصلاة والسلام: (تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع) رواه البخاري .

    يقول الأخ الفاضل هنا: هذه الرسالة أرسلها إلى كل مسلم أحاطت به الدنيا، فصار أسيراً لها تسيره كيف شاءت، أرسلها طالباً من الله عز وجل أن تصله قبل فوات الأوان، وسماها: (رسالة من غريق).

    إنّ هذه الرسالة فيها الـحُسن في التعبير، والصدق في الشعور، وكثير منا -بل أغلبنا- يحتاج لهذه التذكرة.

    يقول المرسل لهذه الرسالة: إخواني في الله! يرسل إليكم هذه الرسالة أخ لكم يعيش بينكم بآمالكم وآلامكم، هذا الأخ انتبه فجأة فوجد نفسه يغرق ويغرق، ونظر حوله فوجد الكثير منكم مثله يغرقون، وعندما حدق النظر فيهم وجدهم جميعاً في ظروف واحدة، ومناخ مشترك، ووجد أغلبهم متزوجاً، أو تخرج من الجامعة وانشغل بالوظيفة، فعلم أن سبب غرقه وغرقهم يرجع إلى الانغماس في الدنيا، فهو ينام على تفكير في الرزق والأولاد والسفر ... إلى آخره، ويستيقظ على موعد العمل لا على موعد الصلاة، وفوجئ أنه لا يحافظ على صلاة الفجر التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم : (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)، وأما بقية الصلوات فالخشوع فيها نادر، والدنيا قد استولت على قلبه.

    فعندما أراد صاحبنا أن يتذكر آخر يوم صامه تطوعاً خانته ذاكرته، وعندما أراد أن يتذكر آخر ليلة قامها فوجئ أنها في رمضان، وبحث عن مصحفه فوجد أن التراب يعلوه، ونظر إلى مكتبته فأحس أن الكتب تبكي من إهمالها، وتشكو إلى الله التراب الذي يعلوها.

    وتأمل حاله فوجد أنه لا يذكر الله إلا في المناسبات، وفي صباح يوم من الأيام استيقظ على وفاة أحد أقرانه الذي كان يتمتع بصحة جيدة، ولا توجد أي أمراض عنده، وذهب مع الأهل والأقارب لدفنه، وعندما حانت لحظة إدخاله القبر وإهالة التراب على وجهه هزه هذا المنظر هزاً عنيفاً، وزلزل كيانه، وجعله يفيق من غفوته، ويستيقظ من سباته، ويتذكر أنه لا بد من دخول هذا القبر الموحش الذي لا أنيس فيه إلا العمل الصالح.

    فانتبه صاحبنا فوجد نفسه يغرق في الدنيا، فبكى على نفسه وانتحب، وتذكر حاله في بداية طريقه إلى الله وأثناء الدراسة الثانوية والجامعية، لقد كان محافظاً على الصلوات في المسجد خصوصاً صلاة الفجر، وكان المصحف لا يغادر جيبه إلا عند دخول الخلاء، ولم يكن يمر الأسبوع إلا ويكون قد صام فيه، وكانت له مع الليل وقفات يناجي فيها ربه عز وجل، فما الذي حدث؟

    1.   

    بداية النكوص عند كثير من الناس

    تذكر الأخ أن بداية التدهور في حاله كانت بعد التخرج من الجامعة، وعندما أصبحت عليه تكاليف معيشية، وأعباء مالية، وتطلعات مستقبلية، فعليه أن ينفق على نفسه، وعليه أن يتزوج، وعليه أن يعد المسكن، فإذا أعده فعليه أن يزوده بالثلاجة وسائر الكماليات، وعليه وعليه..، فبدأ يتنازل تدريجياً عن طاعات كان يؤديها، وزين له الشيطان سوء عمله، وأنها فترة قصيرة وستنقضي، ولكنها طالت وطالت، وأصبح التنازل صفته، وكل يوم تزداد الدنيا تزيناً له، فأصبح يعمل في وظيفة من الصباح حتى العصر، ويرجع إلى بيته في وقت الغداء، ويرجع بعد العصر لوظيفة أخرى حتى العشاء، وأخرى من بعد العشاء حتى الحادية عشرة أو الثانية عشرة ليلاً، ثم يعود إلى البيت وهو يحلم بالسرير لكي يرتمي عليه، وينام حتى يستيقظ على عمله في الصباح، وهكذا كل يوم.

    وانطبق عليه قول القائل:

    نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

    وأصبح الذي يربطه بالإسلام هو مظهره إن كان يحافظ عليه، وصلاته التي يعلم الله مدى خشوعها، أما بقية يومه فللدنيا.

    وعندما انتبه هذا الأخ إلى حاله، وفوجئ بهذا الواقع المرير، علم أنه سائر في طريق الهلاك لا محالة، فربما ترك الصلاة كما ترك ما قبلها، وربما تخلص من مظهره الإسلامي كما تخلص من أشياء كثيرة كان يظن سابقاً أنه من المحال التنازل عنها.

    وعندئذ انتابت هذا الأخ موجة شديدة من الأسى والحزن على نفسه، فتناول أحد كتب الرقائق من مكتبته، فإذا به يرى أطباء القلوب قد شخصوا هذا المرض منذ ظهوره، فيقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: فمن العجائب أننا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا وغرسنا واتجرنا، وركبنا البحار والبراري، وخاطرنا، واجتهدنا، وتعبنا في طلب أرزاقنا، ولا نثق بضمان الله لنا، ثم إذا طمحت أعيننا نحو الملك الدائم المقيم قنعنا بأن نقول بألسنتنا: اللهم اغفر لنا وارحمنا!

    والذي عليه رجاؤنا وبه اعتزازنا ينادينا ويقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]، ويقول: وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33]، ويقول: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:6].

    يعني: إذا كان طلب الرزق الذي هو مضمون تكد وتتعب، وإذا قال لك أحد: هون عليك فإن الرزق مضمون فإنك تقول له: كل شيء بسبب فتسعى وتكد، فكذلك في الآخرة -أيضاً- لا بد من أخذ هذه الأسباب، خاصة أن الله لم يضمن لك الجنة، ولكن قال: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى).

    يقول: كل ذلك لا ينبهنا، ولا يخرجنا من أودية غرورنا وأمانينا، وصدق الشاعر عندما قال:

    أرى رجالاً بأدنى الدين قد قنعوا وما أراهم رضوا في العيش بالدون

    فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما اسـ ـتغنى الملوك بدنياهم عن الدين

    قال الحسن : المبادرة المبادرة، فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله عز وجل؛ فرحم الله امرأ نظر إلى نفسه، وبكى على عدد ذنوبه.

    1.   

    موعظة أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه للتابعين

    يقول: وإذا بصاحبنا يقرأ كلمة قالها الصحابي الجليل أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه، الذي عاش فترة مع التابعين فرأى حالهم أقل من حال الصحابة، فنصحهم نصيحة أحس هذا الأخ أنها موجهة إليه وإلى الإخوة في عصرنا هذا، قرأ هذا الأخ كلمة أبي الدرداء رضي الله عنه، فإذا به يقول فيها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولهانت عليكم الدنيا، ولآثرتم الآخرة، ثم قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه من قِبَل نفسه: لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات -أي: إلى الطرقات- تجأرون وتبكون على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها، ولا راجع إليها إلا ما لا بد لكم منه، ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة، وحضرها الأمل فصارت الدنيا أملك بأعمالكم، وصرتم كالذين لا يعملون، فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها مخافة مما في عاقبته، مالكم لا تحابون ولا تناصحون وأنتم إخوان على دين الله،؟!

    ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم، لو اجتمعتم على البر لتحاببتم.

    مالكم تناصحون في أمر الدنيا، ولا تناصحون في أمر الآخرة، ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ويعينه على أمر آخرته؟!

    ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم، ولو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة؛ لأنها أملك لأموركم.

    فإذا قلتم: حب العاجلة غالب فإنا نراكم تدعون العاجلة من الدنيا للآجل منها، تكدون أنفسكم بالمشقة، والاحتراف في طلب أمر لعلكم تدركونه، فبئس القوم أنتم، ما حققتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم، فإن كنتم في شك مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فأتونا لنبين لكم ولنريكم من النور ما تطمئن إليه قلوبكم.

    والله ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم.

    أي أنّ عقولكم كاملة، وتستطيعون إعمالها في البحث عما يصلحكم. قال: إنكم تستبينون صواب الرأي في دنياكم، وتأخذون بالحزم في أموركم، فما لكم تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه، وتحزنون على اليسير منها يفوتكم حتى يتبين ذلك في وجوهكم.

    يعني: إذا خسر الإنسان مالاً يسيراً جداً يحزن عليه حزناً شديداً، وإذا اكتسب مالاً يسيراً جداً فإنه يفرح فرحاً شديداً.

    قال: ويظهر على ألسنتكم، وتسمونها بالمصائب، وتقيمون فيها المآتم، وعامتكم قد تركوا كثيراً من دينهم، ثم لا يتبين ذلك في وجوهكم.

    أي: إذا قصر في الدين لا يقيم مأتماً، ولا يحزن، ولا ينفعل، ولا يتغير حاله، كما قال أبو بكر بن عياش : مسكين محب الدنيا؛ يسقط منه درهم فيظل نهاره يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. وينقص عمره ودينه ولا يحزن عليه!

    تراه إذا مرت عليه سنة جديدة يقيم حفل عيد ميلاد، ولو فقه لأقام مأتماً؛ لأن ذلك معناه أنه يقترب من القبر أكثر، فهو يولد بقدر محدد من العمر والأيام والأنفاس، فالعمر ما هو إلاّ أَنْفُس، والمسكين يقيم احتفالاً يسميه حفل عيد الميلاد، وهو لو فقه لكانت هذه مناسبة غم وهم؛ لأنّه يقترب بذلك إلى القبر والآخرة.

    وصدق الشاعر إذْ يقول:

    فطنٌ بكل مصيبة في ماله وإذا يصاب بدينه لم يشعر

    ويقول أبو الدرداء : إني لأرى الله قد تبرأ منكم، يلقى بعضكم بعضاً بالسرور، وكلكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره.

    يعني أنّ الواحد منكم يبش في وجه الآخر، وليس فيكم من يتمعر وجهه غضباً إذا رأى على أخيه معصية، ويخاف أنه إذا أنكر عليه ونصحه في دينه أنه سيفقد صحبته، أو يعكر عليه صفوته، وبالتالي يؤثر هذا في المودة التي بينهما، فيداهن بعضهم بعضاً، ويدافع معور عن معور، فكل واحد فيه عيب، فيخاف أنّه إذا نصح أخاه فسيأخذ عليه أخوه عيباً من عيوبه، وحينئذٍ يكون هناك تعايش سلمي وحياد، فلا يتدخل أحد في نصيحة الآخر حتى ولو كان ذلك على حساب الدين.

    يقول: إني لأرى الله قد تبرأ منكم، يلقى بعضكم بعضاً بالسرور، وكلكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله، فاصطحبتم على الغل، ونبتت مراعيكم على الدمن، وتصافحتم على رفض الأجل، ولوددت أن الله تعالى أراحني منكم وألحقني بمن أحب رؤيته، ولو كان حياً لم يصابركم، فإن كان فيكم خير فقد أسمعتكم، وإن تطلبوا ما عند الله تجدوه يسيراً، وبالله أستعين على نفسي وعليكم.

    يقول الكاتب: فانزعج الأخ من هذه الوصية؛ لأنه علم أنه هو المقصود بها، وكثير من إخوانه كذلك، فبكى على نفسه، وانهمرت دموعه على خديه، وترك نصيحة أبي الدرداء بعد أن زلزلته، فإذا به يقرأ نصيحة سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله وهو ينصح الناس، ويصف داءهم بقوله: أيها العبد الآبق! عُد إلى مولاك، فإن مولاك يناديك بالليل والنهار: من أتاني يمشي أتيته هرولة وأنت عنه معرض، وعلى غيره مقبل، لقد هُضمت كل الهضم، وخسرت أكبر الخسران.

    انتبه أيها الغافل؛ فإنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل، وأنت تعلم فاعمل، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.

    يقول: فاشتد انتحاب صاحبنا على نفسه وعلا صوت نشيجه، وإذا به يسمع صوتاً يقرأ قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) فهتف صاحبنا بأعلى صوته وهو يبكي: بلى لقد آن يا رب، لقد آن يا رب.

    وتغيرت معالم حياة هذا الأخ بعد هذه اللحظة، فبدأ في تنظيم أوقاته، وبدلاً من أن يجعل لله عز وجل أوقات فراغه وضع لنفسه أوقاتاً ثابتة للقرآن، وبدأ يحافظ على الطاعات من صيام وقيام ونحوها، وعاد مرة أخرى إلى دروس العلم في المساجد، وبدأ يأنس بذكر الله ويتحين الأوقات لكي يخلو بالله ويناجيه.

    ونظر صاحبنا بعد فترة من هذا التغيير إلى دنياه، فوجد أنه قد أصبح يرضى بالقليل، ووجد البركة في هذا القليل، وبدلاً من أن يتعامل مع الأسباب وكَلَ أمره إلى الله، واثقاً أن الرزق بيده، وتذكر صاحبنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتي بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم! هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط، فحمد الله أنه بدأ في العودة إلى طريق أهل الجنة قبل فوات الأوان.

    ثم نظر إلى تجارب السابقين، فعلم أن أي إنسان مهما أوتي من تقوى وعلم فلن يستطيع أن يسير بمفرده، إلا من رحم الله، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، فعلم أنه لا بد لكل أخ ينشد التحسن والازدياد في دينه أن يتخذ لنفسه مجموعة من الإخوة مهما صغر عددها من ذوي الهمة العالية في أمور الدين، فيعين بعضهم بعضاً على الطاعات، ويتواصون فيما بينهم على الذكر والصيام والقيام والإنفاق واجتناب المحرمات، وإذا نسي أحدهم شيئاً ذكره الآخرون.

    فمضى صاحبنا يبحث فيمن حوله من الإخوة عن هذه النظرية التي كان يظن قبل هذه الصحوة أنها غير موجودة، ضاناً أن كل الإخوة مثله، ودعا الله عز وجل أن يعينه في العثور عليهم، فوجدهم وفوجئ بأنهم قريبون منه، ولكن كانت الغشايات تملأ عينيه، وهي التي حالت دون رؤيتهم من قبل، فأسرع إليهم، وطلب منهم قبوله بينهم، فرحبوا به، فحمد الله تعالى لأنه بهذا قد بدأ في انتشال نفسه من الغرق.

    لكن الألم لم يفارق قلبه؛ لأنه تذكر أن إخواناً كثيرين منكم لا يزالون غارقين كما كان غارقاً من قبل، فآثر أن يكتب تجربته لعل هؤلاء الغرقى ينتبهون لمصيرهم قبل فوات الأوان، قال الشاعر:

    نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم

    يغرك ما يفنى وتُشغل بالمنى كما غر باللذات في النوم حالم

    وتُشغل فيما سوف تكره غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائم

    وقال الآخر:

    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس

    يوم القيامة لا مال ولا ولد وضمة القبر تنسي ليلة العرس

    فهلموا -يا إخواني- لنخرج الدنيا من قلوبنا، فنجعلها في أيدينا، ولنجدد العهد مع الله، ولنحاول اللحاق بالركب، فإن من جد وجد، وليس من سهر كمن رقد.

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة.

    1.   

    بعض نصائح السلف في ذم الدنيا والركون إليها

    ثم يختم المؤلف النصيحة ببعض الأخبار عن الصحابة والتابعين والسلف الصالح رحمهم الله تعالى فيقول: (قدم 1000013).

    وقال مطرف : كأنّ القلوب ليست منا، وكأن الحديث يُعنى به غيرنا.

    يعني أنّ حالنا عند سماع المواعظ: كأن قلوبنا التي في صدرونا ليست جزءاً من أبداننا بل هي كيان آخر مستقل بعيد لا يحس، وكأن الحديث يُعنى به غيرنا، أي: يخاطب به غيرنا ولسنا المخاطبين به.

    وقال عمرو بن مرة : من طلب الآخرة أضر بالدنيا، ومن طلب الدنيا أضر بالآخرة، فأضروا بالفاني للباقي.

    وقال شعيب بن حرب : من أراد الدنيا فليتهيأ للذل.

    وقالت ابنة الربيع بن خثيم : يا أبتاه! مالي أرى الناس ينامون ولا تنام؟ فقال: إن جهنم لا تدعني أنام.

    وكان منصور بن المعتمر يصلي على سطح بيته، فلما مات قال غلام لأمه: يا أماه! الجذع الذي كان على سطح آل فلان لست أراه! قالت: يا بني! ليس ذاك بجذع، ذاك منصور قد مات!

    فقد تعود الغلام أن يراه قائماً مثل الجذع من شدة إطالته للقيام وسكونه وعدم تحركه.

    وهنا شيء مهم نستطيع أن نستنبطه من هذا الخبر، وهو أن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كانوا يحققون فعلاً نصيحة النبي عليه الصلاة والسلام: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، فقد مكث منصور تلك السنوات الطويلة وهو يقف على السطح يصلي، ويراه هذا الغلام كأنه جذع، فلا الغلام سأل، ولا أمه تكلمت في شأنه فمعنى ذلك أنه لم يكن هناك تدخل في أحوال الناس، ولم يكن أحدهم يتدخل فيما لا يعنيه، فلم يسأل هذا الغلام أمه إلا حين انقطع وجود ذلك الجسم الذي ظنه جذعاً، فأجابته أمه حينئذ، فهذا مما يدل على اجتهاد السلف في عدم الدخول فيما لا يعنيهم، بينما نرى أبناء هذا الزمان يدخل الواحد منهم في كل ما لا يعنيه من أحوال إخوانه أو جيرانه، وهذا مما ينافي قول النبي عليه الصلاة والسلام: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).

    وقال سفيان الثوري : إني لأضع يدي على رأسي من الليل إذا سمعت صيحة فأقول: قد جاءنا العذاب. وذلك من شدة خوفه أن يحل عذاب الله سبحانه وتعالى بالناس.

    وكان بعض السلف إذا استيقظ في الصباح يتحسس أعضاءه مخافة أن يكون قد مُسخ!

    وقال آخر: كنت إذا وجدت من قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع رحمه الله تعالى نظرة، وكنت إذا رأيت وجهه حسبت أن وجهه وجه ثكلى، يعني: وجه امرأة مات ابنها فهي حزينة شديدة الحزن عليه، وهذا من خوفه من الآخرة.

    إنّا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل

    فاغنم لنفسك قبل الموت مجتهداً فإنما الربح والخسران في العمل

    فالدنيا تجري بنا بسرعة أكبر مما نتخيل، والعمر يجري ولا يشعر الإنسان به، فينبغي أن يتفطن الإنسان لهذا.

    ومَثَل الإنسان في هذه الدنيا كالشخص الذي يكون في الطائرة وهو جالس ساكن، وهو في الحقيقة متحرك يقطع مسافات بعيدة جداً، فيوشك ذلك الإنسان أن يصل، فكل ما هو آت قريب، والبعيد هو الذي لا يأتي، وهذا يجربه الإنسان، فإنه إذا كان عنده موعد أو اختبار أو أي شيء بعد فترة معينة فما أسرع ما تمر الأيام، وإذا بذلك الموعد قد جاء، وكذلك الموت، وهو أعظم مصيبة، كما قال الشاعر:

    والموت أعظم حادث مما يمر على الجبلّة

    فينبغي الاستعداد والتهيؤ لهذا الموعد الذي لا يستطيع أحد أن ينكره.

    يقول الحسن : نضحك ولعل الله اطلع على بعض أعمالنا فقال: لا أقبل منكم شيئاً. أي: نضحك ونحن لا ندري هل الله سبحانه وتعالى راضٍ عنا أم ساخط علينا، ونفرح بالأفلام الكوميدية ونضحك ضحكاً متواصلاً لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات، وننظر البرامج الفكاهية والنكت والأفلام والمسرحيات والكرة ونضحك، وكأن ليس وراءنا موت، وكأن ليس وراءنا حساب ولا عذاب!

    وهناك أمر قضاه الله وقدره وأقسم وحلف عليه، فلا بد من أن يقع، فقد قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم:71-72] ومعنى (نذَر) أي: نترك. فمعنى ذلك أنهم كلهم يوردون على النار ثم يستقر أهل النار، وينجو المتقون، جعلنا الله وإياكم منهم.

    قال الحسن قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار -يشير إلى الآية؟- قال: نعم. قال: فهل أتاك أنك صادر عنها -أي: هل عندك ضمان أنك ستخرج منها؟- قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ فبكى ولم ير ضاحكاً بعد ذلك حتى مات.

    وقال محمد بن واسع رحمه الله تعالى: لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني من نتن ريحي.

    وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: واعجباً لمن يعلم أن الموت مصيره، والقبر مورده، كيف تقر بالدنيا عينه؟! وكيف يطيب فيها عيشه؟!

    وجاء محمد بن واسع إلى مالك بن دينار فقال: يا أبا يحيى ! إن كنت من أهل الجنة فطوبى لك، فقال: ينبغي لنا إذا ذُكرت الجنة أن نخزى. يعني: لسنا من أهلها، ولسنا نستحقها.

    وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: لو استطعت ألا أنام لم أنم؛ مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعواناً لفرقتهم ينادون في الدنيا كلها: يا أيها الناس! النار النار.

    ويقول عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: لو قيل لـحماد بن سلمة : إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً. أي أنه بلغ في الاجتهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى حداً لا مزيد عليه، فما يضيع من وقته لحظة واحدة.

    وقال رجل للحسن : يا أبا سعيد ! كيف حالك؟ فتبسم الحسن وقال: تسألني عن حالي؟ ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر فانكسرت سفينتهم، فتعلق كل إنسان منهم بخشبة، على أي حال يكونون؟! فقال الرجل: على حال شديدة. قال الحسن : حالي أشد من حالهم. وذلك خشية أن لا يكون من عباد الله المتقين الذين ينجون من عذاب النار. وبهذا تنتهي هذه النصيحة من هذا الأخ الفاضل، وهي رسالة من غريق، وفي الحقيقة هي موجهة إلى كثير منا ممن يحتاج إلى هذه التذكرة عسى الله سبحانه وتعالى أن يهيئ لنا جميعاً توبة نصوحاً قبل أن يفوت الأوان.

    1.   

    حكم الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة

    هناك سؤال يتكرر كثيراً، وهو متعلق بحكم الاعتكاف في المساجد غير المساجد الثلاثة.

    فقد اطلعت على رسالة مختصرة جداً للشيخ جاسم الفهيد الدوسري اسمها (دفع الخلاف عن مكان الاعتكاف) يقول فيها بعد المقدمة: وهذه أوراق اقتضى تصنيفها ما أثاره بعض أهل العلم في تعيين محل الاعتكاف، وقد انتصر فيه لقول غريب مخالف لمذاهب جماهير العلماء، وما استقر عليه العمل على مر الأعصار وفي مختلف الأمصار، فقد أفتى -عفا الله عنه- بأنه لا يصح الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى زاده الله تشريفاً وتعظيماً، وقلده في فتياه فئام من الناس، فأنكروا وجالدوا دونما رجوع إلى مذاهب الأئمة السالفين، أو معرفة بحجج الجمهور المخالفين، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

    يقول: قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد؛ لقول الله سبحانه وتعالى: فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187] أي: من قوله سبحانه: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187].

    وقال الموفق ابن قدامة في (المغني): لا يصح الاعتكاف في غير المسجد إذا كان المعتكف رجلاً، لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافاً والأصل في ذلك قول الله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فخصها بذلك، ولو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص تحديد المباشرة فيها، فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقاً، ولم ينازع في ذلك إلا محمد بن عمرو بن لبابة المالكي فأجازه في أي مكان، وهذا قول شاذ.

    أي أنّ هذا الإمام قال -كما نقل عنه الحافظ في (الفتح)-: إنّ الاعتكاف يكون في أي مكان. يقول: ولا عبرة بخلافه، فإنه محجوج بالإجماع قبله، ولذا لم يأبه القرطبي -وهو مالكي مثله- بخلافه في تعكير ثبوت الإجماع.

    صفة المسجد المعتكف فيه

    اختلف أهل العلم في صفة المسجد المعتكف فيه على أقوال ستة:

    الأول: أن الاعتكاف يصح في أي مسجد ولو كان مهجوراً لا تقام فيه الجماعة، وهذا مذهب الأئمة مالك والشافعي وداود ، لكن يلزم المعتكف عند داود أن يخرج لكل صلاة إلى المسجد الذي تقام فيه الجماعة، فإن مذهبه وجوب صلاة الجماعة. فيقول: يجوز أن يعتكف فيه وفاقاً لـمالك والشافعي ، لكن داود يقول: يجب عليه أن يخرج وقت صلاة الجماعة إلى مسجد تقام فيه الجماعة. واشترط مالك كون المسجد جامعاً إذا كانت الجمعة تتخلل فترة اعتكاف، فالإمام مالك يقول: إذا كانت صلاة الجمعة تتخلل فترة الاعتكاف فيجب على المعتكف أن يكون في مسجد تقام فيه الجمعة.

    قال الباجي في (شرح الموطأ): وأما المساجد التي لا تصلى فيها الجمعة فإنما يكره الاعتكاف فيها إذا كان يتصل إلى وقت صلاة الجمعة؛ لأنه يقتضي أحد أمرين ممنوعين: أحدهما: التخلف عن الجمعة.

    أي: لو ظل في معتكفه الذي لا تقام فيه صلاة جمعة فسيتخلف عن الجمعة.

    الثاني: الخروج من الاعتكاف إلى الجمعة، وذلك يبطل اعتكافه في المشهور من مذهب مالك ، فلذلك اشترط الإمام مالك أن يعتكف في مسجد تقام فيه صلاة الجمعة، وقد روى ابن الجهم عن مالك أن الخروج إلى الجمعة لا ينقض الاعتكاف، وبه قال أبو حنيفة ، واستحب الشافعي في هذا الحال أن يكون اعتكافه في مسجد جامع، ولو اعتكف في غيره لزمه الخروج إلى الجمعة عنده، والمراد بالمسجد غير الجامع: الذي لا تقام فيه الجمعة.

    وهل يبطل اعتكافه؟ فيه قولان:

    قال النووي : وبطلان اعتكافه هو المشهور من نصوص الشافعي .

    المذهب الثاني: أنه لا يصح إلا في مسجد جامع.

    وهو قول الزهري والحكم وحماد وأول قولي عطاء ورواية عن مالك .

    واستُدل له بقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً...) إلى أن قالت: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن إسحاق المدني عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو داود : غير عبد الرحمن لا يقول فيه: السنة. وجعله من قول عائشة .

    وهذا الخبر فيه نظر من وجهين:

    أحدهما أن عبد الرحمن بن إسحاق المدني صاحب مناكير، وقد تفرد بقوله: (جامع).

    الأمر الثاني: أن الخبر فيه إدراج من كلام الزهري ، قال الإمام الدارقطني : يقال: إن قوله: (وإن السنة للمعتكف) إلى قوله: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) من كلام الزهري ، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم.

    المذهب الثالث: أنه لا يصح إلا في مسجد جماعة.

    والفرق بين المسجد الجامع ومسجد الجماعة أنّ المسجد الجامع هو المسجد الذي تقام فيه صلاة الجمعة، ومسجد الجماعة هو المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس في جماعة لكن لا تقام فيه صلاة الجمعة، وهو مذهب أبي حنفية وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وهو قول الحسن وعروة ورواية عن الزهري .

    واحتُج له بخبر عائشة المتقدم، وقد علمت ما فيه من الإدراج.

    وبحديث حذيفة مرفوعاً: (كل مسجد له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح)، وهو ضعيف، يقول ابن حزم : هذه سوءة لا يشتغل بها ذو فهم، جويبر أحد الرواة هالك، والضحاك ضعيف، ولم يدرك حذيفة .

    قلت: ومع ضعف هذه الأدلة إلاّ أنّ هذا القول هو أعدل الأقوال وأقومها، وخصوصاً عند من يرى وجوب صلاة الجماعة على الأعيان، وهذا هو الأرجح إن شاء الله، أي أن الجماعة فرض عين وليست فرض كفاية.

    يقول ابن قدامة : وإنما اشتُرط ذلك -أي: كون المسجد مسجد جماعة- لأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما الخروج إليها، فيتكرر ذلك كثيراً مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف؛ إذ هو لزوم المعتكَف والإقامة على طاعة الله سبحانه وتعالى فيه.

    المذهب الرابع: أنه لا يصح إلا في المسجد الحرام والمسجد النبوي.

    وهذا آخر قولي عطاء ، فقد روى عبد الرزاق عنه أنه قال: لا جوار -أي: لا اعتكاف- إلا في مسجد جامع. ثم قال: لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة.

    المذهب الخامس: أنه لا يصح إلا في المسجد النبوي فقط، وهو قول سعيد بن المسيب، فقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة -أحسبه- عن ابن المسيب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. قال النووي : ما أظن أن هذا يصح عنه. لكن روى ابن أبي شيبة عنه أنه قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي. وليس (في مسجد النبي)، فإذا قال: مسجد النبي فـ(أل) للعهد، فينصرف إلى مسجد المدينة، وأما على هذه الرواية (مسجد نبي) -بالتنكير- فيشمل المساجد الثلاثة.

    المذهب السادس -وهو المقصود بالكلام في هذا الموضوع-: أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.

    وهو قول حذيفة رضي الله عنه، وقد تفرد حذيفة به، قال الطحاوي في (مشكل الآثار): حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل قال: قال حذيفة لـعبد الله -يعني ابن مسعود -: الناس عكوف بين دارك ودار أبي موسى ولا تغير، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد بيت المقدس)! قال عبد الله : لعلك نسيت وحفظوا أو أخطأت وأصابوا.

    هذا الحديث يرويه الطحاوي عن شيخه محمد بن سنان الشرجي ، وشيخ الطحاوي هذا قال عنه الذهبي في (الميزان): صاحب مناكير. فهذه أول علة.

    قال حدثنا هشام بن عمار ، قال: وهشام في حفظه ضعف، ولما كبر تغير فصار يلقن فيتلقن، فالسند ضعيف.

    وأخرجه البيهقي عن شاكر بن محمد بن حسين العلوي عن محمد بن حمدويه بن سهل الغازي عن محمود بن آدم المروزي عن ابن عيينة به.

    وأخرجه الذهبي في (سير أعلام النبلاء) في ترجمة ابن حمدويه من طريق آخر عن العلوي به، وقال: صحيح غريب عال.

    الجواب عن حديث حذيفة

    الجواب عن خبر حذيفة من وجوه:

    الأول: أنه قد اختُلف في رفعه ووقفه، والصواب وقفه.

    يعني أنّ بعضهم رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام وبعضهم وقفه على حذيفة ، يقول: والصواب وقفه؛ فقد رواه ثلاثة من الحفاظ عن ابن عيينة به موقوفاً من كلام حذيفة ، وهم: عبد الرزاق الصنعاني عند الطبراني في (الكبير)، وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان المخزومي وهو: ثقة، ومحمد بن أبي عمر العدني وهو: صدوق، فتكون رواية ابن آدم التي رفع فيها الحديث إلى الرسول عليه الصلاة والسلام شاذة؛ لأن هذه الروايات الثلاث من الحفاظ الثقات تقف الحديث على حذيفة ، ولم يرفعوه إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: ومما يؤيد الوقف ما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن إبراهيم النخعي قال: جاء حذيفة ... فذكر الحديث موقوفاً دون أن يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الجواب من الناحية الحديثية.

    وأما من جهة النظر فإن ابن مسعود لم يقبل رواية حذيفة ، ولو كانت مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما تجاسر ابن مسعود على ذلك؛ فإن ابن مسعود كان من أئمة الصحابة وفقهائهم، وقد أفتى بخلاف ذلك، فقد صح عنه من طريق شداد بن الأزمع قال: اعتكف رجل في المسجد في خيمة له، فحصبه الناس -أي: رموه بالحصباء-، قال فأرسله الرجل إلى ابن مسعود ، فجاء عبد الله ، وطلب الناس، وحسّن ذلك. أي: أقره على أنه يعتكف في المسجد.

    فعلم بذلك أن حذيفة إنما قال ذلك اجتهاداً منه، ولم يكن ابن مسعود ملزماً باجتهاد حذيفة رضي الله تعالى عنه.

    وكذلك قول ابن مسعود لـحذيفة : (لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا) فهذا تصريح منه بخطأ حذيفة ونسيانه رواية الحديث، وأما عمل عامة الصحابة بخلاف ذلك فهو الأصوب، فلعل حذيفة اشتبه عليه حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فإنه قريب منه في اللفظ، لا سيما أن الخطابي قد ذكر في (معالم السنن) أن بعض أهل العلم استنبط من حديث النهي عن شد الرحال أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة.

    وهذا لا يصح؛ لأن النهي عن شد الرحال، أو الإخبار بمضاعفة أجر الصلوات في الحرمين لا يوجب تخصيص الاعتكاف بهذه المساجد، وإنما المقصود من الأحاديث بيان فضلها وشرفها وعلو مقامها، وأنها مختصة بشد الرحال، وليس هناك علاقة بين شد الرحال والاعتكاف، ولذلك يقول الشوكاني في (نيل الأوطار): قال عبد الله -يعني: رداً على حذيفة -: فلعلهم أصابوا وأخطأت. فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك أن عبد الله يخالفه ويجوِّز الاعتكاف في كل مسجد، ولو كان ثم حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما خالفه ابن مسعود .

    وأيضاً في متن الحديث اختلاف وشك، فقد جاء عن ابن عيينة عن جامع عن شقيق قال: قال حذيفة لـعبد الله بن مسعود : (قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ، أو قال: مسجد جماعة)، فهذا اختلاف في لفظ الرواية نفسها.

    ورواه الطبراني بسند صحيح -كما قال الحافظ في (الدراية)- عن النخعي ، وفيه: قال حذيفة : (أما أنا فقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة). وأعله الهيثمي والحافظ ابن حجر بالانقطاع.

    فهذا الاختلاف مما يوهن الاستدلال بالحديث؛ لأنه جمع أصلين مختلفين في مسألة واحدة، فمرة يقول: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)، ومرة أخرى جاء في الرواية: (لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) فهذا مما يقدح في الاستدلال بهذا الحديث.

    يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: قلنا: هذا شك من حذيفة ، أو هو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشك، ولو أنه عليه السلام قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لحفظه الله تعالى علينا ولم يدخل فيه شك، فصح يقيناً أنه عليه السلام لم يقله قط.

    وقال الشوكاني في النيل: وأيضاً الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج بأحد شقيه.

    وهناك جواب رابع عن الحديث قالوا: إن الحديث منسوخ، قال الطحاوي في (مشكل الآثار): فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه إخبار حذيفة لـابن مسعود أنه قد علم ما ذكره له النبي عليه الصلاة والسلام، وترك ابن مسعود إنكار ذلك وجوابه إياه بما أجابه في ذلك من قوله: حفظوا وأصابوا. أي: قد نسخ ما قد ذكرته من ذلك، فمن خالفه من الصحابة حفظوا أن هذا نسخ ونسيت، وأصابوا فيما قد فعلوه وأنت أخطأت، وكان ظاهر القرآن على ذلك؛ لأن ظاهر القرآن في قوله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) يعمم، فعم المساجد كلها بذلك، وكان المسلمون عليه في مساجدهم الجامعة، فلازال المسلمون في كل الأعصار يعتكفون في مساجدهم.

    الجواب الخامس: أن الحديث -إن صح- محمول على بيان الأفضلية، أي: لا اعتكاف أكمل ولا أفضل من الاعتكاف في المساجد الثلاثة، فهذا أكمل الأحوال بلا شك، وأكملها على الإطلاق في المسجد الحرام، يليه المسجد النبوي، يليه المسجد الأقصى.

    قال الكاساني في (البدائع): فأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم في المسجد الأقصى، ثم في المساجد العظام التي كثر أهلها.

    والجواب السادس: أنه لوثبت رفع الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام لما أجمعت الأمة على ترك العمل به، فلم يذكر عن أحد من الأئمة المتقدمين منهم والمتأخرين أنه أخذ بظاهر هذا الحديث سوى راويه حذيفة رضي الله عنه.

    فإن قيل: قد أخذ به سعيد بن المسيب وعطاء ، فالجواب: أن النقل عن سعيد قد اختلف كما تقدم، وأما عطاء فلم يقل بهذا، وإنما قال: لا اعتكاف إلا في المسجد النبوي، أو المسجد الحرام. ولم يذكر المسجد الأقصى، ولو أخذ بالحديث- أي: حديث حذيفة - لذكر المسجد الأقصى؛ لأنه مذكور فيه.

    فعلم أن فتواه إنما هي اجتهاد منه، فقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت: لـعطاء: فمسجد إيلياء- وهو المسجد الأقصى-. قال: لا يجاور إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة. فعلم تفرد حذيفة بذلك.

    ولعله قد تحرر لك من عرض الأقوال وتمحيصها أن القول الأحرى بالقبول هو أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد جماعة، وإن كان الاعتكاف تتخلله صلاة الجمعة فالأولى أن يكون في مسجد جامع، خروجاً من خلاف الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله تعالى.

    وهنا زيادة ذكرها الشيخ سلمان العودة حفظه الله أيضاً في هذا الموضوع، فقد قال: إن الحديث -على القول بصحته- مؤول. يعني أنّ حديث حذيفة إذا قلنا بصحته فينبغي تأويله، أي: لا اعتكاف كامل إلا في المساجد الثلاثة.

    لكنه يجيب هنا بجواب آخر فيقول: قد يكون المراد من هذا الحديث (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) أن يعتكف في مسجد يحتاج إلى سفر للوصول إليه. يعني: لو أنّ شخصاً نذر أن يعتكف في مسجد لا بد في التوصل إليه من السفر فإنه لا يسافر، إلا أن يكون نذر الاعتكاف في شيء من المساجد الثلاثة.

    فلو نذر أحد أن يعتكف مثلاً في مسجد (جواثا) -وهو أول مسجد صليت فيه الجمعة خارج المدينة المنورة، ولا يزال معروفاً في الأحساء اليوم- لو نذر أن يعتكف فيه فإنه لا يجوز له أن يشد الرحل إليه ليعتكف فيه، ولكن يعوض ذلك بأن يعتكف في أحد مساجد بلده، أو إذا كان لا بد من سفر فيسافر إلى أحد المساجد الثلاثة ويعتكف فيه.

    يقول: وإذا نذر المرء أن يعتكف في المسجد الحرام فيجب عليه الوفاء بنذره، فيعتكف في المسجد الحرام، أما لو نذر أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم -مثلاً- فإنه يجوز له أن يعتكف في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام أو في المسجد الحرام؛ لأن المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي، ولو نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى جاز له أن يعتكف في المسجد الأقصى، أو المسجد الحرام، أو المسجد النبوي؛ لأنهما أفضل من المسجد الأقصى.

    يقول: فالخلاصة أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لا اعتكاف بنذر يسافر إليه؛ لأن الاعتكاف يصح في كل مسجد، وقد أجمع الأئمة -خاصة الأئمة الأربعة- على صحة الاعتكاف في كل مسجد جامع، ولم يقل بعدم صحة الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أحد من الأئمة المعروفين المتبوعين، لا الأربعة، ولا العشرة، ولا غيرهم، وإنما نقل هذا عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، وواحد أو اثنين من السلف.

    هذا ما يتعلق بجواب هذا السؤال الذي يكثر الكلام فيه جداً في رمضان، ومع احترامنا للعلامة الجليل الألباني الذي ذهب إلى هذا المذهب إلاّ أنه ينبغي علينا في طلبنا للعلم وبحثنا أن نحافظ على الارتباط بقافلة علماء المسلمين ولا نشذ عنها، ولا نلعب بغرائب المسائل، وحتى لو اجتهد من اجتهد من الأئمة الفضلاء والعلماء الأجلاء فلا يشذ عن القافلة العامة لعلماء المسلمين منذ الصدر الأول إلى يومنا هذا، فينبغي أن نجتنب المسائل الشاذة والغريبة والأقوال المهجورة.

    فهذا -والله تعالى أعلم- الجواب عن هذا الحديث الذي يكثر السؤال عنه، ونكتفي بهذا القدر.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.