إسلام ويب

فضائل الأذكارللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ليس شيء أعظم من ذكر الله سبحانه وتعالى، ولذا دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على فضل الذكر، ولا يكون العبد ذاكراً لله سبحانه حتى يكون غالب وقته متعلقاً بالله، والله سبحانه عند ظن عبده به، وهو معه إذا ذكره، والجزاء من جنس العمل.

    1.   

    الأحاديث الواردة في فضل الذكر

    حديث: (ما جلس قوم يذكرون الله إلا ناداهم منادٍ من السماء ..)

    الحمد لله الذي جعل ذكره عدة للمتقين، يتوصلون بها إلى خيري الدنيا والدين، وجنة واقية للمؤمنين سهام الشياطين، وشر إخوانهم المتمردين من طوائف الخلق أجمعين، وصلى الله على خير البشر الذي أنزل عليه: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45]. فبين للعباد من فضائل الأذكار، وما فيها من المنافع الكبار، والفوائد ذوات الأخطار ما ملأ الأسفار، وعلى من صاحبه ووالاه وسلم تسليماً كثيراً لا يدرك منتهاه.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما جلس قوم يذكرون الله عز وجل إلا ناداهم منادٍ من السماء: قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات)، هذا الحديث رواه الطبراني في معجمه الأوسط، والإمام أحمد في مسنده، وأبو يعلى ، والبزار ، وحسنه الألباني . قوله صلى الله عليه وسلم: (ما جلس قوم يذكرون الله عز وجل) قوله عليه الصلاة والسلام: (يذكرون الله) لا ينحصر في وظيفة معينة من الوظائف المشهورة بأنها هي ذكر الله سبحانه وتعالى، فلا شك أنه يدخل في ذكر الله التسبيح، والتهليل، والتحميد، والتكبير، والحوقلة، وقراءة القرآن، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وغير ذلك، والأذكار لا تنحصر في هذا، بل كل عامل لله بطاعة لله فهو ذاكر لله عز وجل، كما قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى، وقال عطاء: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام. أي: كيف تشتري وتبيع، وتصلي وتصوم، وتنكح وتطلق، وتحج، وأشباه هذا، فأشرف مجالس الذكر على الإطلاق هي مجالس العلم التي فيها يتعلم الإنسان علوم الحلال والحرام، وكيف يراعي حدود الله تبارك وتعالى.

    ويقول الحسن: ما من شيء مما خلق الله أعظم عند الله في عظيم الثواب من طلب العلم فلا حج ولا عمرة، ولا جهاد، ولا صدقة ولا عتق، قال: ولو كان العلم صورة لكانت صورته أحسن من صورة الشمس.

    وقال يحيى بن أبي كثير : درس الفقه صلاة. وكان أبو السوار العدوي في حلقة يتذاكرون العلم ومعهم فتى شاب، قال لهم هذا الشاب: قولوا سبحان الله والحمد لله.

    فغضب الشيخ أبو السوار وقال: ويحك في أي شيء كنا إذاً؟

    فالعلم أفضل من مجرد الذكر، كما هو معلوم من تفضيل طلب العلم على صلاة النافلة، فيقدم طلب العلم على صلاة النافلة.

    فمعرفة الحلال والحرام واجب في الجملة على كل مسلم، أما ذكر الله سبحانه وتعالى باللسان فأكثره يكون تطوعاً، لكن العلم والفقه يعلمك كيف تجتنب الحرام، وكيف تؤدي الواجبات، وما هي شروطها، وما هي المكروهات، وما هي المستحبات، فحدود الله تبارك وتعالى إنما تعلم عن طريق مجالس العلم، فلذلك مجالس العلم هي أفضل مجالس الذكر على الإطلاق، فهي حلق ذكر.

    أما ما يرد إلى الأذهان حينما تقام حلقة ذكر -خاصة في الوسط الصوفي- فيها من الرقص والطبل والمزمار والقفز والصياح وهذه الأشياء التي يفعلونها فهذه ليست حلقة ذكر، بل حلقة غفلة وحلقة نسيان لله، وليس ذلك ذكراً لله سبحانه وتعالى، فهذا نسيان وإعراض عن الذكر الحقيقي الذي هو طلب العلم وقراءة القرآن وغير ذلك من الأذكار التي أشرنا إليها.

    ويدل على هذا المعنى الذي قاله عطاء رحمه الله تعالى قوله تبارك وتعالى: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:37].

    أما هذا الذكر الذي أحدثه بعض الصوفية ولزموه مع هجران العبادات اللازمة التي هي من حقوق الإسلام وحقوق الله سبحانه وتعالى وحقوق النفس، ثم ينظرون إلى أهل العلم في مجالس الدرس نظرة حقارة وازدراء فهذا ليس بذكر كما قلنا، بل هو نسيان لله سبحانه وتعالى، ونسيان لأمره ونهيه، فما أقبح هذا الذكر الصوفي! وما أحراه بتسميته النسيان والغفلة والإعراض عن الله تبارك وتعالى!

    وقد ثبتت جملة من الأحاديث في فضائل الذكر بعد جملة عظيمة من الآيات، كقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الأحزاب:41-42].

    قال علي بن أبي طلحة : عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: واذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب:41] قال: إن الله لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال عذر.

    فكل عبادة لها وقت وحدود معينة، مثلاً: الصلاة في أوقات تباح، وفي أوقات تكره أو تحرم، وكذلك الصيام، فالفريضة وقتها في شهر رمضان، وصيام التطوع في أيام معينة منهي عنه، كأيام التشريق أو يوم العيد، فكل عبادة لها حدود ولها وقت، ولها ابتداء وانتهاء، ولها أحوال يعذر من تركها فيها.

    أما ذكر الله سبحانه وتعالى -كما روى علي بن طلحة عن ابن عباس - فلم يجعل الله له حداً معلوماً، فإن الله لم يجعل له حداً ينتهى إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، يقول تبارك وتعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء:103] أي: بكل أحوالكم في الليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الأحزاب:42] فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته، فهذه هي العبادة الوحيدة التي أمرنا بالإكثار فيها بلا حدود في كل الأحوال، حتى كان صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله على كل أحواله، طاهراً أم غير طاهر، جنباً أم غير جنب، نائماً أو قائماً أو قاعداً، في كل أحواله يذكر الله تبارك وتعالى.

    ولذلك نلاحظ في القرآن الكريم الأمر بالإكثار من الذكر، قال تعالى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب:41] وفي هذا الحديث الذي رواه أنس رضي الله تعالى عنه من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما جلس قوم يذكرون الله عز وجل إلا ناداهم مناد من السماء: قوموا مغفوراً لكم).

    والذكر هنا أعم من أن يكون مخصوصاً بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والحوقلة وغير ذلك، فأي مجلس علم يتعلم فيه حدود الله سبحانه وتعالى فهو مجلس ذكر، ويستحق أهله هذا الفضل الذي ثبت في هذا الحديث: (إلا ناداهم مناد من السماء: قوموا مغفوراً لكم) يعني: إذا انتهى المجلس وقمتم بعد انتهائه فتقومون حال كونكم (مغفوراً لكم) فبعض العلماء يقولون: هي الصغائر. وبعضهم يقولون: الصغائر والكبائر إذا كان مع حضور مجالس الذكر توبة صحيحة من الكبائر، يعني: لا يكون الرجل الذي ارتكب كبيرة مصراً عليها، فإذا تاب منها -أيضاً- يغفر له الكبائر والصغائر؛ لأن الكبائر لا بد لها من توبة خاصة، فذنب معين يرتكبه عليه أن ينوي أن يتوب منه، وبالتالي يغفر له الكبائر والصغائر.

    وليس المراد من قوله: (قوموا مغفوراً لكم) أن هذا المنادي يناديهم ويقول لهم: قوموا واتركوا الذكر والقيام. وإنما المراد حين يريدون الانصراف، وليس المقصود أن المنادي يناديهم آمراً لهم أن يتركوا مجلس الذكر ويقوموا عنه.

    حديث (سبق المفردون ..)

    صح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبق المفردون قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات).

    قوله: (المفردون) يعني الذين ذهب جيلهم الذي كانوا فيه وبقوا وهم يذكرون الله سبحانه وتعالى، يقال: (فرد الرجل) إذا تفقه واعتزل الناس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي. فهنا قوله عليه الصلاة والسلام: (سبق المفردون) يعني هؤلاء الذين يثبتون على ذكر الله، ويشتغلون به عما عداه، حتى إن جيلهم الذي كانوا يعيشون فيه انخرم كله، وبقوا هم يذكرون الله عز وجل.

    وعرفهم النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: وما المفردون يا رسول الله؟ فقال: (الذاكرون الله كثيراً والذاكرات).

    حديث (إذا أيقظ أهله من الليل فصليا ركعتين ..)

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات). واختلف العلماء فيمن يستحق هذا الوصف، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي : حكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قوله: المراد: يذكرون الله في أدبار الصلوات وغدواً وعشياً، وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله عز وجل، فمن حافظ على هذه الأذكار المرتبطة بهذه الوظائف كان في تفسير ابن عباس من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.

    فهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -أي: أذكار الصباح والمساء- وفي المضاجع عند النوم وأثناء النوم، وإذا تقلب أو رأى رؤيا فاستيقظ، وكلما استيقظ من نومه وغدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى، فهذا الذي يحافظ على هذه الأذكار يعد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.

    وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً، يعني: في كل أحيانه وأحواله.

    وقال عطاء: من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35] أي: من صلى الصلوات الخمس في جماعة بخشوع، مراعياً حقوقها وحدودها يدخل -أيضاً- في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.

    ومعنى ذلك أن الإنسان يجتهد في حفظ الأذكار الثابتة الصحيحة المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كافة الوظائف الشرعية الثابتة، وأن يلم بذلك، وهذا الباب اهتم العلماء به رحمهم الله تعالى أعظم اهتمام، حتى أفردوه بالتصنيف، فهو باب من أبواب العلم، فكما أن هناك باباً للفقه، وهناك علم الحديث، وهناك التفسير، وهناك أصول الفقه، وهناك علوم اللغة بأقسامها، وكما أن الفقه فيه أبواب الطهارة ونحوها، فكذلك هذا علم وباب مستقل من أبواب العلم، ويسمى عمل اليوم والليلة، وهو عبارة عن محاولة إحصاء ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأذكار الموظفة أو الأذكار المطلقة؛ فإن الأذكار نوعان: أذكار مطلقة كقراءة القرآن، فإنه تستحب القراءة في كل وقت، وليست مقيدة بزمن معين.

    كذلك من الأذكار المطلقة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكالاستغفار والحوقلة، والتسبيح والتهليل، والتكبير والتحميد وغير ذلك من الأذكار.

    النوع الثاني: أذكار موظفة بوقت معين، وبوظيفة معينة، كالأذكار التي تقال في الركوع والسجود، وعند الاستيقاظ من النوم، فهي مرتبطة بوظيفة، ففي وقت هذه الوظيفة يكون التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذا الذكر الموظف أفضل من غيره من الأذكار المطلقة، أما خارج وقت الوظيفة فأفضل الأذكار المطلقة على الإطلاق هو تلاوة القرآن الكريم، يقول الإمام الشوكاني في كتابه تحفة الذاكرين: لا شك أن صدق هذا الوصف -أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات- على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة.

    وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه) وورد عنه صلى الله عليه وسلم أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، كما جاء في بعض الروايات.

    فالشاهد أن الإمام الشوكاني رحمه الله يبين أن هذا الوصف -وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات- يصدق على من يداوم على ذكر الله، حتى لو كانت المداومة على قدر قليل، فيقول ذكرين أو ثلاثة مثلاً عند النوم، وذكراً واحداً قبل أن ينصرف من التشهد، أو ذكراً واحد عند الاستيقاظ، أو ثلاثة أذكار في الصباح والمساء، وهكذا شيء قليل تداوم عليه أفضل من أن تذكر الله كثيراً مرة واحدة ثم تنقطع مدة طويلة وتعود، فالمداومة مع قلة الأذكار أفضل من كثرتها مع الانقطاع عنها.

    يقول الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكاراً وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة، كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت لكل حال من هذه الأحوال وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك وردت أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المأثورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد طبق عليه وصف الإكثار من الذكر إن داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يخل به في ساعاته من النوم واليقظة، وأما من واظب على جميعها وأتى بها ليلاً ونهاراً وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه، فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى به إلا من صنع مثل صنيعه أو أكثر أو زاد عليه.

    فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلا فلا تكن.

    أي: يدعو عليه بأن يموت، فهو يقول: إما أن تكون ممن يذكرون الله قليلاً لكن يداومون، أو كثيراً مع المداومة، أو لا تكن. يعني: تكون كأنك ميت إذا خلوت عن أحد هذه الأوصاف.

    حديث (ثلاثة لا يرد دعاؤهم ..)

    وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط). أي: الإمام الحاكم العادل.

    فمن أكثر ذكر الله سبحانه وتعالى لا يرد الله سبحانه وتعالى دعاءه، فهذه فضيلة من أعظم الفضائل، وأن هذا سبب كونك ودخولك فيمن لا يرد الله سبحانه وتعالى دعاءهم، وإذا كان ممن لا يرد دعاءهم فأي خير سيتخلف عنه من خيري الدنيا أو الآخرة؟! فكلما سأل ربه استجاب دعاءه، فهذه من أفضل وأعظم فضائل الأذكار.

    حديث: (ألا أخبركم بخير أعمالكم ..)

    حديث (مثل البيت الذي يذكر الله فيه ..)

    حديث: (إن الله أمر يحيى بن زكريا ..)

    وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أمر يحيى بن زكريا عليهما السلام أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات...) منها: ذكر الله عز وجل. وفي نص الحديث: أن يحيى قال لهم: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أسره) يعني: أعداؤه لحقوه، وأخذوا يطاردونه بسرعة شديدة (فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه) فدخل الحصن وأغلق الأبواب جيداً وأوثقها وأحكم إغلاقها، وتحصن بذلك من هذا العدو الذي كان يريد أن يفتك به، يقول: (فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، فإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى) فهذا أعظم ما يحمي الإنسان من كيد الشيطان، سواء بستويل المعاصي، أو بالوساوس، أو غير ذلك من الآفات والأمراض التي تفسد على الإنسان حياته، فإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى.

    حديث: (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه ..)

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) وهذه المعية معية خاصة، وليست المعية العامة التي تكون مع البشر أجمعين، كقوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4] بعلمه وسمعه وبصره، وإنما هذه هي المعية الخاصة التي هي معية النصر والتأييد والتسديد والتوفيق، مثل قوله تبارك وتعالى: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، ومثل قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] فمعنى (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه): أنا مع عبدي زمان ذكره لي مادام يذكرني، فأنا معه بالحفظ والكلاءة.

    وليس المقصود أن الله سبحانه وتعالى يحل حيث يحل العبد، وإنما المقصود أن الله معه بالحفظ والكلاءة والحراسة والحماية.

    حديث: (طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ..)

    وعن عبد الله بن بسر المزني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله). فهذه من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى، أن يمد في عمر الإنسان فيعمره بالطاعات والأعمال الصالحة، أما من طال عمره وقبح وساء عمله فطول العمر في حقه مصيبة عظمى؛ لأنه كلما ارتكب معاصي أكثر استوجب عقاباً أكثر، فطول العمر لمثل هذا وبالٌ عليه.

    وجاء رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أحدهما قائلاً: (أي الناس خير؟ قال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، وقال الآخر: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله).

    حديث: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ..)

    حديث: (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ..)

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشىً لا يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة). ومعنى الترة لغة: النقص، يقول سبحانه وتعالى: وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد:35]. يعني: لن ينقصكم، لكن المقصود بالترة هنا في هذا الحديث التبعة، يقال: وترك الرجل يترك ترة، على وزن: وعدك يعدك عدة. يعني: إلا كانت عليهم تبعة. أي: حسرة ومسئولية يسألون عنها ويحاسبون عليها.

    يقول عليه الصلاة والسلام: (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشىً لا يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة) وفي رواية: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم).

    ففي هذا الحديث وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر الله في أي مجلس يجلسه الإنسان، فإذا جلس الإنسان مجلساً -سواءٌ مع إخوانه في درس علمي أو محاضرة في أي موضوع- فإنه يجب أن يراعى هذا الأدب، والدليل على وجوبه قوله عليه الصلاة والسلام: (فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم) وهذا لا يقال إلا في الواجب، قال: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم).

    وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة) يعني: كأنهم كانوا يجلسون في وليمة يأكلون فيها جثة حمار منتنة متعفنة يتعاطونها ويأكلونها. فهذا مثل كل من يجلس مجلساً لا يذكر الله تبارك وتعالى فيه، وما أكثر هذه المجالس -للأسف- في هذا الزمان! مجالس أمام الفيديو والتلفاز، وفي المسارح والسينماء وعلى المقاهي، وفي أماكن كثيرة جداً كما نعلم يجلسون فيها لا يذكرون الله سبحانه وتعالى، وليتهم يكتفون بعدم الذكر إن لم يكن فيها اللغو والآفات الأخرى من آفات اللسان.

    حديث الثلاثة الذين أسلموا فكان آخرهم موتاً أكثرهم أجراً

    وعن عبد الله بن شداد : (أن نفراً من بني عذرة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يكفنيهم -يعني من يقوم بضيافتهم-؟ قال طلحة: أنا. قال: فكانوا عند طلحة ضيوفاً، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثاً، فخرج فيه أحدهم فاستشهد، قال: ثم بعث بعثاً فخرج فيه آخر فاستشهد، ثم مات الثالث على فراشه، قال طلحة : فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة، فرأيت الميت على فراشه أمامهم في منزلة أعلى من منزلتهم، ورأيت الذي استشهد أخيراً يليه، ورأيت الذي استشهد أولهم آخرهم).

    فالأول سبق إلى الشهادة، والثاني كان يليه في الشهادة، والثالث مات على فراشه ولم يكن شهيداً في الجهاد، فكيف بهذا الثالث الذي مات على فراشه يكون في منزلة أعلى من منزلة أخويه؟ يقول: (فدخلني من ذلك، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما أنكرت من ذلك؟) يعني: ما الذي أثار استغرابك؟ ولماذا تتعجب؟ قال: (وما أنكرت من ذلك؟ ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله) يعني أن الثاني استشهد بعد الأول بفترة، وهذه الفترة عمرها بذكر الله، فزادت في ميزان عمله من تسبيح وتكبير وتهليل وقراءة قرآن وصلاة وذكر، فهذه ثقلت ميزانه حتى تفوق على أخيه الذي استشهد أولاً بسبب أنه عاش عمراً أطول منه، فعمره بذكر الله فارتفع على درجة أخيه الذي مات دون هذا الوقت، وليس هذا فحسب، بل إن الثالث الذي مات على فراشه ولم ينل الشهادة في سبيل الله أثناء القتال بلغ من استثماره لوقته بعد موت الأول والثاني أنه -أيضاً- عمر هذا الوقت بذكر الله سبحانه وتعالى، فارتفعت درجته على مقام الشهيدين اللذين سبقاه، مع أنه مات على فراشه، وهذا لفضيلة الذكر.

    فالذكر عبادة أجرها عظيم جداً فوق ما نتصوره، ولا تستطيع أن تتخيل أبداً فضيلة الذكر، ولو أن البشر كشف لهم الحجب واطلعوا على ما يترتب على الكلمات السهلة الخفيفة على اللسان الثقيلة في الميزان لقطعوا أنفسهم حسرة على كل ساعة غفلوا فيها عن ذكر الله عز وجل، كما يقول عليه الصلاة والسلام: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم).

    ومثلاً: (من قرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] عشر مرات بنى الله له بيتاً في الجنة) وكيف يكون البيت في الجنة؟ ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومع ذلك انظر كيف يكد الإنسان ويكدح في هذه الدنيا من أجل أن يحصل على شقة مكونة من غرفتين! يكد ويكدح ويجمع المال ويهتم وينشغل جداً حتى يبني بيتاً يستقر فيه، فكيف نضيع ذكر الله إن كان عندنا يقين بأن هذا خبر الصادق المصدوق، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى؟! هذا خبر حقيقي، وعندما تنكشف الحجب يقطع أناس أنفسهم من الغم والهم والحسرة على أنهم لم يغتنموا هذه اللحظات.

    ويقول عليه الصلاة والسلام: (من بخل بالمال أن ينفقه، وبالليل أن يكابده، فعليه بسبحان الله وبحمده) .

    شيء سهل جداً، تقول: سبحان الله وبحمده. ولا أحد يعطلك عن شيء، تذكر الله وأنت تمشي في الطريق، وربما إذا ما ذكرت الله في الطريق ورآك رجل غافل فرأى شفتيك تتحرك بذكر الله فإنه يذكر الله اتباعاً لك واقتداءً بك، فتأخذ ثوابه أيضاً، وكل من رآك واستفاد بمنظرك وأنت تذكر الله سبحانه وتعالى انتبه من الغفلة وفعل مثلك، فأنت تثاب هذا الثواب، ولذلك هذه كانت من أعظم علامات أولياء الله، ولما سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أولياء الله قال: (أولياء الله الذين إذا رءوا ذكر الله سبحانه وتعالى).

    فإذاً لا ينبغي أن يقصر عاقل أبداً في الذكر، والله سبحانه وتعالى يمد في عمر الإنسان ويقبض روحه في كل يوم وليلة، فأنت تتوفى وتخرج روحك من بدنك، وصحيح أنها ليست مفارقة كبرى كالموت، لكنه أخو الموت، وكم من رجل وضع خده على الوسادة وما استيقظ ثانية، فأرواحنا لا تكون بأيدينا، فهي تعود إلى الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يعيدها إلينا، فهذه نعمة متجددة -أيضاً- نحن في غفلة عنها، فمن أعظم النعم أن يعطيك الله سبحانه وتعالى عمراً أطول: (خيركم من طال عمره وحسن عمله) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    فهنا هذا الصحابي -طلحة- لما حكى هذه الرؤيا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (فدخلني من ذلك، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما أنكرت من ذلك؟ ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله).

    1.   

    فضائل حِلق الذكر

    هناك فضائل عظمى لحلق الذكر، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: (خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك -يستحلفهم بالله ما جلسوا إلا لذكر الله-؟ قالوا: آلله ما أجلسنا غيره. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا. فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة).

    وعن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما اجتمع قوم على ذكر فتفرقوا عنه إلا قيل لهم: قوموا مغفوراً لكم).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده).

    وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً) والباع مسافة ما بين اليدين ممدودتين يميناً وشمالاً. فإذا بسطت ذراعيك فما بين الأصابع هو الباع، (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة). يعني: أسرع من مجيئه.

    وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل).

    والسر في قوله: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة) السر في التفضيل على هذا العدد أن المفضل هو مجموع أربعة أشياء، فما هي هذه الأشياء المفضلة؟ ذكر الله، والقعود له، والاجتماع عليه، والاستمرار فيه إلى الطلوع وإلى الغروب.

    وخص بني إسماعيل لشرفهم وإنافتهم على غيرهم، وقربهم منه، ومزيد اهتمامه بحالهم صلى الله عليه وسلم، فإذا رأى الإنسان أن الله سبحانه وتعالى ييسر له أمر الذكر فعليه أن يستشعر أن هذه نعمة من الله عز وجل، فتوفيقك للذكر هو نعمة جديدة تحتاج إلى شكر لله سبحانه وتعالى.

    فعلينا أن نحمد الله سبحانه وتعالى أن سخرنا لطاعته، واستضافنا في بيته؛ لأنه إذا كنت ضيفاً لله في حلق الذكر في المساجد فحق على المزور أن يكرم زائره، وإذا ذهبت إلى رجل كريم وزرته في بيته أليس يكرمك ويقدم لك النزل؟

    فإذا كان هذا في حق بشر فكيف في حق الله سبحانه وتعالى؟! فأنت ضيف الله، فأحسن الظن بالله فإنه حق على المزور أن يكرم زائره، وفي حين أن الله سبحانه وتعالى هيأ لك أن تكون في المساجد في حلق الذكر وفي حلق العلم ففي نفس الوقت خذل الله سبحانه وتعالى قوماً آخرين هم في نفس اللحظة أو في نفس الساعة إما موجودون في داخل السينما أو في البارات أو النوادي يلهون ويلعبون، أو أمام التلفاز في بيوتهم، أو غير ذلك من أماكن الفساد، كمن يشتغل بالمقهى، أو بالشطرنج، أو بلعب الورق ونحو ذلك من هذه الآفات، فالله سبحانه وتعالى عافاك من أن تكون في مجالس اللغو واللهو والمعصية حين أدخلك المسجد.

    ولقد رأى ابن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه قوماً في المسجد يتعلمون، فقال رجل: علام اجتمع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه: على ميراث محمد صلى الله عليه وسلم يقتسمونه.

    يقتسمون ميراث محمد عليه الصلاة والسلام، فما هو ميراث محمد؟! إنه العلم والذكر، وقراءة القرآن والأحاديث وغير ذلك.

    وخرج أبو هريرة إلى السوق فقال لأهل السوق: تركتم ميراث محمد صلى الله عليه وسلم يقتسم في المسجد وأنتم هاهنا! فهرعوا إلى المسجد يظنون أنه ميراث مال أو شيء من هذا، فما وجدوا إلا حلقة ذكر، فبين لهم أن هذا هو ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الأنبياء لا تورث إلا العلم والحكمة والذكر، كما قال تبارك وتعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ [النمل:16].

    1.   

    حث الشارع على حضور مجالس الذكر وهجر مجالس اللغو

    قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور ..)

    كما حث الشارع على حضور مجالس الذكر فقد حذر من مجالس الخاطئين، حيث يقول تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [الفرقان:72] فقوله تعالى: (يَشْهَدُونَ الزُّورَ) يعني: يحضرون (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) يعني: لا يحضرون مجالس اللغو.

    وضرب العلماء أمثلة لمجالس الزور التي ينبغي أن لا نشهدها، فمنها -مثلاً- أعياد المشركين، فلا تحضر أبداً أعياد المشركين، ولا تحضر صلواتهم التي يشتمون فيها الله سبحانه وتعالى، ولا تجلس مع الغافلين اللاهين العابثين الصادين أو المصدودين عن ذكر الله تبارك وتعالى.

    وقوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) يفهم منه أن من يمر باللغو ويتعاطى منه شيئاً فقد أهان نفسه، لكن الكريم يمر دون أن يؤذي نفسه بسماع هذا اللغو والفساد، فلا ينبغي حضور مجالس الكذابين أو الخاطئين أو العصاة ولا قربها تنزهاً عن مخالطة الشر وأهله، وصيانة لدينك عما يشينه؛ لأن مشاهدة الباطل فيه شركة، فبحضورك مجالس الباطل تصير شريكاً، كما قال تعالى: (( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ... ))[النساء:140]، ويقول تبارك وتعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28].

    فانظر في هذا الذي يدعوك إلى مجلسه، أو الذي يدعوك إلى النادي، أو إلى السينما، أو المسرح، أو إلى مشاهدة التلفاز أو غير ذلك هل هذا الشخص الذي يدعوك إلى هذه المجالس ينطبق عليه أنه قد أغفل الله قلبه عن ذكره؟

    وتأمل في حال هذا الشخص: هل هو ممن ينطبق عليه قوله: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28] أم أن قلبه عامر بذكر الله سبحانه وتعالى ومتبع للشرع لا للهوى؟

    قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله .. )

    ويقول تبارك وتعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ [الحشر:19] إذا نسيت الله أنساك نفسك، وإذا ذكرت الله ذكرك بالخير وفتح عليك هذه الأبواب.

    وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19] وفي الآية الأخرى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67] يعني: تركهم. ومعنى: أَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19] أغفل قلوبهم عن ذكره تبارك وتعالى، وألهاهم عن ذكر الله، وشغلهم بغير ذكر الله، فهم لا يلتفتون إلى ما هم فيه من القبائح، ولا يسعون في إصلاح أحوالهم مع الله سبحانه وتعالى، فالواحد منهم لا يفكر في التوبة؛ لأنه عوقب بأن زين له سوء عمله فرآه حسناً، فمم يتوب؟! وإذا كان الإنسان يرى حياته كما يقال: أعيش حياتي بالطول والعرض. ويتمتع بكل شيء يريده من الدنيا، ويرى أن هذه هي العصرية والمدنية، وهذا هو التقدم والحضارة فقد زينت له هذه الأشياء في عينه وهي ليست قبيحة، ويراها شيئاً من أعظم الإنجازات، ويفرح جداً إذا يسرت له المعصية.

    فأخطر عقوبة يسلطها الله سبحانه وتعالى على عبد من عباده أن ينسيه نفسه، فلا يسعى في إصلاحها ولا يشعر بالندم؛ لأنه يرى القبيح حسناً، كما قال عز وجل: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:103-104] وهذا مشاهد وواقع يحكيه القرآن ويصفه، فأهل الباطل والفساد في كل مجال الآن تجد أنهم فرحون بما هم عليه، سعداء به، حريصون على أن لا يحرفهم أحد عن هذا المنهج، وكل منهم يقول قولة فرعون: مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29].

    وفرعون نفسه الذي كان يدعوهم إلى عبادته يقول: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26] فموسى في نظر فرعون هو المفسد، وفرعون يخاف من نشر الفساد في الأرض! وأي فساد بعد أن دعا قومه لعبادته من دون الله تبارك وتعالى؟! وأي فساد بعد أن يقول هذا الذي كان ينام ويأكل ويشرب ويقضي حاجته: أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى [النازعات:24]؟!

    بل يقول: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] بصيغة تنكير! أنساه الله نفسه، ولو أراد الله به خيراً لنبهه من غفلته.

    ولذلك فالشخص الذي يتمادى في المعاصي والبعد عن الله سبحانه وتعالى لعله إذا أراد الله به خيراً يجعله يفيق بمصيبة تحصل له أو حادثة، أو أي شيء ينبهه فيفيق وينتبه، وإذا به يراجع نفسه ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى، فالعقوبات على الذنوب تتفاوت، فهناك العقوبات الكونية القدرية المعروفة مثل القذف والخسف والزلازل وغير ذلك من العقوبات العامة المعروفة.

    وهناك عقوبات شرعية كقطع يد السارق، ورجم الزاني أو جلده، وجلد شارب الخمر، وغير ذلك من حدود الله سبحانه وتعالى الشرعية.

    لكن أخطر عقوبة على الإطلاق يعاقب الله سبحانه وتعالى بها عبداً من عباده أن يسلط الغفلة على قلبه؛ لأن العقوبة الخطيرة هي التي لا يحس بها صاحبها حين يعاقب، فلا يصل إلى التنبيه ولا التحذير، فهذا هو داء السرطان، والسرطان إذا بدأ في بعض خلايا الجسم فإنه ينمو ويكبر بصورة مذهلة والمريض لا يشعر بألم، فهو يرى ورماً ولا يشعر بأي ألم، وما يكون فيه أية مشكلة، حتى إنه لا يسعى في العلاج؛ لأنه يرى شيئاً طبيعياً، لكنه قد يفيق بعدما يكون قد فات الأوان وانتشرت الخلايات السرطانية إلى سائر أجزاء الجسد، وبالتالي لا يبقى أمل في نجاته.

    فكذلك هذا الداء خطورته أنك لا تحس به، فالغفلة إذا سلطها الله سبحانه وتعالى على قلب عبد لا يسعى في إصلاح حاله، بل يتمادى ويتلذذ بمزيد من الصد عن سبيل الله تبارك وتعالى، فهؤلاء هم الذين نسوا الله فنسيهم، أي: أنساهم أنفسهم كما بينتها الآية الأخرى، فلا يسعون في إصلاح حالهم، ولا يفكرون في توبة، فمم وكيف يتوب؟! إنه يرى القبيح حسناً والحسن قبيحاً، والتدين تطرفاً ورجعية وتزمتاً وإرهاباً، فينظر إلى طاعة الله سبحانه وتعالى بهذه الصفات المنفرة، وينظر إلى المعاصي على أنه إنسان يعيش حياته ويتمتع بها، وينفتح على الناس ولا يكون معقداً، وغير ذلك من تلبيس الشيطان وتسويله لهؤلاء القوم.

    قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ..)

    يقول تبارك وتعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] معنى ذلك: لا تحسبن أن من أعرض عن ذكر الله سبحانه وتعالى وهرب من مشقة التكاليف والانقياد لأمر الله عز وجل بحثاً وراء السعادة في الحياة الدنيا ووراء الفرحة والتمتع بالدنيا لا تحسب أن هذا سوف يصفو له عيشه، بل بالعكس، سينغص الله عيشه، فقد قضى الله سبحانه وتعالى قضاءً محكماً لا يرد أن من آثر عليه غيره عذبه الله به ولا بد، وكل من أحب شيئاً ضد محبة الله سبحانه وتعالى، أو فضل شيئاً على محاب الله لا بد من أن يجعل الله نفس هذا الشيء سبباً في عذابه، فمثلاً: من أطاع زوجته في معصية الله كي يرضيها وكي لا يتكدر عيشه، فإذا طاوعها في معصية الله عز وجل فإنه يعاقب بأن الله سبحانه وتعالى يجعلها سبباً في عذابه ونكده.

    كذلك من آثر مصلحة أو محبة ولده على محبة الله عز وجل يجعل الله ابنه هذا سبباً في عذابه، من أحب أو عشق امرأة بحيث أفسدت عليه دينه ودنياه كما هو معلوم ومتواتر فتكون نفس هذه المحبوبة سبباً في شقائه وعذابه، وصده عن سبيل الله تبارك وتعالى، فكل من أحب شيئاً غير الله عذب به ولا بد.

    كذلك من سعى وراء الدنيا ليسعد بها تجد نفس الدنيا تكون سبباً في شقائه، فكم من رجل سعى إلى زواج ابنته مثلاً بالحسب والنسب والتفاخر بمظاهر الدنيا، فيزوج ابنته -مثلاً- برجل من عائلة كبيرة جداً، ثم يشاء الله سبحانه وتعالى أن تحصل الخلافات، ويذوق الويل والدمار والوبال على يد نفس هذه العائلة، وتكون قوة هذه العائلة ومراكزها وجاهها سبباً في زيادة النكال حينما يحصل بينهم خصومة.

    فالشاهد أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله بنية أن يتمتع بالدنيا أكثر ويأمن أكثر فإنه لن ينال الأمن ولا الراحة، ولا السعادة، ولا ينال إلا المعيشة الضنك كما قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124]. أي: القرآن فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:125-126].

    وقال سبحانه وتعالى في المنافقين: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء:142]. وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9].

    1.   

    آداب ذكر الله تعالى

    هناك في الحقيقة كثير من الآداب التي ينبغي مراعاتها عند التلبس بذكر الله عز وجل.

    طهارة مكان الذكر

    أول هذه الآداب: أن يكون المكان الذي يذكر الله سبحانه وتعالى فيه نظيفاً خالياً؛ لأن التنزه عن ملابسة النجاسة مطلقاً مندوب إليه في كل الأحوال، فتدخل حالة الذكر والدعاء تحت ذلك دخولاً أولياً، والإنسان إذا أراد ذكر الله فينبغي أن يكون في مكان خال طيب لا نجاسة فيه ولا قاذورات. وصحيح أنه لم يرد دليل يدل بخصوصه على هذا الحكم، لكن هذا الذكر -بلا شك- عبادة للرب سبحانه وتعالى، والنظافة على العموم ورد الشرع بالترغيب فيها، كما قال عز وجل: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:4-5] فمن هنا مدح الذكر في المواضع الشريفة وفي المساجد، فعن أبي ميسرة رضي الله عنه قال: (لا يذكر الله تعالى إلا في مكان طيب) أي: لا يذكر الله تعالى باللسان إلا في مكان طيب. ولذلك فإن من الآداب أن الإنسان في الخلاء لا يذكر الله بلسانه، وإنما يذكر الله بقلبه، ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج من الخلاء قال: (غفرانك) . وبعض العلماء قالوا: يستغفر لتوقف لسانه عن الذكر في هذا الوقت؛ لأن هذا المكان لا يليق أن يذكر فيه الله سبحانه وتعالى. كذلك يكون المكان الذي يذكر الله فيه خالياً عن كل ما يشغل البال ويحصل من وجوده الوساوس والأشغال، فذلك أقرب إلى حضور القلب، وأبعد عن الرياء والمباهاة، وأكثر عوناً على تدبر ما يذكر الله سبحانه وتعالى به، فهذه الحالة -بلا شك- هي أكمل مما يخالفها.

    كمال طهارة الذاكر

    ثانياً: ينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فيكون فمه نظيفاً، فإن كان في فمه تغير أزاله بالسواك؛ لأن الذكر عبادة لسانية، فتنظيف الفم عند ذلك أدب حسن، ومن هنا جاءت السنة المتواترة بمشروعية السواك للصلاة؛ لأجل تنظيف المحل الذي يكون الذكر به في الصلاة، وهو الفم. وعن أبي الجهيم رضي الله عنه قال: (أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل على الجدار فمسحه بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام) لأنه ما كان يستطيع أن يتوضأ في ذلك الوقت، فأراد أن يخفف الحدث بالتيمم، فاتجه إلى الجدار وتيمم، ثم رد عليه السلام حتى يكون على ما يستيطعه من طهارة ليذكر الله في السلام، ولأن السلام اسم من أسماء الله، ولفظ (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) فيه ذكر لفظ الجلالة، فاستحب لذلك أن يكون على طهارة بقدر المستطاع، فإذا كان هذا في مجرد رد السلام فلم يرد عليه حتى تيمم عليه الصلاة والسلام فكيف بذكر الله سبحانه وتعالى الذي هو أولى بذلك؟! وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر).

    استقبال القبلة

    الأدب الثالث: أن يستقبل القبلة، فإنها الجهة التي يتوجه إليها العابدون لله سبحانه وتعالى والداعون له والمتقربون إليه، وقد ورد النهي عن أن يبصق الرجل إلى جهة قبلته، معللاً بمثل هذه العلة، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: لو ذكر الله على غير هذه الأحوال لجاز. لأنه لو ذكرت الله وأنت غير متوضئ أو في مكان فيه شيء يشغلك فهذا ذكر جائز بلا شك، لكن ليس هو الأكمل، قال: ولا كراهة في حقه، لكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل. والدليل على عدم الكراهة قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:190-191] يعني: في كل أحوالهم.

    وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن). وفي رواية: (ورأسه في حجري وأنا حائض).

    وعنها رضي الله عنها قالت: (كان صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى على كل أحيانه).

    من آداب الذكر التدبر والتعقل

    من الآداب -أيضاً- أن يتدبر ما يقول ويتعقل معناه، وإن جهل شيئاً تبين؛ لأن المقصود بالذكر هو حضور القلب، ولا سبيل إلى حضور القلب إلا إذا كنت تفقه هذا الذكر الذي تقوله وتتدبره، يقول علي رضي الله عنه: (لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا قراءة لا تدبر فيها).

    يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: لا ريب أن تدبر الذاكر لمعاني ما يذكر به أكمل؛ لأنه بذلك يكون في حكم المخاطب والمناجي، وإن كان أجر هذا أتم وأوفى فإنه لا ينافي ثبوت ما ورد الوعد به من ثواب الأذكار لمن جاء بها، فإنه أعم من أن يأتي بها متدبراً لمعانيها.

    حتى لو كان لا يستطيع أن يتدبر معانيها فإنه ينال الثواب أيضاً، وأيضاً الشخص الذي لا يتدبر ولا يكون حاضر القلب تماماً فهو -أيضاً- لن يحرم من الثواب؛ فإنه لم يرد دليل يشترط أو يقيد هذا الثواب بحصول التدبر والتفهم، يقول الشيخ صديق حسن خان في (نزل الأبرار) معلقاً على كلام الشوكاني : وهذا تقرير حسن، فيه توسيع دائرة الرحمة التي وسعت كل شيء.

    نظافة مكان الذكر

    أول هذه الآداب: أن يكون المكان الذي يذكر الله سبحانه وتعالى فيه نظيفاً خالياً؛ لأن التنزه عن ملابسة النجاسة مطلقاً مندوب إليه في كل الأحوال، فتدخل حالة الذكر والدعاء تحت ذلك دخولاً أولياً، والإنسان إذا أراد ذكر الله فينبغي أن يكون في مكان خال طيب لا نجاسة فيه ولا قاذورات.

    وصحيح أنه لم يرد دليل يدل بخصوصه على هذا الحكم، لكن هذا الذكر -بلا شك- عبادة للرب سبحانه وتعالى، والنظافة على العموم ورد الشرع بالترغيب فيها، كما قال عز وجل: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:4-5] فمن هنا مدح الذكر في المواضع الشريفة وفي المساجد، فعن أبي ميسرة رضي الله عنه قال: (لا يذكر الله تعالى إلا في مكان طيب) أي: لا يذكر الله تعالى باللسان إلا في مكان طيب. ولذلك فإن من الآداب أن الإنسان في الخلاء لا يذكر الله بلسانه، وإنما يذكر الله بقلبه، ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك .

    وبعض العلماء قالوا: يستغفر لتوقف لسانه عن الذكر في هذا الوقت؛ لأن هذا المكان لا يليق أن يذكر فيه الله سبحانه وتعالى.

    كذلك يكون المكان الذي يذكر الله فيه خالياً عن كل ما يشغل البال ويحصل من وجوده الوساوس والأشغال، فذلك أقرب إلى حضور القلب، وأبعد عن الرياء والمباهاة، وأكثر عوناً على تدبر ما يذكر الله سبحانه وتعالى به، فهذه الحالة -بلا شك- هي أكمل مما يخالفها.

    كمال نظافة الذاكر

    ثانياً: ينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فيكون فمه نظيفاً، فإن كان في فمه تغير أزاله بالسواك؛ لأن الذكر عبادة لسانية، فتنظيف الفم عند ذلك أدب حسن، ومن هنا جاءت السنة المتواترة بمشروعية السواك للصلاة؛ لأجل تنظيف المحل الذي يكون الذكر به في الصلاة، وهو الفم.

    وعن أبي الجهيم رضي الله عنه قال: {أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل على الجدار فمسحه بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام} لأنه ما كان يستطيع أن يتوضأ في ذلك الوقت، فأراد أن يخفف الحدث بالتيمم، فاتجه إلى الجدار وتيمم، ثم رد عليه السلام حتى يكون على ما يستيطعه من طهارة ليذكر الله في السلام، ولأن السلام اسم من أسماء الله، ولفظ (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) فيه ذكر لفظ الجلالة، فاستحب لذلك أن يكون على طهارة بقدر المستطاع، فإذا كان هذا في مجرد رد السلام فلم يرد عليه حتى تيمم عليه الصلاة والسلام فكيف بذكر الله سبحانه وتعالى الذي هو أولى بذلك؟!

    وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل: {كرهت أن أذكر الله إلا على طهر}.

    1.   

    تنبيهات ونصائح تتعلق بذكر الله تعالى

    نذكر بعض التنبيهات والفوائد التي تتعلق بذكر الله عز وجل:

    الإخلاص لله تعالى

    أولها: الإخلاص في ذكر الله عز وجل، يقول تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].

    وقال عز وجل: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37] أي: النيات والإخلاص، فهذا الذي يصل إلى الله سبحانه وتعالى.

    وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) يقول الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.

    فقوله: (ترك العمل لأجل الناس رياء)؛ لأن بعض الناس يفتح عليه بالذكر أو قراءة القرآن فيقول: لا؛ أخشى إن فعلت ذلك أن أكون مرائياً. فـالفضيل هنا يقول: إنك إذا تركت العمل خوفاً من الرياء فهذا هو عين الرياء؛ لأنك راعيت رؤية الناس لك، ونظرهم إليك، فضيعت هذه الوظيفة العظيمة أو الشريفة.

    (والعمل لأجل الناس شرك)، كذلك إذا فعلت العمل الصالح حتى يراك الناس فهذا هو الشرك الأصغر، أما الإخلاص فهو أن يعافيك الله منهما، فلا تضيع العمل خوفاً من الناس أن يظنوا بك الرياء أو أن ترائي الناس، ولا تعمل العمل مراءاة للناس، لكن الإخلاص أن يعافيك الله منهما.

    فافترض أنك الوحيد في هذا الوجود المكلف باتباع الحق وبذكر الله، ولا تبال بالناس، ولا تلق لهم بالاً، فإن الإنسان لو فتح على نفسه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم لانسد عليه أكثر أبواب الخير؛ لأنه لا يمكن إرضاء جميع الناس أبداً، فإنك إذا أرضيت فئة تسخط فئة أخرى، وإذا أسخطت هذه الفئة رضيت تلك، وإرضاء الناس غير مطلوب، فهذا شيء أنت غير مكلف به، فلم يأمرك الله أن ترضي الناس.

    ثانياً: لم يحصل أبداً أن العبد يرضي الناس ويجتمع عليه الناس، فالأنبياء ما اجتمع البشر عليهم، فأنت اجعل همك هماً واحداً، وهو إرضاء الله سبحانه وتعالى، ولا تبال بالناس، فإنه سيرضى الله سبحانه وتعالى عنك بعد ذلك.

    فالإنسان لا يفتح على نفسه باب ملاحظة الناس، ولو فتح الإنسان على نفسه باب ملاحظة الناس والاحتراز من ظنونهم لانسدت عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمات الدين، وليست هذه طريقة الصالحين، فإذا أراد الإنسان أن يذكر الله تبارك وتعالى باللسان مع القلب فليس له أن يمتنع من ذلك خوف الرياء، بل يذكر الله بهما جميعاً، ويقصد بذلك وجه الله سبحانه وتعالى وحده.

    الجهر والإسرار بالذكر حسب الأحوال

    التنبيه الثاني: أنه قد وردت أحاديث تقتضي الجهر بالذكر وأحاديث تقتضي الإسرار به، والجمع بينهما أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، إلا إذا أتى دليل ينص على الجهر أو على الإسرار، أما حيث لا دليل يطلب فإن الجهر أو الإسرار حسب الحال.

    فقد يكون الإسرار في بعض الأوضاع أبعد عن التكلف والرياء والتصنع، فإذا كان الإنسان يخشى على نفسه فيذكر الله سراً، فإن لم يكن في الجهر ما يشوش على شخص آخر كمصل -مثلاً- فالجهر أفضل؛ لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته أيضاً تتعلق بغيره، فلو أن إنساناً يقرأ القرآن وبقراءته هذه أوقظ شخصاً نائماً -مثلاً- ليزيد نشاطه في القراءة ويقوم فيفعل مثلك، ويكون القارئ سبب إحيائه لذكر الله عز وجل، أو شخص يراك بطالاً أو غافلاً أو ناسياً فيذكر الله سبحانه وتعالى ليذكرك، فإذا كان بهذه النوايا الحسنة فلا حرج في الجهر، وإذا حضرك شيء من هذه النيات فالجهر أفضل، فإذا اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر، وبكثرة النيات تزكو أعمال الأبرار وتتضاعف أجورهم.

    يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها واجبة كانت أو مستحبة، لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه. يعني بذلك الأذكار حتى تنال ثوابها؛ لأن معناها يدل على أن التلفظ باللسان مطلوب، وليس معنى ذلك أن يقولها بقلبه فقط أو يمرها على خاطره، فإن قوله: (من قال سبحان الله وبحمده فله كذا) يعني: يقولها باللسان. وإلا فإنه لا ينال الثواب الموعود في الحديث، ويقول الجزري في (العدة): ولا يعتد له بشيء مما رتبه الشارع على قوله حتى يتلفظ به ويسمع نفسه.

    فقوله: ( من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] عشر مرات بنى الله له بيتاً في الجنة) فلفظ (قرأ) يعني: باللسان، لكن لو أن إنساناً قرأها بقلبه فهذا يعتبر محروم الأجر، والشخص الذي امتثل الحديث بأن تلفظ ونطق بالقرآن الكريم وقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] عشر مرات فله الثواب الموعود في الحديث.

    أما من ذكر الله في نفسه فثوابه أنه يذكره الله في نفسه: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)، لكن هل ينال نفس الثواب الموجود في الحديث؟ لا. فهذا باب وموضع آخر، فلا تعارض بين الحديثين.

    الحرص على قراءة الأذكار مجودة

    أيضاً من الآداب الشرعية أن يجتهد الإنسان في قراءة الأذكار مجودة، أن يجتهد في التجويد، فبعض الناس إذا سمع بعض الشيوخ يقرأ حديثاً في صحيح البخاري أو مسلم مجوداً يستنكره ويقول: فلان يقرأ الأحاديث تماماً كما يقرأ القرآن!

    فهذا قصور في الفهم، فإن التجويد أصلاً من الصفات الأساسية للحروف في اللغة العربية، فالعرب ما نطقت حرفاً إلا مجوداً، حتى في الشعر، وكلامهم العادي كان كله مجوداً، وليس ذلك من الأمور التحسينية أو التكميلية، بل هو من الصفات الذاتية للحروف العربية.

    فقولهم:

    وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي

    فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازاً وناء بكلكل

    ألا أيها الليل الطويل ألا نجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل

    وأمثاله كانوا يقولونه مجوداً.

    وهكذا كانت هذه اللغة العربية، والأصل في اللغة العربية أن تنطق مجودة؛ لأن العرب ما نطقت كلاماً إلا مجوداً، فبالأولى إذا نطقت الأحاديث أن تقرأها أيضاً مجودة، وإذا ذكرت الله سبحانه وتعالى فأكمل الأحوال أن تكون في ذكرك مراعياً قواعد التجويد في ذكر الله سبحانه وتعالى، يقول الشيخ عطية الأجهوري في حاشيته على شرح الزرقاني للمنظومة البيقونية:

    فائدة: قال الإمام محمد بن محمد البديري الدمياطي في آخر شرحه لهذه المنظومة المباركة ما نصه: وأما قراءة الحديث مجودة كتجويد القرآن من أحكام النون الساكنة والتنوين والمد والقصر وغير ذلك فهي مندوبة كما صرح به بعضهم، لكن سألت شيخي خاتمة المحققين الشيخ علي الشبراملسي تغمده الله تعالى بالرحمة حالة قراءتي عليه صحيح الإمام البخاري عن ذلك فأجابني بالوجوب -شيخه أفتاه بوجوب التجويد- وذكر لي أنه رأى ذلك منقولاً في كتاب يقال له: (الأقوال الشارحة في تفسير الفاتحة)، وعلل الشيخ حينئذ ذلك بأن التجويد من محاسن الكلام، ومن لغة العرب، ومن فصاحة المتكلم، وهذه المعاني مجموعة فيه صلى الله عليه وسلم، فمن تكلم بحديثه صلى الله عليه وسلم فعليه مراعاة ما نطق به صلى الله عليه وسلم.

    وقال العلامة القاسمي رحمه الله تعالى في قواعد التهذيب: ولا يخفى أن التجويد من مقتضيات اللغة العربية؛ لأنه من صفاتها الذاتية، ولأن العرب لم تنطق بكلمة إلا مجودة، فمن نطق بها غير مجودة فكأنه لم ينطق بها، فليس هو في الحقيقة من محاسن الكلام، بل من الذاتيات له، فهو إذاً من طبيعة اللغة، لذلك من تركه وقع في اللحن الجلي؛ لأن العرب لا تعرف الكلام إلا مجوداً.

    ونحن لا نطالب الإخوة في كلامهم العادي أن يراعوا التجويد حتى في الحوار العادي، لكن على الأقل يجودون الأحاديث والأذكار، فضلاً عن قراءة القرآن الكريم، أو على الأقل لا ينكر على من يفعل هذا ويصور كأنه يأتي ببدع من الأمر.

    مراعاة العدد في الذكر المقيد بالعدد

    هناك بعض الأذكار تأتي مقيدة بعدد، فهذا يقتضي أن الأجر المذكور لفاعلها يحصل بفعلها، فإن نقص من ذلك العدد نقص ذلك من أجره بقدر ما ينقص من العدد؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع عمل عامل، وإن زاد على العدد حصل له الأجر بالعدد، واستحق ثواب ما زاد.

    وقيل: إنه لا يستحق الأجر المرتب على العدد إلا إذا اقتصر عليه من غير زيادة ولا نقصان، وليس ذلك بصواب إلا فيما ورد النهي عن الزيادة عليه، كزيادة عدد غسلات الوضوء ونحو ذلك.

    جواز قضاء الأذكار إذا فاتت

    ينبغي لمن كان له وظيفة من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقيب صلاة أو حالة من الأحوال ففاتته أن يتداركها إذا أتت له عوائق، فمثلاً: لم تقل أذكار الصباح ما بين صلاة الفجر والشروق، فهل معنى ذلك أن تضيع الأذكار ولا تقضيها؟ لا. بل تقضيها حتى ولو بعد ذهاب وقتها، فيأتي بها إذا تمكن منها، ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة لها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها.

    فهذا نوع من تربية النفس حتى لا تتساهل، فإن الشيطان يأتي يقول لك: ليست مهمة، فأخرجها عن وقتها، واقضها، فإذا تساهل في الأداء فإنه يتساهل في القضاء فيضيعها أصلاً في وقتها، وتصير عادة سيئة له، فينبغي على الإنسان إذا فاتته الأذكار أن يأتي بها حتى ولو بعد وقتها، لأجل أن يصدق عليه أنه مديم للذكر مواظب عليه، وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقضون ما فاتهم من الأذكار التي يفعلونها في أوقات مخصوصة، فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن حزبه) وهو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة، وأصله في اللغة النوبة في ورود الماء، قال: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل) فهو يعتاد كل ليلة أن يقرأ جزءاً أو جزئين أو يصلي عدد ركعات معينة، ففي يوم أو ليلة من الليالي فاته ذلك حيث نام ولم يستيقظ، فيفتح له باب بديل عنه، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان:62] فمن يفوته العمل في الليل يخلفه النهار حتى يعوض فيه ما فاته، فهنا يقول عليه الصلاة والسلام: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل).

    وفي تفسير عبد بن حميد وغيره من التفاسير المسندة عن الحسن في قول الله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان:62] قال: من عجز بالليل كان له من أول النهار مستعتب -فرصة أخرى يعوض ما فاته-، ومن عجز بالنهار كان له من الليل مستعتب. وعن قتادة قال: إن المؤمن قد ينسى بالليل ويذكر بالنهار، وينسى بالنهار ويذكر بالليل.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.