إسلام ويب

بين يدي رمضانللشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن مما يحسن ويجدر بالمؤمن الصادق أن يعلم حقيقة هذه الحياة الدنيا وأنها دار عمل، وحينئذٍ سيقوم باستغلال الأوقات بالطاعات وما أكثرها! فما من عبادة إلا وحض الشرع عليها، وبيّن ما يكون بين يديها؛ حتى يستعد العبد لها استعداداً كاملاً لائقاً بها، ومن هذه العبادات صيام شهر رمضان، وشهر رمضان من أعظم مواسم الطاعات والقربات، ففيه تجتمع أغلب العبادات من صلاة وصيام وزكاة وذكر لله وقراءة قرآن واعتكاف وغير ذلك.

    1.   

    التأهب لقدوم شهر رمضان قبل استهلاله

    الحمد لله الذي أعظم على عباده المنة، بما دفع عنهم من كيد الشيطان ورد أمله وخيب ظنه، إذ جعل الصوم حصناً لأوليائه وجنده، وفتح لهم به أبواب الجنة، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة، وأن بقمعها تصبح النفس مطمئنة، ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد قائد الخلق وممهد السنة، وعلى آله وأصحابه.

    أما بعد:

    فإن حكمة الله جل وعلا اقتضت أن يجعل هذه الدنيا مزرعة للآخرة وميداناً للتنافس، وكان من فضله عز وجل على عباده وكرمه أنه يجزي على القليل كثيراً، ويضاعف الحسنة، ويجعل لعباده مواسم تعظم فيها الأجور، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام، وتقرب فيها إلى مولاه بما أمكنه من وظائف الطاعات، عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات.

    قال الحسن البصري رحمه الله تعالى في قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:62] قال: من عجز بالليل كان له من أول النهار مستعتب، ومن عجز بالنهار كان له من الليل مستعتب.

    أي: يستدرك في أحدهما ما يفوته في الآخر.

    من أعظم هذه المواسم المباركة وأجلها شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، بل لا يعلم موسم تجتمع فيه أبواب الخير والطاعات أكثر مما تجتمع في هذا الشهر العظيم، ولهذا كان حرياً بالمسلم انطلاقاً من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (احرص على ما ينفعك) أن يحسن الاستعداد لهذا القادم الكريم، ويفقه شروط وآداب هذه العبادة المباركة؛ لئلا يفوته الخير العظيم، ولئلا ينشغل بمفضول عن فاضل أو بفاضل عما هو أفضل منه.

    ندعو أنفسنا جميعاً الآن أن يستحضر كل واحد منا لو أن أحب الناس إليه غاب عنه أحد عشر شهراً ثم بشر بقدومه وعودته خلال أيام قلائل، كيف يكون استبشاره بقدومه وبشاشته عند لقائه؟! فمن أجل هذا المعنى كان أول الآداب الشرعية في هذه المناسبة وبين يدي رمضان: التأهب لقدومه قبل الاستهلال، وذلك بأن تكون النفس بقدومه مستبشرة، ولإزالة الشك في رؤية الهلال منتظرة، وأن تستشرف لنظره استشرافها لقدوم غائب حبيب من سفره؛ لأن الاهتمام باستقبال رمضان والاستعداد له قبل دخوله من تعظيم شعائر الله، ومن تعظيم شعائر ومعالم هذا الدين، والله عز وجل يقول: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    والناس في رمضان كغيره من مواسم الخير والطاعات يصدق فيهم قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4] فيتباين الناس في استعدادهم لهذا الشهر الكريم، حسب حظهم من الإيمان والصبر واليقين، فهم ما بين فرح مسرور بقدومه، وما بين مستثقل متضجر.

    هناك من يستعد لرمضان بمجرد انطلاق رمضان الماضي، نجد شياطين الإنس يستعدون لاستقبال شهر رمضان المقبل بما يعدونه من التمثيليات والأفلام والفوازير واللهو والعبث؛ وذلك لصد الناس عن هذا الموسم العظيم، أفلا يجدر بعباد الرحمن وأولياء الله عز وجل أن يستعدوا؟! كيف يغتنمون هذا الموسم العظيم ويخططون له ويتأهبون له قبل قدومه؟!

    1.   

    استثقال شهر رمضان وأسباب ذلك وحكمه

    إن المستثقلين شهر رمضان هم أهل الغفلة الذين يعدونه إذا نزل بهم كالضيف الثقيل، يعدون أيامه ولياليه وساعاته منتظرين رحيله بفارغ الصبر، يفرحون بكل يوم مضى منه، حتى إذا قرب العيد فرحوا بدنو خروج هذا الشهر، وليس فرحهم من أجل العيد وإنما فرحهم؛ لأنهم تخلصوا من هذا الشهر، وهذا الشعور السيئ عندهم يرجع إلى أسباب عدة:

    أولها: أنهم اعتادوا على التوسع في الملذات والشهوات المحرمة فضلاً عن التوسع في الشهوات المباحة، فهم يعلمون أن هذا الشهر سيقيدهم ويحجزهم عن الاسترسال فيها، فاستثقلوه حتى قال بعضهم أقوالاً تقشعر منها الجلود وتشمئز منها النفوس، كقول الشاعر ابن الرومي :

    ألا ليت الليل فيه شهر ومر نهاره مر السحاب

    ويقول الآخر:

    رمضان ولى هاتها يا ساق مشتاقة تسعى إلى مشتاق

    ما كان أكثره على أللاتها وأقله في طاعة الخلاق

    حكي أنه كان لـهارون الرشيد رحمه الله غلام سفيه، فلما أقبل رمضان ضاق الغلام به ذرعاً وأخذ ينشد:

    دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهراً بعده آخر الدهر

    فلو كان يعديني الأنام بقوة على الشهر لاستعديت قومي على الشهر

    فأصيب بمرض الصرع فكان يصرع في اليوم عدة مرات، وما زال كذلك حتى مات قبل أن يصوم رمضان الآخر.

    كذلك من هؤلاء المتضجرين المستثقلين لهذا الضيف العزيز من يستقبل رمضان بالسفر أو بالهروب من بلاد المسلمين.

    ومنهم من يستثقله بإعداد خطط خاصة للطعام وألوان الشراب وغير ذلك.

    ومنهم من يستقبله فرحاً مسروراً لما يجده فيه من فرص اللهو والعبث أمام (التلفزيون) أو (الراديو)، أو مع أصدقائه وأترابه في اللعب واللهو.

    فهؤلاء جميعاً يستثقلون الشهر، وحتى إذا فرحوا فلا يفرحون بمواسم الطاعات التي فيه، وإنما يبتهجون بمواسم اللهو والعبث التي تزيدهم عن الله عز وجل بعداً.

    نقل عن ابن حجر رحمه الله تعالى أنه قال: إن تمني زوال رمضان من الكبائر.

    إذاً: القلب المؤمن المملوء بالصبر واليقين في وعد الله عز وجل في بداية الشهر أو قبل بدايته فإن قلبه يكاد يطير فرحاً بقدومه، ويتمنى أن يكون شعبان يوماً واحداً.

    كذلك إذا دخل رمضان فإنه يحزن جداً لكل ساعة أو لكل ليلة تمر منه؛ لأنه يعلم أن تمني زوال رمضان من كبائر الذنوب.

    وقال بعض العلماء معلقاً على كلام ابن حجر : ولعله إذا كان بغضاً للعبادة فربما يخشى منه الكفر.

    ومما يخالف تعظيم شعائر الله قول العوام: رمضان مريض، أو يطلع ويخرج الروح ... ونحو ذلك.

    ذكرنا آنفاً أن أحد أسباب استثقال رمضان عند من يستثقله: توسع بعض الناس في الملذات والشهوات المحرمة فضلاً عن المباحة، ولا شك أن التعلق بهذه الشهوات يثقل على القلب العبادة المرتبطة بها، فمن تعلق مثلاً بالمال ثقل عليه عبادة الزكاة والصدقة، ومن تعلق بالأهل والأولاد ثقل عليه الجهاد في سبيل الله عز وجل، ومن تعلق بالطعام والشراب والشهوات ثقل عليه الصيام.

    واستثقال الأعمال الصالحة ناتج عن ضعف الإيمان وضعف محبة الله عز وجل في القلب.

    قارن بين قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أرحنا بها يا بلال) بقول من يقول بلسان حاله أو حتى مقاله: أرحنا منها!

    قارن هذا بحال أولئك الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) قوله: (إيماناً واحتساباً) أي: تصديقاً بفرضيته، ورغبة في ثوابه، طيبة به نفسه، غير كاره ولا مستثقل لقيامه، ولا مستطيل لأيامه، لكن يغتنم طول أيامه لتعظيم الثواب فيه.

    1.   

    حال المستبشرين بقدوم شهر رمضان ومواسم الطاعات

    أما الذين يفرحون ويستبشرون بقدوم رمضان فهم يحمدون الله عز وجل أن بلغهم رمضان، ويعقدون العزم على تعميره بالطاعات وزيادة الحسنات وهجران السيئات، هؤلاء هم امتداد للسلف الصالح رضي الله تبارك وتعالى عنهم، الذين أثر عنهم أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر بعده أن يتقبله منهم.

    أولئك الفرحون المستبشرون بقدوم رمضان يبشرون بقول الله عز وجل: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    إن محبة الأعمال الصالحة والاستبشار بها فرع عن محبة الله عز وجل، يقول الله عز وجل: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124].

    والذي يحمد من الاستبشار بالطاعات ومواسم العبادات والخيرات ما كان نابعاً عن محبة العبد لربه عز وجل، لا ما كان بسبب أن للنفس حظاً من تلك العبادة، فربما يحب الإنسان مثلاً مجالس الخير وهو لا يقصدها لذاتها، لكن يستأنس برفاقه وبأترابه وبما يسليه فلا تنفعه تلك المحبة، لكن من أحب مجالس الخير وفرح بها لا لأنه سيقابل أصحابه ويتحدث معهم ويتناقشون ويسمرون ويسهرون، لكن يفرح بقيام الليل؛ لأنه تعمير لبيت الله وإقامة لذكر الله عز وجل رغبة في ثواب الله.

    فمن أحب هذه المجالس المباركة وفرح بها؛ لأنها محبوبة لله عز وجل، فهو المفلح الذي تنفعه هذه المحبة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في).

    بعض الناس قد يؤديهم الحذر من مثل هذا المزلق ويؤديهم هذا التخوف من أن يخالط حظ النفس عبادتهم إلى أن يتركوا العبادة؛ بحجة الخوف من حبوطها وعدم تقبلها، والصواب هو أن يثبت الإنسان ويستكثر من العمل الصالح، وفي نفس الوقت يجاهد نفسه؛ ليكمل الإخلاص ويمحض النية لوجه الله عز وجل.

    1.   

    أسباب فرح الصالحين بقدوم رمضان

    تهيئة الصالحين لأنفسهم وتوطينها على تحمل مشقة الصيام

    لقد هيأ الصالحون أنفسهم ووطنوها على تحمل مشقة الصيام، فصاموا التطوع خلال الشهور الأخرى، وبالذات في شهر شعبان (فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم أكثر شعبان)؛ استعداداً لشهر رمضان، فمن ألف الصيام في شعبان، واجتهد في تعمير شعبان بطاعة الله ودرب نفسه على عدم الالتفات إلى ما حرم الله مثل: قول الزور، والغيبة والنميمة، فهذا يأتي عليه موسم رمضان وقد سهل عليه أمر الصيام وأمر سائر الطاعات من القيام وغيرها، فيستطيع أن يغتنمه في أحسن صورة ممكنة.

    وكان هذا شأن السلف، كانوا يحافظون على نوافل العبادات، ويحافظون على صيام التطوع، ويحافظون على الاجتهاد في الإكثار من صيام شهر شعبان؛ استعداداً للقاء رمضان.

    باع قوم من السلف جارية له لأحد الناس، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات لاستقبال رمضان، كما يصنع كثير من الناس اليوم، أهم استعداد عندهم لرمضان هو الأطعمة والأشربة، وكيف سيصنعون بكذا وكذا؟! وإعداد المخللات والفواتح الشهية، منذ زمن بعيد يستعدون للقاء هذا الشهر لتعميره بهذه الأشياء، وكأن شهر رمضان هو شهر إثخان المعدة بالطعام، والتلذذ بالطعام والشراب، وإرهاق الميزانيات، حتى يقول بعض الناس في وصف حال الكثير من المسلمين للأسف في هذا الأمر: إنكم تأكلون الأرطال، وتشربون الأثقال، وتنامون الليل ولو طال، وتزعمون أنكم أبطال.

    فقالت هذه الجارية لما وجدت سيدها يستعد بهذه الطريقة في استقباله شهر رمضان، قالت: لماذا تصنعون ذلك؟ قالوا: لاستقبال شهر رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان، والله لقد جئت من عند قوم السنة عندهم كلها رمضان، لا حاجة لي فيكم ردوني إليهم ورجعت إلى سيدها الأول.

    الامتناع عن الشهوات لله من أجل الحصول عليها في الآخرة

    إن هؤلاء الصالحين الفرحين بقدوم رمضان يعلمون أن الامتناع عن الشهوات لله عز وجل في هذه الدنيا سبب لنيلها في الآخرة، فإن من كف نفسه عن شيء منعه الله منه فمن فضل الله وعدله أنه لابد من أن يعوضه الله عز وجل خيراً منه وأفضل. فإذا تأملنا مفهوم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب) عرفنا ذلك، وشتان بين خمر الدنيا وخمر الآخرة، فهذه تذهب العقول وتهين الإنسان، وأما تلك فليس فيها سوى مسك، وهي شراب طهور، كما وصفها الله بقوله: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات:46]، فمن شرب الخمر الذي منعه الله في الدنيا عوقب بأنه يحرم من شرب الخمر في جنة الرضوان. ومن تأمل -أيضاً- قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) أدرك ذلك، والحرير محرم على الرجال، فمن لبس الحرير منهم وتمتع به في الدنيا فإنه يعاقب بحرمانه منه في الآخرة. روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة إذا هاتف فوقهم يهتف: يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، فقال أبو موسى : أخبرنا إن كنت مخبراً، قال: إن الله تبارك وتعالى قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف سقاه الله يوم العطش) رواه البزار ، وحسنه المنذري والألباني . ورواه -أيضاً- ابن أبي الدنيا بنحوه إلا أنه قال: (إن الله قضى على نفسه أن من عطّش نفسه لله في يوم حار كان حقاً على الله أن يرويه يوم القيامة، قال: فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر فيصومه ابتغاء ثواب الله الذي وعده به). وهناك -أيضاً- حديث صحيح في نفس هذا المعنى، وهو حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد، ومن دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً). فثواب الله عز وجل لمن كفّ عن الشهوات المباحة طاعة لله وانقياداً لأمره أن يكافئه بهذه المكافأة يوم القيامة. إذاً: لا شك أن استحضار هذا النعيم وهذا الثواب يهون على الإنسان ما يلقاه من العناء في شهر الصيام.

    الفرح عند تمام صيام رمضان بتوفيق الله وشكره على ذلك

    إن الصالحين الذين يستبشرون بقدوم ذلك الضيف الكريم، ويعلمون أن هذا الشهر هو أعظم مواسم الطاعات والتنافس في القربات، هؤلاء إذا جاءهم العيد فإنهم يفرحون، ولا يفرحون؛ لأن رمضان ولى، وإنما يفرحون؛ لأن الله عز وجل وفقهم لإكمال عدة هذا الشهر وإتمام صيامه كما قال عز وجل: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185] يعني: تشكرون الله عز وجل أن وفقكم لصيام شهر رمضان.

    الامتناع عن الشهوات لله من أسباب الحصول عليها في الآخرة

    إن هؤلاء الصالحين الفرحين بقدوم رمضان يعلمون أن الامتناع عن الشهوات لله عز وجل في هذه الدنيا سبب لنيلها في الآخرة، فإن من كف نفسه عن شيء منعه الله منه فمن فضل الله وعدله لابد أن يعوضه الله عز وجل خيراً منه وأفضل.

    إذا تأملنا مفهوم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب شتان بين خمر الدنيا وخمر الآخرة، هذه تذهب العقول وتهين الإنسان، وأما تلك فليس فيها سوى مسك وهي شراب طهور كما وصفها الله بقوله: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات:46]، فمن شرب الخمر الذي منعه الله في الدنيا عوقب بأنه يحرم من شرب الخمر في جنة الرضوان.

    ومن تأمل أيضاً قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة والحرير محرم على الرجال، فمن لبس الحرير منهم وتمتع به في الدنيا فإنه يعاقب بحرمانه منه في الآخرة.

    روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة، إذا هاتف فوقهم يهتف: يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، فقال أبو موسى : أخبرنا إن كنت مخبراً، قال: إن الله تبارك وتعالى قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف سقاه الله يوم العطش رواه البزار ، وحسنه المنذري والألباني .

    ورواه أيضاً ابن أبي الدنيا بنحوه إلا أنه قال: إن الله قضى على نفسه أن من عطّش نفسه لله في يوم حار كان حقاً على الله أن يرويه يوم القيامة، قال: فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر فيصومه؛ ابتغاء ثواب الله الذي وعده به.

    وهناك أيضاً حديث صحيح في نفس هذا المعنى، وهو حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد، ومن دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً.

    فثواب الله عز وجل لمن كفّ عن الشهوات المباحة طاعة لله وانقياداً لأمره أن يكافئه بهذه المكافأة يوم القيامة.

    إذاً: لا شك أن استحضار هذا النعيم وهذا الثواب يهون على الإنسان ما يلقاه من العناء في شهر الصيام.

    1.   

    أصناف الناس عند دخول شهر رمضان

    يقول تبارك وتعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4] ونذكر حديثاً شريفاً مناسباً لمعنى الآية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فيه انقسام الناس إلى قسمين بسبب دخول رمضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، -يعني: أقسم أبو هريرة بما حلف به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان؛ وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمن، يغتنمه الفاجر).

    وعنه رضي الله عنه من طريق آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله؛ وذاك لأن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة ويعد فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين واتباع عوراتهم، فهو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر)، وفي رواية البيهقي : (فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر)، وهذا الحديث أخرجه البيهقي في السنن، والطبراني في الأوسط، وابن خزيمة ، وسكت عنه المنذري ، وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إسناده صحيح.

    فقوله عليه الصلاة والسلام: (ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان؛ وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة) يعني: يعد المؤمنون لرمضان ما يقويهم على العبادة، فهم يدخرون ما ينفقونه على العيال قبل أن يدخل رمضان، أيضاً كثير من الناس يخرجون زكواتهم في رمضان، وكثير من الناس يتهيئون لأداء العمرة في رمضان وغير ذلك، تجدهم يخصصون ويتأهبون لقدوم رمضان قبل دخوله، فهم يعدون قبل دخول رمضان ما يحتاجونه؛ حتى يتفرغوا لطاعة الله إذا دخل عليهم رمضان.

    أما قوله: (وذلك أن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة)، يعني: أن المؤمنين بسبب اشتغالهم بالعبادة في رمضان فإن ذلك يمنعهم من تحصيل المعاش أو التقليل منه، فقيام الليل يستدعي النوم بالنهار، والاعتكاف يستدعي عدم الخروج من المسجد، وفي هذا تعطيل لأسباب المعاش، فهم يجمعون القوت وما يلزم لأولادهم في رمضان قبل حلوله؛ ليتفرغوا فيه للعبادة، وللإقبال على الله عز وجل، ولاجتناء ثمرة هذا الموسم فهو خير لهم مما أنفقوه؛ لما اكتسبوا فيه من الأجر العظيم والغفران العميم.

    قوله عليه الصلاة والسلام: (وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم) يعني: هذا هو السبب في أن شهر رمضان شر على المنافقين، وما أكثر هؤلاء المنافقين من أعداء الله، من قطاع الطريق إلى الله، الذين يغتنمون فرصة التوبة والإنابة واستقامة الناس على طاعة الله وانفتاح أبواب الخيرات، حتى يصدوا الناس عن ذلك الخير، وتراهم يجلبون بخيلهم ورجلهم ليل نهار، في النهار يريدون أن يفسدوا صيام الناس بالمعاصي بالأفلام وباللهو والعبث والفجور، وفي الليل بالسهر والعكوف أمام العجل الفضي (التلفزيون) وأمثاله.

    فإذاً: هو شر لهم؛ لأنهم يحرمون أنفسهم من هذا الخير العظيم، ويخسرون هذه الفضائل الجليلة، ولأنهم بدل من تكون هذه الأوقات الفاضلة عامرة بالطاعات فإذا بهم يعكسون مقاصد دين الله ويحولونه إلى موسم للهو والعبث والفجور، وتتكاثر شياطين الإنس من الممثلين والفنانين وأمثالهم، وتراهم يفكرون كيف يلهون الناس عن الطاعة، وكيف يصدونهم عن طريق الله، وكيف يضيعون عليهم هذه الفرصة، لا شك أن هؤلاء وزرهم مضاعف؛ لأنهم ضلوا أنفسهم وصدوا غيرهم عن سبيل الله، وقطعوا الطريق إلى الله عز وجل على عباده التائبين.

    إذاً: المنافقون يستعدون في شهر رمضان لإيذاء المسلمين في دنيهم ودنياهم؛ لأن المسلمين في هذا الوقت طائعون لله غافلون عن الدنيا منقطعون إلى الله عز وجل، فيأتي هؤلاء المنافقون فيستغلون فرصة انشغال الطائعين بطاعة الله فيتتبعون عوراتهم، والمنافقون عندما يتتبعون عورات المؤمنين يعتبرون ذلك غنيمة حاضرة وفوزاً عظيماً فهم يتوهمون أن هذه غنيمة اغتنموها في نظرهم، ولكنها في الحقيقة شر لهم لو كانوا يعلمون ما أعده الله لهم في الآخرة من العذاب المقيم، وحرمانهم من فضله العميم، نعوذ بالله عز وجل من ذلك.

    قوله عليه الصلاة والسلام في نهاية الحديث: (هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر) وفي رواية البيهقي : (فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر) والمعنى: أن الله عز وجل ينتقم من الفاجر ويذيقه العذاب الأليم؛ لسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم، فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له؛ بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه، والانقطاع إلى الله عز وجل بالعبادة فيه.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (أظلكم شهركم هذا - يعني: أشرف عليكم وقرب منكم- بمحلوف رسول الله صلى عليه وسلم -يعني: إني أحلف بما حلف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم- ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله عز وجل ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه -والإصر هنا الإثم والعقوبة- من قبل أن يدخله) أي: الله عز وجل يعلم ما كان وما سيكون لا حدود لعلمه سبحانه وتعالى.

    فالله عز وجل يكتب قبل دخول الشهر أن فلاناً سيجني من هذا الشهر كذا وكذا من الطاعات والعبادات، وفلان سوف يجني كذا وكذا من الشقاء والإثم والإصر والإثم والعقاب.

    قوله: (إن الله عز وجل ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله) إن المؤمن يستعد ويتهيأ لاستقبال رمضان قبل دخوله، كما ذكرنا في إعداد النفقة وإعداد القوت وغير ذلك؛ حتى يتفرغ ويجتهد في طاعة الله عز وجل في رمضان، فإن الله عز وجل يكتب له أجره ونوافله، وما سيترتب على أعماله هذه من الثواب قبل أن يدخل عليه شهر رمضان.

    قوله عليه الصلاة والسلام (ويعد المنافق اتباع غفلة الناس واتباع عوراتهم) المعنى: أن المنافق يعلم أن الناس مزدحمون في المساجد فيستغل هذا المنافق اجتهاد عباد الله بالطاعات كالصلاة وغيرها فيسرق مثلاً أحذيتهم أو يسرق شيئاً من المسجد.

    إذاً: انشغال المؤمنين بطاعة الله هو مكسب وغنيمة للمؤمن، يغتنمه المنافق أي: يغتنم المنافق وقت انشغال الصالحين بالعبادة وذلك بتتبع عوراتهم واغتنام غفلتهم.

    هذا الحديث ينبغي أن نستحضره؛ وذلك لأنه مهم جداً، وكم فرحت حين رأيت الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى قد صححه؛ لأن هذا الحديث هو عين ما نقصده الآن من التذكير به.

    1.   

    أهل الخير وأهل الشر بين نداء الفعل والترك

    ما أكثر ما يخبرنا الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله وسلم بكثير من الأحداث التي تقع في هذا الكون وفي هذا الوجود، ونحن لا نراها ولا نسمعها، لكن يكفينا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاطلاع على حقائق هذه العوالم الغيبية.

    مثلاً: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من صباح إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً).

    ومن هذه الأحداث التي تقع في أول ليلة من رمضان، ما أخبرنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين) وهذا يقع ويحدث في أول ليلة من شهر رمضان المبارك، كذلك الذي صح أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة). وعند الإمام ابن خزيمة : (صفدت الشياطين مردة الجن)، يعني: الشياطين هم مردة الجن، بغير واو (مردة).

    نحن نريد أن نقف طويلاً عند هذا الخبر العظيم، وبالذات عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر) فهذا أنسب شاهد لما نحن بصدده من الكلام على انقسام الناس وتباينهم عند استقبال رمضان مصداقاً لقوله تعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل:4].

    في هذا الحديث يبين النبي عليه الصلاة والسلام أن هناك من يبغي الخير في رمضان، وهناك من يبغي اقتراف الشر والصد عن سبيل الله في رمضان.

    منذ بداية هذا الشهر يتكرر النداء العام ويختص بهذا الشهر بالذات: (يا باغي الخير أقبل) أي: أقبل فقد أعددت وخططت وتهيأت، وها هو قد فتح السوق فمن أراد الغنيمة فلينتهز الفرصة يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، أو: صفدت الشياطين مردة الجن) وتصفيد الشياطين في شهر رمضان يحتمل أن يكون المراد به تصفيد الشياطين الذين كانوا يسترقون السمع، ولذلك قال بعض العلماء: ألا تراه قال: مردة الشياطين، يعني: يشير إلى قوله تبارك وتعالى: وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ [الصافات:7]؛ لأن شهر رمضان كان وقتاً لنزول القرآن إلى سماء الدنيا، وكانت الحراسة قد وقعت بالشهب كما قال عز وجل: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [الجن:8]، فزيد التصفيد في شهر رمضان مبالغة في الحفظ، وهذا أفاده الإمام الحليمي والله تعالى أعلم.

    ويحتمل أن يكون المراد من تصفيد الشياطين في زمان وأيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعده أيضاً، والمعنى: أن الشياطين في شهر رمضان لا يخلصون فيه من إفساد الناس إلى ما كانوا يخلصون في غيره؛ لاشتغال المسلمين بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن وسائر العبادات التي تهذب النفس وتزكيها، قال رب العزة جل وعلا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].

    فالحكمة من الصيام هي الوصول إلى تقوى الله تبارك وتعالى، وهذا أمر ملموس وهذا من بركة هذا الشهر حتى على العصاة، فإنك تجد عند ابتداء شهر رمضان همة الناس في إصلاح حالهم مع الله وفي الصلح مع الله تزداد، المحسن يرغب في زيادة الإحسان والمسيء تجده مقبلاً على الخير، وآية ذلك انظر إلى المساجد في أول ليلة من رمضان، بل انظر إلى المساجد في صلاة الفجر في أوائل رمضان، ثم انظر إلى طبيعة أسئلة الناس في أوائل شهر رمضان أو قبل قدومه بأيام تجد أن كل إنسان يراجع نفسه ويقول: أنا أفعل كذا وكذا فهل لي من توبة؟ أنا أريد أن أفعل كذا وكذا ولكن يمنعني كذا وكذا؟

    تجد العصاة يريدون أن يقصروا عن الشر، وأن يتوبوا وأن يصلحوا حالهم مع الله تبارك وتعالى.

    ولذلك كانت مسئولية كل من يتبوأ مقام الدعوة في رمضان كما يصنع التاجر حين يغتنم الفرص حتى يروج سلعته ويفوز بالفوز العظيم ويغتنم الربح الوفير، فكذلك الداعية إلى الله عز وجل وكل مسلم يجب أن يكون داعية إلى الله، فمن علم شيئاً عليه أن يدعو إليه، يقول عليه الصلاة والسلام: (بلغوا عني ولو آية).

    فالواجب الاهتمام واغتنام هذه الفرصة العظيمة؛ فإن الناس يقبلون على الله سبحانه وتعالى أشد الإقبال، الشيطان حينما توعد بني آدم -حسداً وحقداً- أن يفتنهم، وأن يتفنن في إضلالهم، وأقسم في ذلك بعزة الله تبارك وتعالى فإن مما يؤسف له إذا نظرنا إلى واقع الناس عموماً على ظاهر الكرة الأرضية وإلى واقع المسلمين خصوصاً أن إبليس وللأسف الشديد وفى بقسمه وبر بعهده.

    انظر وقارن بين أولياء الرحمن وبين أولياء الشيطان، تجد أن جنود إبليس في أجهزة الإعلام يحتشدون ويتجهزون لحرب الدين وأهله، وكأن الشيطان يبعثهم سرايا حتى يضلوا الناس، ويضيعوا عليهم هذه الفرصة، ويغلقوا عليهم هذه الرحمة الواسعة، وذلك بصدهم عن المساجد وإشغالهم باللهو والفسق والفجور، وصدهم عن طريق الله وقطع الطريق إلى الله عز وجل على عباد الله، وقارن بين الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى هل بروا بالعهد الذي أخذه الله عليهم، كما بر أولياء الشيطان وكما بر إبليس بعهده فتفنن في إضلالهم؟!

    إذاً: ينبغي الاعتناء عناية شديدة باغتنام فرصة إقبال الناس على ربهم تبارك وتعالى، وينبغي تفويت الفرصة على أعداء الدعوة الإسلامية وعلى قطاع الطريق إلى الله، الذين ينتهزون مواسم الخير؛ ليعكروا صف المسلمين، وليمزقوا وحدتهم، وليحدثوا فيهم البلبلة والتشكك، وكأن رمضان صار موسماً للمشكلات من أوله إلى آخره.

    فعلى الإخوة جميعاً أن يهتموا بهذا الأمر، ويجتهدوا في تفويت هذه الفرص على أعداء الدعوة.

    قوله: (ولله عتقاء من النار؛ وذلك كل ليلة) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.

    1.   

    أعمال بغاة الخير خلال شهر رمضان وصفاتهم

    نقف أيضاً وقفة عند هذا المنادي الذي ينادي في الناس، نحن لا نسمعه ولكن الصادق المصدوق أخبرنا فكأننا سمعناه بأنفسنا بل أبلغنا بقوله: (يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر) هذا النداء يحض على التوبة وهي أعظم الخير، ولذلك سنتوقف عندها قليلاً.

    التوبة واستغلال شهر رمضان بسائر الطاعات

    نقول: لا بد من التوبة والندم على ما فات من التفريط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الندم توبة)، والخير الذي يبتغيه عباد الله الصالحون على رأسه الصيام والقيام وقراءة القرآن، والاعتناء بالعشر الأواخر وذلك بتعميرها بالطاعات، والاجتهاد في تحري ليلة القدر، كذلك الصلاة في جماعة، والانشغال بذكر الله وبدعائه تبارك وتعالى، والعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، والاعتكاف في بيوت الله، وتفطير الصائم، وأداء زكاة الفطر وزكاة المال أيضاً كما يفعل كثير من الناس فهم يجعلون رمضان وقت إخراج الزكاة؛ توسعة على إخوانهم المسلمون، كذلك الجهاد في سبيل الله؛ فإن رمضان هو شهر الجهاد، كان فيه غزوة بدر، وكان فيه فتح مكة، وكان فيه موقعة عين جالوت وغير ذلك من المعارك التي انتصر فيها المسلمون في شهر رمضان المبارك.

    كذلك هو شهر الإنفاق والسخاء والجود وإكرام عباد الله تبارك وتعالى، وهو شهر الكف عن أذى الخلق، بل هو شهر حسن الخلق مع الناس، حيث إن الصائم لا يرفث ولا يفسق ولا يسخط، وهو شهر التوبة من كل معصية، ورمضان هو شهر التربية الجماعية للأمة جمعاء، وهذه في الحقيقة ما زالت غصة في حلوق أعداء الإسلام لا يستطيعون القضاء عليها، حتى الشخص الذي أغراه الشيطان بالإفطار إذا خرج إلى الشارع يجد فيه الصائمين، إذا ركب المواصلات الصائمين، في الكلية في المتجر في المصنع يجد الصائمين فهذه التربية الجماعية تجعله يعود إلى عقله ويثوب إلى رشده، على الأقل يستحيي من المجاهرة، إلا أن يكون قد فقد الحياء بالكلية من الله ومن الناس.

    إذاً: رمضان مدرسة وفرصة ليصلح كل إنسان حاله مع الله تبارك وتعالى.

    مثلاً: الذي يدخن هذه السجائر مثلاً، فرمضان أعظم فرصة للتوبة من هذه الخصلة القبيحة وهي التدخين وغيرها مما ينبغي أن نتجنبه.

    المكث بعد صلاة الفجر في المصلى حتى تطلع الشمس

    إن من صور الخير الذي علينا أن نبتغيه ونقبل عليه، ما جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه كان إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس) فالإنسان إن كان قد قصر فيما مضى فإنه يحتاج إلى مجاهدة حتى تنقلب عادة الشر إلى عادة خير، ومن ذلك أن يجاهد نفسه المكث في مصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس؛ لينال الأجر المترتب على ذلك، الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة).

    الحرص على تعمير المساجد بالطاعات

    إن من صور الخير تعمير المساجد والحرص على ذلك، جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتبت له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق) من حرص على تطبيق هذا الحديث تغير حاله، واستقام شأنه، وزاد إيمانه، واقترب من الله عز وجل، وتضاعفت أعماله الصالحة.

    إذاً: الشرط الأول: (من صلى لله) أي: من صلى مخلصاً لله بأن يحافظ على صفة الإخلاص وعدم الرياء.

    قوله: (أربعين يوماً) يعني: يحافظ على الصلوات الخمس لمدة أربعين يوماً متصلة.

    (في جماعة) أي: يحضر صلاة الجماعة.

    الشرط الآخر: (يدرك التكبيرة الأولى) فلابد أن يدرك تكبيرة الإحرام ولا يتخلف عنها.

    قوله: (كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق) براءة من النار؛ باجتهاده في طاعة الله تبارك وتعالى وإقامة الصلاة في جماعة، وبراءة من النفاق؛ لأنه تبرأ تماماً من سلوك المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، أما هذا فيستعد ويتأهب ويحرص على حضور تكبيرة الإحرام.

    العمرة في شهر رمضان

    إن من الخير الذي يجنيه الصالحون في هذا الشهر، والذي من أجله يقول له الملك: يا باغي الخير! أقبل -أي: هلم إلى موسم الخير كله- من ذلك الخير العمرة في رمضان، فمن استطاع أداء العمرة في رمضان فلا يفرط في ذلك. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رجع من حجة الوداع قال لامرأة من الأنصار اسمها أم سنان : ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت: أبو فلان -تعني زوجها- له ناضحان حج على أحدهما والآخر نسقي عليه. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم -على سبيل المواساة لها-: فإذا جاء رمضان فاعتمري؛ فإن عمرة فيه تعدل حجة -وفي لفظ: تعدل حجة معي-) وهذا الحديث متفق عليه. فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) يعني: إذا اعتمرت في رمضان فكأنك وقفت في عرفات مع الرسول صلى الله عليه وسلم وطفت بالبيت.

    الاعتمار في شهر رمضان

    إن من الخير الذي يجتنيه الصالحون في هذا الشهر، والذي من أجله يقول له الملك: (يا باغي الخير أقبل) أي: هلم إلى موسم الخير كله العمرة في رمضان، فمن استطاع أداء العمرة في رمضان فلا يفرط في ذلك.

    فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رجع من حجة الوداع، قال لامرأة من الأنصار اسمها أم سنان : ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت: أبو فلان -يعني: زوجها- له ناضحان حج على أحدهما والآخر نسقي عليه.

    فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم -على سبيل المواساة لها-: فإذا جاء رمضان فاعتمري؛ فإن عمرة فيه تعدل حجة -وفي لفظ-: تعدل حجة معي وهذا الحديث متفق عليه.

    قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) يعني: إذا اعتمرت في رمضان فكأنك وقفت في عرفات مع الرسول صلى الله عليه وسلم وطفت بالبيت.

    1.   

    أعمال بغاة الشر خلال شهر رمضان وصفاتهم

    أما الفريق الآخر: بغاة الشر والسوء والصد عن سبيل الله، فتجد الملك ينادي ويقول: (يا باغي الشر أقصر) كما يقول العوام للشخص حينما يتمادى في الإساءة: أقصر: يعني انته وكف عما تنويه من السوء في هذا الشهر العظيم.

    ترك الصلاة عمداً

    إن بغاة الشر في رمضان للأسف الشديد كثيرون، ومن أسوئهم وأقبحهم هؤلاء الذين يضيعون أعظم فريضة في الإسلام ألا وهي فريضة الصلاة التي هي عمود هذا الدين، وثانية العبادات، وناهية السيئات، يقول عز وجل إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] فنجد من يترك الصلاة بالكلية ويحسب أنه على شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر).

    دعونا من الخلاف بين العلماء هل تارك الصلاة كافر كفراً أكبر يخرج من الملة وأنه إذا مات مصراً على تركها فإنه لا يرث ولا يورث ولا يغسل ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يجوز الدعاء له بالمغفرة، أو أنه مسلم عاص فاسق بفعله؟ أنا أهمس فقط في أذن هذا الذي يترك الصلاة ويستأنس بقول من يقول له: إنك مسلم عاص، هل تقبل أن يكون انتسابك إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى دين محمد صلى الله عليه وسلم، موضع خلاف بين العلماء، شخص يقول عنك: أنت مسلم فاسق شر من الزاني والسارق وشارب الخمر وآكل الربا وقاتل النفس التي حرم الله، أنت شر من هؤلاء كلهم ومعرض لسخط الله وعقوبته في الدنيا والآخرة، وآخر يقول: بل أنت مثل أبي جهل وأبي لهب وفرعون وهامان وقارون وإخوانهم من أعداء الله؟ هل تقبل أن يكون انتسابك إلى الإسلام محل خلاف الناس؟! من يقبل لنفسه هذا الوضع؟!

    يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه القيم (الصلاة وحكم تاركها) في تحقيق هذه المسألة -وهو انتهى إلى تكفير تارك الصلاة كفراً أكبر- يقول رحمه الله تعالى: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة.

    هذه متفق عليه من جميع علماء المسلمين لا خلاف في ذلك أبداً.

    قد تجد أن تارك الصلاة يتمدح بأنه يتعفف عن الزنا، أو أنه إذا اتهم بأنه سارق يشمخ بأنفه ويقول: كيف أكون سارقاً؟! ويغضب بسبب ذلك، أو غير ذلك من الذنوب كقتل النفس أو شرب الخمر أو غير ذلك، وهو لا يدري أن المصيبة التي ابتلي بها أشد من كل هذه المعاصي مجتمعة.

    نعجب لتارك الصلاة كيف يتمتع بنعم الله وبعافية الله وبرزق الله سبحانه وتعالى؟! خير الله إليه نازل وشره إليه صاعد.

    فالإنسان من غير صلاة لا خير فيه، ولا خير في دين لا صلاة فيه.

    وكما قال أمير المؤمنين: (ألا وإن أهم أموركم عندي الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر).

    إذاً: فشهر رمضان فرصة عظيمة جداً لبغاة الخير أن يأمروا بغاة الشر ممن يصرون على ترك الصلاة أن يفتحوا صفحة جديدة، وأن يتوبوا إلى الله عز ويؤدوا الصلاة لله تبارك وتعالى.

    تعمد الإفطار في نهار رمضان بغير عذر

    من صفات بغاة الشر في رمضان وهي من أقبح المظاهر في الحقيقة: تعمد الإفطار بغير عذر.

    وهذه ظاهرة تجسد غربة الإسلام في هذا الزمان، كثير من الناس انعدم عنده الحياء من الله والحياء من المخلوقين، مع أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (استحي من الله كما تستحي رجلاً من صالح قومك) نجد كثيراً من المستهترين يجهرون بالتدخين ويجهرون بالإفطار ولا يبالون، نجد أصحاب المطاعم يفتحون المطاعم في رمضان.

    لو أن كل واحد منا عد نفسه مسئولاً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود علمه، لأغلق هؤلاء متاجرهم، لو أن هذا الفاسق الفاجر الذي يجهر بمبارزة الله سبحانه وتعالى بالطعام أو الشراب في نهار رمضان كلما قابل مسلماً قال له: اتق الله، إذا بليتم فاستتروا، أو ذكر له هذا الحديث الذي نذكره في وعيد متعمد الإفطار، لا شك أنه في المرة الأولى إذا لم يستجب فقد يستجيب في الثانية.

    إذاً: هذا العاصي لو قابله مسلم طائع لله وحذره وأنكر عليه لا شك ستنتهي هذه الظاهرة، إذا دخلت إلى صاحب محل العصير أو المطعم أو كذا وقلت له: اتق الله وارع حرمة هذا الشهر ونصحته لعله ينزجر ويكف عن فسقه ومعاصيه، فلماذا نقصر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى هذا الحد؟ لو أن كل امرأة متبرجة وجدت من يقول لها: اتقي الله واستري نفسك وأنقذيها من النار أو غير ذلك، لانكف الناس عن كثير من المنكرات.

    يزعم بعض الناس ويتسترون وراء فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقولون: لابد أن يكون الإنسان عالماً وأن يكون كذا وكذا، ويذكرون عدة شروط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نقول: هناك قدر من المنكرات لا يجهلها أحد ولا تحتاج إلى فقه مثل: شرب الخمر وتضييع الصلاة والتبرج والربا، كل هذه المعاصي ظاهرة وواضحة، فيجب علينا متى ما استطعنا وفي كل فرصة أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر، ولا نتخذ فقه وآداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شماعة نعلق عليها كسلنا وتراخينا في أداء واجبنا نحو ربنا ونحو ديننا.

    فكل إنسان مسئول ينبغي أن يبلغ بقدر استطاعته، وينكر على من يجهر بالمعاصي سواء في رمضان أو في غير رمضان.

    عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما أنا نائم أتاني رجلان فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواد الجبل إذا بأصوات شديدة قلت: ما هذه الأصوات؟ قالا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلقا بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قالا: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم).

    فإذا تأملنا هذا الحديث فإن فيه وعيداً شديداً لمن يتعمد الإفطار في شهر رمضان.

    قوله عليه الصلاة والسلام: (بينما أنا نائم أتاني رجلان) معلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، فهذا صورة من صور الوحي.

    قوله: (فأخذا بضبعي) يعني: أخذا بعضدي.

    قوله: (فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد. فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواد الجبل إذا بأصوات شديدة قلت: ما هذه الأصوات؟ قالا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلقا بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً -وهي جوانب الفم- قال: قلت: من هؤلاء؟ قالا: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم).

    تأملوا جيداً قوله: (قبل تحلة صومهم) يعني: هؤلاء يصومون لكنهم يفطرون قبل غروب الشمس، فإذا كان هذا عذاب من يتعجل الإفطار قبل أوانه قبل تحلة الصوم، فكيف بمن لا يصومه كله؟! كيف بمن يفطر اليوم بل الشهر كله ولا حظ له في الصيام؟!

    أما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من أفطر يوماً من رمضان متعمداً لا يجزئه صيام شهر وإن صامه) فهذا حديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    أيضاً ثبت في الحديث الصحيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث أحلف عليهن -فنذكر الشاهد من الحديث وهو قوله-: لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة).

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من أفطر عامداً بغير عذر كان تفويته له من الكبائر.

    وحكي عن الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى أنه قال: وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان بلا عذر أنه شر من الزاني ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه ويظنون به الزندقة والإخلال.

    وأحسن بعض إخواننا حيث كانوا يضمون هذه العبارة إلى عبارة الحافظ ابن القيم ويكتبونها بخط جميل على أوراق كبيرة مكبرة ويلصقونها ويعلقونها في المداخل والمخارج والأسواق وعند المحلات؛ زجراً للناس عن هاتين المعصيتين: تعمد الإفطار، وترك الصلاة المكتوبة.

    فيا حبذا لو أحيا الإخوة هذه السنة وأعاد تذكير الناس بهذه العبارات، لا تعلقوها داخل المساجد لأن هذا تحصيل حاصل، الذي يأتي للمسجد يصوم ويصلي؛ لأن الذي يصلي لا يمكن أن يتصور أنه لا يصوم؛ لأن من حافظ على الصلاة سهلت عليه كل العبادات الأخرى، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع.

    فيصعب أن تجد شخصاً يحافظ على الصلاة ثم لا يصوم، لكن قد تجد من يحرص على الصيام ولكنه ولا حول ولا قوة إلا بالله لا يصلي.

    1.   

    حكم منع إخراج الزكاة الواجبة وما يترتب على المنع

    جاء في الحديث السابق أن أسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة، وتكلمنا عن تارك الصلاة ومتعمد الإفطار في رمضان، والآن نمر مروراً عابراً حول منع الزكاة.

    إن كثيراً من الناس يخرجون زكاتهم في هذا الشهر المبارك، فننتهز الفرصة ونذكر بخطأ يفعله كثير من الناس في قضية إخراج الزكاة، بعض الناس يتصور أن إخراج الزكاة هي زكاة الفطر فقط، وإذا قلت له: إن عليك زكاة في مالك بشروط وهي كذا وكذا، يقول لك: أنا أتصدق بين وقت وآخر وأعطي الفقراء والمساكين وأجود عليهم وأنفق عليهم، ويظن أنه بذلك يكون قد أدى الزكاة، كلا، أداء الزكاة عبادة من العبادات لابد فيها من نية إخراج فريضة الزكاة.

    ولابد من الالتزام بالمقدار المحدد لكل نوع من الأنواع الذي تجب فيه الزكاة، سواء في ذلك زكاة الذهب والفضة، وسواء في ذلك زكاة الحلي والأواني والصحف الذهبية والفضية، وبالذات ما اتخذ كنزاً للاقتناء، أو زكاة الثروة التجارية والزراعية، أو زكاة المستغلات كالعمارات والمصانع ونحو ذلك، أو زكاة الثروة الحيوانية كالإبل والبقر والغنم.. وما إلى ذلك.

    فكل نوع له مقدار محدد من الزكوات ينبغي الالتزام به، أما العشوائية في إخراج الزكاة بأن تقول: أنا بين وقت وآخر أتصدق على الفقراء بما ييسر الله فهذا لا يصح، لابد أن تضبط الزكاة ضبطاً دقيقاً في مواعيد محددة وبمقدار محدد، وتلتزم بذلك، وإلا فقد ورد الترهيب الشديد لمنع الزكاة.

    يقول عز وجل: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34] * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:35]، ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث طويل: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) إلى آخر الحديث.

    وورد ضمن حديث طويل قال: (ولاوي الصدقة ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم).

    قوله: (لاوي الصدقة) يعني: المماطل في أداء الزكاة، فإنه ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    إذا كان لك مال استوفى شروط الزكاة كاملة فإن لله فيه حقاً، قال عز وجل: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج:24] * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:25] فهذا المال ليس ملكاً لك، بل حق الله عز وجل، فإذا لم تؤد الزكاة وبخلت بها فالله تبارك وتعالى قادر على أن يعاقبك أشد العقوبة.

    يقول عليه الصلاة والسلام: (مانع الزكاة يوم القيامة في النار)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين) جمع سنة وهي الجدب والقحط وعدم نزول المطر، وقال في رواية أخرى: (ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر) وقال عليه الصلاة والسلام: (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء -المطر-، ولولا البهائم لم يمطروا).

    فمنع الزكاة معصية خطيرة جداً، ويخشى على الشخص الذي يمنع الزكاة أن تمحق بركة ماله؛ لكفره بنعمة الله، هذا المال الذي فيه حق الفقراء والمساكين من الزكاة ليس ملكك، إذا أتى أوانه فهو حق هؤلاء الفقراء لا ينبغي لك تأخيره أبداً، بل لا بد أن تعجل بأدائه إلى أصحابه.

    كان هناك رجل من الناس الطيبين هنا في الإسكندرية، وهذا الرجل كان يتمتع بالصحة والعافية وفي خير حال، وقبل أن ينام مباشرة أنطقه الله تبارك وتعالى فقال لزوجته: هذا المال -وأشار إلى مبلغ معين من المال- هو الزكاة التي ستجب علي بعد يومين أو ثلاثة، فإذا أتى وقت الزكاة فأخرجوها، وحذار أن يقربها أحد منكم فإن هذا ليس مالنا، ونام الرجل على وسادته ولم يقم من نومه، بل أفضى إلى ربه تبارك وتعالى في نفس تلك الليلة.

    فهذه إن شاء الله من علامات حسن الخاتمة.

    كذلك هناك قصة حكاها بعض الشيوخ وهي: أن أحد القضاة الشرعيين حدثه: أن رجلاً جاءه في الحجاز يشتكي أن صاعقة نزلت على غنمه فأتلفت منها أكثر من سبعمائة رأس من الغنم، وأتى إلى المحكمة وطلب تسجيل هذه الجائحة أو الواقعة؛ كي يعوض فيما بعد عن خسائره، أخذ هذا الرجل يتردد على المحكمة حتى يثبت هذه المصيبة التي وقعت به، ويصرف له تعويض عن هذه الخسارة.

    ففي يوم من الأيام قال له القاضي ذات مرة: لعلك لا تخرج زكاة هذه الأغنام؟ قال القاضي: فرأيت الرجل لما قلت له ذلك قد تغير وظهرت عليه علامة التأثر مما قلت، ثم خرج من عندي ولم يعد بعدها إلى المطالبة بالتعويض؛ لأن هذه الكلمة وقعت في قلب هذا الرجل، وعلم أن ما أصابه من الصاعقة التي نزلت من السماء وأتلفت سبعمائة من رءوس الأغنام؛ إنما هي بسبب عدم إخراج الزكاة، فزهد في هذا التعويض الذي كان يسعى إليه؛ لأن هذا حكم عادل من الله تبارك وتعالى.

    إذاً: إذا بخلت ولم تخرج زكاة المال فإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يتلف عليك كل هذا المال من أوله إلى آخره، ويبتليك بالمصائب والبلايا.

    1.   

    الآثار المترتبة على إخراج الزكاة الواجبة

    إن الزكاة تنمية وبركة وتطهير للمال كله، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره) وقال في حديث آخر: (داووا مرضاكم بالصدقة) وقال عليه الصلاة والسلام: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) وقال عليه الصلاة والسلام: (ظل المؤمن يوم القيامة صدقته) وقال عليه الصلاة والسلام: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) قوله: (صنائع المعروف) أي: الإحسان إلى الناس.

    قوله: (تقي مصارع السوء) كما ذكرنا أنموذجاً من شؤم عدم إخراج الزكاة نذكر أنموذجاً من بركة إخراج الزكاة على صاحبها.

    جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بينا رجل في فلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان -الحديقة: هي البستان إذا كان عليه حائط- فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة -والحرة: هي الأرض التي بها حجارة سود- فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله -والشرجة: هي مسيل الماء إلى الأرض السهلة- فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته -وهي المجرفة من الحديد- فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان للاسم الذي سمع من السحابة. فقال له: يا عبد الله! لم سألتني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان باسمك فما تصنع فيها؟) يعني: ما الذي تصنعه حتى استحققت به أن ينادي الملك السحابة ويقول لها: اسق، أو يقال للملك: اسق حديقة فلان، فأتت السحابة وأمطرت الماء في حديقتك أنت بالذات.

    ثم قال: (فما تصنع فيها؟! قال: أما إذ قلت هذا: فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثه) هذا الحديث رواه مسلم .

    1.   

    دعوة إلى الإقبال على الطاعات والابتعاد عن المعاصي والمنكرات

    على أي الأحوال هذه من وجوه الخير فمن كان باغياً للخير فليقبل على عملها، وأما باغي الشر الذي يضيع الصلاة أو الصيام أو الزكاة فليقصر، كما أُمر بذلك في بداية شهر رمضان المبارك.

    فعلى الإنسان أن يعقد النية والعزم على أن يستقبل هذا الشهر مقصراً عن المعاصي متخلياً عنها، متحلياً بالطاعات ومكثراً منها، فيتجنب كل ما يفتنه في دينه كالاختلاط، وكقراءة المجلات الخليعة والجرائد المؤذية.

    كذلك إطلاق البصر من الشر، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم زنا العين: (والعين تزني وزناها النظر) فالنظر إلى ما حرم الله مثل: الأفلام الخليعة والمتبرجات والمذيعات كل هذا إفساد لثوابك وصد لك عن سبيل الله تبارك وتعالى، وتذكر حينما ترى هؤلاء الشياطين قول الله تبارك وتعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه:15] * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه:16]، فأولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28].

    وتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها أو يتقحمن في هذه النار، فجعل الرجل يذبهن بيده -أي: يطرد الفراشات التي يجذبها الضوء حتى لا تحترق- يقول عليه الصلاة والسلام: وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي) عليه الصلاة والسلام، كيف وقد قال الله عنه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] صلى الله عليه وآله وسلم.

    فالله عز وجل يريد أن يرحمنا ويريد أن يتوب علينا، وهؤلاء يريدون أن يهلكونا ويفسدوا علينا ديننا ويقطعوا الطريق إلى ربنا عز وجل.

    1.   

    طرق معالجة ظاهرة تضييع صلاة الجماعة في رمضان وتضييع الأوقات

    مما يؤسف له أن في رمضان الذي هو موسم الطاعات نجد ظاهرة مؤسفة جداً، وهي أن الأذان لم يصبح اسمه أذاناً بل صار بدله المدفع، كأن هذا المدفع هو ساعة الصفر لكي يبدأ الهجوم لاكتساح ما لذ وطاب من الطعام والشراب، مما جعلهم لا يلتفتون إلى الأذان، المؤذن يقول: حي على الصلاة.. حي على الفلاح، هلموا إلى طاعة الله وإلى تعمير بيت الله فإذا بهم في صلاة المغرب في كثير من المساجد لا يصلي إلا عدد أو نفر قليل جداً من المصلين؛ وذلك بسبب أنهم يجلسون على الموائد ويأكلون ويشربون ثم يضيعون صلاة الجماعة.

    إذا كان رمضان وهو موسم الخير ومضاعفة الأعمال الصالحة، يحصل منا فيه هذا الأمر السيئ والقبيح، وربما يكون سبب هذه الفتنة عند كثير من الناس أن شياطين الإنس عبر (التلفزيون) يجتذبون الناس مباشرة عقب ما يسمى بالمدفع ويفتنوهم عن دينهم بالفوازير وباللهو وبالعبث والفجور، حتى أن بعضهم قد يجمع المغرب مع العشاء جمع تأخير، أو يسهر إلى ما قبل صلاة الفجر أمام (التلفزيون) أين ستكون صلاة الفجر في جدوله إذا كان يمكث من المغرب حتى الساعة السادسة صباحاً؟! هذا إن كان يصلي صلاة الفجر.

    إذاً: هذا إتلاف وإفساد للدين، فطهروا بيوتكم من هذا الجهاز الخبيث الذي يصدكم عن طاعة ربكم تبارك وتعالى، ويفسد أخلاقكم وأديانكم، فهو شؤم في شؤم.

    كذلك إذا أذن لصلاة المغرب فيحبذ أن يفطر الصائم على شيء خفيف جداً على تمر أو شيء يسير، ويا حبذا لو توافر الإفطار في المسجد حتى ينال الذين يحضرون الإفطار أجر تفطير الصائم، ومن يفطر في بيته يكون أمامه مهلة عشر دقائق بين الأذان والإقامة، ثم تقام الصلاة بتمهل بعد إذهاب ثورة الجوع التي قد تذهب بألباب بعض الناس حتى يصلوا صلاة المغرب باطمئنان؛ لأن أكثر الناس يصلون صلاة المغرب بسرعة ينقرونها نقراً ولا يقيمونها.

    وكون وقت الإفطار لمدة عشر دقائق بين الأذان والإقامة ثم تقام الصلاة بالميكرفونات؛ حتى يحضر الناس من البيوت الذين لم يأتوا بعد.

    كذلك علينا أن نقوم بحملة كبيرة من أجل دعوة الناس إلى تعمير المسجد بصلاة المغرب وغيرها من الصلوات، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] فظاهرة تضييع صلاة الجماعة في المغرب بالذات منتشرة، فعلى الإخوة أن يتعاونوا في ذلك.

    كذلك الإفراط في السهر يؤدي إلى تضييع صلاة الفجر، وهذا أيضاً من الشر، كذلك قول الزور والعمل به، هذا مما يفعله بغاة الشر، والمجاهرة بالفطر وقد ذكرناه، وأكل الربا، واللهو، والنميمة، والكذب إلى غير ذلك مما حرم الله تبارك وتعالى.

    1.   

    كيفية استقبال شهر رمضان

    إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما دخل رمضان خطب في أصحابه رضي الله عنه منبهاً إياهم إلى هذا الموسم المبارك، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاكم شهر رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم) وإنما كان ذلك في أول ليلة من شهر رمضان.

    أي: إذا ظهرت الرؤية وبان لنا أن هذه ليلة هي أول ليلة من شهر رمضان فينبغي لمن كان من بغاة الخير ويريد أن يصوم رمضان كله إيماناً واحتساباً حتى يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تقدم، فحذار أن تفوته قيام الليلة الأولى من رمضان، أغلب الناس يعمرون المساجد بصلاة القيام غالباً في اليوم الثاني من رمضان.

    إذا بانت الرؤية أن غداً رمضان قد تكون متأخرة، ربما أحياناً بعد صلاة العشاء، فبعض الناس لا يسرعون إلى المساجد لصلاة القيام ولا يصلونها أيضاً في البيوت في الغالب فيفوتون على أنفسهم هذا الثواب العظيم.

    إذاً: على الإخوة أيضاً أن ينبهوا الناس إذا ظهرت الرؤية وثبت هلال رمضان حتى يفزعوا إلى المسجد ويدركوا صلاة القيام؛ حتى لا يفوتهم هذا الفضل العظيم.

    1.   

    ضرورة اغتنام التوبة والاستغفار والإنابة خلال شهر رمضان وغيره

    إن من أعظم الوظائف التي سنتكلم عنها باختصار إن شاء الله: هي وظيفة التوبة إلى الله تبارك وتعالى، لأن شهر رمضان موسم التوبة والاستغفار، وموسم الصلح مع الله عز وجل.

    والاستغفار يكون في افتتاح كثير من العبادات وخواتيمها: ففي استفتاح الصلاة تقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) هذا استغفار.

    كذلك في خطبة الحاجة في أول الكلام: (إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره).

    كذلك في خواتيم الأعمال كما في كفارة المجلس: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).

    وفي خاتمة عمره الشريف صلى الله عليه وسلم أمره الله تبارك وتعالى به فقال: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:2] * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3].

    وفي خواتيم أفعال الحج: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ [البقرة:199].

    1.   

    إحسان الظن بالله والتوبة إليه والطمع في رحمته

    إن وظيفة العمر كله هي وظيفة التوبة والإنابة إلى الله تبارك وتعالى، ولن يعزم العبد على التوبة والاستقامة إلا إذا كان يحسن الظن بربه تبارك وتعالى، فيجب أن نقبل على هذا الشهر ونحن نحسن الظن بالله عز وجل في أن من عاد إليه وتاب إليه تاب الله عليه، ومن استغفره غفر له تبارك وتعالى.

    فمهما بلغ الإنسان من التقصير في طاعة الله عز وجل فلابد أن يغتنم هذا الموسم العظيم، وأن يطمع في رحمة الله طمعاً لا مزيد عليه، فإن خزائنه لا تنفد.

    يقول عز وجل إِِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    ضرب بعض العلماء مثلاً في حسن الظن بالله تبارك وتعالى وفي رحمة الله عز وجل لعباده فقال: أرأيت لو أن ولداً كان يعيش في كنف أبيه يغذيه بأطيب الطعام والشراب، ويلبسه أحسن الثياب، ويربيه أحسن التربية، ويعطيه النفقة، وهو القائم بمصالحه كلها، فبعثه أبوه يوماً في حاجة، فخرج عليه عدو في الطريق فأسره وكتفه وشد وثاقه، ثم ذهب به هذا العدو إلى بلاد الأعداء، وصار يعامله بعكس ما كان يعامله به أبوه، فكان كلما تذكر تربية أبيه وإحسانه إليه المرة بعد المرة تهيجت من قلبه لواعج الحسرات، وتذكر ما كان فيه من النعيم، فبينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد ذبحه في نهاية المطاف، إذ حانت منه التفاتة نحو ديار أبيه، فرأى أباه منه قريباً، فسعى إليه وألقى بنفسه عليه وانطرح بين يديه يستغيث: يا أبتاه! يا أبتاه! يا أبتاه!

    انظر إلى الولد وما هو فيه، والدموع تسيل على خديه، وهو قد اعتنق أباه والتزمه، وعدوه يشتد في طلبه، حتى وقف على رأسه وهو ملتزم بوالده ممسك به، هل تقول: إن والده سيسلمه في هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبينه؟!

    فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده ومن الوالدة بولدها، إذا فر عبد إليه سبحانه وهرب من عدوه إليه وألقى بنفسه طريحاً ببابه، يمرغ خده في ثرى أعتابه، باكياً بين يديه، يقول: يا رب! ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك، ولا مؤوي له سواك، ولا معين له سواك، مسكينك وفقيرك وسائلك، أنت معاذه وبك ملاذه، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.

    كان أحد الصالحين يسير في بعض الطرقات فرأى باباً قد فتح، وخرج منه صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده، حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً، أين يذهب؟ فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، ولم يجد من يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مغلقاً فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام ودموعه على خديه، فخرجت أمه بعد حين فلما رأته على تلك الحال لن تملك أن رمت بنفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدي أين ذهبت عني؟! من يؤويك سواي؟! ألم أقل لك: لا تخالفني ولا تحملني على عقوبتك بخلاف ما جبلني الله عليه من الرحمة بك والشفقة عليك، ثم أخذته ودخلت.

    بل نتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أظلت امرأة من السبي ولداً لها، فلما رأته ألقت بنفسها عليه وأخذت تضمه إليها وتبكي، ثم قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فقالوا: لا، فقال عليه الصلاة والسلام: لله أرحم بعباده من هذه بولدها).

    فالله تبارك وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويرحب بالعائدين إليه، فمن تاب إليه تاب عليه.

    فعلينا أن نستحضر هذا المعنى جيداً ونحن نستقبل هذا الشهر، ولا تصرفنا المعاصي والشهوات عن الطمع في رحمة الله تبارك وتعالى؛ فإن خزائنه لا تنفد.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وسقفه عرش الرحمن) معنى هذا: أن يكون عندنا علو في الهمة، فإذا طلبت لا تستعظم على الله شيئاً اطلب ما شئت من الله، إذا سألت الله فاسأل الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأعظم وأشرف مقام في الجنة.

    1.   

    آيات الرجاء في القرآن

    يقول الله تبارك وتعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    اختلف العلماء في أي آية في القرآن أرجى، حتى يتعلق بها العصاة ويأملوا في رحمة ويطمعوا في كرم الله عز وجل.

    نشير إشارات سريعة لاختلاف العلماء في هذا الأمر.

    قال بعض العلماء: إنها قوله تبارك وتعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32] فقالوا: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العين؛ لأن الواو تشمل هؤلاء جميعاً، فهذه أرجى آية في القرآن.

    ومنهم من قال: إن أرجى آية في القرآن قوله تبارك وتعالى: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:22]، قال: لأن هذه الآية نزلت في مسطح لما خاض في حديث الإفك، فمنع أبو بكر عنه النفقة، فدلت هذه الآية على أن معصيته بقذف أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها لم تحبط هجرته في سبيل الله، فقالوا هذه أيضاً من آيات الرجاء.

    ومن العلماء من قال: إن أرجى آية في القرآن هي آية الدين وهي أطول آية في القرآن؛ وذلك لأن الله عز وجل أنزل فيها هذه الأحكام الجامعة العظيمة من أجل حفظ حق المسلم ورعاية مصلحته، فدل على أن عناية الله ورحمته بعبده في الآخرة أوسع وأعظم من هذا بكثير.

    وقال بعضهم: أرجى آية قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5]؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام سيشفع فيمن يستحق الشفاعة ويرضيه ربه تبارك وتعالى برحمتهم وإخراجهم من النار.

    1.   

    العزم الصادق على التوبة

    يقول عزّ وجل في الحديث القدسي: (من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئاً)، وقال عز وجل: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).

    فالضمان الأكيد للتوبة الصادقة هي أن تستوفي الشروط الصحيحة، يقول الله عز وجل: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] هذا أمر وظاهر الأمر الوجوب فيجب التوبة من كل ذنب، ليس هذا فحسب، بل قال بعض العلماء: تسويف التوبة ذنب يجب التوبة منه.

    إن من رحمة الله عليك أن سد عليك باب اليأس وقرنه بالكفر يقول عز وجل: إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:87] فهو سبحانه يسد عليك باب اللجوء إلى غيره ويفتح لك باب التوبة، ويأمرك بتعجيل التوبة حتى يعجل رحمته إياك.

    ويقول عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11].

    ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8].

    ويقول عز وجل: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر:49] * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:50].

    1.   

    شروط التوبة

    الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب فوراً بلا تأجيل لله، بحيث يكون الانكفاف عن المعصية لله ولوجه الله تبارك وتعالى؛ لأن بعض الناس قد يترك الذنب لعدم القدرة عليه، أو يتركه خوفاً من كلام الناس، أو خوفاً على سمعته وجاهه، أو حرصاً على وظيفة، أو يترك الذنوب بنية حفظ صحته وقوته، أو خشية من الأمراض لا لوجه الله، فهذه لا تسمى توبة ولا يثاب عليها، أو يتركها لأنه صار مفلساً وهكذا، أو يترك مثلاً أخذ الرشوة يخشى أن يكون هذا الشخص الذي سيعطيه الرشوة من قسم مكافحة الكسب غير المشروع مثلاً.

    فهو لا يتركها لأنها حرام ولا يتركها لوجه الله لكن يخشى أن يكون هذا مسلطاً عليه.

    إذاً: فأول هذه الشروط: الإقلاع عن الذنب فوراً لله لا لسبب آخر.

    الشرط الثاني: الندم على ما فات، لابد أن يندم على ما مضى، أما أن يتذكر ما مضى من المعاصي بفرح وسرور وبدون أي شائبة من الندم فليست هذه توبة.

    فالندم توبة، فالعاجز المتمني بالقول مثل الفاعل، كما جاء في الحديث: الرجل الذي يقول: لو أن لي مثل مال فلان لعملت مثل ما يعمل فلان، فقال عليه الصلاة والسلام: فهما في الوزر سواء.

    الشرط الثالث: العزم على عدم العودة، يعزم عزماً أكيداً على ألا يعود.

    الشرط الرابع: إرجاع حقوق من ظلمهم، أو طلب البراءة منهم، يقول عليه الصلاة والسلام: من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم؛ قبل ألا يكون ثم دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات.

    الشرط الخامس: أن تكون التوبة قبل حدوث الموت والغرغرة، يقول عليه الصلاة والسلام: من تاب إلى الله قبل أن يغرغر قبل الله منه.

    وقال عليه الصلاة والسلام: من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ومن ثم استحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة التوبة، فصح فيها الحديث: ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم ويتطهر ويحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين -في بعض الروايات-: لا يسهو فيهما -وفي رواية أخرى-: لا يحدث فيهما نفسه -وفي لفظ آخر-: يحسن فيهما الذكر والخشوع، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له -وفي رواية-: إلا وجبت له الجنة، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية: (( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ))[آل عمران:].

    وهناك حديث أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يناسب المقام يقول فيه عليه الصلاة والسلام: أنه جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه وهو يدعم على عصاً حتى قام بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها فلم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة -يعني: لا صغيرة ولا كبيرة- إلا أتاها -وفي رواية-: إلا اقتطعها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم -يعني: لأهلكتهم- فهل لذلك من توبة؟ قال: هل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك خيرات كلهن فقال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: نعم. قال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، فلم يزل يكبر حتى توارى فرحاً بهذه البشرى منه صلى الله عليه وآله وسلم.

    فلنبشر جميعاً بتوبة الله عز وجل إذا عزمنا على ذلك والتزمنا بشروط هذه التوبة، ونهيئ أنفسنا ونخطط من الآن بكل ما أمكننا، كيف نستقبل هذا الشهر الكريم؟! كيف نعمره بطاعة الله؟! كيف نصل إلى مرحلة بحيث إذا انتهى رمضان وأخبرت أنك ستموت غداً، تقول: ما بقي شيء أستطيع أن أعمله، قد فعلت كل ما في وسعي؟!

    بعدما يخرج رمضان وينقضي يذهب كل التعب والنصب والسهر والعطش والجوع ويبقى الأجر، أما أصحاب اللهو فيذهب اللهو ويثبت لهم الوزر والعياذ بالله.

    فالمقصود أننا ينبغي أن نخطط لهذا وأن نستعد له ونعد له العدة؛ حتى لا نفعل كما يفعل بعض الناس حين يندمون على فوات الفرصة ويقولون: إن شاء الله السنة القادمة سيكون رمضان شهر طاعة وعبادة بالنسبة لي سأفعل كذا وكذا ويسوف.

    نقول: الأماني هي بضاعة المفاليس والحمقى، لكن هنا نحن الآن على وشك الدخول في شهر رمضان، افترض أن الأيام التي مضت كانت رمضان وكنت مقصراً فيها، فانو من الآن أنه إذا دخل رمضان بعد أيام قلائل فسوف تستعد له أتم الاستعداد.

    بقيت كثير من التنبيهات المهمة عن رمضان شهر الخيرات وموسم الطاعات الكثيرة كما تعلمون، لكن هذه بعضها فقط، فأرجو أن تكون هناك فرصة أخرى إن شاء الله نتكلم فيها عما بقي من الآداب والتنبيهات التي نحتاج إليها دائماً بين يدي رمضان.

    اللهم أقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وبأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.