إسلام ويب

وقفات مع الحج والحجاجللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فريضة الحج من أعظم الفرائض التي تجسد معنى الوحدة والألفة والأخوة بين المسلمين، وكذلك يتجسد فيها معنى الصبر والرفق والرحمة، لأنها فريضة عملية أكثر من كونها نظرية، ومن هنا فعلى المسلم أن يعلم حقيقة هذه الفريضة وما يجب عليه فيها، وأن يعلم الأحكام المتعلقة بها حتى يكون حجه مبروراً مقبولاً بإذنه سبحانه وتعالى.

    1.   

    بين يدي الموضوع

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    وبعد:

    فهذا الدرس بعنوان (وقفات مع الحج والحجاج) وهذه الوقفات مختلفة، وليس بالضرورة أن تكون ضمن موضوع واحد، غير أنها كلها لها صلة وسبب بالحج، وهي عشر وقفات:

    أولها: فضائل ووصايا.

    الثانية: موجز أعمال الحج.

    الثالثة: منهجية التربية العملية.

    الرابعة: المطوفون والخدمات.

    الخامسة: التوعية والدعوة.

    السادسة: الأولويات والمهمات.

    السابعة: دراسات ومشروعات.

    الثامنة: قصص وأخبار.

    التاسعة: فتاوى مهمة.

    العاشرة: قصائد وأشعار.

    فضائل الحج العامة والخاصة

    وأول هذه الوقفات: فضائل ووصايا.

    ومعلوم أن الحق سبحانه وتعالى رغب عباده في الفرائض والشعائر والواجبات والتكليفات بالأجر والفضل والمثوبة؛ لأن النفس بطبيعتها تحتاج إلى الترغيب لترتبط بالخير، وإلى الترهيب لتنفر من الشر.

    والفضائل في هذا الركن من أركان الإسلام كثيرة جداً، ونعرج فيها على سائر ما في الحج من المناسك والشعائر، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (استمتعوا من هذا البيت، فإنه قد هدم مرتين ويرفع في الثالثة) وهذا تهييج وتشجيع على زيارة البيت وقصده للعمرة وللحج، وأيضاً حث النبي عليه الصلاة والسلام على فريضة الحج لما فيها من الأجر والفضل بقوله صلى الله عليه وسلم: (عجلوا الخروج إلى مكة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له من مرض أو حاجة).

    وأيضاً في حديث قدسي آخر يقول فيه الرسول عليه الصلاة والسلام عن رب العزة والجلال: (إن عبداً صححت له جسمه، ووسعت عليه في معيشته تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد علي لمحروم) أي أنه يحرم نفسه الأجر والمثوبة، كما يحرم نفسه الفائدة والمنفعة الإيمانية الروحية التي تعود عليه من هذه الفريضة العظيمة، وقد ثبت أن الحج من أفضل الأعمال؛ وذلك لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (أفضل الأعمال الإيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجة مبرورة، وتفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها) وقد وصف النبي عليه الصلاة والسلام الحج بأنه جهاد، ومعلوم أن الجهاد عظيم في دين الله سبحانه وتعالى، وأنه من أعظم الأعمال مثوبة؛ إذ فيه بذل النفس والروح مع المال لله سبحانه وتعالى.

    ولما شابه الحج الجهاد في بعض معانيه -إذ هو بذل للجهد وراحة البدن، كما أنه بذل للمال والنفقة، كما أنه سعي في الطاعة والاستجابة رغم المشقة والكراهة التي ربما تكون في نفس الإنسان- قال النبي عليه الصلاة والسلام مخاطباً بعض أصحابه: (ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه؟ ثم قال عليه الصلاة والسلام: حج البيت). أي: الحج هو الجهاد الذي لا شوكة فيه. وقال في حديث آخر: (الجهاد حج كل ضعيف).

    ووصف الحج بأنه أحسن الجهاد حينما قال عليه الصلاة والسلام: (لكن أحسن الجهاد وأجمله حج مبرور) وقال أيضاً: (نعم الجهاد الحج).

    ثم أعظم فضيلة في هذا الحج غفران الذنوب، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإن متابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد).

    وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه).

    ومن فضائل الحج أن الحاج ضيف على الله سبحانه وتعالى، وحق على الضيف أن يكرمه مضيفه، والله سبحانه تعالى أعظم وأكرم وأجود من يمنح ضيوفه ووفده، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم).

    وذلك أن الحاج والغازي في سبيل الله سبحانه وتعالى حق على الله سبحانه وتعالى أن يعطيه سؤاله وينجز له وعده.

    وأيضاً من الفضائل في الحج المسير إلى الحج، ذكر النبي عليه الصلاة والسلام فضيلته وأجره ومثوبته بقوله: (ما ترفع إبل الحاج رجلاً ولا تضع يداً إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه سيئة، أو رفعه بها درجة).

    وبعض مناسك الحج ورد التفضيل لها على وجه الخصوص، فالوقوف في يوم عرفة ورد فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الموقف الملائكة، ويقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثاً من كل فج عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني، فكيف لو رأوني؟! فلو كان عليك مثل رمل عالج أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك) كما ورد بهذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وفي حديث عائشة : (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة).

    والرمي وردت له فضيلة، كما جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك) أي: مدخور لك أجره وثوابه عند الله سبحانه وتعالى.

    كذلك الحلق، فحينما يحلق الحاج شعره متبذلاً ومتجرداً من الزينة لله سبحانه وتعالى فله فضيلة وأجر أخبر بها المصطفى عليه الصلاة والسلام بقوله: (وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة).

    أما التلبية فقال فيها عليه الصلاة والسلام: (ما أهل مهل قط، ولا كبر مكبر قط إلا بشر بالجنة).

    والطواف قال فيه صلى الله عليه وسلم: (من طاف بالبيت سبعاً وصلى ركعتين كان كعتق رقبة).

    والأحاديث -أيضاً- أكثر من ذلك وأوسع، وهذه الأحاديث كلها من صحيح الجامع الصغير، أي أن الشيخ الألباني قد صححها، وهي بروايات مختلفة، فبعضها مختلف في ألفاظه عن البعض الآخر، والذي يتأمل يرى أن الحج ربما يكون من أعظم أو أكثر الفرائض ذكراً للمثوبة والأجر، وذلك لكون الحج فريضة في العمر مرة واحدة، وقد لا يدركه كثير من الناس إلا هذه المرة، بينما الصلاة كل يوم، والزكاة في كل عام، لكن الحج واجب في العمر مرة واحدة، وغالباً ما يقع للناس إلا مرة واحدة فقط، فلذا كان الأجر المذكور فيه عظيماً بصورة يظهر فيها أهميته، وفي نفس الوقت أثره وفائدته، ففيه غفران الذنوب، وفيه عود المرء كيوم ولدته أمه، وفيه مشابهته بالجهاد، وفيه من المعاني التي ذكرنا شيء كثير؛ إذ فيه كثير مما يتفرق في عبادات أخرى من الشعائر، سواء كانت فرائضاً أو سنناً.

    1.   

    وصايا مهمة للعازم على الحج

    هنا جملة من الوصايا للذي يعزم على الحج نلخصها في الآتي:

    أولاً: أن يتوب العازم على الحج إلى الله سبحانه وتعالى توبة نصوحاً يقدمها بين يدي إقباله على الله سبحانه وتعالى وشروعه في هذه الفريضة التي مبناها الأول على الاستجابة والطاعة المطلقة لأمر الله، والسعي الدائب لنيل رضوان الله سبحانه وتعالى.

    ثم تحقيق الإخلاص وتحرير النية لله سبحانه وتعالى؛ لأن الحج في مغزاه الأول ومعناه الأعظم تحرير القصد لله سبحانه وتعالى.

    ومن ذلك أيضاً أنه ينبغي له عند تحقيق هذا المعنى أن يتحرى النفقة الحلال ليكون حجه أدعى وأجدر بالقبول عند الله سبحانه وتعالى.

    إذا حججت بمال أصله سحت فما حججت ولكن حجت العير

    لا يقبل الله إلا كل صالحة ما كل حج لبيت الله مبرور

    ومما ينبغي للحاج أن يتهيأ به أن يتعلم المناسك، وأن يأخذ من فقهها ما يصح به حجه، وهو في حقه فرض عين؛ لأن على الإنسان أن يتعلم ما تصح به عبادته، كما لو حاز نصاب الزكاة فحينئذ يجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة وفرضها ومشروعيتها وما يجب في ماله لله سبحانه وتعالى، وإن عزم على الحج وجب عليه أن يتعلم أحكامه، ومشكلة الناس اليوم أنهم يتهيئون ويتزودون ويستعدون بكل شيء، إلا أن كثيراً منهم لا يتهيأ لمعرفة المناسك وتعلمها، فتجده يهيئ المال ويسأل عن الطريق وعن الراحة وعن المخيمات وغير ذلك، لكن لا يعتني بجانب أحكام المناسك.

    ومن ذلك -أيضاً- اختيار الرفقة الصالحة التي تعين على أمرين مهمين في هذه الفريضة:

    الأمر الأول: أمر العلم والفقه في المناسك.

    الأمر الثاني: عدم الإتيان بما يجرح كمال العبادة في الحج.

    إذ بعض الناس قد يأتي بالحج أركاناً وواجبات، لكنه لم يأت بالكمال من استغلال الأوقات في أنواع الطاعات، ولم يكن ممن يبتعد ويتقي كل ما قد يجرح أو ينقص أجر الحاج في حجه من أمور كثيرة يقع فيها الناس من غيبة أو نميمة أو جدال أو خصام أو سوء ظن أو نحو ذلك، أو أذى للناس والحجاج وغير ذلك من الأمور، فهذا مما ينبغي أن ينتبه له الحاج أيضاً.

    ومن هذه الوصايا -أيضاً- أن يأخذ الإنسان بالرفق وحسن الخلق والتحلي بالصبر، فإن هذه الفريضة نوع من الجهاد، ومهما بالغ الناس في الترفيه وإيجاد الخدمات من التكييف والطعام والفرش وكذا إلا أنها يبقى فيها نوع من المشقة والخشونة، فإذا لم يتحل الإنسان بالصبر ويوطن نفسه على أنه يبذل ويتحمل لأجل مرضاة الله سبحانه وتعالى فإنه عند وجود أقل عارض يجزع، وتجد كثيراً من الحجاج يبطلون حجهم أو يجرحونه إذا قلت برودة الماء أو تأخر وقت الطعام، وذلك بالجزع، ولم يكن عنده رحابة الصدر ولا لين الجانب، ولا إظهار هذه الأخلاقيات التي هي من تمام وكمال هذا الفرض.

    وكذلك -أيضاً- يحتاج الحاج إلى أن يستصحب الزاد الذي أخبر الله عز وجل عنه في فريضة الحج على وجه الخصوص، حينما قال جل وعلا: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] فاستحضار التقوى من التوقي لكل ما فيه معصية لله عز وجل أو كراهة أو حرمة، وكذلك الحرص على كل ما فيه طاعة وفضيلة وأجر.

    والوصية التي بعدها حسن المعاملة وعدم الأذى، فإن حسن المعاملة مع الناس مطلوبة، لكن في كثير من الأحوال قد لا يستطيع الإنسان بحكم شغله أو بعده أن لا يتعامل إلا مع فئة محدودة أو قليلة، لكنه في الحج قطعاً يتعامل مع كثير من الناس شاء أم أبى، سواء أكانوا في طوافهم، أم في رميهم، أم في سيرهم وحلهم وترحالهم، ويتعامل مع أناس لا يعرف لغتهم، ولا يعرف تفكيرهم، ولم يسبق له معرفتهم، فلذلك لابد من أن يجمع العزم على أن يكون حسن التعامل لين الجانب.

    وآخر وصية هي أن يستحضر التواضع والبعد عن كل أسباب الكبرياء؛ فإن الحج مبناه الأعظم على أن الإنسان قد تجرد من هذه الدنيا وزينتها، ومن الفوارق التي تفرق بينه وبين الآخرين، فأجدر به أن يراعي التواضع واللين مع حجاج بيت الله الحرام؛ لأنه إذا ذل لله سبحانه وتعالى ينبغي أن يلين لإخوانه المؤمنين.

    1.   

    موجز أعمال الحج

    حقيقة الأنساك الثلاثة للحج

    أولها: التمتع، وهو أن يأتي بالعمرة كاملة ثم يتحلل من إحرامه ويتمتع من عمرته إلى حجه بمعنى أنه يأتي بكل شيء كان يفعله قبل إحرامه حتى معاشرة النساء، ثم إذا جاء الحج أحرم من مكة للحج، لكن إذا خرج من المواقيت فإنه لا يكون متمتعاً.

    النسك الثاني هو الإفراد، وهو أن يأتي بالحج مفرداً ليس معه عمرة، فلا يطوف إلا طواف الحج، ولا يسعى إلا سعي الحج، طواف وسعي واحد فقط، وهذا إن لم يكن أتى بعمرة قبل ذلك فالألزم له أن يأتي بعمرة ولو بعد الحج، أو قبله، لكن إن جاء بالعمرة قبل الحج فالأولى والأتم له أن ينويها تمتعاً.

    النسك الثالث القران، وهو الذي يجمع فيه بين الحج والعمرة معاً، وذلك بأن يقرنهما معاً، وأن يسوق الهدي؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من لم يسق الهدي فليحل وليجعلها عمرة ثم ليتمتع إلى الحج) فإن كان قد ساق الهدي فهو الذي يقرن بين الحج والعمرة، والصحيح من أقوال أهل العلم -كما أفاض وتوسع بذلك ابن القيم في زاد المعاد- أنه ليس عليه في قرانه بين الحج والعمرة إلا سعي واحد فقط، وهذا خلاف لمن أوجب السعيين على القارن، والقول الأول -وهو قول كثير من أهل العلم- انتصر له ابن القيم -كما أشرت- في زاد المعاد انتصاراً عجيباً جداً، وأصاب فيه، حتى ذكر لذلك اثنين وعشرين دليلاً واستنباطاً، ثم كر على كل رواية تشبث بها القائلون بالرأي الآخر، وبين إما ضعفها أو عدم صحة الاستنباط إن كانت الرواية صحيحة، ولعل هذا المبحث -والله أعلم- من أوسع ما كتب أهل العلم في هذه المسألة على وجه الخصوص.

    صفة الأنساك الثلاثة للحج

    الصفة الموجزة للحج بالنسبة للمتمتع أنه يطوف ويسعى للعمرة، أن يطوف بالبيت سبعاً، وأن يجعل البيت عن يساره، يبدأ من الحجر الأسود وينتهي إليه، ثم يسعى بادئاً من الصفا وينتهي إلى المروة، من الصفا إلى المروة شوط، وليس كما يقع من بعض الناس أنهم يجعلون الذهاب والإياب شوطاً واحداً فيسعون أربعة عشر شوطاً، وهذا يقع من كثير من الناس، وعندما يفعلون ذلك يختلط عليهم العد، فربما يسعون عشرة أو ثلاثة عشر أو أربعة عشر ... إلى آخر ذلك، خاصة مع زحام الحج لا يستطيع أن يضبط الطائف العدد، ويقع لهم بذلك مشقة كبيرة، وللأسف أنه يقع في هذا عدد غير قليل من الحجاج، بل ربما يقطع سعيه لعدم القدرة على الإكمال، وما عرف أن السعي المطلوب هو أشواط سبعة فقط.

    ثم إذا جاء الحج ينوي بالحج.

    أما المفرد فإنه إذا قدم إلى مكة فإما أن يقدم إليها في اليوم الثامن أو يتوجه إلى منى، فله الخيار، فإذا قدم مكة وأراد أن يقدم سعي الحج فإنه يطوف طواف القدوم إن كان من غير أهل جدة ومن حاذاها، أو يعتبره طواف الركن لتقدمه على السعي ثم يسعى، فيكون هذا السعي سعي الحج، وإن لم يفعل توجه إلى منى في اليوم الثامن وهو يوم التروية، والذهاب إلى منى يوم الثامن سنة، فيصلي بها خمسة فروض: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر يقصر منها ما حقه القصر، ثم ينطلق من منى إلى عرفة في اليوم التاسع، والوقوف في عرفة ركن، والأولى أن لا يدخل إلى عرفة إلا بعد زوال الشمس، أي: قبيل الظهر بقليل، أو وقت دخول صلاة الظهر. فإذا دخل عرفة فإنه يصلي بها الظهر والعصر جمع تقديم، ويستمع لخطبة الإمام، وليس في عرفة من مشاعر محددة أو أعمال معينة إلا الإلحاح بالدعاء والاشتغال بالذكر والتضرع لله سبحانه وتعالى، وهذا هو الذي ينبغي أن ينشغل به الإنسان من تلاوة للقرآن وذكر لله ودعاءٍ وتضرع متصل لله سبحانه وتعالى.

    وعرفة كلها موقف لا يحتاج الإنسان فيها إلى أن يحدد مكاناً بعينه، وإن تيسر له أن يقف في الصخرات في أسفل الجبل كما وقف النبي عليه الصلاة والسلام فعل، وإلا فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة).

    ثم يدفع من عرفة بعد غروب الشمس، ولذلك قال أهل العلم: الأكمل أن يجمع في عرفة بين النهار والليل، لكن الصحيح أن الوقوف بعرفة وقته من بعد الزوال إلى فجر يوم العيد، فلو أنه لم يدرك النهار ثم جاء إلى عرفة بعد غروب الشمس ووقف بها صح حجه وتم ولا شيء عليه.

    قال أهل العلم: إنه لو وقف قبل الزوال ثم خرج في ذلك الوقت فإنه لا يعد واقفاً بعرفة، وإذا فاته الوقوف بعرفة فاته الركن، وإذا فاته الركن بطل حجه ووجب عليه قضاؤه.

    وهذا في عرفة، ثم يدفع إلى مزدلفة، والمبيت بها واجب، ويصلي بها المغرب والعشاء جمع تأخير، وللرعاة والسقاة وأصحاب الحاجات والنساء والضعفة أن يدفعوا من مزدلفة بعد منتصف الليل، والسنة والتمام والكمال أن يبقى الحاج إلى صلاة الفجر، ثم يصلي الفجر ويبقى حتى يسفر النهار -أي: حتى يبدو الضوء وينبلج الفجر- ثم بعد ذلك يذهب إلى منى ويكون قد دخل في اليوم العاشر يوم العيد.

    وهذا اليوم تقضى فيه معظم أعمال الحج، يكون فيه رمي جمرة العقبة وهو واجب، وفيه طواف الإفاضة وهو ركن، وبذلك تكتمل الأربعة الأركان: الإحرام، وسعي الحج، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة.

    ففي يوم النحر رمي جمرة العقبة وهي الجمرة الكبرى، ووقته ممتد من بعد منتصف الليل كما وصفه بعض أهل العلم، أو من بعد الفجر إلى آخر ذلك اليوم.

    وفيه طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة.

    وكذلك الحلق أو التقصير، وكذلك ذبح الهدي أو الفدية، فهذه أربعة أعمال له أن يقدم منها ما شاء وأن يؤخر منها ما يشاء، وإن لم يكن سعى سعي الحج فيحسن به أن يسعى سعي الحج بعد طواف الإفاضة، فهذه الأعمال السنة أداؤها في يوم النحر، هذا إن استطاع ذلك، وإن لم يستطع فإن مدتها ممتدة إلى آخر أيام التشريق، بل إلى آخر أيام الحج إن كان هناك عذر كحيض المرأة أو نفاسها، أو وجود علة من مرض أو نحو ذلك، فإن له أن يؤخر بعض هذه الأعمال إلى اليوم الثاني أو الثالث، بل إلى ما وراء ذلك، وهذه الأعمال -كما أشرت- ليس هناك من ضرورة في التقديم أو التأخير فيها، بل كيف ما اتفق له، وإن تيسر له متابعة فعل النبي عليه الصلاة والسلام فإنه أكمل وأتم في هذا الأمر.

    والحلق أفضل من التقصير، والذبح الأكمل فيه والسنة فيه أن يباشره بنفسه إن استطاع، وإن شق عليه لعدم معرفته -كما هو الحال الآن- أو للزحام فإنه يوكل غيره، وهذا التوكيل صحيح ولا شيء فيه، ثم يبقى بعد ذلك في منى أيام التشريق الثلاثة، أو يبقى الحادي عشر والثاني عشر، والثالث عشر هو مخير فيه بشرط أن يخرج قبل مغيب الشمس إن تعجل في يومين، وليس هناك من أعمال في هذه الأيام سوى المبيت بمنى وهو واجب، ورمي الجمار الثلاث وهو -أيضاً- واجب.

    ويرمي الجمار على الترتيب الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، ويقولون: رمي الأولى والثانية يأخذ ناحية اليسار ويجعل القبلة أمامه، ويتوجه بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى، فقد ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو في هذه المواضع بقدر سورة البقرة، هذا موجز هذه الشعائر.

    فإن استطاع أن ينفر في اليوم الثاني عشر فلينفر قبل الغروب، فإن أدركه الغروب قبل النية والشروع في الخروج من منى فإنه يلزمه أن يبيت بمنى وأن يبقى اليوم الثالث عشر فيها إلى ما بعد الزوال حتى يرمي.

    وإن كان قد شرع في الخروج لكن أدركه الزحام ونحو ذلك فلا شيء عليه أن يخرج ولو غربت الشمس وهو ما يزال في حدود منى.

    1.   

    التربية العملية في الحج

    إن هذا الدين علم أتباعه وأمة الإسلام بأسلوب عملي لتتحقق الفرائض والأحكام والآداب التي أمر الله سبحانه وتعالى بها.

    إن الأمور في التعليم تنقسم إلى قسمين: ناحية نظرية، وناحية عملية، والناحية النظرية على أهميتها كثيراً ما يبقى تأثيرها ضعيفاً حتى يأتي التطبيق العملي، ولذلك الدرس العظيم في هذا الحج هو أنه ينقل كل الأوامر والتشريعات في صورة عملية كاملة، فليست المسألة مسألة أقوال، وإنما يضرب الله سبحانه وتعالى من خلال هذه الفريضة أمثلة عملية تتربى الأمة عليها؛ لأن المقصود هو العمل، قال عز وجل: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105] فلم يقل الله عز وجل: تكلموا أو فكروا. وإنما قال: (اعملوا) والعمل هو المقصود؛ لأنه -في الحقيقة- هو ثمرة العلم، وثمرة هذا الدين إنما هي العمل.

    ولذلك لما ذكر الله سبحانه وتعالى الاستخلاف في الأرض قال: لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس:14] ليس: كيف تقولون. ولا: كيف تتصورون أو تفكرون!

    الإخاء والمساواة

    إن كل دروس الحج إنما هي دروس عملية، ونأخذ بعض هذه الدروس من حيث التربية العملية، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال في حجة الوداع: (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) فهذه مقالة تتجلى فيها العملية لتحقق هذه المقالة، بينما غيرها من أقوال الناس أو الدول تبقى نظريات حالمة، أو خيالاً وأمنيات لا يصل إليها الواقع، ونحن اليوم في هذا العصر وفي هذا الزمن وفي ظل النظام الدولي الجديد يقولون: المساواة ونبذ العنصرية. ثم تجد أن التطبيق العملي على عكس ذلك في كثير من الصور والأوضاع والوقائع، لكن في الحج تجد فيه درس المساواة ونبذ العنصرية متجدد بصورة عملية، فإذا الأسود إلى جوار الأبيض، وإذا الضعيف إلى جوار الغني، وإذا صاحب النسب إلى جوار من ليس له شرف في نسب، صورة عميلة متجسدة توقن من خلالها الأمة أن المساواة حتم لازم بإذن الله سبحانه وتعالى.

    فأي نظام يدعي المساواة يستطيع أن يأتي بعشر معشار ذلك المشهد العظيم الذي يتم في الحج وتتجسد فيه المساواة بصورة عملية لا فرق فيها بين حاكم ومحكوم، ولا بين غني وفقير، ولا بين عالم وجاهل؟! بل الكل في ميزان الشرع وفي ميزان الإسلام سواء، لا يتفاضلون إلا بتقواهم لله عز وجل.

    وحدة الأمة المسلمة ومظاهرها

    حينما يأتي الأمر من الله سبحانه وتعالى للأمة المسلمة أن تكون أمة واحدة فإن هذا الدرس يبقى نظرياً، وتأتي شعيرة وفريضة الحج وتجسد هذا الأمر تجسيداً عملياً، فإذا الأمة في تلك المشاعر وفي تلك المواقف وفي تلك الأعمال وحدة كاملة، وهذه الوحدة حديثة في صورتها العملية في الحج؛ لأنها تدل على ما ينبغي أن تبنى عليها الوحدة، ليست وحدة حكومات ولا وحدة قرارات، وإنما تبدأ من أغوار النفوس وأعماق القلوب، فإذا بالقلوب في مشاعرها واحدة، وأمنية النفس وطلب الإنسان في تلك الأماكن والمناسك كله طلب واحد ومشاعر واحدة.

    بل إنهم في شعارهم ولباسهم على حال واحد، ثم الهتاف والقول: (لبيك -اللهم- لبيك) هتاف واحد، ثم هم في العمل والمسير على عمل ومسير واحد من منسك إلى منسك، ثم هم -أيضاً- في الانتهاء والإفضاء والخروج من هذه الفريضة على خروج وإفضاء واحد، ليدل على أن مسألة الوحدة ليست قضية شكلية، بل هي قضية كلية ينبغي أن تشمل كل العوامل التي في المسلم الواحد، بدءاً من مشاعره ومن تصوراته ومن شعاراته ومن مظهره ومن أعماله، بحيث تصاغ صيغة واحدة.

    ولذلك الوحدة التي طال الحديث عنها وتشدق بها كثيرون من أهل القومية أو من أهل البعث أو غيرهم كلها نكصت على رءوسهم؛ لأنها لم تكن على أسس الإسلام أصلاً، ولم تكن حتى على أسس مرضية في المنهج من حيث الأصل، بل كانت على مصالح، بينما ما أراده الله عز وجل أن يتجسد في الحج حتى يكون أمراً ظاهراً على الأمة بمجموعها في دولها وفي علمائها وفي حكامها على الوحدة العملية تراه حقيقة، فإن وحدة الشعوب ووحدة المسلمين في فريضة الحج كأنها تلغي كل سبب من أسباب الفرقة، وتلغي الحدود وتلغي شروط الجنسيات وتلغي -أيضاً- الطبقيات، تلغي كل ما خالف فيه المسلمون أمر الله سبحانه وتعالى، وتعطي المسألة قابلية للتطبيق خلافاً لمن يستبعد هذا ويقول: لا يمكن أن تجتمع الأمة أو أن تكون أمة واحدة.

    كف الأذى

    من الدروس العملية في التربية الإيمانية للحج أن يكون الإنسان المسلم كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) أي: ينبغي للمسلم أن لا يصدر عنه إلا الخير في الحج، فيأمن أذاه وشره ليس المسلم فحسب وليس الإنسان فحسب، بل الشجر والصيد، ولذلك من محظورات الإحرام الصيد، وفي منطقة الحرم لا يقطع الشجر ولا ينفر الصيد فيها، كل هذا يهذب الإنسان المسلم بصورة عملية، لينزع النفسية العدوانية الإجرامية، فلا تبقى عنده هذه الروح إلا فيما هو انتصار لحرمات الله سبحانه وتعالى وغضبه على أعداء الله عز وجل.

    ولذلك فدعاوى السلام ودعاوى الإنسانية ودعاوى مقاومة الإرهاب التي تقال اليوم كلها دعاوى في غالب الأحيان يعكس الواقع ضدها، لكن الإسلام الذي يتهم اليوم أربابه وأصحابه بالإرهاب هو الذي يربي أتباعه على المسالمة وعلى كف الأذى تربية عملية متكاملة.

    القدرة والاستعداد على التغيير

    إن القدرة والاستعداد على التغيير هي أن يغير الإنسان السوء إلى الحسن، والمعصية إلى الطاعة، فكثيراً ما يجد الإنسان أنه يدور في حلقة مفرغة، يسمع العبرة والتذكرة ويتأثر بها ثم لا يُغَيِّر أو يُغَيَّر ثم يرجع، فتأتي فريضة الحج وإذا بها دورة عملية فيها من أولها إلى آخرها استجابة موفقة لله عز وجل وبعد تام وتوق دقيق لكل معصية ومخالفة لأمر الله عز وجل، فإذا بها ترفع في الإنسان المسلم فعالية وقدرة التغيير نحو الأصلح، والله عز وجل قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .

    إذاً في الحج تتغير النفوس والقلوب تغيراً جذرياً، هذا إذا أديت العبادة على وجهها المطلوب ووفق حكمتها ومشروعيتها التي أرادها الله سبحانه وتعالى، فإنك تجد هذه القدرة ترتبط بهذه المعاني، فالمسلم في الحج يحظر عليه أن يقص شعره، وأن يقلم ظفره، أو أن يقطع شجرة، بهذه الأوامر يتعود على أن لا يقطع حرمة المسلم، وهو في الحج لا يستعمل الطيب بعد إحرامه ولا يمسه، والطيب في الأصل حلال، فبهذا يتعود على الاستجابة لأمر الله بحيث لا يمس شيئاً مما حرمه الله عز وجل، فلا يمس مالاً حراماً ولا يمس امرأة حراماً، ولا يمس أي أمر فيه حرمة وكراهة في شرع الله سبحانه وتعالى.

    ثم إنك -أيها المسلم- تخلع المخيط لتخلع زينة الدنيا وتتحلى بلباس التقوى، ولذلك ينبغي أن تتعود على أن تنخلع من كل معصية ومن كل أمر تتحلى وتتزين به، إلا أن يكون ذلك كما قال الله سبحانه تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

    وكذلك يستجيب الإنسان المسلم لأمر الله سبحانه وتعالى حيث يرفع صوته بالتلبية ويعلنها: (لبيك -اللهم- لبيك) وما من عبادة إلا والنية فيها مضمرة، إلا الحج فإنه يصرح ويقول: لبيك -اللهم- حجاً. أو: لبيك -اللهم- عمرة. لأن هذه الفريضة مقصود فيها إعلان الاستجابة والتعود عليها، ولذلك حينما ترمي الجمار فإنك تعلن العداء للشيطان والمناوأة له، وتعلن همتك الإيمانية على قدرتك على تجاوز وسواسه وهمزه ونفثه لتطيع الله سبحانه وتعالى وتدحر الشيطان وما يضلك به أو يوسوس به إليك.

    والدروس في ذلك كثيرة، لكنها في الحج تتجسد في صورة تربوية عملية وهذا من الأمور المهمة.

    1.   

    المطوفون والخدمات في الحج

    الوقفة الرابعة: المطوفون والخدمات

    والمتأمل الآن يجد أن إعلانات المطوفين تشمل الإغراءات التي ترغب الناس فيما عندهم والحج معهم، فإذا بهم يذكرون تكييف الحافلات، وتوفير الوجبات، والقرب من الجمرات وغير ذلك من الأسباب، ربما كلها لا تعدو أن تكون أسباباً مادية، بينما لا تجد مثلاً من يقول: هناك دروس ومحاضرات، هناك تنبيهات وإرشادات. وهذه الظاهرة ليست من جانبهم، بل في الحقيقة هي صدى للجانب الآخر وهم الحجاج، تجد من يريد الحج يسأل من حج في العام الماضي: كيف كان المطوف؟! كيف كان الطعام؟! كيف كان الشراب؟! كيف كانت المواصلات؟! لا يسأل عن شيء آخر، فالمطوفون إذا احتج عليهم بمثل هذا قالوا: نحن نبذل ما يرغب فيه الحجاج أنفسهم.

    إذاً ينبغي أن يحرص المطوفون والحجاج على عدم التلبس بالمنكرات، والحرص الشديد -أيضاً- على استغلال الأوقات؛ لأن بعض الناس خاصة في أيام التشريق بعد أنت تنتهي المناسك يتلبسون بالمنكرات، وبعضهم الآخر بالمخالفات، وأقل ما يقال فيها: إنها مكروهات. فإذا بهم يشربون الدخان، ويلعبون الورق، وإذا بهم يتكلمون فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، وهذا لا شك أنه ناتج عن هذا الفراغ، وربما كان ناتجاً عن بعض مسئوليات أولئك المطوفين.

    أيضاً ينبغي أن يعتمد هؤلاء المطوفون على توفيق الله سبحانه وتعالى، وليس فقط على جهدهم، فتجد المطوف يعد الناس بكل شيء، وإذا قالوا: هل عندك كذا يقول: نعم عندي كل ذلك، وأنا جاهز بكل وجه. ونحو ذلك، وينسى أن يقول: إن شاء الله. وينسى أن يسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقه أن يؤدي الدور كما يشاء.

    إذا لم يكن من الله عون للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده

    لكن على المطوف حين يهيئ كل شيء أن يستعين بالله عز وجل، وأن لا يركن إلى أنه قد حسب لكل أمر حسابه؛ لأنه قد تختلط الحسابات في الحج، قد يحسب حساب المواصلات ويختار طرقاً قليلة الزحام فإذا بها في ذلك العام هي الطرق التي يشتد زحامها، وغير ذلك من الأمور.

    أيضاً على المطوف أن يكون حريصاً على معرفة الأخطاء حتى يتجنبها في أعوام قادمة، فلماذا لا يسأل الناس عن آرائهم عما عرض لهم من مشكلات، وعن مقترحاتهم التي قد ينتفعون وينتفع هو بها أيضاً في أعوام قادمة؟!

    1.   

    التوعية والدعوة في الحج

    إن موسم الحج أعظم تجمع، وهو أكبر فرصة للتوعية والدعوة للمسلمين من كل مكان، فتصور كل معنى وفائدة يجنيها هذا المسلم يعود بها إلى بلده، وتجد أن كماً هائلاً من الحجاج في غالب الأحوال مع حجاج الداخل والخارج قد يبلغون المليونين من الحجاج.

    ونقف هنا وقفات:

    الأولى: الدعاة الرسميون التابعون للهيئة العامة للدعوة والإفتاء والإرشاد قد يبلغ عددهم في بعض الأعوام مائة وخمسة فقط، ولو قسمناهم على أعداد الحجاج ربما يكون نصيب العشرة آلاف أو الخمسة عشر ألفاً من الحجاج واحداً من هؤلاء الدعاة، فلا شك أن هذا في غالب الأمر لا يؤدي الدور كاملاً، بينما في المقابل -لا على سبيل المقارنة- تجد -مثلاً- أن عقد النظافة بمنطقة المشاعر يضم أربعة وعشرين ألف عامل لينظفوا الشوارع والطرقات، ومائة وخمسة ليعلموا الناس فريضة الحج! هل جاء الناس فقط ليتنظفوا أم ليحجوا فيقفوا في عرفة ويبيتوا بمزدلفة ويرموا الجمرات ويخلطوا خلطاً عجيباً؟! لأن بعض الناس لا يعرف شيئاً عن الحج.

    الثانية: اللغات.

    فكثيراً ما تقع التوعية باللغة العربية، وكأن الحج ليس فيه من ينطقون غير العربية، والصحيح غير ذلك، فتجد أن التوعية تكون قاصرة، وأذكر مرة أنا كنا في بطن عرنة ننتظر الزوال حتى ندخل إلى عرفة، فكانت سيارات التوعية بمكبرات الصوت ينادى فيها: أيها الحاج! أنت خارج عرفة لا يصح بقاؤك في هذا المكان، يجب أن تدخل عرفة وإلا بطل حجك، ويتكرر النداء عشرات وعشرات. فتلتفت يمنة ويسرة فتجد بعض الناس لا يعرفون ماذا يقول هذا الرجل؛ لأنهم لا يعرفون اللغة العربية، فهل هو ينادي على بضاعة يبيعها، أو هو صاحب إسعاف يريد أن ينقذ الجرحى والمرضى؟! لا يعرفون شيئاً، لذلك فمسألة اللغات مهمة في التوعية، وربما تكون من المقترحات النافعة والمفيدة أن الجهات الشرعية في تلك البلاد -سواء أكانت رئاسة إفتاء أم وزارة حج أو أوقاف أم نحو ذلك- تكاتب هيئة التوعية في المملكة لتنتدب بعضاً من أولئك العلماء والدعاة في تلك البلاد ليدخلوا ضمن برنامج التوعية التي تقوم به الرئاسة في المملكة حتى تستكمل جوانب النقص.

    الثالثة: توزيع الكتب والأشرطة.

    والكتب والأشرطة توزع باللغة العربية، بينما تجد أكثر الحجاج لا يعرفون العربية، ولو وجدت بدل هذه الكتب نشرة واحدة موجزة بلغات مختلفة ربما انتفع بها الناس أكثر من هذه الكتب. ونحن نجد في فترة ما قبل الحج أن مئات الآلاف من الكتيبات الصغيرة النافعة توزع على الناس وربما كان كثير منهم لا يحجون ويجعلونها في بيوتهم، وبعضهم يحجون وهم قد عرفوها وعرفوا ما فيها، بينما الكثير من يحتاجون إلى هذه التوعية لا تصل إليهم بالصورة المطلوبة.

    الرابعة: أن التوعية لا ينبغي أن تكون في الحج، بل ينبغي أن تكون قبل الحج؛ لأن أكثر الحجاج بعد أن يخطئ ويخلط ويجعل عاليها سافلها يأتي فيسأل ويجد أنه قد أتى بالحج على غير وجهه من أوله إلى آخره، بينما المطلوب أن تكون التوعية قبل الحج، ويمكن أن تكون هناك أمور ميسرة، ذلك أن تقوم الجهات المسئولة بعقد دورة لمدة يوم أو نصف يوم فقط يتعلم الحجاج فيها المناسك بصورة موجزة، ويعطى بها شهادة أو ورقة، ولا يأخذ تأشيرته إلى الحج إلا بعد أن يعرف المناسك؛ لأننا لا نريد أن نستكثر من عدد الحجاج الذين لا يعرفون كيف يحجون ثم يبطل حجهم ويرجعون مرة أخرى وقد لا يتيسر لهم الرجوع.

    وهناك -أيضاً- اقتراح، وهو أن تقوم جهات مسئولة في المملكة -ثل وزارة الحج أو غيرها- تصوير شريط فيديو لمدة نصف ساعة عن المناسك، مجموعة من الناس يقومون بالمناسك ويذهبون إلى منى وإلى عرفة في أوقات فراغها، وهذا الشريط يرتب ويذكر التعليق عليه بلغات مختلفة، حتى يوزع على كل الحجاج قبل أن يأتوا أو عندما يأتون، لأجل أن يعرفوا هذه المناطق عبر هذه الصور؛ لأن بعض الحجاج لا يعرفون سوى الكعبة بيت الله الحرام، لكن لا يعرفون عرفة ولا المشعر الحرام، مسميات لا يعرفون حقائقها ولا صورتها، فلذلك تجد أسئلة بعض الحجاج غريبة أحياناً، تراه يأتي فيسأل عن مقام إبراهيم، ربما يظنه جبلاً أو يظنه شيئاً آخر، فليس عنده أي فكرة عن هذه الأسماء وحقيقتها، فمثل هذه التوعية يبدو أنها من أهم القضايا التي تنفع الحجاج، وللأسف الشديد أن كثيراً منها غير موجود.

    1.   

    الأولويات والمهمات في الحج

    حينما نتأمل في هذا الحج العظيم نجد أنه مؤتمر إسلامي كبير ضخم، فينبغي للأمة أن تستغله بالاستغلال المناسب، ومن أعظم هذا الاستغلال أن تكون في هذا الحج مناقشة الأولويات والمهمات، ليس التركيز على العوارض اليسيرة والقضايا السهلة، فإننا لو تأملنا خطبة النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع نجد هذا المعنى متجسداً، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام لما خطب الأمة في ذلك اليوم العظيم والمشهد الحافل ما تحدث عن قضايا صغيرة، وإنما عن القضايا المهمة، وتأمل حديثه عليه الصلاة والسلام كما ورد في الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنهما، قال أبو بكر : (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. ثم قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست البلدة الحرام؟ قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ ثم قال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) فتحدث عن حرمة المسلم بهذا الأسلوب العظيم؛ لأن من أعظم القضايا والمهمات في حياة الأمة المسلمة أن يرعي المسلمون حرمة بعضهم، وأن يقاتلوا من ينتهك هذه الحرمة من أعداء الله سبحانه وتعالى، ولذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث وهذه الخطبة: (وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً أو ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم! فاشهد) وفي بعض الروايات في مسند الإمام أحمد أنه عليه الصلاة والسلام قال في هذه الخطبة: (اسمعوا مني تعوا: ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس، ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكنه رضي في التحريش بينكم، واتقوا الله في النساء؛ فإنهن عندكم عوان -يعني: أسيرات- لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإن لهن عليكم حقاً ولكم عليهن حقاً، وحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً غيركم، ولا يأذنَّ في بيوتكم لأحد تكرهونه ..) إلى آخر ما قال، ثم قال: (يا أيها الناس! إن ربكم واحد وأباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى) وقال في رواية عند الطبراني : (وأُحَدِّثكُم من المسلم؟ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأُحدِّثكم من المؤمن؟ المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، وأُحدِّثكم من المهاجر؟ المهاجر من هجر السيئات، والمؤمن حرام على المؤمن كحرمة هذا اليوم، لحمه عليه حرام أن يأكله بالغيبة يغتابه، وعرضه عليه حرام أن يظلمه، وزاده عليه حرام أن يدفعه دفعاً، وأذاه عليه حرام أن يدفعه دفعاً).

    وفي روايات أخرى يقول: (كل رباً من ربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضعه ربا العباس بن عبد المطلب) ناقش النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة القضايا الكلية للأمة المسلمة.

    وهذا الحج بهذا الحشد الجامع والمؤتمر العظيم فيه هو -أيضاً- مقياس لنبض هذه الأمة، فإذا رأيناها قد التفتت فيه إلى مهمات الأمور وناقشت كبريات القضايا، وكذلك ظهر فيها العلم والوعي، وظهر في سلوكياتها الرحمة والتآلف، وظهر من سلوكياتها الوحدة والقوة فهذا مؤشر بأن الحجاج نموذج متكامل للأمة المسلمة مع اختلاف البلاد أو اللغات أو مستويات التعليم أو غير ذلك.

    1.   

    دراسات ومشروعات في الحج

    أشير إلى بعض المشروعات التطبيقية العملية التي تنفع، والتي ربما هي من مقاييس القدرة العملية على اتخاذ القرار المناسب المبني على الدراسة والعلم والتنفيذ، فهناك مشروعان أشير إليهما سريعاً:

    المشروع الأول: مشروع مقاومة الافتراش، وهذه المشكلة يعاني منها الحجاج، وكأن الأمة كلها تعجز عن حلها، والمقصود بالافتراش هو افتراش الحجاج للمناطق تحت الكباري، خاصة عند الجمرات، فعرض منطقة كل جمرة ثمانين متراً، الذي يبقى منها وقت الحج من اليوم الثامن حين يبدأ الحج يبقى متران: متر للذهاب ومتر للإياب، ويحصل هناك من المفاسد الشرعية من التبرج والاختلاط ومن المفاسد الصحية وغيرها كثير، وكل عام يتكرر هذا المشهد، وهو دليل عجز الأمة عن حلول مشكلات يسيرة وتافهة.

    إلا أنه -بإذن الله تعالى- سيبنى مركز أبحاث الحج، يكون عمله دراسة مفصلة ومقترحات واضحة فيما يتعلق بالحجاج، ونرجو أن يكون هذا التطبيق جيداً وناجحاً في مقاومة الافتراش كما سمي هذا المشروع، وهو سيطبق لأول مرة منذ أن بدأ الحج في السنوات الأخيرة.

    المشروع الثاني: ترقيم الأراضي في منى، وهذه تفيد في إرشاد الضائعين والتائهين، فكثيراً ما تختلط المناطق مع زحام الحجاج، وقد سبق أن قامت فرق الجوالة وجمعية الكشافة بالترقيم، لكن على الأرض الإسفلتية، وهذا الترقيم لم يحل المشكلة بسبب أنه قد تقف سيارة على الرقم أو يأتي حاج فيفترش الأرض فوق الرقم، مما يجعل المرشد والحاج يتوهان عندما يبحثان عن المكان.

    وهذا المشروع تبنته جامعة الملك سعود، وستكون المناطق واضحة تخدم كل من يريد أن يستدل على مكان بعينه، وأيضاً تفيد في مسائل الخرائط.

    1.   

    قصص وأخبار في الحج

    الحج عبر امتداده الطويل فيه كثير من القصص والمشاهد، نقف عند بعض منها بشكل موجز، من هذه القصص في سير سلف الأمة ما هو معروف ومشهور من سيرة عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه ورضي الله عنه، فقد كان مشهوراً أنه يحج عاماً ويغزو عاماً، وكان يحب أن يحج الناس على نفقته، ولذلك كان يحب الناس أن يحجوا معه لينتفعوا بعلمه، فالناس فيما مضى كانوا يصحبون العلماء لينتفعوا بمعرفة المناسك ويتعظوا ويتذكروا، فكان إذا جاءه الناس ليحجوا معه يقول: ائتوني بنفقتكم. فيأتي كل بنفقته فيضع عليها اسمه، ثم يجمعها كلها في خزينة عنده، ثم لا يأخذ منها شيئاً، ويخرج بالحجاج ينفق عليهم منذ خروجهم من مرو التي كان فيها في بلاد المشرق حتى يحجوا، فإذا انتهى حجهم سألهم: من عندكم من الأولاد؟ وماذا تريدون أن تهدوا لهم؟ فبعد أن يخبروه يقوم فيشتري لهم الهدايا واللطائف، ثم إذا رجعوا بيض بيوتهم على ما هي العادة، حيث يبيضون البيوت فرحاً بالحج وإشارة إلى أنهم أدوا فريضة الحج، ثم يجمعهم بعد ثلاث ليال في وليمة فرحاً بما يسر الله من أداء الحج، ثم يعطي كل واحد منهم نفقته التي كان قد أعدها لنفسه، فقيل له: لماذا لا تتركها لهم حين جاءوك بها؟ قال: حتى لا يستكثروا منة لي عليهم، وحتى لا يشعروا أن في حجهم نقصاً أو جرحاً.

    فهذه قصة من قصص السلف الصالح رضوان الله عليهم، وللنبي عليه الصلاة والسلام مواقف وقصص كثيرة فيها عظات وعبر، لكننا نذكر ما جاء بعد ذلك.

    ذكر في بعض قصص التاريخ أن هارون الرشيد حج مرة، وقد قيل -أيضاً- عن هارون : إنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً. خلافاً لما يلصق به الحاقدون من التهم وما لا يليق بسقطة الناس فضلاً عن أمراء وخلفاء المسلمين، فكان يمشي وكان الحراس يصرفون الناس بين يديه -أي: يوسعون له الطريق-، وكان هناك أحد الصالحين يعظ الناس ويذكرهم، فقالوا له: اسكت قد أقبل أمير المؤمنين: فلما حاذاه رَكْبُ أمير المؤمنين قال: يا أمير المؤمنين! حدثني أيمن بن نابل: حدثني قدامة بن عبد الله قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى على جمل وتحته رحل رث، ولم يكن ثم ضرب ولا طرد ولا: إليك إليك).

    فسأل عنه فقيل: إنه فلان. فقال الرشيد : قد عرفته. فقال له: قل. فقال:

    فهب أن قد ملكت الأرض طراً ودان لك البلاد فكان ماذا

    أليس غداً مصيرك جوف قبر ويحثو الترب هذا ثم هذا

    فقال له الرشيد : قد أجدت فغيره؟

    يعني: قل غير ذلك.

    فقال: نعم يا أمير المؤمنين. من رزقه الله جمالاً ومالاً فعف في جماله وواسى في ماله كتب في ديوان الأبرار. فظن الرشيد أنه عرض بذلك إلى حاجته -أي: كأنه يريد أن يطلب منه مالاً- فقال له: قد أمرنا بقضاء دينك. فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا تقض ديناً بدين، اردد الحق إلى أهله، واقض دين نفسك من نفسك. قال: إنا قد أمرنا أن يجرى عليك. قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا يعطيك الله وينساني، فقد أجرى علي الذي أجرى عليك ولا حاجة لي بجرايتك.

    فكان هذا الموقف عظيماً في وحدة ومساواة الأمة وانتفاعها بمثل هذا المشهد العظيم.

    ومن هذه القصص أيضاً والأخبار أن سفيان الثوري قال: قدمت مكة فإذا أنا بـأبي عبد الله جعفر بن محمد قد أناخ راحلته فقلت: يا ابن رسول الله! لم جعل الموقف من وراء الحرم -أي: في منطقة الحل ليس بمنطقة الحرم-؟ فقال: الكعبة بيت الله، والحرم حجابه، والموقف بابه، فلما قصده الوافدون أوقفهم بالباب -يعني: بعرفة خارج الحرم- يتضرعون، فلما أذن لهم بالدخول أدناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة، فلما نظر إلى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم رحمهم، فلما رحمهم أمرهم بتقريب قربانهم وهو الذبح بمنى، فلما قربوا قربانهم وقضوا تفثهم وتطهروا من الذنوب التي كانت حجاباً بينه وبينهم أمرهم بزيارة بيته على طهارة. ثم قال سفيان : فلم كره الصوم أيام التشريق؟ قال: لأنهم في ضيافة الله، ولا يجب على الضيف أن يصوم عند من أضافه.

    فكانت هذه الأقوال والمساءلات والمحاورات بين أهل العلم تدل على فطنتهم ورعايتهم لهذه الحقوق.

    وذكر الذهبي أيضاً أن ملكشاه بن السلطان ألب أرسلان السلجوقي لم يتهيأ له الحج، وكان لم يعزم على الحج، ومضى إلى مكان ليقضي بعض الأمور، فإذا به يرى ركب العراق وهم متوجهون إلى الحج، ووقف يتأمل الحجاج فرق لهذا المنظر واشتاق إلى زيارة البيت الحرام وأداء الحج، ونزل وسجد وعفر وجهه بالتراب وبكى، وقال: بلغوا سلامي وقولوا: العبد العاصي الآبق أبو الفتح يقول: لو كنت ممن يصلح لتلك الحجة كنت في الصحبة. وطلب من الناس أن يدعوا له.

    وأيضاً عن محمد بن يزيد الرفاعي قال: سمعت عمي يقول: خرجت مع عمر بن ذر إلى مكة فكان إذا لبى لم يلب أحدٌ أحسن منه صوتاً، فلما أتى الحرم قال مناجياً ربه: ما زلنا نهبط حفرة ونصعد أكمة ونعلو شرفاً ويبدو لنا علم حتى أتيناك بها، نقبة أخفافها، وبرة ظهورها، ذبلة أسنامها، فليس أعظم المؤنة علينا إتعاب أبداننا ولا إنفاق أموالنا، ولكن أعظم المؤنة أن نرجع بالخسران، يا خير من نزل النازلون بفنائه.

    فهذه مناجاة جميلة وقصة يستفاد منها في هذا الدرس.

    1.   

    فتاوى مهمة في الحج

    في الحقيقة مسائل الحج كثيرة، لكن هناك مسائل دائماً يكثر السؤال عنها، فاتخذت بعضاً منها من فتاوى كبار أهل العلم في المملكة وغيرها، وأيضاً بعضها من المجمع الفقهي.

    ومن أكثر هذه المسائل وروداً ودروجاً مسألة تجاوز الميقات والإتيان إلى جدة والإحرام منها، وخلاصة ما يقال في هذا أنه يجب على كل قادم من خارج المواقيت إلى مكة والمشاعر بنية الحج أو العمرة أن يحرم من الميقات، وإذا تجاوز الميقات فإنه يجب عليه أن يرجع إلى ميقاته أو أقرب ميقات، وإذا لم يتمكن من ذلك أو أحرم من جدة أو من غير جدة متجاوزاً لميقاته فإنه يجب عليه دم فدية؛ لأن الإحرام من الميقات واجب، وتركه للواجب يجبر بالدم، ولا يجزئه مطلقاً بأي حال من الأحوال أن يحرم من جدة، لكن إذا جاء إلى جدة أو إلى مكة بغير نية النسك لعمل أو لزيارة مريض أو لغير ذلك ثم أنشأ النية بعد ذلك، فإنه يحرم من مكانه من جدة إن كان في جدة، ومن مكة إن كان في مكة، لكن لا يحتال؛ لأنه يحتال على الله عز وجل.

    فبعض الناس يقول: أنا أتيت بنية العمل وكذا. لكن إذا سألته يقول: كنت أقول: إن تيسرت العمرة فسأعتمر. وإن دققت معه سيقول: سأجد فرصة وإن شاء الله سأعتمر.

    إذاً فأنت كنت تنوي العمرة وكنت تنوي الحج، فلابد من أن تأتي بالأمر على وجهه.

    المسألة الثانية التي يذكرها -أيضاً- كثير من الناس: ما يتعلق بطواف الوداع أو طواف الإفاضة بالنسبة للمرأة الحائض أو النفساء.

    نقول: إذا استطاعت المرأة أن تنتظر حتى تطهر فإنه يجب عليها أن تطوف طواف الوداع أو الإفاضة بعد طهرها، أما إن كانت مع رفقة أو محرمها ولا تستطيع التأخر فإنه -والحالة هذه- لا يجب عليها طواف الوداع ويسقط عنها بهذا العذر، وأما طواف الإفاضة فإنها تغتسل له وتستثفر وتطوف ولا شيء عليها إن شاء الله تعالى.

    والمسألة الثالثة فيما يتعلق بمسألة الحج على نفقة إنسان آخر، فلو أن إنساناً دعا إنساناً ليحج معه وسينفق عليه فبعض الناس يتوهم أن حج الفريضة لا يصح إلا أن يكون من ماله، وهذا خطأ، فمتى توافرت لك الاستطاعة -الزاد والراحلة- فليس هناك شرط أن يكون الحج من مالك أو أن يكون هدية من صديق أو أن يكون مساعدة من أخ، لا يشترط هذا الشرط، فإن حج مع هيئة رسمية أو مع جهة العمل أو مع صديق أو مع بعض الناس الذين يصنعون مثل صنيع ابن المبارك رحمة الله عليه فلا حرج في ذلك مطلقاً، فإن هذا الأمر -كما أشرت- يغلب على كثير من الناس، فربما يؤجلون حجهم وقد يتيسر لهم مع من يكفيهم المئونة ومع ذلك يتركون الحج لهذا المعنى، وهذا غير صحيح.

    1.   

    قصائد وأشعار في الحج

    الوقفة الأخيرة مع بعض القصائد والأبيات الشعرية في الحج:

    يقول الشاعر:

    بحر من الخلق لا يحصى له عدد فيه من الأبحر الأمواج والزبد

    يطوف بالبيت سيل لا نفاد له إذا مضى مدد منه أتى مدد

    تسري ضراعته في الأفق لاهجة فكل حي به نشوان يرتعد

    تكاد في غمرها الأجساد من لهف يحيلها الشوق أنواراً فتتقد

    يا رب أنشودة الأرواح تعزفها هنا القلوب فيا لله ما تجد

    والدمع من لذعها هام فلا خجل يكف جريته الحرى ولا جلد

    تذكرت شأنها يوم الحساب وقد سيقت إلى العرض لا عون ولا سند

    تود لو أنها في الأرض ما وجدت ولا ألم بها مال ولا ولد

    فاستصرخت رب نفس غير سائلة سوى النجاة وقد أودى بها الكمد

    يذكي لواعجها طيف الذنوب فما تكاد تبصر غير الهول يحتشد

    وتنجلي نفحات العفو عن كثب فتستقر بُعيد اللوعة الكبد

    والنفس في غمضة النجوى قد انطلقت من أسرها فبدت روحاً ولا جسد

    شفت فلا يتراءى في بصيرتها سوى المليك الذي قد صاغها أحد

    فيا لها جلوات للكروب هدى تحيا بلمس ثناها أعين رمد

    بها تجلى على تلك الوفود وقد وافته تبغي رضاه الواحد الصمد

    وكذلك أيضاً يقول آخر:

    هذي طلائع للحجيج شعارها لبيك يا رب الحجيج المحرم

    كل النفوس تعلقت آمالها تدعوك ما بين الحطيم وزمزم

    حتى المشاعر كبرت حصباؤها حسب الذي يدعوك أن لا يندم

    وتكبل الشيطان في اليوم الذي قد أوقدت أبواب نار جهنم

    وتفتحت أبواب جنتك التي وعد الحجيج بها بيوم أعظم

    وثالث أيضاً وقد تخلف عن الحج -وهذه مشاعر روحانية جيدة حين يعز على الإنسان أن يفقد مواضع الطاعة وأسباب القربة من الله سبحانه وتعالى- يقول:

    خلفوني مع الدموع وراحوا ليتهم من ودعوا قد أراحوا

    أزمعوا الحج يا هناهم فصاروا يسبق الطائرات شوق صراح

    فجروا في فؤادي نبع حنين يا بروحي حنينهم والنواح

    وسمت بي مع الخيال سماء وضياء يلفني لماح

    وجلال الأذكار في الكعبة الغـ راء نور بها الهدى وضاح

    والبرايا من كل جنس ونوع جمع الله طيهم فارتاحوا

    وتعالى الصوت الحبيب جهيراً تلبيات ترجيعها صداح

    واقع تخشع القلوب إليه ومقام تسمو به الأرواح

    كل خطو في أرض مكة ذكر كل ركن في ساحها مصباح

    وانجلت عتمة وأزهر شوق واحتوتني بفيضها الأفراح

    فإذا بي والبيت يحرس خطوي مستقيم في خطوه مرتاح

    وزحام الطواف نفحة حب وحنان الدعاء روح وراح

    وعجيج الساعين نبعة خير وصلاة ريانة وارتياح

    والوقوف الحبيب في عرفات نفحات من الهدى وانشراح

    وسلاح الحصى العجيب فخار تاه عزاً فغار منه السلاح

    وطواف الوداع للبيت دمع وابتهال نحوه يجتاح

    إنما الحج والزيارة خير ووصول وتوبة وفلاح

    ولقاء مع السماء كريم وعطايا فيها التجلي نجاح

    أتراني أحظى برحلة حج في حياتي أم فاتني المصباح

    1.   

    الأسئلة

    حكم النيابة في الحج عن الوالدين أو غيرهما

    السؤال: ما حكم النيابة في الحج عن الوالد أو الوالدة أو غيرهما؟

    الجواب: الحج من الأعمال التي تجوز فيها النيابة، والنيابة هنا عامة لا يشترط أن يحج فيها عن الشخص قريب له أو ولد له، بل متى أناب أو وكل غيره وأعطاه النفقة صح حجه عنه إن كان من يحج عنه معذوراً، كأن يكون مريضاً بمرض لا يرجى برؤه، أو عاجزاً عجزاً لا يستطيع معه الحج، أو كان ميتاً فوكل ورثته من يحج عنه، وكذلك إن لم يكن هناك مبادرة من صاحب الحج، فإن تطوع الرجل ليحج عن أبيه الذي لم يحج، أو تطوع أن يحج عن صديق له مات وهو لم يحج فإنه لا شيء في ذلك، وليس هناك من عمل يختلف بين حج الشخص عن نفسه وحجه عن غيره إلا النية، فقد ورد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك -اللهم- عن شبرمة. فقال: هل حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) .

    فليس هناك خلاف في العمل، فبعض الناس يظن أنه يحتاج إلى عمل معين، وليس كذلك، لكن عند التلبية للحج يسمي؛ لأن تسمية من يحج عنه وارد ومشروع، فيقول: لبيك -اللهم- حجة وعمرة عن فلان. أو: لبيك -اللهم- حجاً عن فلان. أما بقية الأعمال فإنه يؤديها كما يؤدي حجه عن نفسه بكامل إخلاصه، فعندما يدعو فيدعو بالدعاء الذي يدعو به في المعتاد حينما يحج عن نفسه، ويعمل نفس الأعمال، لا يزيد عن ذلك شيئاً، إلا أنه يعلن بالنية في أول الأمر ويستحضرها عند بعض المناسك خاصة عند النحر أو الذبح، وقد يصرح أيضاً بأنه ينحر عن فلان؛ لأنه قد ورد مثل ذلك -أيضاً- عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    إنفاق المال في الجهاد أفضل من حج التطوع

    السؤال: أحد الإخوة كان قد تبرع بمبلغ الحج للمسلمين المتضررين في البوسنة والهرسك أو في غيرهما؛ فأيهما أفضل: الحج أم ما صنعه؟

    الجواب: هناك فتوى اطلعت عليها من ضمن الفتاوى لكبار العلماء، يقولون فيها: إن الذي عنده نفقة الحج ويريد أن يحج تطوعاً فإنه من الأولى له أن ينفق المال في الجهاد في سبيل الله. مستشهدين بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: (أنه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الحج المبرور) فإذا كان حج الفريضة قد أداه فإنه إن أنفق المال في الجهاد فهو أولى إن استطاع وكان أمره متيسراً وعنده نفقة الحج، وإن أراد التفاضل فإنه على هذا الوجه استناداً لهذا الحديث، لكنه لا يجب عليه أن يترك حج التطوع لينفق المال في ذلك المضمار، ولا يكون آثماً إن صرف المال في حج التطوع؛ فإنها قربات، والمسألة هي مسألة تفاضل، والإنسان لو ترك الأفضل وأخذ بالمفضول فإنه جائز، لكنه قد يكون أخذ بأجر أقل وترك الأجر الأعظم، هذا ما يقال في مثل هذه المسألة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.