إسلام ويب

تربية الأبناءللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مسئولية تربية الأبناء والاعتناء بهم مسئولية عظيمة جداً، وقد بين الله أهميتها في القرآن العظيم، وحذر من التفريط فيها، كما راعاها النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً، فعلى المسلم أن يهتم بتربية النشء الذين هم عماد الأمة ومستقبلها الواعد، وتربيتهم التربية الصالحة سبب عظيم لرفعة الأمة وعزتها وقوتها.

    1.   

    أهمية مسئولية تربية الأبناء ومكانتها وعظمتها

    الحمد لله جلت قدرته، وظهرت حكمته، واتسعت رحمته، واشتدت نقمته، له الحمد سبحانه وتعالى، ما أوسع علمه! وما أعظم حلمه! وما أجل فضله! وما أكثر كرمه! نحمده سبحانه وتعالى على آلائه الجسيمة، ومننه العظيمة حمداً يليق بجلاله، وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أسمع به آذاناً صماً، وفتح به قلوباً غلفاً، وهدى به البصائر والأبصار، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! الأمانة المضيعة، والثروة المهدرة، تحتاج منا إلى مراجعة ومذاكرة، ومعاتبة ومحاسبة، وإلى إصلاح الخلل وتقويم الاعوجاج.

    أبناؤنا فلذات أكبادنا، أطفالنا رجال مستقبلنا، شبابنا أمل أمتنا، سلف حديث لنا في الجمعة الماضية عن الوقت الممتد في هذه الإجازة، والإهدار لهذه الأوقات في كثير مما لا يجدي نفعاً، وقد يجلب ضرراً، ولقد وجدت بذلك صدى عند كثير من الإخوة، وقالوا: حدثنا عن مشكلاتنا، وخاطبنا في القضايا التي تحيط بنا، ومن أهمها وأجلها: مسئولية تربية الأبناء، ثروة أجيالنا القادمة، علّنا نستشعر هذه المسئولية، وندرك عظمتها، ونعرف ثقلها، ونعي أثرها ودورها في واقع حياتنا ومستقبل أمتنا.

    هذا حديث أعلم أنه جليل واسع وعظيم لا يكفيه مثل هذا المقام، وحسبي اليوم أن أجتهد في الوصول إلى هدفين اثنين مهمين، أولهما: توضيح هذه المسئولية وعظمتها ومكانتها وأهميتها.

    وثانيهما: البيان الإجمالي العام لآثارهما التي نعيشها ونلمسها ونراها بأعيننا.

    مكانة مسئولية تربية الأبناء في القرآن الكريم

    هذه المسئولية مسئولية عظيمة جليلة، وهي في كتاب الله وفي هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وحسبنا هذه الومضات التي نريد أن نبين فيها اقتران الفرائض والواجبات التي يعرفها كل المسلمين مع هذه المهمة العظيمة في التربية، يقول عز وجل: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] هذه الآية في هذا الأمر العظيم والمهمة الجليلة، قال السيوطي في الإكليل تعليقاً على هذه الآية: إنه يجب على الإنسان أن يأمر أهله من زوجة وعبد وأمة وسائر عياله بتقوى الله والطاعة، وخصوصاً الصلاة.

    وقال ابن علان الدمشقي في هذه الآية: أي: يأمر زوجته وأبناءه المميزين الذكور والإناث.

    إن الأمر الرباني الذي حملنا أمانته كالإيمان والتوحيد وأداء الفرائض والعبادات، حملنا كذلك معه هذه المسئولية الجسيمة والأمانة العظيمة فيمن ولانا الله عز وجل أمرهم، وجعلنا سبباً لوجودهم، وسخرنا لكي نكون رعاة لهم، نغذوهم ونقوتهم، ونعينهم ونحدب عليهم ونحميهم، ويجب كذلك أن نعلمهم ونؤدبهم ونربيهم، فإن فرطنا فقد أخللنا بهذه الأمانة، وضيعنا هذه المسئولية، يقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].

    وهذا النداء الإيماني له عظمة كبيرة قال ابن مسعود : (إذا سمعت قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فارعها سمعك؛ فإنها إما أمر تؤمر به أو نهي تزجر عنه).

    ومما قاله أهل التفسير في هذا النداء: إنه تلطف من الله سبحانه وتعالى بعباده، وتحبب إليهم بندائهم بأحسن أوصافهم وأجل خلالهم وهو إيمانهم به، وفي النداء كذلك أيضاً أمر مهم وهو استدعاء متطلب الإيمان وتبعته، فإن للإيمان أمانة ومسئولية، فكأن النداء يقول: إن مقتضى إيمانكم وحقيقته يترتب عليه التزام أمر الله وشرعه، واقتفاء هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقيام بالمهمة والأمانة التي كلفك الله عز وجل بها بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ [التحريم:6]، وليست هذه وحدها مسئوليتكم، بل وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6].

    قال ابن عباس رضي الله عنهما: (اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهلكم بذكر الله، ينجيكم الله من النار).

    وقال مجاهد رحمه الله: اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله.

    وتوسع قتادة في بيان المعنى فقال رحمه الله: يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصية الله، وأن يقوم عليهم بأمر الله ويأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها وزجرتهم عنها.

    وأوجز البغوي ذلك مع ربطه بالعاقبة المهمة في الآخرة فقال: مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلموهم وأدبوهم، والنتيجة والثمرة المهمة تقونهم بذلك النار.

    من يريد أن يكون أبناؤه حطباً لجهنم؟! إذا فرط في تربيتهم وقصر في تعليمهم ولم يجتهد في تأديبهم، كان سبباً مباشراً في انحرافهم والعياذ بالله!

    وامض مع الآيات فإنك واجد فيها كثيراً من ذلك في الآداب والتربية قبل التكليف، وهي الأساس المهم والقاعدة الرئيسة والركن الركين الذي لا بد من العناية به، يقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ [النور:58] الذين لم يبلغوا الحلم ليس عليهم تكليف، ما زال القلم مرفوعاً عنهم، ومع ذلك يعلمهم آباؤهم وأمهاتهم تلك الآداب، عند سن التمييز ومنذ نعومة الأظفار؛ لأن الآية بعد ذلك جاءت: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:59] عند ذلك صاروا أهل تكليف، وصارت المهمة في أعناقهم، والأمانة في رقابهم، أما قبل ذلك فما زالت الأمانة في رقابكم، والواجب منوطاً بكم، والمهمة معقودة عليكم، والله عز وجل قد ذكر من ذلك الكثير.

    مكانة مسئولية تربية الأبناء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام وسيرته

    نقف وقفات مع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وأعظم المربين في تاريخ البشرية كلها، ففي سنته الكثير والكثير مما يلفت أنظارنا إلى هذه المهمة الجسيمة، وحسبنا ذلك النداء الشامل الذي فصل فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعض التفصيل: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، -ثم ختم عليه الصلاة والسلام بالتأكيد مرة أخرى- ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ألست تنفق على أبنائك وتأتيهم بالطعام والشراب والكساء؟ هل ترى أن أحداً مسئول عن ذلك غيرك؟ لكنك بعد ذلك تهبهم للشوارع أو للقنوات لتعلمهم وتربيهم، أو لأصحاب الشر والسوء ليفسدوا فطرهم ويسودوا قلوبهم ويحرفوا سلوكهم، هل تخليت عن هذه الأمانة وبقيت للطعام والشراب؟ هل جاء أبناؤك ليكونوا بالنسبة لك كالبهائم تعطيها علفها حتى تمضي وتتحرك دون أن تشعر بالأمانة العظمى وهي التربية على الإيمان، وتقويم السلوك، وتحسين الأخلاق وغير ذلك مما هو معلوم من أسس التربية؟!

    ورد في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما قوله عليه الصلاة والسلام: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) والسبع والعشر ليستا سن تكليف ووجوب، ولكنهما سن تمييز وتربية، من الذي يقوم بها؟ أنتم.

    (مروا) أنتم، ينبغي ألا تنسوا ذلك وألا تغفلوا عنه، ما بالك تخرج إلى المسجد في الغلس لصلاة الفجر، وحولك من الأبناء والبنات من لم يستيقظوا لأداء عبادة الله والقيام بفريضة الله؟! تمضي مسبحاً وترجع محوقلاً وبينهما تكون ذاكراً وقارئاً ومصلياً، والأمانة التي فوق ظهرك قذفت بها وألقيتها، كأن لم يكن عليك من الله فيها أمر ولا تكليف ولا واجب، كأن لم يكن لك فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم هدي ولا توجيه ولا تعليم!!

    وهكذا نمضي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لنرى كيف يراعي الأمور الدقيقة؟! وكيف اعتنى بها ووجه إليها وربى عليها، حتى فيما هو دقيق خفي لا يكاد يعرفه أولئك الصغار من الأطفال؛ لأن صفحات قلوبهم بيضاء، كل كلمة تكتب فيها، كل سلوك ينطبع أثره فيها، فإن كان خيراً أورث الخير، وإن لم يكن في ذلك السن مدركاً وواعياً، لكنها آثار وبصمات ما تزال تترسخ في أعماق نفسه وسويداء قلبه، ما تزال تصبح من أسس فكره ورشد عقله، ثم إذا بها تنعكس على سلوكه وحسن أدبه.

    فهذا الحسن بن علي رضي الله عنه ريحانة من ريحانات الجنة، حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صغير في سن دون التكليف بل ربما حتى لم يكن مميزاً، وقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم تمر من تمر الصدقة، فإذا بالصغير يمد يده ليأكل، فينهاه نبي الله صلى الله عليه وسلم نهياً رفيقاً خفيفاً: (كخ كخ، أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟) أي: أنت من آل البيت والصدقة تحرم عليك، والصغير لا يعرف ذلك، ولا يعرف تلك الأحكام، لكن الكبير المربي صلى الله عليه وسلم يريد من البدء في أول الأمر ألا يدخل إلى جوف ذلك الطفل الصغير إلا ما حل، وأن يكون هناك تقويم يرشد إلى التمييز من أول الأمر بين الخير والشر والحلال والحرام، يريد أن يغذي الفطرة النقية بنور التقى والهدى، وأساس الخلق القويم والأدب الجم.

    وهكذا نراه عندما كان ابن أبي سلمة ربيباً في بيته وهو ابن أم سلمة أم المؤمنين، كان يأكل فتطيش يده في الصحفة، فيقول المربي العظيم: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) حتى هذه الآداب يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليبين أن المهمة ليست مقتصرة على المهم العظيم من الفرائض كالتوحيد وسائر العبادات، بل للآداب والأخلاق وما هو من المكملات مكانة عظيمة في حديثه صلى الله عليه وسلم وسيرته، فقد بين أن الأمانة مربوطة بأعناق الآباء والأمهات حيث قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولم يقل: أو يمسلمانه؛ لأن الإسلام مغروس في فطرته، لكن كيف نغذيه؟! كيف ننميه؟! كيف نسقيه؛ لتنبت شجرته يانعة، وتكون ثماره ناضجة بإذن الله عز وجل؟!

    هذه ومضات، ونحن عندنا ما يكفينا لكي نؤسس تربية عظيمة كاملة منهجية قويمة؛ لأن عندنا النهج القويم، والهدى المستقيم في كتاب الله عز وجل: قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:15-16] عندنا هذا ولا نبذله لأبنائنا، ولا نربيهم عليه، وعندنا من بعد ذلك الصورة المثالية الحية المتحركة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] وعندنا بعد ذلك أجيال عظيمة وقمم شامخة وقدوات سامية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين والأئمة والعلماء، لنا رصيد عظيم، فما بالنا نتنكر له وننساه، ونبقى مع سقط المتاع وأراذل القوم من شرق وغرب؟!

    يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم).

    نعمة الأبناء وفضل تربيتهم

    إذا أردنا أن نجد الصورة العظيمة في كتاب الله التي تعرفنا بهؤلاء الأبناء من هم؟ فقد ذكر الله عز وجل في مجمل الآيات صفات عظيمة نوردها إجمالاً، وفي التفصيل في ذلك ما يكون له أثر أكبر وأعظم، هؤلاء هم زينة الحياة، يقول عز وجل: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46].

    وهم نعمة الله سبحانه وتعالى حتى كان من دعاء عباده المقربين قوله جل وعلا: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74].

    وهم كذلك القوة التي منّ الله عز وجل بها علينا بقوله سبحانه: وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً [الإسراء:6].

    وهم من بعد ذلك المثوبة والأجر الممتد كما أخبر الحق عز وجل في دعاء الرسل والأنبياء، وفي كثير مما جاء في قصص القرآن يقول عز وجل حاكياً عنهم: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة:128]، رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم:40].

    من يستشعر المسئولية ويرغب في المثوبة والأجر والذكر الممتد بعد وفاته فالطريق إليه هو تربية الأبناء وحسن تأديبهم؛ ليكونوا الأنموذج الذي يذكر بآبائهم وأمهاتهم، وليكونوا العمل الصالح المستمر من بعدهم، والدعاء الخاشع المتواصل لآبائهم وأمهاتهم، والأمر في ذلك يطول كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى في آياته الكثيرة، ولعلنا ندرك بهذا أهمية الأمر وجسامة المسئولية فننتدب لها، ونهيئ أنفسنا لأدائها، كما نحرص على إيماننا وتوحيدنا، وكما نجتهد على أداء فرائضنا من صلاتنا وزكاتنا وحجنا وصومنا، كما نكون كذلك ينبغي أن نستشعر أن المهمة والأمر والواجب والمسئولية تجاه أولئك الأبناء والبنات، الذين نشكو اليوم من صور انحراف ما بين تفريط وإفراط، ومرد ذلك في كثير من الأحوال والأسباب إلينا نحن معاشر الآباء والأمهات.

    اللهم إنا نسألك أن تصلح أزواجنا وذرياتنا، وأن تجعلهم صالحين، وأن تجعلنا وإياهم من الطائعين، وأن تحسن ختامنا أجمعين.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الصور المنحرفة في تربية الأبناء وآثارها السيئة

    الصورة الأولى: الإضاعة والإهمال للأبناء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    فيا أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

    إن من حق أبنائنا علينا حسن تربيتهم وتأديبهم، فإن هذه المهمة يقع فيها ثلاث صور من الانحراف: أولها وأعظمها خطراً: الإضاعة والإهمال، فبعض الآباء والأمهات تجد أن مهمة تربية الأبناء والاهتمام بهم، ليست ورادة في قائمة المهمات ولا مدرجة في سلسلة الواجبات لديهما، فالأب مشرق والأم مغربة، والأبناء يهيمون على وجوههم تتلقفهم شياطين الإنس قبل شياطين الجن، وإذا به بعد دهر طويل يشكو عقوق الأبناء، يقول فلا يسمع له، ويأمر فلا يستجاب له، ويزجر فلا يخشى منه، كما ذكر لي بعض الإخوة، يقول: ماذا أصنع؟ إنهم قد تمردوا عليّ، ولم يعد لي قدرة على توجيههم.

    أقول: قد فرطت في البداية، وها أنت تجني الثمرة المرة في النهاية.

    جاء رجل إلى الفاروق عمر رضي الله عنه يشكو عقوق ابنه فجاء به عمر وقرع الابن وذكره بحق أبيه ووجوب بره، فأصغى الفتى حتى انتهى عمر رضي الله عنه، فقال الابن له: يا أمير المؤمنين! أليس للابن حق على أبيه؟ فقال الفاروق : بلى، عليه أن ينتقي أمه، وأن يحسن اسمه، وأن يعلمه القرآن، قال: فإن أبي لم يفعل من ذلك شيئاً، فإن أمي زنجية ابنة مجوسي، وقد سماني جعلاً -أي: خنفساء-، ولم يعلمني من القرآن حرفاً، فالتفت الفاروق إلى الأب وقال: يا هذا! قد عققت ابنك قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

    انظر أخي إلى الثمرة المرة تجد أن بذرتها كانت كذلك، فلا تفرط حتى لا تشكو وتندم حين لا ينفع الندم.

    الصورة الثانية: القدوة السيئة

    يقول ابن القيم رحمه الله في الصورة الثانية من التربية التي يكون فيها الآباء والأمهات قدوات في ارتكاب المحرمات، ونماذج في التفريط بالواجبات: أكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوهم كباراً.

    وقال في سياق هذه المعاني: يا أبتي! إنك عققتني صغيراً فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً.

    وهذه قضية مهمة؛ ولذلك نجد نوعاً من تربية الدلال والإغراق في موافقة ومسايرة الأبناء على ما يرغبون ويشتهون وهم في سن المراهقة أو الطفولة، وحولهم من البيئة ما يصرفهم عن الخير إلى الشر، وهذا يمد له في الغي مداً، هذا يعطيه ما يشاء في هذه الأبواب دون أن يلتفت إلى المخاطر والعواقب، فإذا به بعد ذلك يجني ابناً مدمناً للمخدرات، أو مقيماً على شرب المسكرات، أو والغاً في ارتكاب الجرائم والمحرمات؛ لأن هذه المقدمات أوصلت إلى تلك النهايات.

    أما الأم فتجدها لا تلتزم الحجاب ولا تراعي الحياء ولا تعتني بالحشمة، ربما تشكو من بعد ذلك أن ابنتها قد وقعت في فاحشة، أو ألمت بجريمة من تلك الجرائم العظيمة، فتبكي وتصيح على الشرف المثلوم، والعرض المكلوم، والسمعة الضائعة، وما عرفت أنها كانت القائدة، وأنها كانت المرشدة الهادية إلى طريق الزيغ والانحراف، نسأل الله عز وجل السلامة.

    وهذه المشكلات التي نراها في أسواقنا، أو نراها في شبابنا وفتياتنا في هذه الجوانب إنما هو غرس أولئك الآباء والأمهات، أو إضاعتهم لهم، فلا تحملوا مسئولية، ولا أدوا أمانة.

    الصورة الثالثة: التربية الغليظة عند تقويم الأبناء وتوجيههم

    هذه صورة أخرى وهي: التربية العسكرية الغليظة الخشنة، لا يعرف أولئك الآباء أو تلك الأمهات إلا أساليب القهر والعنف والمنع والمصادرة، لا يظهرون من قلوبهم رحمة، ولا يبدون في أسلوبهم حكمة، فحينئذ يمكن أن نرى من الأبناء صوراً من صور الانحراف كالكذب والمخادعة والحيل والألاعيب، وربما نجد كذلك صوراً عظيمة أفظع من هذه وذلك عندما ينحرف الآباء والأمهات ويستقيم الأبناء بفضل من الله، فإذا بالأب يزجر ابنه عن الذهاب إلى المسجد، ويحذره ويتوعده إن التحق بحلق القرآن، وقد يضربه ويحاسبه أشد الحساب إذا انتقى الأخيار من الأصحاب، فأي شيء ينتج عن ذلك؟!

    إنها ردود الأفعال في غالب الأحوال، وإليكم قول مرب عظيم ورجل من رجالات التاريخ في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إنه الإمام ابن خلدون في كلمات وجيزة يقول: من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين والخدم، غلب عليه القهر، وضاقت نفسه وذهب بنشاطها، وحملها على الكذب والخبث؛ خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليها، وعلم المكر والخديعة لذلك.

    وبعض صور ما يطلق عليه اليوم بتجاوزات كثيرة وتفريطات عديدة تطرفاً أو غلواً، ربما كان منشؤه استقامة الأبناء واعوجاج الآباء، فرأوا من آبائهم ما ظنوا أنه مخالفة صريحة لكتاب الله وسنة رسول الله، وما يكون في هذه الأسرة قد يكون هو النموذج الموسع في المجتمع، فعندما نعنفهم، وعندما نحاربهم، وعندما نوبخهم، وعندما يكون مسلك الخير معيباً، وعندما يكون نهج الصلاح خطيراً، فأي شيء نرجو من بعد ذلك؟!

    التربية ينبغي أن يكون أساسها الرحمة، وأساسها التوجيه الحسن القيم، كما قال الحكيم الذي هو مضرب مثل في سياسة الأمم والشعوب فضلاً عن سياسة الأبناء والصغار معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه يصف الأبناء فيقول: هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، فإنهم يمنحونك ودهم، ويحبونك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقيلاً فيملوا حياتك، ويتمنوا مماتك.

    وليس كلامه على إطلاقه، لكنه كان في معرض الرد على من كان لا يعرف رحمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل القاسي الشديد الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم يحمل ذلك الطفل الصغير ويقبله في رحمة غامرة، والأعرابي الغليظ ينظر متعجباً فقال: (أتقبلون أبناءكم؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها رحمة، فقال الرجل: إن لي عشرة من الأولاد ما قبلت منهم واحداً قط- وربما نجد بعض الآباء وهم يفتخرون بذلك، ويرونه من أسباب قوتهم وهيبتهم- فقال عليه الصلاة والسلام: من لا يرحم لا يرحم) وفي حديث هذا الرجل أيضاً قال عليه الصلاة والسلام: (أو أملك إن نزع الله الرحمة من قلبك).

    نسأل الله عز وجل أن يصلح أزواجنا وذرياتنا، وأن يجعلنا ممن يقومون ويعلمون ويؤدبون أبناءهم على منهج كتاب الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى.

    اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.

    اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد.

    اللهم إنا نسألك أن ترفع كلمة الحق والدين، وأن تنكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء!

    اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين!

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين!

    اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمبعدين والمشردين والمعذبين، والجرحى والمرضى والمسجونين في كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم عجل فرجهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وترضوا على الصحابة الكرام خصوصاً على أجلهم قدراً وأرفعهم ذكراً، ذوي المقام العلي والقدر الجلي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].