إسلام ويب

تقديس وتدنيسللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد عظم الله تعالى في الشرع أشياء وجعلها مقدسة مميزة على غيرها، فتعظيمها واجب، ولا يحل لمسلم أن يتناولها بالانتقاص أو الإهانة، وحرص المسلم على تعظيمها دليل على تقواه لله تعالى؛ لأن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، وينبغي أن يعلم المسلم أنها ما عظمت إلا بتعظيم الله تعالى لها، إذ هو سبحانه يصطفي من خلقه ما يشاء ويختار، فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه سبحانه وتعالى.

    1.   

    مقدمة عن التقديس

    الحمد لله لا إله غيره ولا رب سواه، لا يضل من استهداه، ولا يخيب من رجاه، ولا يحرم من دعاه، له الحمد سبحانه وتعالى جل جلاله، وتقدست أسماؤه، وعظمت صفاته، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه.

    فله الحمد كما يحب ويرضى، وله الحمد كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وله الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]،يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن التقديس والتدنيس في أمور عظيمة جليلة لها في قلب كل مؤمن مخلص ومسلم غيور أعظم موقع وأسمى مكان، وإن المسلم اليوم يرى أموراً ويسمع أخباراً ما كان يخطر ببالنا -ولو على سبيل التخيل والرجم بالغيب- أن يكون مثلها.

    وقد يعجب بعض الناس ويتساءلون عن السبب الذي أوصل الأمة إلى هذا الموقف، وكلنا يعلم كم مر في الآونة الأخيرة من جرائم على مقدساتنا، بدءاً بتسفيه آيات القرآن العظيم، ومروراً بالعدوان والانتقاص للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتعريجاً على صور من التدنيس والإهانة لكتاب الله جل وعلا، وكذا العدوان على المقدسات الإسلامية كرّة بعد كرّة، ومرة بعد مرة، كما في بيت المقدس مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأحسب أن بإمكاننا في مثل هذا الموضوع أن نرفع الصوت عالياً، وأن نستجيش العواطف لتختنق الحلوق بالعبرات، وتذرف العيون بالدمعات، وتهتز الرءوس بشيء من الاعتراف، وتلهج الألسن بحوقلة واسترجاع، ثم نمضي دون أن يكون لنا من وراء ذلك ما هو أعظم من هذه الصور الظاهرة، ومن هنا آثرت أن لا يكون حديثي على ذلك النحو الذي قد وصفته، فنحن لسنا في حاجة إلى الصراخ، فإنه يملأ الأجواء؛ ولسنا في حاجة إلى الاستنكار؛ فإنه قد ملئت به القنوات والإذاعات والمؤتمرات.

    ولكننا نحتاج إلى اكتشاف العلة ومعرفة الداء والنظر إلى المقدمات، ومعرفة الخلل الذي نشارك فيه جميعاً ولا يكاد يسلم فيه منا أحد إلا من رحم الله.

    1.   

    معنى التقديس وأهميته في الدين الإسلامي

    التقديس معناه في أصل اللغة التطهير والطهارة، ويدخل فيه ويرتبط به في هذا المعنى شرف الصفات والخلال، ويتبع ذلك التعظيم والإجلال، وفيه كذلك الخير والبركة وحسن الحال والمآل.

    فكل أمر عظيم مقدس طاهر، منزه عن العيوب والنقائص، مشتمل على عظيم الصفات والخصال، ومن ثم فإن فيه الخير والبركة، ويجب له التعظيم والإجلال.

    فمن الذي يقدس؟ ومن الذي يجعل الشيء عظيماً محترماً وله أحكام تخصه في معاملته وفي توقيره وتعظيمه؟

    إنها مسألة في أصل ديننا ليست مبنية على اجتهاد علماء، ولا اتفاق فقهاء، وإنما هي أحكام ربانية من الله جل وعلا.

    وهذا الاختيار من الله يدل على كمال الألوهية لله عز وجل وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ [القصص:68].

    هو الذي يختار جل وعلا، فيجعل من البشر رسلاً هم صفوة الخلق، ولهم مقام من التقديس والتعظيم يليق بنبوتهم ورسالتهم.

    وهو الذي يصطفي من البقاع بقاعاً فيجعلها مقدسة لها أحكام خاصة، ولها فضائل جليلة، وكل من يسيء إليها أو ينتقص من تعظيمها فله وعيد شديد وعذاب عظيم، بل وحد مشروع في الدنيا قبل الآخرة.

    فالله تعالى هو الذي جعل هذه الخصيصة لنفسه، ففضل من الأزمان أزماناً وجعل لها خصائص، وفضل من البشر خلقاً وجعلهم رسلاً وأنبياء، وفضل من البقاع بقاعاً وجعلها مواطن لبيته المقدس ومسرى رسوله الكري، ومسجده العظيم صلى الله عليه وسلم.

    هو الذي جعل ذلك حقاً له جل وعلا اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] وذلك من خصائص الحق سبحانه وتعالى، لا يحق لأحد أن يكون له من ذلك شيء مطلقاً، كما لا يحق لأحد أن يعترض أو يجترئ على ما خصه الله جل وعلا بالتقديس والتعظيم.

    والتدنيس في مقابل ذلك مرتبط بالنجاسة والإذلال والإهانة لما هو مقدس، فإنه يدخل على الشرف ما لا يناسبه، ويضيف أو يعترض على العظمة بما يناقضها، وذلك لا يجوز بحال من الأحوال، ولست هنا مفيضاً في هذا المعنى، لكني أقول: إن أعظم تقديس هو تقديس الله سبحانه وتعالى، فهو جل وعلا الملك القدوس المنزه عن كل النقائص التي تلحق بغيره من الخلق جل وعلا.

    وتنزيه الله سبحانه وتعالى وتقديسه مقصود به تنزيهه عن كل ما لا يليق، كما قالت الملائكة: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30]، ومقام ذات الله عز وجل أعظم مقام عند المسلمين المؤمنين، وكذلك كلام الله سبحانه وتعالى القرآن العظيم له أحكام كثيرة ودقيقة، حتى إن الفقهاء فصلوا في كثير منها بحسب ما ورد من الاستفتاءات، ولعلي أشير إلى بعضها لنرى كيف يكون هذا التعظيم سارياً في كل أمر، حتى وإن كان في نظر بعض الناس صغيراً أو هيناً.

    إن الفقهاء يسألون عن مد القدم إذا كان في تجاهها أو في مقابلها المصحف (كتاب الله عز وجل)، فيفتون بالحرمة إذا كان في ذلك شيء من الاستهانة وعدم التعظيم، وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم -مفتي المملكة السابق- ورد قوله: أما وضع المصاحف في أكياس خلقة من الخيش ونحوه وتعليقها فهذا لا يجوز؛ لأن فيه إهانة للقرآن، ولو لم تكن متعمدة.

    وسئل الشيخ يوسف الددوي -من علماء الأزهر الشريف- عن شرب الدخان في مجالس القرآن فقال: أما شربه في مجالس القرآن فهو حرام. وأفاض في بيان ذلك بأن فيه إعراضاً عن التدبر بالتلهي، وأن فيه إشعاراً بالاستهانة، وأن فيه إيذاءً لمن يصغون ويستمعون لكلام الله جل وعلا.

    وأمضي -أيضاً- إلى فتوى للعز بن عبد السلام إمام المجاهدين وعلم المفتين، فقد سئل: هل يجوز تسليم المصحف لذمي ليجلّده؟ وهل يجوز ترك كتب التفسير والحديث عند غير المسلمين؟

    فأجاب رحمه الله: لا يجوز ترك كتب التفسير والحديث عندهم، ولا تدفع المصاحف ولا التفاسير ولا كتب الحديث إلى كافر لا يرجى إسلامه، وينكر على فاعله. أي: على فاعل ذلك.

    ولعل مثل هذه الصور عندما نسمعها نرى أن كثيراً منها يقع اليوم وليس في النفوس منه حرج، وأن غير ذلك -بل ربما أكثر منه- نراه في واقع أمة الإسلام.

    ألست تسمع الإقسام بالله عز وجل يسرد ضمن الغناء مع الألحان، يقول مغنٍ وضيع أو راقصة داعرة؟!

    ألم تسمع أن مغنياً عربياً أدخل بعض آيات من القرآن في سورة يوسف عليه السلام في أغنية لحنها وغناها؟!

    ألست تسمع صوراً كثيرة في واقع المسلمين اليوم كلها عند من يدقق في معنى التقديس والتعظيم تجرحه وتخدشه، وقد تصل إلى صور عظيمة من الإهانة يأتي الحديث عن خطورتها وعن عظمتها وعما حكم به بعض أهل العلم بكفر فاعلها؟!

    إن مثل هذه الأحوال لا تجوز الاستهانة بها، ولا التهوين من شأنها، فإن كل صورة من صور الاستهزاء المناقض للتعظيم فيها أحكام صارمة قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66].

    قالها قوم من المنافقين في غزوة تبوك أثناء مسير النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، قال بعضهم لبعض: ما رأينا مثل أصحابنا هؤلاء أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء -يعنون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والصفوة المختارة من أصحابه رضوان الله عليهم- وبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنزل عليه الوحي بهذه الآيات، وعلم المنافقون بهذا، فابتدر أحدهم إلى ناقة النبي صلى الله عليه وسلم يستعطفه والقرآن ينزل: قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66].

    ويأتينا مثل هذا كذلك فيما أجمع عليه علماء الأمة في شأن سب المصطفى صلى الله عليه وسلم، والانتقاص من قدره ومقامه ولو بصورة من الصور التي قد يراها بعض الناس تحتمل تأويلاً، فقد نقل أهل العلم الإجماع على ذلك.

    قال القاضي عياض رحمه الله: أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابّه، وكذلك حكى غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره.

    وقال محمد بن سحنون : أجمع العلماء على أن شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر.

    ليست هذه المسائل هينة، إنها عند علماء الأمة في ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أعظم المسائل وأجلها؛ لأنها تتعلق بالمقدسات.

    وتأمل قول الحق جل وعلا: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25]، وتأمل قول الله عز وجل في حرمة البيت الحرام ودخول المشركين إليه، وتأمل كل الأحكام المتعلقة بكل ما قدس الله سبحانه وتعالى ونزه من هذه المقدسات التي جعلت لها أحكام خاصة تعظيماً وإجلالاً وتوقيراً.

    ألا نعرف أحكاماً كانت لمناجاة النبي صلى الله عليه وسلم؟! ألا نعرف أحكاماً خاصة في خفض الصوت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم؟! ألا نعرف أحكاماً خاصة في طريقة نداء وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم؟! ألا نعرف أحكاماً خاصة بالقرآن كيف يتطهر له، وكيف يحترم عند قراءته، وكيف يجل في تدبره، وكيف يعظم في العمل به؟! ألا نعرف كل ذلك؟!

    ولكننا نرى صوراً منه في واقع حياة أمتنا تتسرب قليلاً قليلاً، ويألفها الناس شيئاً فشيئاً، ثم نأتي إلى صور أعظم هي التي تكاد اليوم تلفت أنظار الناس، أصبح اليوم هناك من يسمع أو يرى المنكر الذي ليس بعده منكر فلا يتغير ولا ينكر، يسمع الكفر البواح وكأنه لا يعنيه شيء.

    وما بعد ذلك من أمور عظيمة ومقدمات لما بعدها نجدها اليوم في واقعنا، حتى إننا نجد ذلك متفاوتاً في الأجيال، حيث تجد الكبير منا اليوم عنده من توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقير القرآن الكريم وتوقير بيوت الله عز وجل ما لا نجده بالقدر نفسه عند كثير من الجيل الناشئ؛ لأنهم لم يعودوا على التوقير والتعظيم المناسب الملائم الذي ينبغي أن يربى عليه الأبناء منذ نعومة أظفارهم. لقد قالالحسن: كانوا يعلموننا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نُعلم الآية من القرآن.

    وكان كذلك تعظيم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيما بينهم، حتى إن ابن عمر رضي الله عنه أراد أن يجيب النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل عن شجرة مثلها بالمسلم هي النخلة، فاستحيا ابن عمر أن يجيب لأن في القوم أبا بكر وعمر !

    كل هذه المعاني كانت جلائل وعظائم في النفوس مبنية على تعظيم الإيمان وتثبيت وترسيخ اليقين في القلوب، فلما ضعف الإيمان وتزعزع اليقين وهانت وضعفت الهمم وذلت النفوس أصبحت لا تنتفض إلا في النادر.

    عندما نستمع اليوم إلى تصريحات اليهود -عليهم لعائن الله- مرة بعد مرة وهم يزمعون على أن يدخلوا إلى بيت المقدس ويدنسوا المسجد الأقصى نسمع الناس يتحدثون، ونسمع الأخبار تتناقل، وكأن شيئاً في هذه الحادثة لا يحدث، وكأن الأيام والليالي والأعوام والأشهر والأحداث المتتالية والأفعال الإجرامية المتوالية والخطط الداعية إلى الحفر تحت بيت المقدس وغيرها لا تسمع ولا تُعلم ولا يلتفت إليها.

    1.   

    وقفة مع الواقع المعتدى فيه على الشريعة

    كأن الأمة تحتاج إلى ضربات قاتلة لتستفيق وتستيقظ، وكأنها أدمنت كثيراً على ما يحل بها في كل يوم وليلة، وقد سمعنا خبراً جلياً عن تدنيس بعض الجنود الأمريكيين للمصحف الشريف في معتقل غوانتنامو، وقد ورد ذلك في صحفهم وأخبارهم، وسمعنا أن بعض المحققين كانوا يضعون المصاحف في دورات المياه إهانة للمعتقلين، وأنه في بعض الوقائع وضعوا المصاحف داخل المراحيض نفسها، وأن سبعة من إخواننا في أفغانستان قتلوا في يومين في مظاهرات انتصاراً لكتاب الله عز وجل واحتجاجاً على هذه الأفعال الشنيعة.

    وأحسب أننا بإمكاننا أن نثير الأشجان والأحزان، ولكنني أقول: هل نحن نعظم كتاب الله كما ينبغي؟! وهل نحن نعظم رسولنا صلى الله عليه وسلم كما ينبغي؟! وهل نحن نغار على حرمات الله عز وجل كما ينبغي؟! وهل دافعنا عن كل حدث قد مضى قبل ذلك؟!

    وقد مضت أحداث مشابهة ومماثلة، إلا أن صورة مهمة ينبغي لنا أن نتفقدها، أن نتفقد المقدسات المعظمة في دين الله عز وجل وفي نفوسنا هل نقص قدرها وهل نقص تعظيمها، وهل أصبحنا لا نلتفت إليها بالقدر الكافي ولا نعلمها أبناءنا، ولا نشيعها في مجتمعاتنا، أم أننا نرى التأويل كما رأينا من قبل في امرأة تكلمت على أبي هريرة رضي الله عنه وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأينا من الكُتّاب غير قليل يقولون: لم تهولون الأمر؟! ولم تحاسبون النيات؟! إن الحديث لم يكن المقصود به كذا، وإنما المراد به كذا، ولماذا نتقعر ونتشدد عند الوقوف مع الألفاظ؟! وغير ذلك.

    يساء إلى كتابنا، ويعتدى على رسولنا، ويتهجم على قرآننا، ويساء كل يوم إلى تشريعاتنا، ويقال لنا من بعد: ينبغي أن تكونوا منفتحين على الآخرين، وأن يكون لديكم سماحة، وأن لا تتشددوا وتعيدوا لنا مرة أخرى اسطوانة الولاء والبراء، والعداء وغير ذلك!

    إنها خطة لقتل مشاعر الغيرة الدينية والحمية الإسلامية في النفوس، إنها كالمخدرات، تكون في أول الأمر قليلة ثم يدمنها الناس، ثم يوشك بعضهم أن يألفوها فلا تشمئز منها نفوسهم، ولا يحصل لهم على تجاهها إنكار، كما في حديث حذيفة رضي الله عنه الذي يروى مرفوعاً ويروى موقوفاً: (تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أُشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً -أي: كالكأس المقلوب- لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه). وأحسب أن درسنا الأعظم في هذا الحديث ليس هو في نقد أولئك الأعداء وأولئك الذين يمعنون اليوم في ظهور وكشف حقائقهم.

    فبعد ظهور زيف حقوق الإنسان في أحداث سجن أبي غريب يظهر اليوم كذلك ظهور زيف حقوق الأديان في مثل هذه الأحداث، والعيب والنقد إنما هو موجه إلينا معاشر المسلمين لا لغيرنا، فإنه لا يهون دين أمة إلا إذا هانت في أوساطها، أين تحكيم شريعتنا في ديار الإسلام؟! أليست الخمور المحرمة قطعاً بنص صريح واضح في الكتاب والسنة تصنع أو تباع في كثير من ديار المسلمين؟! أليس في كثير من ديار المسلمين تعلن المحرمات وتشاع بين الناس حتى تألفها العيون وتقبلها النفوس وترضاها القلوب، ولا يكاد لسان ينكرها أو يقوى على ذلك؟!

    إن كثيراً من مقدساتنا هانت في مجتمعاتنا وضعفت مكانتها وقدرها وقيمتها، إن إقامة منكر محرم في القرآن وإقراره وتثبيته وإعلانه إنما هو إهانة المنزل ولآياته المحكمة ولأحكامه القاطعة، بل ولله جل وعلا الذي أنزله ليحكم به وليعمل به، فلنتأمل فإن الداء منا، وإن العلة فينا، وإن أعداءنا لم ينتصروا لقوتهم، وإنما لضعف بنياننا، كما تضع اليد على الجدار فيتهدم، وليس ذلك من قوتها ولكنه من تصدعه، فلنرجع إلى أنفسنا، ولنحاسبها فإنا سنجد من التقصير شيئاً عظيماً.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يعظم الإيمان والقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم في قلوبنا، وأن يجعل غيرتنا الإيمانية وحميتنا الإسلامية على ما يحب ويرضى، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    تعظيم المقدسات

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    فيا أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله سبحانه وتعالى تعظيم حرماته، قال تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    وإن تعظيم المقدسات ينبغي أن يكون في حس كل مؤمن، وإن تكون أعظم شيء عنده، وأن نحرص على تفقد نفوسنا وقلوبنا لئلا يدخل إليها ضعف في هذا التعظيم والتقديس، ولا يسري فيها وهن تجاه كل ما يعارض ذلك ويناقضه.

    وإني لأدعو نفسي وإياكم لنراجع سلوكياتنا الشخصية، فإن أموراً منكرة نفعلها نحن داخل بيوتنا، ولا أقول: في عموم المجتمع ليقال: إنها ليست بأيدينا وليست تحت سلطتنا.

    إن في البيوت اليوم منكرات هي صور من الاستهانة بالمعظمات، والمقدسات، فإن ما يذاع ويبث في القنوات الفضائية من المحرمات وتجتمع عليه الأسرة أو يرى ويشاهد وهو يعارض عين ما جاءت به الآيات ونص ما وردت به الأحاديث إنه نوع من إضعاف التعظيم والتقديس لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في النفوس.

    إنه نوع من إلف المنكرات والرضا بها والتقبل لها، وإضعاف الغيرة وإبعادها.

    إن كثيراً من الأمور العملية التي نقوم بها والكسب المحرم الذي قد نتجاوز عنه وهو منتشر بين الناس في أخذ الرشاوى وفي أخذ ما يسمى (أموال الوساطة) وغيرها إنه -أيضاً- ضرب من ضروب التهوين لأحكام الله وشريعة الله، وما يتعلق بذلك من ورائه.

    ولو خرجنا إلى مجتمعنا لرأينا الطرائف وهي تشتمل على الآيات والأحاديث وغيرها دون أن يكون هناك منع ولفت نظر إلى عظمة وخطورة ذلك، وأن الخطأ فيه خطره عظيم.

    ولقد قال بعض أهل العلم: إن ساب النبي صلى الله عليه وسلم ومنتقصه لا تقبل توبته، بل يقتل حتى وإن ادعى توبة.

    كثيرة هي الأمور التي نحتاج إلى مراجعتها في أنفسنا قبل أن نسب أعداءنا -وهم جديرون بذلك-، وقبل أن نكشف عوارهم وزيف ادعاءاتهم ودنو نفوسهم وحقارة سلوكياتهم، وكل ذلك فيهم، لكنه لا يغنينا ذلك قبل أن نعالج أنفسنا، فكم من قائل منهم: لم تعترضون علينا وفيكم من يقول: إن في القرآن أموراً خرافية ليست واقعية؟! وفيكم من يقول: إن في القرآن أحكاماً غير صالحة لهذا الزمان؟! وفيكم من يقول غير ذلك.

    إذاً فنحن أولاً جديرون بأن نغير ما بأنفسنا ليغير الله أحوالنا، وليجعلنا قادرين على أن نوقف هذه الموجات المتكاثرة التي لا يكاد اليوم يحصيها العاد من كثرتها.

    فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يعظم الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يعظم الحمية والغيرة في قلوبنا.

    اللهم! إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى وأن تجعلنا هداة مهديين.

    اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.

    اللهم! إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد.

    اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    اللهم! إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم.

    اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.

    اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم -اللهم- عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم! إنَّا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم! زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر. اللهم! أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين، اللهم! اشف فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.

    اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم! احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، واحفظ -اللهم- لها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها وسعة رزقها برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، ثبت -اللهم- خطوتهم، ووحد كلمتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وأعلِ رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    اللهم! صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].