إسلام ويب

التطبيع الإسلاميللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للتطبيع اتجاهان: الأول: التطبيع مع الخصم والعدو، فيتحول معه الأعداء إلى أصدقاء، وتنسى الجرائم التاريخية، والعدوان الغاشم، ولأجل هذا التطبيع ينبغي أن تغير المناهج، وأن يهجن الإعلام، وأن يجوس العدو خلال الديار في اختراق ثقافي، واغتيال عقائدي، وإضعاف اقتصادي! وهذا الاتجاه مرفوض جملة وتفصيلاً، لا يرضاه الله، ولا ترضاه الشعوب المسلمة. والثاني: التطبيع مع الدول المسلمة، لتعيش تحت مظلة الإسلام، وتتخذه منهاجاً للحياة، وتعزز من قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهذا الاتجاه مطلوب، بل يجب تطبيقه.

    1.   

    التطبيع الإسلامي والتطبيع الآخر

    الحمد لله الذي أكمل ديننا، وطمأن قلوبنا، وشرح صدورنا، ونور بصائرنا، وثبت أقدامنا، له الحمد سبحانه وتعالى ما أعظم حلمه بعد علمه، وما أوسع عفوه بعد قدرته!

    نحمده سبحانه وتعالى كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمةً للعالمين، وهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وأسمع به آذاناً صماً، وفتح به قلوباً غلفاً، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    معنى التطبيع وخطورته

    أيها الإخوة المؤمنون! التطبيع الإسلامي موضوع حديثنا، وله أهمية أحسب أنها لن تظهر إلا بعد بيان معناه ودلالته، وبيان مرادنا من نسبته الإسلامية.

    فالتطبيع في دلالته اللغوية يرجع إلى الطبع: وهو منتهى الشيء وغايته وختامه، ومن ذلك قول الحق جل وعلا: وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [التوبة:87]، أي: بلغت النهاية والخاتمة.

    ومن معناه كذلك: الأمر الذي ينتهي إليه الإنسان في خلقه ودله وسمته، فنقول: طبع فلان كذا، أي: سجيته وخلقه الذي انتهى إليه واستقر عليه.

    ومن هنا فإن قولنا عن شيء إنه طبعي، أي إنه وصل إلى أمر مستقر مألوف، مقبول معروف، مرتضىً عند صاحبه أو عند الناس.

    وإذا جئنا إلى هذا المصطلح اليوم، فإننا نعرف اقترانه بالاصطلاح السياسي، فالتطبيع إذا أطلق فالمراد به التطبيع مع العدو والخصم، أي: تحويل العداوة إلى أمر طبعي مقبول مألوف، يتحول معه الأعداء إلى أصدقاء، وتنسى الحوادث والجرائم التاريخية، ويغض الطرف عن العدوان والحقائق الواقعية، ولأجل هذا التطبيع ينبغي أن تغير المناهج، وأن يهجن الإعلام، وأن يطوع الاقتصاد، وأن يصبح الطريق ممهداً ليجوس الأعداء خلال الديار في اختراق ثقافي، واغتيال اعتقادي، وإضعاف اقتصادي، وتسلط سياسي.

    إنه باختصار شديد: أن تفقد الأمة مناعتها، وأن تزول عنها خصوصيتها، وأن تمسخ فيها هويتها، وأن يصبح جلدها غير جلدها، ولسانها غير لسانها، وتاريخها غير تاريخها.

    فهل يعقل مثل ذلك؟! وهل يتصور مثله ويقبل؟! وكيف يمكن أن تغير العقول في الرءوس، وأن تغير العواطف في النفوس، وأن تبدل صفحات القلوب وتصورات الأفكار؟! وكيف ينسخ التاريخ بدهوره المتعاقبة؟! وكيف تغير العرف الاجتماعي المستقر في معاملاته الشائعة؟!

    إنه أمر عجيب، إن القضية في التطبيع تقتضي أن يكون الأمر طبعياً إذا كان متوافقاً مع الأصول الثابتة، والحقائق الراسخة، ومنسجماً مع الجذور التاريخية، والبيئة الواقعية، والحياة الاجتماعية، أما أن يكون شيئاً يخالف ذلك كله فلا يمت إلى معتقدك بصلة، ولا ينسجم مع واقعك في حقيقته، ولا يرتبط في تاريخك بجذوره؛ فأنى يكون كذلك؟!

    إنها قضية مهمة، وليست هي بالمناسبة موضوع حديثنا، فإن مثل هذا الأمر لا أحسب أن مؤمناً حقاً ومسلماً مدركاً لا يعرف أن مثل هذا فيه أمور كثيرة تخالف دين الله عز وجل من جهة، وتعارض مصالح الأمة الإسلامية من جهة أخرى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال هذه الحقيقة عن الأعداء الذين عداوتهم صريحة باحتلال الأرض وإزهاق النفوس وسلب الأموال، فضلاً عن العدوان على العقائد والدين والأخلاق-: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ [الممتحنة:9]، فأولئك القوم أعداء لا يمكن أن يتحولوا إلى أصدقاء وعدوانهم مستمر.

    صورتان متناقضتان

    ليس هذا موضوع حديثي، غير أني أنقل لكم صورتين متناقضتين في هذا الشأن من صحيفة يومية من صحف هذا اليوم:

    الأولى: كلمات موجزة بلسان رئيس وزراء الكيان الصهيوني الغاصب المعتدي، مجرم الحرب الشهير، الذي تلطخت أيديه بالدماء، من صحيفة اليوم وليس قبل دهر ولا أمس، يقول في هذا اليوم: بفضل الاستيطان سنحافظ إلى الأبد على مواقع مهمة وأساسية لوجودنا في القدس عاصمتنا الموحدة إلى الأبد، وفي الأماكن الأكثر قداسةً في تاريخنا، وفي المناطق الأمنية الأساسية لدفاعنا.

    وهي كلمات أحسب أنها لا تحتاج إلى ترجمة، ولا تفتقر إلى تعليق وشرح، ويفهمها كل أحد، إلا إن كان غبياً أحمق أو كان مداجياً مداهناً، أو كان متآمراً مدنساً.

    وأنتقل إلى الصورة الثانية منشورة في صحيفة اليوم وفي ذات الصحيفة: وهي قصة أحد الأسرى الذين أطلق سراحهم قبل أيام قلائل، ظل في سجنه خمس سنوات، خرج وإذا أبوه قد فارق الحياة على حادث من الحوادث على إثرها منع أن ينتقل إلى المستشفى للعلاج من نوبة ربو قضى نحبه فيها، وقبل خروجه بعشرين يوماً كان أخوه الأكبر قد قضى شهيداً برصاص العدو، خرج وإذا البيت مدمر! والبناء مهدم! وإذا بنته -بنت التاسعة- لا تعرفه وتراه غريباً؛ لأنه قد غاب عنها نحو خمسة أعوام، ثم يقول بعد هذا كله- وهذا بيت القصيد والشاهد-: بعد كل هذا، بعد فقدان الأب والأخ ومشهد الدمار كل ذلك لا يغير من معتقدات الإنسان شيئاً، فمهما حدث يظل الاحتلال احتلالاً، ولا نستطيع أن نعطيه وصفاً آخر.

    1.   

    التطبيع الإسلامي

    وأكتفي بذلك؛ لأنه ليس موضوع حديثي، فأنا أتحدث عن تطبيع آخر هو التطبيع الإسلامي، وقد يكون هذا من دواعي الاستغراب؛ لأننا اليوم نسمع كل شيء يلصق به (إسلامي) حتى يجوز أو يروج عند المسلمين، لكنني هنا أقول: هذا معنىً مهم، وهي قضية خطيرة، إذ إن عندنا أموراً:

    محاربة الدين والترويج للمنكر

    أمور شاذة مرفوضة، يراد لها أن تصبح في واقع الأمة طبعيةً مقبولة، وهذا مثل الذي ذكرته.

    لكن هناك أمر أخطر، وهو تحويل ما هو مألوف وصحيح ومقبول من أسس ديننا، ومن أعراف مجتمعنا، ومن صفحات تاريخنا، ومن عراقة حضارتنا، إلى مرفوض وغريب وشاذ، فيأتينا من يرى أن امتلاء المساجد بالناس ظاهرة إرهابية، أو أن كثرة طلاب التحفيظ مظنة مخاطر إجرامية، أو أن انتشار الدعوة وشيوعها سيطرة فكرية إرهابية.. أو غير ذلك من الأمور، حتى إن المرء عندما يلحظ هذه الهجمة الإعلامية ينظر إلى نفسه، هل لا زال يقف على قدميه، أم أنه قد أصبح الأمر على غير ذلك؟!

    كيف يقال هذا في هذا المجتمع المسلم وفي هذه البلاد بلاد الحرمين، ومهبط الوحي، التي قامت في أساسها على التعاون بين الدولة والدعوة!

    تلك هي القضية الخطيرة، والأخطر منها أن يحصل الأثر بذلك، وتجد الناس قد أصبحوا يبتعدون عن مثل هذه الأمور ويخشون منها، ويرون فيها شبهةً أو غير ذلك، تلك هي القضية الخطيرة، سيما في هذه البلاد، بلاد الحرمين، يقول الله جل وعلا مخاطباً أمة الإسلام بخطاب رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49].

    تحكيم الشريعة اليوم في عالم القرية الواحدة، وعصر العولمة النافذة، والإعلام الغازي، أصبح أمراً غير مقبول، إنه يناقش اليوم في دوائر السياسة العالمية، والمؤتمرات الدولية، وكأنه ليس لأمتنا حق في دينها وتاريخها وحضارتها وإرثها الاجتماعي وسموها الأخلاقي.

    ولعلنا ننتبه كذلك إلى أمر مهم -ونحن نرى تعاظم الحملات على هذه البلاد- وهو ما سمعناه قريباً من تقارير عديدة تأتي من أقاصي الدنيا، مما وراء المحيطات، تقرير عن اختلال الحريات الدينية في بلاد الحرمين، وتقرير آخر عن الإرهاب الفكري المسوق إلى المساجد والمراكز الإسلامية في البلاد الغربية، عبر جهود مخلصة دعوية أو دبلوماسية، وتجد كذلك مناقشات عظيمة وتقارير عجيبة في مثل هذا الشأن، وذلك أحسب أنه لا يخيفنا من جهة، ولا يربكنا من جهة أخرى، فماذا نتصور؟ وهل نتوقع ممن لا ينطق بلغتنا أن يتكلم بلسان عربي مبين؟!

    ذلك أمر واضح، لكن الخطر أن نسمع مثل هذا القول أو قريباً منه بألسنتنا، ومن بعض أبناء جلدتنا، وفي بعض واقعنا، ذلكم هو الأمر الخطير الذي ينبغي أن ننتبه له، فباسم الانفتاح، وباسم إظهار الصورة المشرقة، قد يأتينا من يريد أن يغير الصحيح المألوف المعروف ويجعله شاذاً غريباً، ويريد في مقابل ذلك أن يجعل الغريب الشاذ هو الطبعي؛ ولذلك نحن لا نريد ذلك التطبيع، وإنما نريد التطبيع الإسلامي.

    دستور الدولة السعودية إسلامي بحت

    نحن في بلد الإسلام، فمن الطبعي أن يكون الدين الإسلامي حاكمنا، وأن تكون شرائعه هي فصل ما بيننا، وأن تكون آدابه هي الأمر الذي يشيع في واقعنا، وأن تكون أحكامه وكل ما يتصل به هو الذي تخفق به قلوبنا وتتكلم به ألسنتنا، وغيره هو الشاذ المرفوض، وكل أحد يتعامل معنا ينبغي أن يعرف ذلك وأن يراعيه، فدستور هذه البلاد في أول مادة من مواده: المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولغتها العربية.

    وفي مادة أخرى وهي المادة الحادية والأربعون تنص على أنه: يلتزم المقيمون في المملكة بأنظمتها، وعليهم مراعاة قيم المجتمع السعودي، واحترام تقاليده ومشاعره.

    هو الذي جاء إلى بلدي فعليه أن يتطبع مع واقعي، وأن يستجيب لحكمي والسائد في نظامي، هل رأيت بلداً ذهبت إليها غير نظامه لأجلك أنت أيها الزائر؟! فما بالنا نرى ملتقيات أو منتديات تكرس عكس ذلك، وتريد أن تقنعنا بأنه من لوازم ما نحتاج إليه لتحسين صورتنا في العالم! أي صورة هذه التي نريد أن نحسنها بتشويه انتمائنا إلى ديننا وعقيدتنا وتاريخنا وحضارتنا؟!

    وانظر كذلك إلى أمور كثيرة، نحن عندما نقول نريد الإسلام في كل شأن من الشئون، لاسيما في الناحية الاجتماعية، في حجاب المرأة المسلمة -مثلاً- وحشمتها وعفتها، ليس ذلك قولاً نقوله من عند أنفسنا، إنه كتاب الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59].

    ثم يأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ويخبرنا بحقائق الاختلاط ومثالبه، فيقول عليه الصلاة والسلام: (إياكم والدخول على النساء، قلنا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) أي: أقارب الزوج، ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).

    ولقد عجبت أيما عجب، عندما شاهدت وسمعت بأذني حواراً عجيباً على قناة إعلامية، شاب وفتاة متبرجة يتحدثون بهذا الأمر، وبأن هناك حديثاً يقول كذا وكذا، فتنطق الفتاة في مقام الإفتاء، أو الإصدار عن قول لهيئة كبار العلماء أو نحو ذلك تقول: نعم، إن الرسول قال: (إن الشيطان ثالثهما)، لكنه لم يقل إنه سيغلبهما، فقد يكون ثالثهما، ولكنهما ينتصران عليه ويغلبانه، فلا يتأثران بشيء من هذه الشهوات الآثمة، ويمضي الفتى وبيده الفتاة، والآخرون يرون ذلك ضرباً من سهم سليم، وسلوك حضاري راق.

    هذا الذي يراد أن يروج ويراد أن يطبع.

    لماذا ينكرون علينا تطبيع إسلامنا في مجتمعاتنا

    إذا أردنا تطبيع إسلامنا أنكره علينا من ينكر، مع أن لنا الحق في ذلك، فنحن بلد دينه الإسلام، وهذه هي بلاد الإسلام، والمجتمع الذي يعيش في هذه البلاد مجتمع مسلم، ليس بين أفراده من يدين بغير الإسلام، ثم مع هذا كله نجد من يقول: لم يكون الإسلام حاضراً؟ ولم يكون حاكماً؟ ولم يكون هو في حياة الناس واقعاً وظاهراً؟ أمر عجيب، ولكنه يرى مع كل ذلك.

    تعميم من ولي الأمر ورأس الدولة نصه يقول: إن السماح للمرأة بالعمل الذي يؤدي إلى اختلاط بالرجال، سواء في الإدارة الحكومية أو غيرها من المؤسسات العامة والخاصة أو الشركات والمهن أمر غير ممكن، سواء كانت سعوديةً أو غير سعودية؛ لأن ذلك محرم شرعاً، ويتنافى مع تقاليد هذه البلاد، وإن كان هناك دائرة تقوم بتشغيل المرأة في غير الأعمال التي تتناسب مع طبيعتها، أو في أعمال تؤدي إلى اختلاطها بالرجال فهذا خطأ يجب تلافيه، وعلى الجهات الرقابية الرفع عنه.

    فلماذا نحن نرى أن هذا هو الأصل في ديننا، وفي نظام بلادنا، وفي توجيهات وتعليمات المسئولين عندنا، ثم بعد ذلك لا نزال نرى أن بعضاً منا قد يتحسس من أمر من أمور الشريعة أو يتوجس منه!

    إن الشاذ هو أن نرى امرأة غير متحجبة، إن الغلط والخطأ هو أن نرى صوراً من الاختلاط، والأصل أن يرد إلى أصله من دين الله ومن نظام البلاد؛ ولذلك ينبغي علينا أن نطبع الإسلام في واقعنا؛ لأنه ديننا، ولأنه نظام دولتنا، ولأنه واقع حياتنا الاجتماعية، ولأنه لم يكن غيره.

    وانظروا إلى البلاد الأخرى، يكون فيها ما يسمى بالمعارك الطويلة العريضة؛ لأجل أن يضيفوا كلمة واحدة، مثل: دستور الدولة الإسلام، والأحكام أساسها الإسلام، ونحن ليس عندنا شيء من ذلك، كله في السياسة التعليمية والإعلامية يتطابق مع الإسلام، لكن نحن الذين نقصر في التشرف بديننا، وفي إعلان هذه الأنظمة وإشاعتها، والتشبث بها، وبيان أن مخالفها مخالف للدين أولاً، ولنظام البلاد ثانياً.

    صورة متقابلة في الموقف من الإسلام في السعودية

    لعلي أذكر لكم صوراً هنا كثيرة، أحب أن أراها متقابلة:

    في صحافة هذا اليوم قول منسوب إلى أسماء من نساء هذه البلاد، تشكو إحداهن أن دوامها في العمل تسع ساعات، وأنها تتعرض لبعض الأذى في أثناء طريقها للعمل، ثم تقول بعد ذلك: إن طموح المرأة السعودية ليس له حد، ومنافستها للرجل مستمرة!

    ولست أدري هل نحن في معركة أو حلبة مصارعة أو ملاكمة ليكون هناك منافسة بين الرجل والمرأة، وإذا كانت هناك منافسة بين الرجل والمرأة فما مصير الأسرة؟ وما مصير الأنس الاجتماعي؟ وما مصير العلاقات التي كنا ولا زلنا نحرص عليها في داخل بيوتنا وفي علاقاتنا الاجتماعية؟!

    وتقول كذلك: على الرغم من وجود معوقات إلا أن المرأة استطاعت أن تجتاز شوطاً في مجالات عدة، فقد كانت محصورةً في إطار التعليم والطب، وتجاوزتها إلى الهندسة والصحافة والمحاماة.

    ولست أدري هل تريد المرأة أن تصبح حمالةً تحمل الأثقال، أو بناءةً تبني في شمس الظهيرة، وقد أعزها الإسلام بأن تكون معززةً مكرمة مخدومةً، منفقاً عليها، وهناك من يتولى أمرها ويحرص عليها، وعملها في ميادين تحتاجها أخواتها وبغير اختلاط، وبغير إسفاف، وبغير تضييع المهمة الأولى؟!!

    عجباً أن يقال مثل هذه الأمور!

    وتقول أخرى: نحن اليوم نرى في بعض الشركات الكبرى المهندسات السعوديات وهن مسئولات عن رجال.

    ولست أدري كذلك لم يقال مثل هذا؟! لكنني أنقلكم إلى صور أخرى كثيرة، هي الأصل.

    لا تسمعوا إلى صوت واحد، وتنسوا آلاف وعشرات من الآلاف ومئات من آلاف الأصوات، فخلال الفترات الماضية كان هناك اكتتاب لبنك جديد، وأعلم أنكم تعلمون أن عشرات الآلاف كل يوم يتصلون ويسألون العلماء وطلبة العلم والدعاة: هل يجوز الاكتتاب؟ هل هذا البنك يعمل وفق الشريعة الإسلامية؟ والسؤال: لماذا يسأل أولئك الآلاف، والأموال في جيوبهم، والأرباح معروفة عندهم؟!

    إنهم وقافون عند دين الله وشرع الله، إنهم يمثلون الحقيقة العظمى، وهي أن الإسلام طبع في نفوسهم وقلوبهم، فإذا جاءت بنوك إسلامية فهي الأصل وغيرها الشاذ، وإذا جاءت أعمال تفصل بين الرجال والنساء فهذا هو الأصل وغيره الشاذ، دعوا الشذوذ في البلاد الأخرى يعتدل إلى الأصل، ولا تطلبوا من الأصل أن يعود إلى الشذوذ؛ فذلك لا يفعله إلا الحمقى والمغفلون.

    ونعود مرة أخرى إلى صور مختلفة ومغايرة ومتنوعة: ففي هذه الانتخابات البلدية، قال المسئول الأول عن الأمن: كلنا تيار إسلامي ونحن مسلمون في هذه البلاد.

    عجباً من سيتقدم؟ إنهم مواطنو هذه البلاد، والأصل أنهم مسلمون، فإن شذ شاذ، أو رأى نفسه على غير ذلك، فهو وشأنه، لكن التيار العام الأصيل الغالب هو هذا الإسلام، والمسلمون هم الذين عاشوا وما زالوا يعيشون بروح الإسلام، وإن وجد تقصير أو تفريط أو تجاوز فهو الشذوذ الذي يرد بالدعوة والحكمة والموعظة الحسنة، والاستعانة بعد الله بأهل المسئولية، وقيام هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك كله ظاهر واضح، وهذا أمر يطول الحديث فيه.

    خلاصة القول: بلد الإسلام دستورها الإسلام، وتاريخها الإسلام، وواقع أبنائها يدين بذلك، وكثير من المقيمين فيها ما جاء أكثرهم لدرهم ودينار فحسب، بل جاءوا يريدون أن يفيئوا إلى ظلال يتنفسون فيها أنفاساً طاهرةً نقية، ليس فيها عهر ولا فجور ولا اختلاط ولا تبرج ولا مجاهرة بنقد الإسلام والتجرؤ عليه، وذلك هو الحق الذي نحتاج أن نتعاون على إظهاره وإبقائه، وتطبيعه، فنعم هذا التطبيع!

    نسأل الله عز وجل أن يشيع الإسلام في قلوبنا ونفوسنا، وعلى ألسنتنا وأقوالنا، وفي أعمالنا وأحوالنا، وأن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يختم لنا بالصالحات.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    ثلاث لفتات على الطريق

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله سبحانه وتعالى الحفاظ على هذا الدين مستقراً في القلوب، مستكناً في النفوس، حاكماً في الواقع، ظاهراً في المعاملات، فلا يشذ عن هذا الدين شيء من اقتصاد ولا سياسة ولا قضاء.. ولا غيره.

    وهناك لفتات ثلاث أختم بها، وأنبه عليها، وأحسب أنه بعد حديثنا الموجز هذا ينبغي أن نلفت أنظارنا إلى هذا المعنى، وهو أن نحرص على بقاء الأصل كما هو؛ لئلا يدور الزمن فنعود كغيرنا من البلدان، فنجد الشذوذ -لا قدر الله- قد صار أصلاً، والمنكر قد صار معروفاً، ونعود نطالب بأمور كانت هي الواقع الذي نعيشه، وهذه لفتات وكلمات ورسائل ثلاث:

    الأولى: ليعلم الذين يتكلمون ويجترئون على بعض الأمور، أنهم لا يجترئون على الأفراد والآحاد، ولا يجترئون على الأعراف الاجتماعية، إنما اجتراؤهم في الحقيقة اجتراء على نصوص قرآنية، وأحاديث نبوية، وعلى سيرة عطرة لرسول الهدى صلى الله عليه وسلم.

    إن الذين يعارضون مثل هذه المسائل المحكمة في ديننا، من فرضية الحجاب، ومنع الاختلاط وغيرها، إنما هم في حقيقة الأمر يعارضون هدي رسولهم صلى الله عليه وسلم، والأحاديث والقصص في سيرته في هذا الباب كثيرة، منها الحديث المشهور عند الإمام أحمد من رواية أنس رضي الله عنه وهو غلام النبي صلى الله عليه وسلم وخادمه، لما نزلت آية الحجاب وقد كان أنس كبر قليلاً، قال: (فجئت أدخل، قال: على رسلك يا بني!)! فقد أصبح الأمر مختلفاً، وجاء التشريع بفرضية الحجاب.

    ولما خرجت سودة رضي الله عنها تريد قضاء حاجتها، فرآها الفاروق عمر وكان غيوراً على حرمات المسلمين عموماً وعلى أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصاً، فقال: قد عرفناك يا سودة ! ونزلت آيات الحجاب، واحتجب نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قال عمر : (يا رسول الله! احجب نساءك).

    وغير ذلك كثير، والقصص والروايات الصحيحة فيه وافرة.

    الأمر الثاني وهو في نظري كذلك خطير: كل من يسعى إلى كسر المألوف الاجتماعي المعتمد على الأصل الشرعي، كأن يقوم بنشاط فيحدث فيه اختلاطاً بضم النساء إلى رجال، أو غير ذلك من صور الاختلاط، أو يحاول تغيير اللسان إلى لغة أخرى، والعملة إلى عملة أخرى في وسط بلادنا وفي عقر دارنا.

    أقول: إنكم إذا اجترأتم على ذلك فإنكم إنما تضرون أنفسكم، وستعضون أصابع الندم، فإن غيرنا ممن ابتلاهم الله عز وجل في بلاد إسلامية وغير إسلامية قد جنوا الحنظل، وخرجوا بالشوك من مسيرة الاختلاط والفسق والفجور، وأول الغيث قطر ثم ينهمر.

    وثالثة -أحبتي الكرام- لي ولكم: نحن أصحاب الحق، فينبغي أن ننطق به، نحن الأصل، والشذوذ ينبغي أن يقال إنه شذوذ، نحن أصحاب الدين القائم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن خالفهما فنحن نقول له: أنت مخالف ولا كرامة، فكيف وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

    وكذلكم نقول ذلك مستندين إلى نظم الدولة، وإلى تعليماتها وتصريحات المسئولين فيها، وقد كان أحد كبار المسئولين يقول: أمران لا مساومة فيهما: العقيدة الإسلامية، وأمن الوطن.

    إذاً: نحن ندافع عن ديننا ونظام بلدنا، وتصريحات وتوجيهات وتعليمات القيادات العليا، وولاة الأمور فينا، فنحن كل شيء في صفنا، ونحن باقون على الأصل الذي ينبغي أن نحافظ عليه.

    أسأل الله عز وجل أن يحفظ بلادنا من كل سوء ومكروه، وأن يحفظ عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها ورغد عيشها، ومحافظتها وحسن أخلاقها، وانتظام وائتلاف مجتمعاتها.

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم تولى أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسأل العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا أرحم الرحمين.

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أرنا اللهم فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، يا قوي يا عزيز؛ يا منتقم يا جبار؛ اللهم أنزل بأعداء الإسلام والمسلمين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين، والمبعدين والأسرى، والمأسورين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين.

    اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، واحفظ اللهم أئمتنا وولاة أمرونا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابةً لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].