إسلام ويب

صور حزينة ومخاطر جسيمةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أعظم المصائب التي حلت بالمسلمين سقوط بغداد بأيدي الأمريكان ومن تعاون معهم من الخونة والعملاء، وإن سقوط بغداد لهو بداية مسلسل أعدت حلقاته لينتهي بسيطرة اليهود على بلاد المسلمين دولة دولة، والقضاء على الإسلام في عقر داره، ولذا يجب على المسلمين حكاماً ومحكومين العودة إلى الله، وأخذ العبرة، والتنبه والحذر، والتعاون والتآزر ضد الأعداء.

    1.   

    مأساة سقوط بغداد

    الحمد لله، الحمد لله له الحكمة البالغة والرحمة الواسعة والنعمة السابغة، له الحمد جل وعلا سنته ماضية، ومشيئته نافذة، فله الحمد على ما قدر وأمضى، وله الحمد على ما أخذ وأعطى، وله الحمد على ما أزال وأبقى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائد وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا به من بعد ذلة، وأرشدنا من بعد غواية، وبصرنا من بعد عماية، فأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

    صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    ذلة وبلاء

    أيها الإخوة المؤمنون! صور حزينة وأحداث أليمة ربما حيرت العقول، وربما بثت في النفوس وهناً ويأساً مشوباً بالحزن والألم، وما من شك أن كل ذي قلب مؤمن وكل ذي نفس حية وكل ذي عقل بصير يؤلمه ما جرى من هذه الأحداث، وما انتهت إليه من صورة أدخلت إلى النفوس صورة الذل بالقهر والتسلط، وصورة الضعف بالخيانة والاستسلام، وصورة الانخداع بالأوهام والشعارات.

    ولكن الأمر المهم الذي كنا وما زلنا وسنظل نُعنى به: أصولنا الثابتة التي لا تتغير.. قرآننا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. هدي رسولنا صلى الله عليه وسلم المعصوم من كل خطأ.. سيرة أمتنا التي تضمنت من سنن الله عز وجل عزها ونصرها وقوتها إذا ارتبطت بدينها، وذلها وضعفها وشتاتها إذا أعرضت عن نهج ربها.

    فالسنن القرآنية الإلهية الماضية ينبغي ألا يفقدنا تذكرها هول ما يجري، ولا عظمة ما قد يداخل النفوس من حزن تلك الحقائق.

    ولأن الأمور قد تؤدي إلى مؤداها التي انتهت إليه لابد أن نعلم أن مواجهتنا مع الكفر وأهله، وأن استهداف أعداء الإسلام للإسلام وأهله، ليس في جولة واحدة، وليس في دولة واحدة، وليس في ميدان واحد.

    وما جرى في بغداد، وقبلها في أفغانستان، وما جرى قبل ذلك من أمور وأحداث، وما جرى ويجري ولا زال يجري في أرض فلسطين الحبيبة من تسلط للأعداء وتمكن لهم، لا يعني أن الأمر قد انتهى، وأن نرى ما نرى من تلك الصور الحزينة التي داخلت كثيراً من النفوس.

    وأنا أعلم أن كلاً منا قد مرت به الأيام الماضية وهو كسيف البال، وهو عظيم الحزن، وهو شديد الاستغراب، وهو متحير اللب، وهو يضرب أخماساً بأسداس، لكننا - بحمد الله- ما زلنا نصلي في المحاريب، وما زلنا نسجد بين يدي الله، وما زلنا نتلو القرآن، وما زلنا نعرف أن خير البشرية هو محمد صلى الله عليه وسلم، فما زلنا كذلك، وينبغي أن نظل على ذلك، فإنه ليس نصر الأعداء -وهم يعرفون ذلك- بزوال نظام، أو بانتهاء طاغية، أو بالتآمر معه والاتفاق على الخيانة، ولا بتسلطهم على الثروات التي يريدونها ويريدون من خلالها التحكم في بلاد الإسلام وشعوبه.

    هدف أعداء الإسلام من حربهم على الإسلام

    ولكن هدفهم الأعظم هو كما أخبرنا عنه الحق سبحانه وتعالى بقوله: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89] ، وكما قال الحق جل وعلا: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:2] ، وقال: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120].

    فالعق أحذيتهم، ووافق سياستهم، وأعطهم ملذاتهم، ومكنهم من الثروات، ولا يعني ذلك أنهم قد بلغوا منتهى أملهم ولا غاية مقصدهم، حتى يدخلوا إلى أفكار العقول فيغيروها، وإلى مشاعر النفوس فيبدلوها، وإلى ما يُقرأ في المحاريب والمساجد لتقرأ من بعده أو معه أو في أثنائه التوراة والإنجيل، لا أقول ذلك مبالغة، بل إنه حق واقع نطقت به الألسنة، وأعُدت له الخطط، ونُشرت على أعين الناس.

    ظلم ومكر أعداء الإسلام في حربهم على الإسلام

    ولعلي أشير إلى ومضات من هذه الصور الحزينة، ولابد أن نخرج منها بدروس ثمينة، ولابد أن ترشد العقول، وأن تنتبه وتلتفت الأنظار لجميع أمة الإسلام من أصغر صغير إلى أكبر كبير، ومن الفرد العادي إلى الحاكم الذي يسوس الأمور، ويدبر الأحوال في أمته أو دولته.

    هذه الصور التي رأيناها رأينا معها عجباً، فكيف وقعت هذه الواقعة؟!

    ولاشك أن بعض النفوس بعواطفها الجانحة ما زالت لا تصدق ما جرى، وأن بعض العقول التي أصابتها لوثة العظمة الفارغة دون أن تدرك حقيقة المخالفة الصريحة للقرآن وللسنة ولمنهج الإسلام ما زالت تقول أقوالاً عجيبة وغريبة، ولا تكاد تبصر الأمر وهو واضح.

    إنه الطغيان والظلم الذي مكن له الأعداء والأولياء، وكان على رءوس الضعفاء والبؤساء، فمن الذي مكن لهذا النظام ابتداءً؟ ومن الذي أعانه بالأسلحة؟ ومن الذي أمده بالقوة، ومن الذي غض الطرف عن جرائمه ليس في يوم ولا يومين ولا عام ولا عامين ولا عقد ولا عقدين بل أكثر من ذلك، أليسوا هم المحررين اليوم؟!

    ومن يطالع ويقرأ هذا يراه رأي العين في صور واضحة تمثل في علاقات قديمة، وفي عقود مبرمة قد أظهرتها اليوم الأخبار والأحوال.

    ثم أين الدول العربية والإسلامية التي لا زالت إلى اليوم تظن أنها في قولها هذا محقة؟

    إنه قد كان ظلم وبغي وعدوان، وقد وقعت إزاحته، لكن من الذي أزاحه؟ وأين العرب والمسلمون؟ ولماذا خرست ألسنتهم، وعميت أبصارهم، وصمت آذانهم، وشلت أيديهم، وتعطلت مسيرتهم؟! بل كانوا مساهمين في مثل هذا الظلم بصورة أو بأخرى: إما بمشاركة له، أو سكوت عنه، أو تغطية عليه، أو أية صورة من الصور الأخرى.

    مأساة اعتزاز الخونة بالكفار

    أليس حزيناً ما رأيناه مما فعله بعض أهل العراق؟ وربما يكون لهم عذر في كثير مما جرى لهم وجرى منهم، لكنه مشهد مؤلم أن يهتف المسلم العربي بحياة الكافر الأمريكي، وأن يتمنى عزه ورخاءه، وأن يطلب نجدته ومروءته، وأن يقبله، وأن وأن وأن.. إلى آخر ما رأينا من تلك الصور.

    وغير ذلك أيضاً: كيف ذهبت تلك الجعجعة وتلك الأصوات التي صمت آذان الناس، حتى ظنوا أن وراء الجعجعة طحناً، فإذا بهم يسمعون جعجعة ولا يرون طحناً؟! وأين اختفى القادة والزعماء والأبطال والشرفاء؟! أتراهم قد ماتوا مثل الضعفاء تحت الأنقاض؟! أتراهم قد ذهبت أموالهم وأهدرت ثرواتهم وضاع مستقبلهم مثل الملايين المضيعة؟!

    أحسب -وليس عندي ولا عندكم- علم يقين أن مثل هذا لم يحدث، وأن غيره بعد سكون دام اثنتي عشرة ساعة في ليلة واحدة ثم أصبح الصباح وكأنه يوم من غير أيام الدنيا، كيف تم ذلك ووقع؟! إن كل ذي لب لا يكاد يفهم هذا إلا أن يدخله في دائرة من دوائر الاتفاقات والخيانات من كل الأطراف التي مصلحتها على حساب كل شيء بعد ذلك.

    تشابه الخونة في كل زمان ومكان

    ولعلي هنا أنقل صفحة مكتوبة منذ قرون طويلة، أنقلها بنصها؛ لعلنا نرى بعض صور التشابه، تلك الصفحات من البداية والنهاية لـابن كثير في الوقائع التي وقعت في سقوط بغداد سنة ست وخمسين وستمائة من الهجرة.

    يقول ابن كثير : استهلت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة؛ وكل ذلك خوفاً على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحهم الله، وقد سترت بغداد، ونصبت فيها المجانيق والعرادات وغيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر الله شيئاً، كما ورد في الأثر: لن ينجي حذر من قدر، وكما قال تعالى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ [نوح:4] ، وكما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد:11] .

    قال: وكانوا مائتي ألف مقاتل وصلوا بغداد في الثاني عشر من شهر الله المحرم، وصل التتار بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأقاموا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة.

    ولا أريد أن أعلق على هذه الصورة والصفحة؛ فهي غنية عن ذلك التعليق، ونود أن ننتبه وأن نلتفت إلى كثير مما ينبغي أن نتنبه له: إن هذه الصور الحزينة ينبغي ألا تمر فقط لتكون شيئاً من ألم يمكن أن يُخفف بعد قليل من الوقت، ولا شيئاً من حزن يمكن أن يُسرى عنه بشيء من اللهو، إنها لابد أن تغوص وأن تتعمق في أصول الفكر والنفس على قاعدة المنهج الواضح البين في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    دعوة للمسلمين إلى الاتعاظ بسقوط بغداد

    ألسنا نسمع اليوم بشكل مفصل وواضح عن ظلم نظام بغداد وما صنعه، وأن الأسباب التي أدت إلى ذلك هي كيت وكيت وكيت؟

    ويعجب المرء! أليست هذه الأسباب موجودة هنا أو هناك بصورة قد تقل أو تكثر؟! أفلا ينطق لسان ليقول: بيدي لا بيد عمرو، ليكن تغييرنا بأيدينا، وليكن إصلاحنا من ذواتنا، ولتكن مراجعتنا قبل أن تأتينا الدواهي مرة أخرى، ونحن نعرف ونوقن أنها حرب لم تنته، وأنها مرحلة في بدايتها، وأن وراءها من الأهداف والخطط والأعمال ما وراءها مما يستهدف كل واحد منا في عقر بيته وفي فراشه الذي ينام عليه.

    إنها ليست قضية هينة، ولا حادثة عابرة، ولا أسابيع ثلاثة، ولا قليل من هدم أو قتل أو تدمير، وإن كان المرء يعجب كيف يفرح أولئك الذين فرحوا وبجوارهم دماء إخوانهم وأقربائهم، وبجوارهم وعلى مرأى أعينهم دمار بلادهم؟! ولكنها المشاعر المتناقضة والأحوال المحيرة أحاطت بأولئك.

    ولعلي هنا أيضاً أستحضر ما أسلفت القول فيه مراراً وتكراراً: الذين كانوا يقرءون أحاديث وأخبار الفتن، والذين كانوا يخدرون الناس بذلك الذي سيبطش بجيوش الروم، وسينهيها، وسيكون كذا، ويقع كذا، ويحصل كذا، ويرسمون صورة من خيال مريض وفهم سقيم ونفس منهزمة، ويضيفون إليها من أضغاث الأحلام وأخلاط الأقاويل ما يضيفون؛ ليكشفوا عن صورة من صور ضعفنا؛ لأننا تركنا ما بأيدينا من كتاب ربنا وسنة نبينا، وأردنا أن نبحث وننسق ذلك مع بعض الروايات الصحيحة وكثيراً من الروايات الضعيفة بل والموضوعة، بل ويضاف إلى ذلك أخبار من التوراة ومن الإنجيل والعهد القديم والجديد؛ لنقول: إن هذا هو الذي سيحدث؛ رجماً بالغيب، وتوهيناً للنفوس، ولعلها ليست المرة الأولى، بل قد سبقتها مرات!

    فهل ستعي الأمة وتعود من بعد لترسم صوراً أخرى، وتحدد تواريخ أخرى، وتعيد مرة أخرى غياب العقل وغياب القلب وغياب المنهج وغياب العمل الصحيح نحو ما ينبغي أن نواجهه تجاه أعدائنا، بدلاً من الكلام والتشقيق؟!

    ولعلي أذكر أيضاً القضية الكبرى التي تثار الآن، وهي: قضية الشعوب وآرائها وحرياتها وقدرتها على فعل ما ينفعها، وقدرتها على المشاركة في مصيرها، وكل الناس يتحدثون عن غياب دام نحو ثلاثة عقود في العراق، وأدى إلى مثل هذه المأساة أو كان سبباً فيها.

    فأين هذا أيضاً من أمر أساسي في ديننا؛ ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمر الإصلاح للحاكم والمحكوم، أمر: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟! أمر الإسلام والإيمان الذي يوجد عزة لا تقبل ذلاً وقوة لا تقبل ضعفاً، وغير ذلك مما أسلفناه وذكرناه.

    ولا أود أن أستطرد في هذا؛ فإن فيه بعض الأحزان والجراح، لكنها يقظة إن لم تكن كاملة تامة، فيوشك أن يقول كل أحد وكل مجتمع وكل بلد: أُكلت يوم أكل الثور الأبيض، وما ذلك عنا ولا عن غيرنا ببعيد.

    1.   

    حقائق أهداف الحرب على العراق

    الاستيلاء على ثروات العراق والحركات الإسلامية

    ولعلي أذكر الآن بالحقائق التي قيلت قبل هذه الأحداث وبعدها وأثناءها:

    ما هي الأهداف؟ وهل هي هذه الأسلحة التي لم يرها أحد؟ وهل هي هذه الأنظمة التي لم يقبض عليها أحد، ولم يقدمها للمحاكمة أحد، ولم يثبت أحد قتلها وإنهاءها؟ وهل كل الذي جرى لأجل هذا؟

    هذا كاتب أمريكي قبل هذه الحرب بنحو شهرين -كما هو منشور في صحفنا العربية- يقول: تعلن قيادتنا أن هذه الحرب لأجل تدمير أسلحة الدمار الشامل، ولكننا نقول: إلا أن ذلك ليس كل ما نسعى لتحقيقه؛ إذ إننا نريد نفط العراق بكل ما يتأتى إلينا منه من فوائد كبيرة، كما أننا نعمل على إحداث تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية في دول عربية كثيرة.

    ثم يقول ويكشف عن التهديد الأكبر: ليس هذا النظام وليس جعجعته الكاذبة وليس أسلحته التي لا وجود لها، وإن ما يهدد المجتمعات الغربية الحرة فعلاً ليس الرئيس العراقي الذي يمكن تجنبه وردعه فهو يحب الحياة أكثر من كرهه لنا.

    إذاً: ما هو الخطر؟ يقول: إن الخطر الحقيقي الذي يواجهنا والذي لا يمكننا تجنبه وردعه هم أولئك الشباب العرب الذين يكرهوننا أكثر مما يحبون الحياة، ويشكلون فعلاً صواريخ بشرية تعتبر جزءاً من أسلحة الدمار الشامل، والقادرون على تدمير مجتمعاتنا الغربية المفتوحة.

    ثم يقول: كيف يمكن تنشئة هؤلاء الشباب؟! وما هي الآلية التي تنتهجها هذه الدول لتنشئتهم؟!

    ثم يضيف: الحرب ضد العراق بمثابة رسالة قوية إلى هذه المنطقة، مفادها: إننا لن نترككم وحدكم بأي حال من الأحوال لتلعبوا بالكبريت؛ لأنكم حين قمتم بذلك في المرة الأخيرة احترقنا!

    تغيير مناهج التعليم الإسلامية

    أظننا نفقه اللغة العربية، ونعرف أن هذا الكلام واضح، بل فاضح، ولا يحتاج إلى إثبات وأدلة، ومن أراد فسأخبره بما نشر بالأمس وليس قبل الحرب، واستمعوا إلى هذا الخبر الذي يقول:

    إن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد طلبت قبل شهرين عروضاً لتجديد نظام التعليم العراقي بمبلغ قدره خمسة وستون مليون دولار، يشمل تأهيل الأساتذة، وإصدار كتب مدرسية جديدة، ويضع الأساس لممارسات ومواقف ديمقراطية، سواء لدى الأطفال أو لدى الأساتذة، آخذاً بعين الاعتبار توزيع اللوازم المدرسية، ويقولون: مثلما حصل في أفغانستان، حيث قدمت العروض وفازت شركة بها بمبلغ ستة عشر مليون ونصف، وقد قامت بإعداد ذلك، وتوزع في هذا العام عشرة ملايين كتاب مدرسي بتصميم منهجي أمريكي!!

    وفي هذه الفترة أيضاً نشر: أن اللجنة اليهودية الأمريكية قامت بدراسة شاملة للمناهج في المملكة العربية السعودية، وقدمت تقريراً مفصلاً في مائة صفحة، ومما جاء فيه: أن هذه المناهج تدرس أن القرآن كتاب الله، وأنه هو المحفوظ، وأن التوارة والإنجيل فيها تحريف وتغيير، وتدرس أن القرآن يقول: إن النصارى واليهود كفار.

    وتدرس أيضاً: أن المسلمة لا يجوز لها أن تتزوج من كافر أو كتابي، والمسلم يجوز له أن يتزوج من كتابية، وتدرس كذلك: أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وأن الجهاد له غايتان: إما النصر على الأعداء، أو الاستشهاد في سبيل الله، وتدرس وتدرس..

    واقرءوا هذا التقرير منشوراً في بعض الصحف والمجلات؛ لتعرفوا أن القضية لم تعد أقوالاً، بل لقد درست وبحثت، وهي في العراق وفي أفغانستان قد قدمت عروضاً، وهي في أفغانستان قد طبقت تطبيقاً عملياً. وهذه هي القضية الخطيرة.

    إنشاء نظام جديد متآمر مع اليهود

    ولعلنا أيضاً نقف وقفة مهمة، كنت ولا زلت أكرر القول فيها، ولا زلت أريد أن نفقهها، وأن تكون أساساً ثابتاًً:

    الصراع الأكبر مع اليهود عليهم لعائن الله، وهم الذين يحركون هذه الحرب وغيرها من الحروب التي جرت قبلها، وعندما نطق بذلك سياسي منتخب في مجلس الشعب الأمريكي لمدة نحو ربع قرن سبع مرات متتالية بهذه الحقيقة وقال: إن الذين يؤزون نحو الحرب هم اليهود في أمريكا، كان مصيره أن يستقيل من منصبه، وأن يقدم اعتذاراً، ثم جُرد من كل المشاركات في جميع اللجان.

    وهذا بعض ما جاء في صحافة اليهود مرتبطاً بهذه الأحداث، يقولون: إن نجاح هذه الحرب في فرض نظام جديد في العراق يتمتع بالاستقرار، سيعني توجيه ضربة قوية للقوى الراديكالية الإسلامية في المنطقة، ولن ترسل هذه القوة مرة أخرى قواتها العسكرية إلى دول أخرى، ولكن إذا انتهت هذه الحملة بنجاح فإن الضغوط التي تمارسها على الدول ستؤتي ثمارها، وستفعل فعلها، وهي معركة أيضاً ضد التنظيمات الإرهابية في إسرائيل.

    ما هو الجوهر المهم في هذا؛ فإن هذا الإنشاء للنظام الجديد إنما هو ليجعل هذا النظام متفقاً مع إسرائيل وعاقداً للسلام معها ومتحالفاً معها ضد غيرها، ومعروف هذا الغير الذي سيكون بين فكي كماشة العراق والدولة اليهودية الغاصبة.

    ونحن عندما نقول هذا معاشر الأخوة الأحبة! لا نقوله لنفت في العضد، ولا لنحدث اليأس؛ ولكن لنوجد اليقظة، ولنشحذ الهمة، ولنوقد نار الحماسة، ولنؤسس انطلاقة العزم والجزم والحزم، والحيطة والحذر، والمقاومة الحقيقية، والوقاية الشاملة، والإصلاح الجذري الذي ينبغي أن نسعى إليه في أعماق نفوسنا، وفي حلس بيوتنا، وفي واقع مجتمعاتنا، وفي أنظمة تعاملنا، وفي سائر أحوال أمتنا ودولنا.

    نسأل الله عز وجل أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يلزمنا كتابه، وأن يلزمنا هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يدرأ عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أهمية أخذ الدروس والعبر من الحرب القائمة على الإسلام

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

    وإننا ونحن نذكر هذه الأحداث ينبغي لنا أن نعي الدروس والعبر، فالحرب على الإسلام لم تكن بنت اليوم ولا بنت الأسابيع الثلاثة الماضية، ولا بنت ما بعد أحداث سبتمبر الشهيرة كما يقولون، إنها حرب كانت منذ زمن طويل، وهي اليوم في أشد أوقاتها، ولكن ما بعد هذه الحرب العسكرية هو الأخطر والأشد.

    التعرف على مكمن الخلل وتلافيه

    ولذلك لا ينبغي أن نقول: قد وضعت الحرب أوزارها لا عسكرياً ولا غير عسكري، بل ينبغي أن نشحذ هممنا وعزائمنا، وأن نعرف خللنا وقصورنا، وكنت قد تحدثت من قبل ووعدت أن يكون حديثنا اليوم عن الخطوات العملية التي ينبغي أن نأخذ بها بعد أن أسسنا القول في الخطوات الفكرية والخطوات النفسية، غير أن تجدد الأحداث أوجب أن يكون لنا حديث لعله يجمع بين ما نشعر به من حزن وما ينبغي أن نشحذ به النفس من عزم.

    وكذلك قلت مراراً: ليس مقامنا في مثل هذه المنابر أن نصرخ، ولا أن نعيد ما يكرره الإعلام، مما يلعب بالعواطف أو يضلل العقول أو يسير بالناس وفق ما تقتضيه الصنعة الإعلامية والسبق الصحفي، وليس بمهمتنا كذلك أن نؤثر تأثيراً عاطفياً مؤقتاً فتذرف دموعنا ظاهراً، وإنما نقول: ليذرف كل واحد دمعه بينه وبين نفسه، وليذرف على حاله وعلى حال أمة الإسلام، وما أشك أن كثيراً من الدموع قد جرت وهي ترى ذلك في صور ما عرضته الشاشات من هذه الأحداث، لكن هل البكاء هو حلنا؟ وهل مثل هذا المقام نأتي فيه لنبكي؟ فليبك كل منا حقيقة لا صورة.

    مواجهة الأعداء في جميع الميادين

    وقد ذكرت من قبل أن مواجهة الأعداء ليست في ميدان واحد، وذكرت أن كلاً منا على ثغرة، فأنت على ثغرة في تربية أبنائك، وأستحضر هنا أن سبعين عاماً من الشيوعية المهلكة الكافرة الملحدة انقشعت، ووجدنا بعض المسلمين كانوا يعلمون أبنائهم القرآن تحت الأرض في منتصف الليل على أضواء الشموع!

    فهل نستطيع أن نواجه لنكون متشبثين حتى آخر رمق من حياتنا؛ لا بتراب ولا ببناء ولا بحضارة حتى وإن زعموها حضارة معرقة في التاريخ، وإنما لنحافظ على دين الله، على الإسلام العظيم، على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى تاريخ أمة أرادها الله عز وجل لتكون خير أمة أخرجت للناس، وأن نعرف أننا مستهدفون؛ لأننا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولأن بين أيدينا كتاباً محفوظاً، وعندهم كتباً محرفة يعرفون تحريفها، وعندنا نبياً معصوم صلى الله عليه وسلم، وعندهم أنبياء أدخلوا على سيرهم وألحقوا بهم، بل وفعلوا بهم ما لا يليق أن يُفعل بسقط الناس وأراذلهم، ولدينا شريعة صالحة لكل زمان ومكان، وعندهم قوانين وضعية تلعب بها الأهواء وتغيرها الآراء! وعندنا تماسكاً أسرياً وترابطاً أخلاقياً يكاد بنيانه أن يتصدع بعد أن ولجت فيه كثير من الآثار السلبية، لكن ذلك لم يكفهم، بل رأوا أن هناك بقية باقية وسنة ماضية، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) .

    فقد رأوا كيف كان الأبناء وكيف كان الشرفاء والأبطال والمجاهدون في فلسطين بعد أكثر من خمسين عاماً من التهويد، ومن البطش، ومن التهديد والتعذيب والتشريد، رأوهم وهم يعودون من المساجد بأيدٍ متوضئة، وبألسنة مكبرة، وبجباه ساجدة، وبنفوس عزيزة، يقف أحدهم أمام دبابة لا يأبه بها، ولا يكترث لها!

    ورأوا من بعد ذلك مثلكم وكثيرون غيركم وهم يسيرون إلى رحاب الله، وهم يستمعون إلى كلام الله، وهم يستحضرون تاريخ أمتهم، وهم يعودون إلى مصادر قوتهم وعزتهم، وأما هم فهم في أفول نجمهم؛ فأعدادهم تتناقص، ومواليدهم أقل من موتاهم، وقد ألف أحدهم كتاباً حديثاً منذ نحو عام سماه (موت الغرب)، وأشار فيه إلى أن سبع عشرة دولة غربية أعداد الجنائز فيها أكثر من أعداد المهود!

    ثم ذكر بعد ذلك صوراً من الموت في الأخلاق والأنظمة والعرقية والعنصرية، وكيف يرضون ذلك وبأيديهم قوة عسكرية واقتصادية وسياسية؟!

    وذلك مؤذن ببداية مواجهة عظيمة، ينبغي أن يوطن الناس أنفسهم لها، وأعظم توطين أن نربط القلوب بخالقها، وأن نعلق النفوس ببارئها، وأن نرشّد العقول بمنهج الله سبحانه وتعالى.

    التعاون والتآزر بين المسلمين

    وكذلك لابد أن يعظم تآزرنا، وأن تقوى روابطنا، وأن تترسخ أخوتنا على مستوى الأفراد والمجتمعات، وعلى مستوى الدول؛ فإن الدول العربية والإسلامية التي ما زالت نائمة وغير مدركة في حقيقة الأمر وفي حقيقة الفعل لمثل هذه الوقائع معنية اليوم لأن تمد أيديها إلى بعضها، وأن تتناسى خلافاتها، وأن تلتقي على أساس الوحدة الإسلامية والمنهج الرباني.

    فإن هي فعلت أنقذت أممها وشعوبها من هذه الأخطار المحدقة، وإن هي غفلت عن ذلك فيوشك أن يكون ما لا تحمد عقباه.

    نسأل الله عز وجل أن يرد كيد الكائدين، وأن يدفع شرور المعتدين، وأن يسلم ديار المسلمين، وأن يحفظ أعراضهم وأموالهم، وأن يحقن دماءهم.

    اللهم أمن الخائفين، وأطعم الجائعين، واكس العارين، واسق العطشى، وعاف المرضى، واشف الجرحى، وفك الأسرى من عبادك المؤمنين في كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأخرجنا من الظلمات إلى النور.

    اللهم لا تفتنا ولا تفتن بنا، ولا تجعلنا فاتنين ولا مفتونين، اللهم ثبتنا بتثبيتك، وأيدنا بتأييدك، اللهم اجعل بصيرتنا من كتاب الله، وهدينا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    اللهم إنا نبرأ إليك مما فعل السفهاء منا، ونعوذ اللهم بك من شرورنا، ونسألك اللهم اللطف فيما تجري به المقادير يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين!

    اللهم لطفك ورحمتك بأمة الإسلام والمسلمين، اللهم اكشف الضراء، وارفع البلاء، والطف فيما يجري به القضاء، اللهم اكشف الغمة، وارفع البلاء عن الأمة.

    اللهم يا حي يا قيوم نسألك أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.

    اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم ثبتهم بتثبيتك، وأيدهم بتأييدك، اللهم أنزل في قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، اللهم رضهم بالقضاء، وصبرهم على البلاء يا رب الأرض والسماء!

    اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، أخص بهم منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.