إسلام ويب

قراءة دعوية في السيرة النبويةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المتتبع لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه مر أثناء دعوته بمراحل مختلفة، وتعامل مع الأحداث التي كانت تواجهه بحسب ما يحقق المصلحة للإسلام، ولذلك ينبغي للدعاة أن يقرءوا سيرته قراءة واعية؛ كي يستفيدوا منها في دعوتهم إلى الله تعالى.

    1.   

    أهمية قراءة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في كل حال وفي كل آن، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحبة! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وأن يوفقنا للهدى، وأن يرزقنا التقوى، وأن يجعلنا وإياكم من أهل الاستقامة، وأن يمن علينا بالثبات حتى الممات، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.

    هذا موعدنا مع الدرس الثامن والثمانين، في اليوم العاشر من شهر شعبان عام أربعة عشر وأربعمائة وألف، وعنوان هذا الدرس: (قراءة دعوية في السيرة النبوية).

    أيها الأحبة! نحن نعلم أننا ما تُعبِّدنا باتباع أحد إلا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو قدوتنا وأسوتنا كما قال جل وعلا: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] وإذا عرفنا ذلك ظهرت لنا أهمية سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وأهمية تعلمها، والاقتباس منها، والاقتداء بها، سيما في مثل هذه الأعصر التي كثر فيها التخليط، وازدادت فيها الشبهات، وتكاثرت الفتن، وأصبح كلُّ يقول بقول، ويدعو إلى دعوة، ويبقى المسلم لا يربطه شيء إلا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    من رحمة الله عز وجل بعباده المؤمنين، وبهذه الأمة على وجه الخصوص، وبالناس أجمعين عامة: أن هذه السيرة واضحة مفصلة كأنما ولد عليه الصلاة والسلام على ضوء الشمس كما يقول بعض المؤرخين، فليس هناك شيء خفيٌ من سيرته، فنحن نعلم عن مولده، وعن طفولته، وعن قبيلته وأسرته، وعن نسبه، وعن حسبه، كما نعلم أيضاً عن حياته في بيته، ونعلم أقواله وأفعاله حتى في أدق الأمور وأبسطها، وذلك من النعمة الكبرى، حتى يجتني المسلم من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام كل ما يحتاج إليه.

    ومن هنا فإن السيرة النبوية يمكن أن تقرأ قراءات عديدة: فيمكن أن نقرأها قراءة عسكرية، وذلك في حنكته عليه الصلاة والسلام في الغزوات التي قادها، والسرايا التي أنفذها، وما يلحق بذلك من الأمور، ويمكن أن نقرأها قراءة اجتماعية، وذلك في سيرتة عليه الصلاة والسلام زوجاً وأباً ومربياً ومعلماً، كما يمكن أن نقرأ السيرة قراءة فكرية، وذلك فيما كان يبينه النبي عليه الصلاة والسلام من دحض الشبه، وإبطال الباطل، وإقامة الحجة، إلى غير ذلك من الأساليب والمقتبسات التي يمكن أن تؤخذ من سيرته عليه الصلاة والسلام.

    أما قراءتنا: فهي قراءة دعوية في السيرة النبوية، وهي صفحات متنوعة من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أنها متدرجة ومرتبة بحسب التاريخ الذي وقعت فيه هذه الأحداث، وقرئت فيه هذه الصفحات، إضافة إلى أن هذه القراءة تأتي بصورة منهجية مرتبط بعضها ببعض، فهي تعبر عن البداية والخطوة التي بعدها وما يلحق بذلك، مع بيان الأولويات وترتيبها؛ ولذلك فهذا الدرس محاولة لاختصار السيرة من خلال عرض الدعوة فيها، فنحن نريد أن نرى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، والملامح والمعالم التي ينبغي أن يستقيها الدعاة والمربون من هذه السيرة العطرة؛ ليكون تأسيسهم وبناؤهم ودعوتهم على طريقة قويمة، ولكي تؤتي -بإذن الله عز وجل- الثمار المرجوة المنشودة.

    1.   

    تجنب التأثير السلبي للمجتمع المنحرف

    نبدأ أولاً بما كان من حياته عليه الصلاة والسلام قبل مبعثه، وهذه هي الصفحة الأولى:

    روى ابن إسحاق في (السيرة) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان -أي: في سن الصبا- وكلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعله على رقبته، يعني: أنهم عند نقل الحجارة رفعوا الأزر على العواتق؛ ليحملوا عليها الحجارة، فكان يبدو منهم جزء من العورة.

    قال: فإني لأُقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمني لاكم -وفي بعض الروايات: ما أراها شديدة، أي: اللكمة، وفي بعضها: إذ لكمني لكمة شديدة ثم قال: شد عليك إزارك، فشددته عليّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي).

    وروى البخاري من حديث جابر في المغازي والسير مثل هذه الرواية، إلا أن هذه الرواية التي عند البخاري تذكر أن ذلك في سن شباب النبي صلى الله عليه وسلم أثناء نقل الحجارة للمشاركة في بناء الكعبة، وأنه كان قد شد عليه إزاره فرآه عمه العباس فقال: ارفع إزارك -يعني: حتى تقوى على حمل الأحجار- قال: فلما فعلت ذلك غشي علي، فلم أعد إلى ذلك أبداً، أو كما جاء في الرواية.

    وروى الحاكم عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك، وما هممت بسوء حتى أكرمني الله عز وجل برسالته، فإني قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعالي مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت أريد ذلك، حتى إذا جئت أول دور من دور مكة سمعت عزفاً بالدفوف والمزامير فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان بن فلان تزوج فلانة بنت فلان، فجلست أنظر إليهم، فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس، فجئت إلى صاحبي فقال: ما خبرك؟ فقصصت عليه الخبر، قال: ثم كان ذلك ثانية، فلما جلست لأستمع ضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس، قال: فلم يقع منه عليه الصلاة والسلام إلا مثل هذا) قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، وضعف بعضهم هذا الحديث بعلل معتبرة عند بعض أهل العلم، فقال ابن كثير رحمة الله عليه في تاريخه: هذا غريب جداً.

    ولكن هذه الروايات تتقوى بمجموعها خصوصاً مع وجود رواية صحيحة في البخاري ، وهي التي نريد أن نقف فيها الوقفة الأولى؛ إذ إن هذه الصفحة من سيرته عليه الصلاة والسلام تبين لنا معلماً مهماً من معالم الدعوة، وهو تجنب التأثير السلبي للمجتمع المنحرف، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام عاش في هذه الجاهلية التي كانت منحرفة في أفكارها وعقائدها، وكانت منحرفة في سلوكها وأخلاقياتها، وكانت منحرفة في قوانينها وعاداتها، إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يشرك أولئك القوم في شيء من هذا، ولم يخالطهم فيه، ولم يقبل منهم ذلك، بل كان -بما وفقه الله عز وجل إليه، وما عصمه به- مجتنباً هذه الصور الانحرافية كلها.

    وهذا أمر مهم في شأن الدعوة، وهو سياج الوقاية والحماية، ولا بد لنا أن ندرك أن الوقاية أهم وأولى في التقديم من العلاج، خصوصاً في مجال الدعوة، سيما في الأعصر التي تختلط فيها المفاهيم الإسلامية، ولا تتمثل معالم المجتمع الإسلامي تمثلاً كاملاً، وإذا بمبادئ ومذاهب فكرية تخالف دين الله عز وجل، وإذا بشرائع وأحكام وقوانين لا تتفق مع شريعة الله سبحانه وتعالى، وإذا بأوضاع وعادات وتقاليد لا تتطابق مع هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا بالمسلم في وسط هذه البيئة إن خالطها، أو أخذ شيئاً منها، أو قبلها، أو فتن بها، أو اعتقدها، أو دعا إليها، فلا شك أنه سيكون متأثراً غاية التأثر، وسيضع هذا الاشتراك بصماته على فكره، وعلى قلبه، وعلى سلوكه وتصوراته.

    ولذلك لا بد أن نؤكد على هذا المعنى، وهو أن يعتزل المسلم كل انحراف في الجاهلية التي يعيش فيها، وألا يكون موافقاً لها من ناحية المبدأ، وألا يكون مائلاً لها من ناحية الشعور، وألا يكون متطابقاً معها من ناحية السلوك، وألا يكون مساعداً لها من ناحية الغض عنها، أو عدم السعي لإنكارها وتضييق سبل ترويجها وقوتها وانتشارها؛ ولذلك ذم النبي صلى الله عليه وسلم بني إسرائيل، وتلا عليه الصلاة والسلام قول الله جل وعلا: كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:79] ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وقعيده وشريبه، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض).

    فهذا معلم مهم ينبغي أن يرسِّخه أهل الدعوة وأهل العلم والإيمان في قلوب المسلمين، وأن ينشئوا في قلوب المؤمنين تلك العزلة الشعورية، والمفاصلة القلبية، والمفارقة من حيث الاعتقاد والمبدأ لكل صورة انحرافية يعيشها المسلم في وسط أي مجتمع من المجتمعات؛ وذلك حتى يبرأ من الآثار؛ لأن السمع والبصر جهازا استقبال، فإذا سمع المرء الخنى، وإذا رأى الفحش والفجور، وإذا سمع مقالات الباطل، فإنه يوشك أن ينطبع بعضها في قلبه، وأن يغير في فكره، وأن يؤثر في سلوكه، وهذا معلم مهم يعد أول الخطوات، ألا وهو الوقاية استعداداً لما بعدها.

    1.   

    خلوة الإنسان بنفسه كي يتدبر أموره ويحاسب نفسه، ويخلو من الناس ومشاغلهم

    الصفحة الثانية من سيرته عليه الصلاة والسلام: أنه كان يتحنث الليالي ذوات العدد في حراء، وفي رواية خديجة رضي الله عنها قالت: فكنت أزوده لذلك، فيختلي في غار حراء الشهر والشهرين أو أكثر من ذلك، وورد في بعض الروايات في سيرة ابن هشام : أنه كان يمكث شهراً من كل سنة، وفي بعض الروايات: أنه كان يمكث ستة أشهر.

    وهذا المعلم معلم مهم أيضاً في حياة المرء المسلم في البيئة الجاهلية، فكما أنه فارقها بقلبه، فإنه يحتاج إلى خلوة يخرج بها من صخب الدنيا إلى الهدوء الذي يتأمل فيه في ملكوت الله عز وجل، ويخرج من فتنة إغراء ومدح المادحين وذكر محاسنه ومناقبه، إلى خلوة يتذكر فيها أمره، ويحاسب نفسه.

    كما أنه يخرج من هذه المشكلات والمعضلات التي قد تؤثر على نفسه وعلى إيمانه، فيصفو قلبه في لحظات من المناجاة لله عز وجل، والدعاء له، والسكينة إليه سبحانه وتعالى، ولذلك يحتاج المسلم بين الفينة والأخرى إلى أوقات قليلة من يومه، وإلى أوقات أطول قليلاً في أسبوعه وشهره؛ حتى يجعل لنفسه هذه المحطات التي يراجع فيها نفسه، ويخلصها من أدرانها وأوضارها، وأن يكون أيضاً مستقلاً فيها عن كل ما يؤثر على فكره ورأيه وموقفه؛ ليكون ذلك أدعى له إلى تجديد نشاطه، وإلى تقويم مسيرته.

    وقد كانت هذه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، فكانت معينة له ومهيئة له لاستقبال الوحي بعد ذلك، وما تلقاه من الرسالة.

    1.   

    بدء الوحي

    في الصحيح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في وصف أول اتصال بين الأرض والسماء، وأول نزول للوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلما كان في بعض أيامه ولياليه في غار حراء؛ إذ نزل عليه جبريل فقال له: اقرأ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ، قال عليه الصلاة والسلام: فأخذني فغتني، وفي رواية: فغطني -أي: ضمني- حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني -أي: أطلقني- فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، ثم غطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ؛ قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:1- 4]) فكان هذا أول نزول للوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الصفحة معلمان مهمان في حياة الإنسان المسلم، وفي سيرة الدعوة التي ينبغي أن ننتبه لها:

    الصلة بالله تعالى والالتجاء إليه

    أولهما: الصلة بالله عز وجل، فإنه لا يمكن للإنسان المسلم أن يواجه الباطل، ولا أن يقف في وجوه الأعداء، ولا أن يتغلب على شهوات النفس، ولا أن يستعلي على فتن الدنيا، إلا أن يكون موصول الحبل بالله عز وجل.

    فهذا النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن أكرمه الله تعالى بهذه النبوة وهذه الرسالة بقي مشدوداً بهذا الحبل المتين في الصلة بالله عز وجل، تلك الصلة التي تجعل المرء كلما احلولكت في وجهه الظلمات، وسدت في وجهه الأبواب، وجد أن النور والشعاع والضياء فيما عند الله عز وجل، ووجد أن الفرج والتنفيس والنصر من عند الله عز وجل، كما ورد في قوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173].

    وهذه الصلة بالله عز وجل هي الأساس المكين، والركن الركين الذي يقوي الإنسان المسلم، فيجعله في صورة يستطيع بها أن يطبق هذا الدين، وأن يسعى فيه، وأن يثبت عليه بإذن الله عز وجل، أضف إلى ذلك أن هذه الصلة هي التي تفرغ في قلبه السكينة، وتنشئ في نفسه الطمأنينة، وتجعله مُطمئن البال، مجتمع الفكر، فليس عنده حيرة ولا اضطراب ولا قلق، ولا نوازع نفسية، ولا أمراض قلبية، ولا غير ذلك مما يعتري الناس عندما لا يركنون إلى الله عز وجل، وعندما يركنون إلى هذه الدنيا، أو يخافون من البشر، فإذا بهم قد تفرقت بهم الأهواء، وقد انخلعت قلوبهم خوفاً، وقد تفرقت نفوسهم في شعاب الأرض تطلب كل جهة، أما المؤمن فينطبق فيه قول الله عز وجل أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، فهو راسخ إلى هذا الوعد الرباني، وإلى هذا الزاد الإيماني الذي تمثل في هذه الصورة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأمر الصلة بالله أمر طويل، وقد سلف لنا فيه حديث عندما تحدثنا عن التربية الإيمانية، ونحن نعلم الزاد الإيماني الناشئ عن العبادة والصلة والخضوع والذلة والابتهال والدعاء والمناجاة لله سبحانه وتعالى.

    القوة والشدة في أخذ هذا الدين والتمسك به

    المعلم الثاني في هذه الصفحة: القوة والشدة:

    فليس أمر هذا الدين هيناً ليناً، فهو لا يؤخذ بالنوم والكسل، ولا يمكن أن يلتزمه المرء دونما جهد وعمل، ولذلك فإنه في اللحظة الأولى التي كان الوحي فيها غريباً عن النبي صلى الله عليه وسلم، كان المتصور والمتوقع أن يأتيه في صورة هينة لينة، وبأسلوب تدريجي تقليدي، ولكن الأمر فيه دلالة على عظمة هذه الرسالة، وعلى شدتها، وعلى أنها تحتاج إلى ذلك الجَهد الذي حصل للنبي صلى الله عليه وسلم عندما غطه جبريل أول مرة وثاني مرة وثالث مرة؛ حتى يكون هناك استعداد وتأهل وإدراك لعظمة هذه الرسالة كما قال الله عز وجل: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، وكما قال الله عز وجل في شأن يحيى عليه السلام: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12].

    ولا بد لنا أن ندرك أن من أهم المعالم الدعوية: أن نبين للناس عظمة هذه الرسالة، وعظمة حملها، وعظمة الأمانة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]، فلا بد من الإعداد منذ البدايات؛ حتى يمكن -بعد ذلك- أن يسير المرء ليبلغ النهايات، أما أن تكون البداية ضعيفة، وأن تكون البداية نوعاً من الترف، أو التأمين في هذه الدنيا، أو التيسير الذي يتعدى حده ليوهم الإنسان أن هذا الدين يمكن أن يكون محققاً لبعض المكاسب الدنيوية، ليأكل، أو ليشرب، أو لينعم، أو ليعيش بعيداً عن أي مهمة ورسالة، أو جهد وعمل، فإن ذلك لا يتفق مع هذه الصورة من صور سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، بل يظهر فيها القوة التي ينبغي أن يؤخذ بها أمر الله عز وجل؛ لأنه أمر مهم عظيم في حياة الإنسان.

    1.   

    الدعوة إلى الله تعالى في كل زمان ومكان

    الصفحة الرابعة من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي من أعظم الصفحات، وقد أشرتُ إلى أمر التدرج، فإننا نحتاج أولاً إلى تلك المفارقة في الجاهلية؛ لئلا تنعكس علينا آثارها، وكذلك نحتاج إلى تلك المراجعة والخلوص من هذه الدنيا وأهلها؛ حتى نقوم المسيرة، ونحتاج إلى هذين المعلمين صلة بالله عز وجل لا تضعف؛ كي تُهيئنا هذه الصلة لحمل هذه الرسالة بكل قوة وعزم ومضاء، ثم نأتي إلى الصفحة الرابعة فإذا فيها قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1- 7].

    وهذه الآيات يعلق عليها صاحب (الرحيق المختوم) تعليقاً جيداً فيقول: فغاية الإنذار (قُمْ فَأَنذِرْ) أن يبلغ به العالم كله، فلم يحدد في هذه الآية أي نوع من الناس الذين يُنذَرون، بل هو إنذار للعالم كله، وللبشرية جمعاء، وغاية التكبير ألا يكون لأحد في الأرض كبرياء إلا وتكسر شوكته؛ حتى لا يبقى كبرياء إلا لله عز وجل، وغاية التطهير للثياب، وهجران الرجز، أن يتطهر الباطن، وتتزكى النفس من الشوائب، وغاية عدم الاستكثار بالمنة ألا يرى لنفسه ولجهده ولبذله في سبيل الله عز وجل أي شيء يذكر، بل ما يزال يبذل في سبيل الله عز وجل.

    قوله تعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:7] إشعار بأن هذا الطريق فيه ابتلاء، وفيه عناء، وفيه معضلات ومشكلات تحتاج إلى هذا الصبر الذي يعين على هذا الطريق، ولذلك نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما رجع من غار حراء، وجاء إلى زوجه خديجة وهو يقول: (دثروني.. زملوني)، فتنزلت عليه هذه الآيات، وكذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1- 2]؛ وهنا: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1- 2] هذا الذي تدثر بالأغطية؛ ليهدئ من روعه، وليجلب الدفء إلى جسمه، جاءه هذا الأمر؛ ليبين أن معلم الدعوة المهم هو ألا يكون المرء مسلماً في نفسه، ولا صالحاً في سلوكه فحسب، ولا يكفيه ما في قلبه من المشاعر، حتى ينطق لسانه، ويحرك جوارحه، ويمضي بهذه الدعوة مشرقاً ومغرباً بكل صورة؛ حتى يبلغ الغاية والمنتهى في الإنذار، وفي التكبير لله عز وجل، وفي هجران الرجز، وفي التطهير للنفس، وفي عدم الاستكثار فيما يطلبه في هذا الطريق، مما يدل على أن هذا المعلم مهم جداً.

    فلا بد أن نربي الناس، وأن نعلمهم أن من تعلم شيئاً وجب عليه تبليغه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) ، وأن كل امرئ في عنقه مسئولية وأمانة أن يبلغ من دين الله عز وجل ما عرفه من حكم، أو من حكمة، أو من إصلاح يحتاج الناس إليه في هذه الحياة؛ حتى يشع نور هذا الدين في كل مكان، وحتى تغزو هدايته كل قلب، وحتى تطرق حلاوته كل أذن ومسمع.

    ولذلك نجد في هذا المعلم: الدعوة وتبليغها، ونجد الدعوة وطريقها، ونجد الدعوة وأسلوبها الذي توافق في قوله سبحانه وتعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، فهذه الآية نزلت في سورة الشعراء، وقد كان في أولها قصة موسى عليه السلام منذ بعثته إلى خروجه من أرض مصر، ثم رجوعه ومواجهته لفرعون، ثم خروجه مع بني إسرائيل، وجاءت بعد ذلك قصص الرسل والأنبياء مع أقوامهم، وجاء بعد ذلك هذا الأمر الرباني، وكل ذلك التلخيص -سيما لسيرة موسى عليه السلام- بيان لطريقة الدعوة، وأنها -كما أمر الله عز وجل- تبدأ بالأقربين، وبالصورة التي ستأتي انتقاء وتجميعاً لأهل الإيمان، ثم مفارقة لأهل الباطل ومواجهة لهم.

    فإذاً: بعد أن ندرك عظمة هذه الرسالة، فإن ذلك ينبغي ألا يكون أمراً فكرياً؛ لأن هذه الرسالة عظيمة، ولأن هذه المهمة خطيرة، ولأن هذا العمل جليل، بل ينبغي أن يتحول ذلك كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر واجب التنفيذ، وهو أن ينطلق المرء بالدعوة إلى الله عز وجل، وكما أمر سبحانه وتعالى.

    1.   

    الحكمة في الدعوة والتدرج فيها

    الصفحة الخامسة، وهي صفحة مندرجة أيضاً في هذا الباب، وهي: الحكمة والتهيئة منه صلى الله عليه وسلم في تنفيذ هذا الأمر، والدعوة إلى الله عز وجل.

    لقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالأقربين، وليس كل الأقربين، وإنما كان يختار اختياراً، وينتقي انتقاءً، ويتوسم توسماً، ويتفرس فراسة، فيختار الأدنى والأقرب من هذا الدين في خلقه وسمته، ورجاحة عقله، وطهارة سلوكه، فكان أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه، وقد ورد في كثير من الآثار: أنه ما شرب خمراً، ولا سجد لصنم قط، وكان أنسب قريش لقريش، وكان أشهر رجالها في تجارتهم، وكانت هذه الملامح هي ملامح الانتقاء التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في أبي بكر .

    وكان أول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب ، وكان لصيق النبي صلى الله عليه وسلم، ورفيقه، وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة ، وكان مولىً للنبي عليه الصلاة والسلام، ومن النساء زوجه خديجة رضي الله عنها، وكانت قريبة منه، فكان صلى الله عليه وسلم يبذر الدعوة في الأقربين المقربين، لقربهم من هذه الدعوة، ولوجود الملامح التي يؤمل فيهم من خلالها أن يكونوا أسرع في القبول، وأسرع في التأثر، وأسرع في أن يعضدوا هذه الدعوة، وأن يسيروا في ركابها، وأن يدعموها، إضافة إلى القرب الحسي، سواء كان قرباً في النسب أو كان قرباً في البيئة.

    وهذا لا شك أنه مهم؛ لأن بعض من يحبون الدعوة، ويرغبون في نشرها، يشرقون ويغربون، ويدعون هنا وهناك، فينفع الله بهم، إلا أن النفع الأكثر والأظهر في تأثيره، والأسرع فيما يعود على الدعوة والمجتمع الإسلامي من أثر، هو هذا الأسلوب الدعوي الذي يختص بهذه الدوائر القريبة حساً ومعنىً، فإذا أردت أن تدعو اليوم فإنك تدعو من يصلي ولو في بيته، فهذا أدنى إلى القبول ممن قد ترك الصلاة، أو ترك بعضها، أو أخرها عن أوقاتها، وتدعو من يصلي في المسجد، فتكون استجابته أدعى وأقوى ممن يصلي في بيته، وتدعو من لا يقارف المعاصي والمنكرات، ولا يتوغل في الشهوات، فيكون أقرب استجابة ممن هو واقع فيها.

    فالأقرب إلى هذه الدعوة هو الأقرب استجابة إليها، ولا يعني ذلك بحال من الأحوال ألا يُدعى غير هؤلاء، ولكن هذه أولويات وانتقاءات، والنبي عليه الصلاة والسلام قد أنذر عشيرته أجمعين، لكنه خص أولئك ابتداءً كما رأينا، حتى كان اختياره عليه الصلاة والسلام في موضعه ومكانه، فإذا بهذه الكوكبة: امرأة وغلام ومولىً وشريف من الأشراف، تنطلق بهذه الدعوة، فإذا أبو بكر يسجل في صحيفته عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم أجمعين، ويدخلون في هذا الدين بدعوة أبي بكر رضي الله عنه، بسبب ما كان عنده من إيمان وحصافة ورجاحة عقل إضافة إلى شرفه وكلمته المسموعة.

    إذاً: من هذه الصفحة نقرأ حكمة الدعوة، والأسلوب الذي تطبق به هذه الدعوة، فإنها ليست مجرد اندفاع، وإنما هي دراسة وفراسة، وتحليل وتقويم، ثم تأتي بعد ذلك خطوات مبنية على دراسة وعلى تهيؤ وتدرج؛ حتى يكون لها أثرها، ويكون لها رصيدها وثمارها المرجوة.

    1.   

    عالمية هذه الدعوة وشمولها لكل الناس

    ننتقل إلى صفحة أخرى ملامسة ومقاربة لما قبلها، وهي عموم هذه الدعوة للناس أجمعين.

    فلا يظن ظان أن الدعوة خاصة بفئة معينة، بل هي عامة لجميع الناس؛ ولذلك بدأ النبي صلى الله عليه وسلم -عندما نزل قول الله جل وعلا: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]- بإنذار قومه، فصعد إلى الصفا، ودعا قريشاً بطناً بطناً، وقال لهم: (ما تقولون لو أخبرتكم أن خيلاً ببطن هذا الوادي تريد أن تغير عليكم؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب أليم، فقال أبو لهب عليه لعنة الله!: تباً لك ألهذا جمعتنا؟!).

    ثم كان النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ بمبدأ التوسع في الدعوة، فلما جاءت المواسم التي كان يجتمع فيها العرب ويفدون فيها إلى مكة كان عليه الصلاة والسلام يطوف على القبائل قبيلة قبيلة، ويمر بمجالس القوم مجلساً مجلساً، ويدعو الناس هنا وهناك، إلا أن تلك الصفوة التي ذكرنا سابقاً هي التي أولاها عليه الصلاة والسلام جهده وتربيته؛ لأنها كانت قريبة منه، وكانت مستجيبة له، وكانت متلقية عنه، فكان تأثيره فيها واهتمامه بها عظيماً، وكان نتاج ذلك فيما بعد أعظم وأعظم في مسيرة الدعوة.

    وفي الوقت نفسه وسع عليه الصلاة والسلام دائرة الدعوة، فبلغها لكل أحد، وأسمعها لكل أذن، وهكذا ينبغي أن يكون دعاة الإسلام اليوم: يدعون كل أحد، ويرفعون راية الإسلام، ويظهرون محاسنه، ويؤلفون الكتب، وينشرون القول الحسن، إلا أن ذلك رغم فائدته ونفعه يحتاج إلى أن يكون هناك ذلك التخصيص الذي نبه عليه النبي عليه الصلاة والسلام بفعله، سيما في المرحلة الأولى من دعوته عليه الصلاة والسلام، وسيأتي ما يؤكد هذا المعنى أيضاً في بقية الصفحات التي نقرأ فيها معالم دعوته صلى الله عليه وسلم، فإنه رغم هذا التوسع والانتشار في هذه الدعوة إلا أن ذلك التركيز كان يختص بتلك الفئة، فهذان معلمان مهمان: الحكمة والانتقاء، والدعوة والاتساع، وينبغي أن يسيرا معاً جنباً إلى جنب، فليست الدعوة مجرد كلمات تُذر هنا وهناك، ولا مؤلفات تكتب هنا وهناك، وإنما هي صياغة وتربية وتوجيه وتكثيف، وسيأتي ذكرها فيما يلي:

    1.   

    الدروس الدعوية من اتخاذ دار الأرقم بن أبي الأرقم

    صفحة دار الأرقم بن أبي الأرقم :

    فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد أخذ بالدعوة سراً حتى أُمر بالجهر بالدعوة، وجهر بها وهي لا تزال سرية، أي: جهر بها هو عليه الصلاة والسلام، وأما أصحابه فكانوا يستخفون بدينهم، ويسرون إسلامهم، ويستترون بعباداتهم، فيصلون في الشعاب والمناطق البعيدة عن أهل مكة، ويختفون بدينهم، ولذلك لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام ما بدأ به أهل الكفر من قريش من الإيذاء والاضطهاد، ولما رأى تكاثر هؤلاء الذين استجابوا لدعوته، عزم عليه الصلاة والسلام أن يجمع القوم، فكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم ملتقى الصحابة رضوان الله عليهم، وكانت هذه الدار في أدنى الصفا بمكة، فكان الصحابة يأتونها سراً، حتى إن بعضهم كان يلقى بعضاً ولا يعرف أنه من المسلمين، فيقول له: أين تذهب؟ فيقول: أقضي حاجتي؛ ويقول الثاني: أين تذهب؟ يقول: أذهب إلى كذا وكذا، ثم إذا بهما يلتقيان في دار الأرقم بن أبي الأرقم .

    وفي هذه الصفحة معلمان مهمان من معالم الدعوة: الأول: هو المعرفة والتعليم، والثاني: هو التربية والتكوين.

    المعرفة والتعليم

    أما الجانب الأول: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدار يعلم الصحابة رضوان الله عليهم، فيتلو عليهم آيات القرآن، ويبين لهم أحكام الإسلام، ويعرفهم أيضاً بما يجري في واقعهم ومجتمعهم، وما يحاك حولهم، فلا بد للفئة المؤمنة أن تنشر العلم الشرعي، والمعرفة الإيمانية، والأخبار الواقعية، والأحداث القديمة التاريخية، في المساجد وبيوت الله، وفي المنتديات والمحاضرات، وفي اللقاءات والمؤتمرات، وتكون كذلك في كل آن وفي كل حال، في الحل والترحال، وفي السفر والحضر، وفي بيوت الناس ومجامعهم؛ لأن المعرفة والعلم أساس مهم كما قال الله عز وجل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19].

    وليس المقصود بالمعرفة والعلم الناحية الشرعية فحسب، بل كذلك الناحية المعرفية التي فيها استقراء التاريخ، واستنطاق العبر، ومعرفة الواقع، وإدراك ما يدور حول الدعوة والمسلمين من أمور، فينبغي أن يعرفوها، وأن يحتاطوا لها، وأن يعدوا لها العدة، ولذلك كانت هذه الدار تمثل هذه المرحلة المهمة، فإنه ينبغي لنا ألا نرضى من الناس بالعواطف، وألا نكتفي منهم بأن يؤدوا عباداتهم، بل لا بد أن نزيدهم ونعطيهم من العلم الذي جاء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نوسع دائرة معرفتهم، وأن نعمق الوعي في عقولهم؛ لأننا نحتاج ونفتقر إلى شخصية المسلم العالم الواعي، فإذا ذكرت شبهات وطعون في الإسلام كان عنده من العلم ما يمنعه من التأثر بها، بل عنده من العلم ما يفندها ويرد عليها، ويثبت بطلانها، فيكون ذلك انتصاراً لهذا الدين، وإقناعاً للآخرين، ويكون عنده أيضاً من العلم والمعرفة حتى لا ينخدع، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لست بالخب، ولا الخب يخدعني، فإذا ما تستر الباطل في ستور مختلفة، وإذا ما جاء الأعداء في لبوس الأصدقاء؛ لم يخدعه ذلك، بل كان عنده الوعي والمعرفة والإدراك الذي يميز به بين الحق والباطل، ويدرك به ما وراء السطور، ويعرف ما يحاك للأمة الإسلامية، وما يمكر به الماكرون، وما يدبره المنافقون، فإن الأمة اليوم مستهدفة من أعدائها، ومغزوة من داخلها ببعض أبنائها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث عنهم: (من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا).

    التربية والتكوين

    الجانب الثاني: وهو جانب التربية والتكوين:

    فإن العلم وحده لا يكفي، بل كان النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الدار يربي الصحابة، ويبين لهم ما يواجهون من الأخطار، ويركز فيهم المعاني الإيمانية التي تقوي عزيمتهم، ويؤكد لهم أن بعد العسر يسراً، ويبين لهم أن الاستمساك بالمنهج هو الذي يؤدي إلى النصر والتمكين، ويبين لهم عليه الصلاة والسلام من واقع سير الرسل والأنبياء قبله، ومن واقع حياة المؤمنين في كل وقت وأوان، أنه لا بد لهم أن يثبتوا، وأن يسعوا إلى تكامل شخصياتهم، وذلك كله يؤذن بأن يوسع دائرة الدعوة، وأن يضعضع ويضعف جهود الأعداء، وينخر في صفوفهم، وأنه ينبغي لهم ألا يغيروا وألا يبدلوا، ولذلك لا بد من معرفة العلم، مع التطبيق العملي، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، هذا هو الزاد الذي يقوي في الإنسان المسلم التزاماً صادقاً، ووعياً وإدراكاً، إضافة إلى أمل وثقة بالله عز وجل لا تنقطع، ولا تنفصل.

    إن هذه الدار كانت هي المدرسة العظيمة التي تخرج منها كبار الصحابة من المهاجرين، والسابقين الأولين إلى الإسلام، من أمثال أبي بكر وعمر ، والعشرة المبشرين، ومن جاء بعدهم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ونعلم جميعاً أن هذه الفترة المكية الأولى لم يكن عدد المسلمين فيها كثيراً؛ وذلك لظروف هذا الإيذاء والاضطهاد، ولظروف سرية الدعوة، إلا إن نوعية المسلمين الذين رباهم النبي عليه الصلاة والسلام في مثل هذه الدار كانت نوعية فريدة، فكان الواحد بألف، بل بآلاف، ولذلك فإن هذا المعلم يبين لنا أهمية صياغة الشخصية المسلمة، والتربية والتكوين الإسلامي الصادق الخالص القوي، فإننا نريد مسلماً صادقاً خالصاً كاملاً، وربما يكون أجدى وأنفع لهذه الأمة، وأقوى في نصرة هذا الدين من كثرة كاثرة أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنهم غثاء كغثاء السيل، وأنهم يقذف في قلوبهم الوهن، فلما سئل عنه عليه الصلاة والسلام قال: (حب الدنيا، وكراهية الموت).

    فقد تكون هناك صفوف متراصة، لكن فيهم جبان، وفيهم خائف، وفيهم متردد، وفيهم متشكك، فما أسرع ما تُخترق هذه الصفوف، بينما إذا كان هناك صف واحد، ولبناته قوية متماسكة مترابطة، فإن كل هجوم على هذا الصف يبوء بالفشل، ويرجع خائباً، وهذه القوة والمكانة هي التي تحتاجها الأمة الإسلامية اليوم، ونحن في غنى عن ذكر الأمثلة التي كانت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام من قبل صحابته رضوان الله عليهم، فإنهم قد ثبتوا في المحن، وثبتوا أمام الإغراءات، إضافة إلى أنهم لم يتأثروا بالشبهات، وكل ذلك كان يبين أهمية تلك التربية التي رباهم عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فـبلال تحت الصخر يقول: أحد.. أحد، وما تغير ولا تردد، بل تغير من كان يجلده، فأسلم بعضهم، وهذا كعب بن مالك جاءه الإغراء من قبل الدولة العظمى في ذلك الوقت الذي كان الصحابة قد نهوا عن كلامه، وأمروا بمقاطعته، ومع ذلك لم يستجب لهذا النداء، ولم يضعف، ولم يستوحش من المسلمين، ولم يقطع رابطته بهم؛ لأن التربية والتكوين كانت في أعلى المستويات المطلوبة، وهذه الدار هي التي أخرجت تلك الكوكبة من صحب النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الانتشار في الأرض عند الأذى والتسلط

    ثم صفحة سابعة وهي الهجرة الأولى إلى الحبشة:

    وذلك عندما اشتد إيذاء كفار قريش للمسلمين من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، وكثر تتبعهم لهم، واستقصاؤهم وتفتيشهم عن هؤلاء المسلمين المستخفين بدينهم، ثم إنهم صبوا عليهم العذاب صباً، وكان هذا العذاب متنوع الأساليب: فمن عذاب حسي، ومن عذاب معنوي، ومن سخرية وتحقير وصور كثيرة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الهجرة أمراً مهماً، ومعلماً أساسياً من معالم الدعوة وهو مبدأ الحماية والانتشار.

    فقد كان المسلمون في ذلك الوقت قلة، وكانوا مستضعفين؛ نعم كان إيمانهم في قلوبهم عظيماً، وكان يقينهم في نفوسهم راسخاً، وكانت ثقتهم بالله كبيرة، وكان معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يعلمنا من خلال سيرته السنة الإلهية التي ينبغي أن تراعى وأن تتبع، فلم تدفعهم حماستهم للحق الذي آمنوا به، والدين الذي اعتصموا به أن يواجهوا الباطل مواجهة سافرة، وفي معركة هي بالمقياس المادي خاسرة، ولم تكن الحماسة هي التي تقودهم ليواجهوا الباطل كيفما اتفق، لماذا؟

    لأنهم يريدون أن يعملوا ما يعود على هذا الدين بالنفع والفائدة، وما يعود على الدعوة بالقوة والانتشار، ولذلك كما يقول محمد الصادق عرجون في كتابه (محمد رسول الله): أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزع فتيل التوتر، فقد كانت قريش في شدة حميتها، وقوة توجهها نحو ضرب المسلمين والأمة الإسلامية ضربة إبادة، وكان المسلمون كثير منهم من العبيد والموالي والضعفة الذين هم في طبيعة ذلك المجتمع ليس لهم حول ولا طول، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يهدئ الأوضاع، وأن يحمي هذه الكوكبة القليلة من الفئة المؤمنة، ليكون ذلك أدعى لانتشار الدعوة في وقت آخر.

    فليست المسألة مسألة تسلط، أو تشدد، وإنما هي مصلحة الدعوة حيثما كانت، ولذلك ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في مَثَل المؤمن أنه كالخامة من الزرع تميلها الريح ولا تكسرها، فإذا جاءت الظروف العصيبة فإنه يمكن أن يجعلها بهدوئه وسكينته، وثباته على مبدئه، تمر دون أن تقصم ظهره، أو أن تعيق انطلاقته، وهكذا كان هدف النبي عليه الصلاة والسلام.

    إضافة إلى ما كان منه عليه الصلاة والسلام من حكمة ودراية ومعرفة بالواقع، فقد اختار أرض الحبشة، وهي أرض قريبة من مكة، فليس بينها وبين مكة إلا مسافات قصيرة من ناحية البحر، ثم إنها كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن فيها ملكاً عادلاً لا يُظلَم عنده أحد)، ولم يطلب المسلمون في هذه الهجرة سلامتهم، ولم يختاروا العيش الرغيد، والأمن الوافر، وإنما أرادوا أن يقوّوا الصفوف، وأن يبذروا الدعوة في مكان آخر، وأن ينطلقوا بها مشرقين ومغربين.

    ولذلك لا بد أن ندرك في مسيرة الدعوة أنها ليست ملكاً لفرد أو لفئة من الناس، وإنما هي ملك للأمة كلها، فلا ينبغي أن يتهور متهور فيورد الدعوة وأهلها والعلماء والمصلحين موارد الهلكة، دون أن يكون هناك أي أثر إيجابي، وأما ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (سيد الشهداء حمزة ، ورجل قام إلى حاكم ظالم فأمره ونهاه فقتله) فقد ذكر أهل العلم أن ذلك إذا كان مختصاً بنفسه، وذكر بعضهم أن ذلك فيما لا يؤثر على من وراءه؛ إذ قد يكون الإنسان مضحياً بنفسه، لكن ينبغي أن يحرص على نفع الأمة ومصلحتها، فلما كانت هذه المرحلة هي المرحلة التي اشتد فيها الأذى من كفار قريش أراد النبي أن يلتمس للمسلمين مخرجاً، وأن يخفف من غلواء ذلك العداء، وأن يبعد أسباب النقمة الشديدة من أولئك الكفار، وأن يهيئ أسباب الانتشار في ظل ما قد يكون من سكينة أو هدوء، أو ضعف في مواجهة الاعتداء على المسلمين من أبناء هذه الأمة.

    1.   

    الجد والاجتهاد في البحث عن طرق لنشر هذه الدعوة

    نلمح أيضاً معلماً عظيماً في الصفحة الثامنة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المعلم الذي تمثل في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عندما لم تكن هناك استجابة من قريش وأهل مكة، فخرج عليه الصلاة والسلام إلى الطائف يدعو أهلها، ونعلم ما قام به الكفار من أهل الطائف في ذلك الوقت من الإيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم، والإعراض والصد عنه، وإغراء السفهاء به، فقذفوه بالحجارة حتى دميت أقدامه عليه الصلاة والسلام.

    في هذه الصفحة معالم أخرى، وأسس مهمة في الدعوة التي رسمها لنا النبي صلى الله عليه وسلم، فهي تمثل لنا صورة مهمة من صور الحماسة والانطلاق، فليس الأمر دائماً هو نوع من السكون أو الهدوء، بل كان النبي عليه الصلاة والسلام في قلبه من الغيرة لهذا الدين والحماسة له، ما جعله يلتمس طُرُقاً إلى أي قوم، أو إلى أي بلد يمكن أن يلقى فيه قبولاً لهذه الدعوة.

    والأمر الثاني هو: أن هذه الدعوة عالمية وليست إقليمية، فليست مختصة بعرب دون عجم، ولا ببلاد دون بلاد، بل ينبغي أن يسير بها المسلمون إلى البشر أجمعين، وإلى كل الأقطار بلا استثناء، فإذا أعرض عنها قوم فإن قوماً آخرين سيَقْبلون ويُقبِلون بإذن الله عز وجل، وهذا أيضاً يدلنا على صورة ثالثة وهي:

    عدم اليأس، وعدم الركون أو القعود عن الدعوة؛ لأجل إعراض المعرضين، أو صد الذين يصدون عن دين الله عز وجل، فإن قريشاً عندما صدّت وامتنعت التمس النبي عليه الصلاة والسلام الطريق إلى الطائف، وعندما صد أهل الطائف وامتنعوا، عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وظل يدعو حتى شرح الله صدور الكوكبة الأولى من الأنصار في بيعة العقبة إلى الإسلام، وكانوا بذرة من البذور التي أثرت في الدعوة الإسلامية.

    1.   

    الهجرة النبوية

    الصفحة التاسعة هي: الهجرة النبوية إلى المدينة:

    وهي أيضاً مهمة غاية الأهمية في حياة الدعوة الإسلامية؛ ذلك أنها تمثل مرحلة التخطيط والتمكين، فالنبي عليه الصلاة والسلام قد هيأ لهذه الهجرة تهيئة عظيمة، فإنه قد يسّر أولاً من خلال البيعة الأولى للأنصار كوكبة آمنت به وبرسالته عليه الصلاة والسلام، ثم بعث معهم مصعب بن عمير رضي الله عنه ليوسع دائرة الدعوة في هذه الأرض الجديدة؛ لتكون أرضاً لهذه الدعوة، ولإقامة دولة الإسلام فيها، ثم جعل أصحابه بعد ذلك يهاجرون إليها زرافات ووحداناً، فلما شاع الإسلام في المدينة، أحكم النبي عليه الصلاة والسلام خطته، وهيأ أمره كما نعلم في هجرته من الأسباب الكثيرة التي اتخذها، وليس هذا موضع سردها، فإنه أخذ جنوباً إلى غار ثور بدلاً من أن يأخذ شمالاً إلى طريق المدينة، ونعلم أنه اختبأ في الغار ثلاثة أيام، وأنه اتخذ طريقاً غير الطرق المسلوكة إلى غير ذلك، فهذه الصورة تبيّن لنا: أن الدعوة الإسلامية ينبغي أن تسعى إلى أن تمكن في الأرض، وإلى أن تهيأ لها الأسباب لإقامة المجتمع الإسلامي الذي يحكّم شرع الله عز وجل، ويصبغ الحياة كلها صبغة إسلامية ليس فيها قبول لحكم ولا لشرع ولا لأمر ولا لعادة ولا لتقليد إلا وفق شرع الله سبحانه وتعالى.

    فلا يُكتفى أن يكون المسلم مسلماً في نفسه، ولا يُكتفى أن يكون جمع من المسلمين في بيئة جاهلية، أو في أوضاع كفرية، بل ينبغي أن يسعى المسلمون إلى أن يوجدوا مجتمعاً كاملاً برجاله ونسائه وأطفاله وبيوته، مجتمعاً كاملاً باقتصاده واجتماعه وسياسته، مجتمعاً كاملاً في أفراده وفي جماعاته، مجتمعاً كاملاً في سلمه وفي حربه كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

    فكل تلك المراحل التي مرت بها الدعوة في حياته عليه الصلاة والسلام كانت مراحل ممهدة ومهيأة، وكان عليه الصلاة والسلام يرنو إلى هذه المرحلة، وإلى هذا المعلم المهم من معالم الدعوة، وقد أخذ له أهبته بصور كثيرة شتى مما مضى: فتلك التربية والتكوين لهذه الفئة القوية الراسخة، وذلك الانطلاق الذي شرق فيه وغرب حتى وجد القلوب المؤمنة من الأنصار، وتلك التهيئة الدعوية ببعثة مصعب بن عمير رضي الله عنه الداعية الذي فتح بيوت الأنصار في المدينة المنورة، ونورها بهذا الإسلام، إضافة إلى إحكامه عليه الصلاة والسلام لخطة هجرته حتى قدم عليه الصلاة والسلام إلى المدينة؛ فقد كانت هذه المرحلة من المراحل المهمة في حياة الدعوة، وهي مرحلة التخطيط الذي له بُعد في المدى، وبعد في الزمن، وعمق في النظرة، وشمول فيما يحيط بالدعوة من المتغيرات والمستجدات، واختيار وانتقاء، ثم كان بعد ذلك التمكين وإقامة دولة الإسلام.

    فعندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إذا بها تستقبله، وهي قد أعطته بيعتها في بيعة العقبة الأولى والثانية، وقد أعطته قيادها فهو القائد المسود فيها، وقد أعطته حكمها فهو الذي يبلغ شرع الله لها، فكان ذلك هو الفتح الأعظم، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرت بقرية تأكل القرى، وإني أراها ذات نخل، بين لابتين) يعني أنه أمر بالهجرة إلى قرية هذا وصفها، تأكل القرى: أي تكون منطلقاً وقاعدة للدعوة الإسلامية، وهكذا كان فعله عليه الصلاة والسلام، فلابد أن توجد أرض، ويوجد مجتمع وحكم وشرع إسلامي يكون منطلقاً لهذه الدعوة.

    1.   

    الاستمرار في الدعوة وتصفية الطريق أمامها بالجهاد وغيره

    الصفحة التي تليها، وهي صفحة مهمة، فقد بلّغ النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر مبلغاً، وحقق غاية عظمى، ولعل قائلاً أن يقول: يكفي النبي عليه الصلاة والسلام ما حققه من إيجاد دولة الإسلام في المدينة!

    وهذه نظرة خاطئة قاصرة لا تفقه هذا الدين، ولا تعرف رسالته، ولا تعرف أنه خاتم الأديان، وقد ارتضاه الله عز وجل لهذه البشرية جمعاء، فعندما استقر الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام بدأت صفحة جديدة أخرى، وهي الاستمرار في الدعوة، وهذا يبين لنا معلماً مهماً وهو: أن هذه الدعوة لا منتهى لها، لا في الزمان، ولا في المكان، ولا في الأشخاص، كما قال صاحب (الرحيق المختوم) في قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1- 2]؛ ولذلك لا توقف في الدعوة، فإن هذه المرحلة السابقة في إيجاد المجتمع المسلم إنما هي مرحلة قوية، ونقلة نوعية لمزيد من العمل لأجل الدعوة ولهذا الدين.

    أما أنها مرحلة نوعية: فلأن الناس يرون مجتمعاً إسلامياً كاملاً تتمثل فيه الأحكام والآداب والأخلاق والأعراف الإسلامية، فهذه دعوة ناطقة من خلال المشاهد الحية، والممارسة الحياتية اليومية في مجتمع المدينة المنورة، ثم هي أيضاً نوع من التكامل والقوة التي تساعد على تأسيس الدعوة نفسها، وتأخذ كل أسباب قوتها؛ لتنطلق انطلاقة أكثر وأقوى مما إذا كانت الدعوة عند فئات مسلمة قليلة، وفي مجتمعات منحرفة، أو تكون كثرة في ظل حكم كافر أو نحو ذلك من الصور، فإن الصورة المثلى والأقوى في التأثير هي ما يكون بعد وجود هذا المجتمع المسلم، والأرض الإسلامية.

    ولذلك فإن الصفحة العظمى، والصفحة الأساسية الظاهرة البينة في هذه المرحلة هي صفحة الجهاد الإسلامي، وهذا يبين لنا -كما قلت- استمرارية الدعوة وشمولها وانطلاقها الذي لا يحده حد من زمان ولا من مكان، وقد ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في (زاد المعاد) المراحل التي مر بها الجهاد أو القتال في الإسلام: من كف الأيدي، ثم الانتصار فقط ممن اعتدى، إلى المرحلة التي فيها الجهاد والانطلاق إلى أهل الكفر في كل مكان: فإما أن يسلموا، وإما أن يعطوا الجزية، ويفتحوا الطريق للمسلمين ليعيشوا في هذه البلاد، ويدعوا فيها، ويعلوا كلمة الله عز وجل، دون إكراه في الدين، وإما أن يقاتلوا حتى تزاح هذه العوائق التي تحول بين الناس وبين هذا الدين.

    ولذلك فإن الجهاد هو نوع من إزالة العوائق عن طريق الدعوة، والجهاد العسكري هو صورة من صور الدعوة؛ فكما أن هناك جهاداً قولياً، وهناك جهاداً تربوياً، وهناك جهاداً نفسياً؛ فهناك جهاد عسكري، وكلها مرتبطة بغاية الدعوة، فليس الجهاد في الإسلام إراقة دماء، ولا إزهاق أرواح، ولا تدمير بيوت، ولا إحراق زروع وثمار، بل الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية: (لا تسألني قريش خطة يعظمون بها البيت، ويحقنون بها الدماء إلا أعطيتهم إياها) وكما فعل عليه الصلاة والسلام في يوم فتح مكة عندما عفا عمن كانوا ناوءوه؛ ليبين استعلاء هذا الدين عن الانتقام والثأر النفسي، وليبين رسالة هذا الدين في أنها تهدف إلى إيجاد الغايات، وإلى تحقيق الرسالة، وإلى نشر الدعوة لا أقل ولا أكثر.

    فكانت هذه الصفحة في المدينة المنورة صفحة الجهاد الإسلامي، وهذه الصفحة المهمة ليس هذا موضع الحديث فيها، فإنها قد استغرقت مثل ما استغرقت الفترة المكية وأكثر من ناحية الزمن، ولئن كان المسلمون قد خسروا أو أرهقوا بالمقياس المادي في الفترة المكية، فإنهم في الفترة المدنية قد جاهدوا، وبذلوا أرواحاً وأموالاً، وأجروا دماءً في سبيل الله عز وجل، وهذا يبين أن الدعوة متلازمة مع التضحية والبذل في سبيل الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ [التوبة:111].

    ويبين لنا أيضاً من وجه آخر: أن هذه الدعوة بانطلاقتها الجهادية يتلازم فيها وجود المسلمين مع دعوتهم لدين الله عز وجل؛ فلا ينبغي أن يكون هناك مسلمون ولا تكون هناك دعوة، أو لا يكون هناك جهاد، بل حيثما وجد مسلمون صادقون عارفون بهذا الدين وجدت الدعوة، ووجد الجهاد في سبيل الله عز وجل، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الجهاد ماض إلى يوم القيامة) وهذا الحديث في سنن أبي داود بسند صحيح، وفي بعض الروايات: (لا يبطله بر ولا فاجر)، وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: (الجهاد ماض مع كل بر وفاجر) أي: وإن كان القائد فيه فجور أو فسق إلا أنه يرفع راية الإسلام، ويجاهد في سبيل الله عز وجل، فإنه يجاهد معه؛ إعلاءً ونصرة لدين الله عز وجل.

    1.   

    استكمال البناء الإسلامي بإرساء قواعد الأحكام

    الصفحة الأخيرة في الفترة المدنية هي: استكمال جوانب البناء الإسلامي في شتى صور الحياة:

    فقد جاءت الأحكام والتشريعات في هذه الفترة؛ لتكمل بناء المجتمع الإسلامي في الناحية الاقتصادية، فجاءت الأحكام في البيوع، وتحريم الربا، وتنظيم صور التعامل كلها استقصاءً وتفصيلاً، وجاءت أحكام الحياة الاجتماعية، فجاءت أحكام الزواج والطلاق والمحارم من النساء وغير ذلك تفصيلاً وتفريعاً، وجاءت كذلك الأحكام السياسية مما يتعلق بالحرب والسلم، والعقود والمواثيق تفصيلاً وتفريعاً.

    وقد جاءت كل هذه المعالم لتبين تكامل هذا الدين في الناحية العملية، وتجسده في الصورة الواقعية للناس، ولذلك ينبغي للمسلمين في ظل غياب المجتمع الإسلامي المتكامل في بلاد كثيرة أن يوجدوا صوراً للمعالم الإسلامية في جوانب الحياة: أن يوجدوا صوراً للإسلام في الاقتصاد، وفي الحياة الاجتماعية، وفي الحياة السياسية؛ حتى يرى الناس بأم أعينهم هذه النماذج في الاقتصاد الإسلامي، وفي السياسية الإسلامية، وفي الاجتماع الإسلامي، وفي الأخلاق الإسلامية، من خلال تجمعات ومجموعات إسلامية، ومن خلال مشاريع وأعمال إسلامية تمثل هذه الجوانب؛ لتكون نماذج مصغرة تبين للناس هذا الواقع، فإذا فقد الناس واقعاً متكاملاً في صورة مجتمع وأمة ودولة، فلا يفقدوا ذلك في صورة تجمعات وأفراد من المسلمين يظهرون هذه المعالم، ويرفعون هذه المعاني في حياة الأمة؛ حتى لا يبقى الناس في شك، وحتى لا يكون عند بعض الناس ضعف في يقينهم بتكامل تشريع هذا الإسلام، وظهور الآثار الإيجابية لهذه التشريعات، ومع ذلك يبقى هناك نوع من النقص؛ لعدم التكامل في هذه المجتمعات من الناحية الإسلامية.

    هذه -كما قلت- قراءة سريعة دعوية في المراحل التي مرت بها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، والحقيقة أن كل واحد من هذه المعالم، أو كل صفحة من هذه الصفحات فيها تفريعات تستحق أن يتأملها المسلم، وأن يستنبط منها الداعية منهجه وطريقه، وأن تستلهم منها الأمة المخرج الذي تخرج به من أزماتها، ولذلك ينبغي لنا أن نفقه في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام هذه المراحل الدعوية، وأن نفقه من ناحية الأحداث التفصيلية أو الكثيرة فروع هذه المعالم كلها؛ لتتجسد لنا صورة واضحة لمنهج الدعوة على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، بدلاً من أن يكون هناك الاجتهاد الذي لا يسترشد بهذه السيرة، ولا يرجع إليها، لأنه عليه الصلاة والسلام كما أسلفت في بداية الحديث: ولد على ضوء الشمس، وجاءت سيرته شاملة لجميع الجوانب، ومثل لنا في سيرته وحياته ما ينبغي على الدعاة أن يأخذوا به، وأن يمتثلوه.

    1.   

    أهم المراجع التي سلطت الضوء على الجوانب الدعوية من السيرة النبوية

    في هذا المقام لا بأس من إشارة سريعة إلى ما يمكن أن تستقى منه بعض هذه الملامح والمعاني التربوية، والدعوية.

    وأختم هذا الحديث بذكر بعض الدراسات التي تسلط الضوء على مثل هذه الجوانب في الدعوة من خلال سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، فمنها على سبيل المثال لا الحصر: كتاب (الدعوة في المرحلة المكية) للدكتور علي جابر الحربي ، وكتاب (أسباب نجاح الدعوة في الفترة المكية)، وكتاب (أسباب نجاح الدعوة الإسلامية) وهو كتاب مركز في هذا الجانب، وكتاب (المنهج الحركي في السيرة النبوية) للغضبان ، وكتاب (محمد رسول الله) لـمحمد الصادق عرجون ، وقد ناقش الروايات من حيث صحتها، وهو متخصص في هذا الجانب، وقد تميز أيضاً بذكر كثير من الأمور والفوائد المتعلقة بالدعوة، وبما يتعلق بحكم أوضاع معينة في حياة الأمة الإسلامية، ويلحق بذلك أيضاً كتب السيرة المتأخرة التي يحرص أصحابها على ذكر الفوائد والدروس والعبر من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لما في ذلك من الفائدة، فإنه لا ينبغي أن يكون انتفاعنا بالسيرة النبوية، أو صلتنا بها مجرد قراءتها، أو سرد أحداثها، بل استنباط ما ينفع ويفيد من هذه الأحداث التي كلها عبر ودروس وفوائد ومصالح؛ ولذلك كانت هذه السيرة هي موضع القدوة والأسوة في كل الجوانب، ومنها هذا الجانب المهم والخطير في حياة الأمة اليوم، وهو جانب الدعوة إلى الله عز وجل، وهذه المحاضرة -كما أشرت- قراءة دعوية في السيرة النبوية.

    1.   

    الأسئلة

    حكم كذب المرء ليخفي أعماله الصالحة

    السؤال: هل يجوز الكذب عندما يسألني صديق: إلى أين أنت ذاهب؟ فأقول: إني ذاهب إلى مكان كذا وكذا، وليس الأمر كذلك، ولكن لأخفي بعض الخير الذي قد أقوم به من أمر العلم، أو الدعوة، أو نحو ذلك؟

    الجواب: جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب) والمعاريض: أن تقول قولاً وهو في حقيقته صحيح وليس بكذب، لكنه يحتمل عدة معان، ويكون المعنى الأقرب إلى فهم السامع هو المعنى الذي لا تريده، فهذا فيه نوع من الفائدة التي قد تتحقق للمسلم عندما يحتاج إليها، فينبغي للإنسان أن يكون صادقاً، ولا يلجأ إلى الكذب الصريح مطلقاً؛ لأنه قد ورد النهي والذم له بما هو معلوم، ولا يلجأ إلى المعاريض إلا عند وجود الحاجة والمصلحة، وينبغي ألا يتوسع المرء في هذا، فإنك ترى بعض الناس يتوسعون توسعاً يوقعهم في الكذب، ويظنون أنهم ما زالوا يقولون المعاريض!

    معنى التصفية والتربية في الدعوة إلى هذا الدين

    السؤال: هل نوافق على أن الدعوة تكون إلى تصفية الدين من كل ما ليس منه، ثم التربية على هذا الدين المصفى؟

    الجواب: معنى هذا أن التصفية قبل التربية، بغض النظر عن المسميات، والمعنى في حد ذاته صحيح، فينبغي أن يخرج الإنسان من نفسه ومن قلبه كل حكم، وكل مبدأ، وكل شهوة لا تتوافق مع شرع الله عز وجل وسنضرب مثالاً لتوضيح هذا الأمر:

    إذا أردت أن تجلس في مكان ما، فأول أمر هو أن تنظف هذا المكان، ولا تضع الفرش الذي تريد أن تجلس عليه إلا على مكان نظيف؛ لأن عدم فعلك لهذا لا يجعلك تحقق الفائدة من هذا الفرش، إذ قد تأتي هذه القاذورات مرة أخرى وتفسد عليك مرادك، وإذا أردت مثلاً أن تخرج من مكان ما بعض القاذورات في وقت ريح، فلا بد أن تجعل هناك حاجزاً ثم تخرج هذه الأشياء؛ حتى لا تعيدها الريح مرة أخرى.

    ونحن أيضاً نحتاج في هذه العصور التي غلبت فيها الكثير من الأفكار والشهوات والسلوكيات على بعض المسلمين أن يخرجوها من قلوبهم، ومن عقولهم، وأن يبطلوها من سلوكهم وواقعهم، وأن يتحلوا بعد ذلك بهذا الدين، وهذا ما يسمى بالتصفية ثم التربية، أو ما يسمونه أحياناً التخلية ثم التحلية، أي: قبل أن تحلّي لا بد أن تخلي الشوائب، ثم تحليه حتى تنتفع به، ولا شك أن هذه الازدواجية الموجودة في بيئات المسلمين تجعل الأمرين متلازمين معاً، فنحن ننكر الباطل، ونعارض المنكر، ونبين خطأه وحرمته للناس، وفي الوقت نفسه نبين لهم الحل الإسلامي، والشرع الإسلامي، فنحن نقول للناس: إن التبرج وإن الزنا من المحرمات، وإن الله عز وجل قد شرع الزواج والتعدد بدلاً عن هذا، ونقول لهم على سبيل المثال: إن الربا حرام، وإن البيع حلال.

    فلابد أن نبين لهم الأمر وما يكافئه، فعندما ننقض الباطل فإننا نظهر الحق، فيكون بياننا لعوارِ الباطل مهيئاً لقبول الحق، ومحاسن هذا الحق ستجعل الناس متشبثين به بعد أن رأوا معالم بطلان الباطل، وقد كان هذا الأمر نظرياً في وقت من الأوقات، إلا أنه بحمد الله قد صار في كثير من الأحوال عملياً، فكان الناس في الأول يحدثهم الدعاة والعلماء عن خطر الشيوعية والاشتراكية، وبطلانها وفسادها، ويطيلون القول في ذلك لمن اقتنعوا بها وتأثروا بها؛ حتى يثبتوا لهم أن الإسلام هو الصحيح، فكانت هناك قناعات إلا أن هذه القناعات قد تكون ضعيفة، ولكن عندما يؤكد الواقع العملي بطلان هذه المذاهب فإن المسألة تكون سهلة، فاليوم لو كان هناك عاقل لا يزال في عقله بعض أفكار الشيوعية والاشتراكية فإنك عندما تناقشه، والواقع الذي في الحياة قد سقط وهوى، فإنه لا شك سيكون اقتناعه أقوى وأكبر.

    وإذا قلنا للناس: إن العري والتفسخ والاختلاط مضر، وسيؤدي إلى نكبات، فهذا أمر حسن، ولكن عندما يرون اليوم واقع البلاد الكفرية، ويرون ما فيها من البلاء والأمراض والجرائم وغيرها من آثار ذلك، فإن هذا أبلغ وأقوى في الإقناع، فلا بد من الأمرين معاً.

    قيام العلماء والدعاء بالدعوة إلى الله وخطأ التفرقة بين العلماء والدعاة

    السؤال: من يقوم بالدعوة: العلماء أم شباب الصحوة؛ لأن العلماء تفرقوا واختلفوا؟

    الجواب: هذه قسمة غير صحيحة، ويريد الأعداء أن يعمقوها في بيئات المجتمع الإسلامي، وخاصة صفوف الملتزمين من أبناء هذا الدين، فيقولون: هناك علماء، وهناك دعاة، ونحن نقول: لا دعوة ولا دعاة إلا بالعلم، ولا يكون العالم عالماً إلا أن يعلم ويدعو، فالعالم الحق هو الذي يبلغ علمه، وينشر الدعوة، والداعية الصادق هو الذي يتزود بالعلم، ويتحصن به.

    ولا بد أن نعرف أن تاريخ الأمة كان دائماً فيه هذا التلازم، بل كان فيه أكثر من هذا التلازم، ففي كثير من النماذج التي في تاريخ الأمة الإسلامية كان الفرد المسلم يمثل العالم والداعية والمجاهد والمنفق وغير ذلك من الصور، ونعرف ذلك مثلاً في سيرة ابن تيمية رحمة الله عليه، فقد كان عالماً، وكان داعيةً، وكان مجاهداً، كلها في شخص واحد، فليس عندنا عالم لا يعلم إلا الفقه أو المواريث أو نحو ذلك، وليس عندنا داعية لا يتكلم إلا في الفكر. وفي الواقع المعاصر، كلا، فليس عندنا هذا الانفصال ولا نعرفه، وإنما يعرفه أهل العلمانية، وأهل المذاهب الذين عندهم هذه التقسيمات، أما أمة الإسلام فعلماؤها دعاتها، ودعاتها طلبة العلم فيها، والدعاة يطلبون الإرشاد من العلماء، ويستفيدون من العلم، والعلماء يوجهون الدعاة، ويشجعونهم على الانطلاق في الدعوة، وهذا التكامل هو الذي يغيظ أعداء الله عز وجل، ولذلك فإنهم يسعون لشق هذا الصف المسلم الذي تحرك فيه العلماء فاختلطوا بالناس، وظهر علمهم، وأفتوا السائلين، ووجهوا المسترشدين، وتحرك الدعاة والشباب الذين تحركت الغيرة في قلوبهم، فصاروا يدعون، وإلى العلماء يرجعون، فيسألون ثم ينطلقون، فأراد أعداء الله أن يقطعوا هذا الحبل، فيجعلوا للعلماء مسلكاً، وللدعاة مسلكاً، ويجعلوا للكبار مسلكاً، وللشباب مسلكاً، وهذا ليس من دين الله عز وجل.

    فينبغي أن نقوي اللحمة والرابطة بين علمائنا ودعاتنا في سائر بلاد الإسلام والمسلمين، مع علمنا بأن هناك من العلماء من لا يمثل صورة العالم المسلم الحقيقي؛ لأنه قد أعطى الدنية في دينه، أو لأنه باع دينه بدنياه، وهذه صور يعرفها العامي المسلم فضلاً عن العالم أو الداعية أو الشاب، وهؤلاء قطعاً ليس لهم في نفوس الناس ذلك التعظيم ولا التوقير، وليس لهم عند الناس قبول ولا اجتماع، ونحن نعرف أن من يكون هذا مسلكه بصورة واضحة بينة فيفتي بحل أمور معلوم حرمتها في دين الله عز وجل، كحل الربا، أو حل الاختلاط أو غير ذلك، فإن بسطاء الناس يسمعون هذا ولا يصدقونه، بل يعرفون أن الحق في هذا الدين، ومع من يبين حكمه، وأن الباطل مع من قال هذا القول، وإن كان قد تزيا بزي العلماء، أو ظهر أنه من كبار العلماء.

    شاهد من حياته صلى الله عليه وسلم بعد البعثة يشابه تحنثه قبل البعثة

    السؤال: هل لتحنث النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء شاهد من حياته بعد البعثة؟

    الجواب: إن كان من شاهد يقاربه فهو خروجه عليه الصلاة والسلام -كما ورد عن عائشة رضي الله عنها- في الليل إلى البقيع، يزور الموتى، ويتذكر الآخرة، فهذه وقفات للمحاسبة، وللتذكر، ولتقويم المسيرة، وليس المقصود بها -حتى لا يفهم الأمر فهماً غير صحيح- أن يكون لها منهج معين، وأوقات معينة، وطريقة معينة، وكتابات، فهذه ليست مطلوبة، وليست واردة، وإن فعل الإنسان منها شيئاً فلا يلتزمه ويواظب عليه، ولا يلزم به، وإنما هي مجرد أن يخلو المرء بنفسه؛ ليقوم مسيرته، وليصفي قلبه، وليناجي ربه، وليستعين بهذه الخلوة على اختلاطه بالناس رغم ما عندهم من لغو وباطل وغير ذلك، فهذه فائدتها لا تنكر، ولكن -كما قلت- ليست لها هيئة، ولا زمن بعينه، ولا طريقة معينة.

    الاستفادة من الفترة المكية للدعاة

    السؤال: هل يمكن أن يستفاد من الاستخفاء في الدعوة، والهجرة إلى الحبشة، والفترة المكية، في تطبيق ذلك في واقع المسلمين اليوم بعد انتشار الإسلام؟

    الجواب: كثير من المراحل في عالم المسلمين اليوم في -غالب الأحوال- تتطابق مع تلك البيئة وذلك المجتمع والبلد المسئول عنه، فلا يقال: قد انتهت مرحلة السيرة بمعنى: أنها ليس لها أي تشابه مع واقعنا، وليس لنا أي استنباط منها، ولا أي فائدة، وإلا لكان في ذلك نوع من القصور أو النقض الذي لا يتصور، فكل ما في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام له فائدته، سواءً كان للفرد أو للأمة، وسواء كان في وقت معاصر أو في وقت لاحق؛ ولذلك كل يأخذ من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ما يحتاج إليه، فمن كان يحتاج إلى التربية، أو الموضوعات الاجتماعية والأسرية، فليأخذ من النبي عليه الصلاة والسلام جانب الأبوة، وجانب الزوجية، وغيرها من الجوانب، وكذلك بالنسبة لهذه الأمور المسئول عنها، فمن كان في بلاد كفر فإن له من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام صوراً للتعامل، ومن كان في بلاد يضطهد فيها الدعاة فله من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ما يمكن أن يستنبطه، وأن يستفيده، ومن كان في بلد فيها راية الإسلام خفاقة، وشريعة الله تعالى مصدقة معلنة فهو يستفيد من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ما يناسب أمره، وكل السيرة بمراحلها لا ينقضي الانتفاع منها.

    كيفية التعامل مع من صد عن سبيل الله

    السؤال: هل يقوم الجهاد ضد من يصد عن تبليغ الدعوة، أو يقف ضد دعاة الإسلام؟ وأي نوع من أنواع الجهاد يكون؟

    الجواب: لا شك أن كل صاد عن سبيل الله ينبغي أن توجه له الدعوة هو نفسه؛ لأنه إن كان من المسلمين فينبغي أن يكون من المدعوين، وينبغي أن ندرك أمراً مهماً، وهو أن أصل توجه المسلمين لجهاد أعدائهم أنهم يقومون بدعوتهم إلى الله عز وجل، فأصل الإسلام وواجب المسلمين أن يدعو غير المسلمين، فنحن نريد للكافر أن يسلم، فكيف بالمسلم إذا كان مخالفاً؟! فنريده أن يزيل مخالفته.

    فالصاد عن دعوة الله عز وجل، أو الواقف في طريق الدعاة ينبغي أن توجه له الدعوة، وأن يبصر بخطورة ومغبة هذا الأمر، وبالخير الذي يرتجى له وللناس إذا نصر هذا الدين، ونصر حملته ورافعي رايته، وبعد ذلك لا شك أن إنكار المنكر، وإبطال الباطل أمر مطلوب، لكنه يخضع لضوابط شرعية تتعلق بتحقيق المصلحة، فإن كان الأمر يترتب عليه ما هو أكثر ضرراً منه فتركه واجب، وفعله محرم، وإن كان الفعل الذي تقوم به من إنكار المنكر سيترتب عليه صلاح وإصلاح، ويزول المنكر والفساد فالفعل واجب والترك محرم، وإن كان الأمر مستوياً فإنه -كما ذكر ابن القيم وغيره- يكون راجعاً إلى اجتهاد المحتسب بحسبه، فإن غلب هذا على هذا فله أن ينكر الباطل، وله أن يتركه، وتركه ليس إقراراً له، وإنما تركه رعاية للمصلحة، وخوفاً مما هو شر منه.

    آخر أخبار إخواننا في البوسنة والهرسك

    السؤال: ما هي آخر أخبار إخواننا في البوسنة والهرسك؟

    الجواب: قد ذكرنا في الدرس الماضي خلاصة جيدة ونافعة في ذلك إن شاء الله، وأما الأخبار الأخيرة فهي أيضاً جيدة والحمد لله، ففي أخبار اليوم أن هناك هدوءاً نسبياً في القتال، وأن هناك قتالاً مستمراً في الشمال بين الصرب والكروات، نسأل الله عز وجل أن يزيده، وأن يمد في أمده ومداه؛ حتى يكون ذلك إبطالاً لقوتهم، وإفناءً لها فيما بينهم، وأما المسلمون فقد أعلن رئيسهم في الوقت الأخير: لسنا في وضع مضى أفضل منا في هذه الأوضاع، فنسأل الله عز وجل أن يعينهم، وأن يثبتهم، وأن ينصرهم، إضافة إلى أن الوقائع تكشف كل يوم مزيداً من تآمر المتآمرين.

    وفي الأخبار الأخيرة: أن الدول الأوروبية تريد أن تعزل مبعوثها السابق؛ لأنه فشل في التوصل إلى اتفاق، وفي الحقيقة أنه كان عاملاً من عوامل الفتنة، وعاملاً من عوامل العداء والمصائب التي حلت بالمسلمين، وهذا يثبت فشلهم، ويثبت أن هذه الصور إنما هي نوع من تغطية العورة، فالإنسان إذا كشفت عورته، فإنه يريد أن يغطيها بأي شيء، ولكن في حقيقة الأمر قد بان الحق والنور لذي عينين، وعرف المسلمون حقيقة أعدائهم، والمسلمون من إخواننا هناك قد أدركوا طبيعة الصراع والمعركة، وتشبثوا بهويتهم، ووحدوا صفوفهم، وقووا أخوتهم، وعملوا على أن يظهروا في حياتهم التجاءهم إلى الله عز وجل، واستمساكهم بدينه سبحانه وتعالى، وهذه مبشرات يكون فيها الأمل والخير إن شاء الله.

    نسأل الله عز وجل أن يثبتهم، وأن يعينهم، وأن يوفقهم، كما نسأله عز وجل أن يحقن دماء المسلمين في أفغانستان، وأن يبطل هذه الحرب الدائرة، وأن يحقق أسباب الوئام والقوة للإسلام والمسلمين، وأن يجعل الدائرة على الكافرين، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.