إسلام ويب

وجاء الصيفللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • موضوع الإجازة الصيفية من المواضيع المهمة التي يجب أن نفهم حقيقتها، والممارسات الخاطئة التي تحدث فيها، وكيفية اجتنابها، ولنعلم أن ميادين الخير كثيرة والمشاريع الخيرة في استغلال الإجازة وفيرة، حتى نفوت على أعداء الإسلام مخططاتهم التي يسعون من ورائها إلى قضاء هذه الإجازة في المحرمات والملهيات والمنكرات.

    1.   

    الإجازة والمفاهيم الخاطئة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

    فيا أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    هذا الدرس الأسبوعي وعنوانه اليوم: (وجاء الصيف)، وهو الدرس التاسع والعشرون، وكلنا يعلم أن التغيرات الاجتماعية تلقى تجاوباً وتغيراً في أحوال الناس أو ممارساتهم؛ لأن هذه القضايا تعم وتشمل الناس والمجتمع، إذ حينما تنتهي الدراسة أو يبدأ العمل أو تمنح فرص الإجازة تكون هناك من الأعمال والمناسبات ما لا يكون في غيرها، وموسم الصيف أيضاً فيه كثير من القضايا التي تحتاج إلى لفت النظر والتنبيه؛ لعل الفائدة تتم من خلال ذلك بعون الله جل وعلا، وسنذكر جملة من الموضوعات تحت هذه العناوين الرئيسة الخمسة:

    أولها: مفاهيم خاطئة.

    الثاني: ممارسات خاطئة.

    والثالث: ميادين الخير.

    والرابع: مشاريع مقترحة.

    والخامس: تتمات مما يتصل بالموضوع.

    مفهوم العطلة

    ونبدأ بالمفاهيم الخاطئة، إذ إن كثيراً من الأعراف والممارسات تنطلق أصلاً من المفهوم الذي يستقر في أذهان الناس، والمفاهيم تنحرف وتتبدل وتتغير إذا لم يكن هناك ارتباط بالثوابت وأصالة مع المنهج الإسلامي، ووضوح فيما يجب وما لا يجب، وما يجوز وما لا يجوز ونحو ذلك.

    وتتغير المفاهيم أيضاً بالاختلاط والامتزاج بمجتمعات وثقافات وديانات مغايرة لما نحن عليه، تهب علينا منها بعض الأفكار وبعض التصورات، ويميل إليها بعض الناس وتتبدل حينئذ المقاييس والموازين.

    ووقفتنا في هذه المفاهيم مع ما يتعلق بالصيف، سيما في قطاع عريض وهو قطاع الطلاب، ويتبعه قطاع الأسرة والمجتمع؛ فهناك مفهوم العطلة أو الإجازة، والحقيقة أن بعض الألفاظ تلقي ظلالاً من المفاهيم الخاطئة، فإن كلمة (العطلة) من حيث الاشتقاق تلقي ظلالاً من المفهوم الخاطئ الذي ينتشر عند بعض الناس، ففي لسان العرب يقول: تعطل الرجل، إذا بقي لا عمل له. والاسم (العطلة) مشتق من الفعل (عطل) الذي هو البقاء بلا عمل، قال: والمعطل: الموات من الأرض، وإذا ترك الثغر من ثغور المسلمين مهملاً بلا حماية من الجند والجيش سمي ثغراً معطلاً، والمواشي إذا أهملت بلا راع عطلت، وكذلك الرعية إذا لم يكن لها وال يسوسها، وقد عطلوا، أي أهملوا. وإبل معطلة، أي لا راعي لها.

    ثم قال: والتعطيل التفريغ. قال: وقد يستعمل العطل في الخلو من الشيء، وإن كان أصله في اللغة في الحلي.

    أصل الكلمة يقال: امرأة عطلة أو عطلاء. أي لا حلي لها، يعني: أنها مجردة من الزينة، خالية منها.

    قال: وقد يستعمل العطل في الخلو من الشيء وإن كان أصله في الحلي، فيقال: عطل الرجل من المال والأدب، فهو عطل ومعطل، يعني: لا مال عنده ولا أدب.

    فإذا تأملنا هذه الكلمات واشتقاقها، فإننا نرى أن الظاهر في معنى العطلة أنه البطالة والفراغ والخلو من العمل، والركون إلى الكسل وعدم الجد أو النشاط أو الاكتساب أو الزيادة في أي أمر من الأمور التحصيلية التي يعتادها الناس.

    فرجل عطل أو عنده عطلة، يعني: أنه خال من كل شيء.

    ومن خلال الواقع نجد أن مفهوم هذه الكلمة ينطبق على هذا المعنى عند كثير من الناس، فتجد أن قطاعاً من الطلاب ومن المجتمع يقولون: العطلة تعني الفراغ، وكأننا نعتبر هذا الوقت الطويل بما فيه من الساعات والأيام والأسابيع والشهور عطالة وبطالة من العمل والجد والإنتاج، ولك أن تستغرب بل أن تستنكر أن يكون هذا المدى من الزمن الذي يبلغ نحو ربع العام، عطلة، ولو مد الإنسان في الحساب فإنه بالنسبة للطالب أو من يرتبط بترك العمل والتفرغ بنفس منهج وزمن الطلاب؛ فإن ربع عمره عطلة.

    فإذا قال القائل: العطلة شهر.. شهران.. شهران ونصف، ولا بأس أن تكون فراغاً وبطالة ما دام أن هناك جداً، لكن المعلوم أن الباقي ليس فيه جد، بل هو مخلوط في أكثره بكسل وخور.

    أقول من لطائف ما ذكرت بعض الصحف في قراءة قديمة: أنهم حسبوا بعض الأوقات اليسيرة في اليوم، ثم في الأسبوع، ثم بعد ذلك في وقت طويل؛ فإذا بها زمن.

    ذكرت بعض الصحف عن حلاقة الذقن عند غير المسلمين، وحتى عند المفرطين من المسلمين، فقالت: يستغرق زمن الحلاقة ما بين عشر دقائق إلى ربع ساعة، فإذا بها في أربعة أيام ساعة وإذا بها في الأسبوع تبلغ ساعتين إلا ربع ساعة، ثم حسبها في العام فإذا بها أيام، ثم إذا حسبتها في عدة سنوات إذا بها تبلغ مبلغ الشهور، فيتعجب الإنسان يقول: هل يعقل، لو قلت لإنسان ما: إن رجلاً يصرف شهرين أو ثلاثة من وقته في حلاقة ذقنه لما صدق، لكن في الواقع يقع مثل هذا كثيراً.

    فالمعنى المفهوم الخاطئ هو أن يتصور الناس أن هناك عطلة.

    مفهوم الإجازة

    وآتي أيضاً بالكلمة الأخرى وهي كلمة (الإجازة) التي تستخدم أيضاً في التعبير عن هذه الفترة من الزمن فيقولون: العطلة الصيفية، وكذا الإجازة الصيفية.

    أيضاً جاء في لسان العرب يقول: جزت الطريق جوزاً وجوازاً، وجاز به وجاوزه وأجازه وأجاز غيره، وجازه أي سار فيه وسلكه.

    فمعنى: جزت الطريق أو أجزت الطريق: سرت فيه وسلكته، قال: وأجازه خلفه وقطعه، يعني: خلفه وراءه، وقطع الطريق أي: انتهى من مرحلة ويستقبل مرحلة أخرى جديدة، ولذلك قال أيضاً: الاجتياز هو السلوك، فمعنى: اجتاز الشيء سلك فيه حتى يتجاوزه.

    نحن نقول في الدعاء: اللهم تجاوز عنا، يعني: اغفر لنا، وبمعنى أن يكون هناك انتقال من المؤاخذة على هذا العمل إلى غيره.

    ثم قال: والجواز صك المسافر، أي: الذي يجوز به المراحل وينتقل به من منطقة إلى منطقة أو من مرحلة إلى مرحلة، ولا أعلم فيما اطلعت أو قرأت من التاريخ أن هناك جوازات كانت فيما مضى، لكن ربما يكون هناك جواز عند الاحتياج، مثل السفير أو مثل الذي يبلغ رسالة، فيفيد أنه يسمح له بالدخول إلى مكان ونحو ذلك.

    قال: والجواز صك المسافر، وأجاز البيع أي: أمضاه، وفي الحديث: (أجيزوا الوفد) أي: أعطوهم الجائزة، والجائزة: العطية، وتكون العطية والجائزة في مقابل ما قطع من المرحلة، وفي هذا المعنى أيضاً: الإجازة في العلم، يقولون مثلاً: أجازه الشيخ إذا ختم الكتاب وقطع مرحلة، أي: أعطاه الجائزة المعنوية بأنه قد نال هذا العلم وشهد له به، أو الإجازة بمعنى الشهادة كما أشرت، فمعنى الإجازة على هذا المفهوم أنه اجتاز مرحلة وأجيز بها، يعني: قطعها وشهد له بقطعها، والذي ينتهي من مرحلة في غالب الأمر هل انتهى من مراحله كلها؟ إذا كان انتهى من المراحل كلها فله أن يرتاح وأن يركن وأن يسكن، ولكن نعلم أن المسلم ليست عنده مرحلة ينتهي فيها إلى حد حتى يلقى الله جل وعلا، ويلفظ آخر أنفاسه، كما قال الله جل وعلا: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] .

    إذاً: هذان المفهومان الخاطئان يمكن أن نصوغهما في معنيين، نحتاج إلى التنبيه عليهما بشيء من التذكير والقصص والحوادث.

    يتبين من خلال هذه الكلمات والمقدمة: أن هناك فترة نبحث فيها عن الراحة والبطالة، ونصرف كل صورة من صور الجد والعمل، وأن هناك فراغاً يحتاج الإنسان فيه إلى تضييع الوقت.

    هذان مفهومان عند الناس: أن هذا الوقت ينبغي أن يكون للراحة والسكون والخلود والكسل، أو إذا كان هناك من حركة فإنها حركة في تضييع الوقت ومحاولة الاستمتاع، دون النظر إلى ما سيترتب على هذه الممارسة من فائدة، ولذلك نقف عند هذين المفهومين من خلال هذه التعليقات اليسيرة.

    1.   

    موقف الإسلام من البطالة والوقوف عن العمل

    بالنسبة للراحة والبطالة والوقوف عن العمل، هو أمر لا يليق بالإنسان المسلم، وليس في تصور المنهج الإسلامي، قيل لبعض السلف: علام تتعب نفسك؟ قال: راحتها أريد.

    فإنما تكون الراحة في العمل والجد والطاعة، وبذل كل ما من شأنه أن يحصل للإنسان منفعة دنيوية أو أخروية ما دامت في إطار الشرع، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (لكل نفس شرة وفترة)، (شرة): جد وعزم في الطاعة، (وفترة) ضعف.

    قال: (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) يعني: لا يخرج في حال الضعف عن السنة وعن أعمال الخير والطاعة إلى أن يكون خلواً من العمل، فضلاً عن أن يمارس المعصية والمخالفة الشرعية.

    وعندما نتأمل في ضم المفهومين معاً، فإن حياة المسلم ليس فيها فراغ، وتأمل قول الله جل وعلا في خطابه لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح:7] قال ابن كثير رحمة الله عليه: إذا فرغت من شأن الدنيا وأحوال العباد فانصب لعبادة ربك.

    فليس هناك فراغ أصلاً في حياة الإنسان المسلم، بل كل وقت وكل لحظة ينبغي أن يشغلها بعمل وجد يكتسب فيه من أمر الدنيا ويغتنم فيه من أجر الآخرة ما شاء الله له أن يغتنم، ولذلك حس يتجاوب الإنسان المسلم مع المهمة والغاية التي خلق لها، ومع التصور الإسلامي الذي يدور معه:

    قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

    وفي صحيح البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، أي أن هذا الفراغ سمي فراغاً من حيث إن فيه فرصة للعمل والاكتساب، لكن القعود والنكوص والتخلف يجعل الإنسان في صفقة غبن؛ لأنه لم يأخذ بقدر ما أعطى، فهو قد صرف الوقت لكنه لم يجن من ورائه منفعة دنيوية مشروعة، ولا أجراً أخروياً هو مفتقر إليه؛ لذلك إذا تأمل الإنسان المسلم هذا المعنى وجده مرتبطاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس -وذكر منها-: الحياة قبل الموت، والفراغ قبل الشغل، والشباب قبل الهرم، والصحة قبل السقم).

    كل هذه المعاني لو تأملناها سنجد أنها تتركز في معنى أن المسلم لا يليق به أن يفرط في الوقت ولا أن يفرط في الجد والعمل، ولذلك لم يجعل النبي عليه الصلاة والسلام الانبعاث للعمل أمراً هيناً بأن يقول: اعملوا أو استغلوا، بل جاء النداء النبوي الكريم فيه نوع من الحض؛ إذ قال عليه الصلاة والسلام: (بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو هرماً مفنداً، أو مرضاً مقعداً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر).

    إذاً: هذا التصوير منه عليه الصلاة والسلام يدل على أن الأمر لا يحتمل التواني والكسل والخلو من العمل، بل العكس هو الصحيح، والله عز وجل يقول: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148] وقال جل وعلا: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21]، وقال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133]، وقال تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26] وسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم شاهد عظيم على أن مفهوم الراحة والخلود وترك العمل وتبديد الوقت في المتع والأعمال الفارغة السخيفة التافهة، ليس وارداً في حس الإنسان المسلم، ولم يكن في سيرة أسلافنا رضوان الله عليهم.

    1.   

    نماذج من السلف في حفظ الوقت واستغلاله

    ورد في ترجمة الشافعي رحمة الله عليه كما في سير أعلام النبلاء أنه قسم الليل أثلاثاً: ثلثاً يكتب، وثلثاً يصلي، وثلثاً ينام، قال الذهبي: قلت: أفعاله الثلاثة عبادة بالنية، حتى النوم وحتى الكتابة للعلم تعتبر عبادة لما نوى فيها من الخير، فإذا كان هذا في الليل الذي هو موضع الراحة، فكيف بالنهار الذي هو موضع العمل، والله عز وجل ما خلق الليل والنهار ولا تتابعهما إلا ليكونا محل عمل وجهد في الطاعة، كما قال سبحانه وتعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:61-62]، (خلفة): يخلف بعضهما بعضاً، (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا)، أي: أن يغتنم هذا الوقت، وقد ورد في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أعذر الله إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ الستين) أي: قد مد له في العمر وانقطعت حجته وفرط في عمره فلم يكن له حينئذ من عذر له إذا كان مواجهاً بالعقاب من الله سبحانه وتعالى.

    أبو الوليد الباجي وهو من علماء المالكية يخاطب نفسه في مسألة استغلال الوقت فيقول:

    إذا كنت أعلم علماً يقيناً بأن جميع حياتي كساعه

    فلم لا أكون ضنيناً بها وأجعلها في صلاح وطاعه

    العمر مثل غمضة عين يمر كأنه أحلام، وتمر الأيام كأنها لحظات، فلماذا ألا يكون المرء ضنيناً بوقته كما كان شأن السلف الصالح.

    وهذا أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي يقول عن نفسه: قد عصمني الله في شبابي بنوع من العصمة، وقصر محبتي على العلم، وما خالطت لعباً قط.

    أي: لم يكن هناك وقت للعب، ولو تجاوزنا وقلنا: إن هناك وقتاً للعب فإنه يكون وقتاً بين عملين ليخفف من الأول وينشط للثاني، أما أن يكون اللعب والتفريط في الأوقات هو الغاية فهذا ما لا ينبغي أن يكون.

    يقول: وما خالطت لعباً قط ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم، وأنا في عشر الثمانين -يعني: في العشر الثامنة من عمره- أجد من الحرص على العلم أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين.

    ويخاطب نفسه ويقول: لا أجد حلاً وجوازاً في أن أفرط في وقتي، ثم يقول: فإن تعبت عيني من نظر وكلت يدي من كتابة، فلا أقل من أن أنطرح وأشغل فكري في أمر أو مسألة من الخير.

    كان أبو عبيد القاسم بن سلام -كما في وفيات الأعيان- يفكر في المسألة من مسائل العلم، فإذا فتحت عليه قفز من شدة الفرح، وربما مضى ليلة كاملة يفكر في بعض مسائل العلم حتى يفتح عليه فيها.

    وأبو بكر محمد بن عبد الباقي وهو من سلالة كعب بن مالك رضي الله عنه يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وما من علم إلا وقد نظرت فيه وحصلت منه الكل أو البعض إلا هذا النحو فإني قليل البضاعة فيه، ثم قال: وما علمت أني ضيعت ساعة من عمري في لهو أو لعب!

    وكان ابن عساكر -كما في السير- مواظباً على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، وقيل في وصفه: وكان يحاسب نفسه على لحظة واحدة تذهب في غير طاعة.

    قال تلميذه: كان يشتغل منذ أربعين سنة بالجمع والتصنيف والتسميع حتى في نزهته وخلواته فهو حتى النزهة لا يخليها من الفائدة؛ لأنه ليس هناك وقت للفراغ وللبطالة.

    وهذا الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي كان لا يضيع شيئاً من زمانه بلا فائدة.

    ثم ذكر الذهبي جدوله اليومي، وهو جدول عجيب ليس فيه إلا الصلاة والتحديث والقرآن والمذاكرة في العلم بلا انقطاع وبلا ضياع وقت.

    ولذلك كانت هذه الصور وغيرها مما سيأتي ذكرها تتنافى مع مثل هذه المفاهيم التي تروج، وربما روجها بيننا أعداؤنا لنخلد إلى الراحة ونترك الجد والعمل، وما من سبب من أسباب البطالة والعطالة يمكن أن تأخذ به الأمة أو أن يسري في صفوفها إلا نجد من يعيننا عليه من أعدائنا، فإذا كان الفراغ يحتاج إلى لعب فعندهم من الألعاب ما يكفي الإنسان ليضيع عمره كله، ولو أضيف إلى عمره عمر آخر لضاع معه.

    فهناك للفراغ أفلام وتمثيليات، ولماذا يصنعون لنا هذا؟ إنما هو لتمرير هذه المفاهيم وتخليدها وتطبيقها عملياً؛ لتنصرف الأمة عن الجد والعمل، ولا يكون عندها مراجعة ولا وقفة مع الذات يخاطب فيها الإنسان نفسه، ويستحضر قصر عمره وإقباله على ربه كما قال القائل:

    أيا نفس ويحك جاء المشيب فما ذا التصابي وما ذا الغزل

    تولى شبابي كأن لم يكن وجاء مشيبي كأن لم يزل

    كأني بنفسي على غرة وخطب المنون بها قد نزل

    فيا ليت شعري ممن أكون وما قدر الله لي في الأزل

    فلا بد أن نقاوم مثل هذه المفاهيم الضعيفة التي تفت في العضد، وتضعف العزيمة، وتميل بالإنسان إلى الهامشية في الحياة وإلى الانسياق وراء مخططات الأعداء بصورة أو بأخرى.

    وكان سفيان الثوري رحمة الله عليه كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين فيقول:

    أطريف إن العيش كدر صفوه ذكر المنية والقبور الهول

    دنيا تداولها العباد ذميمة شيبت بأكره من نقيع الحنظل

    وذلك ليذكر نفسه أن الحياة قصيرة.

    وابن القيم يبين لنا عظمة الوقت وعظمة الجريمة المرتكبة في تبذيره وتضييعه، حينما يقول: إضاعة القلب وإضاعة الوقت: إضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد في اتباع الهوى وطول الأمل.

    ولذلك يقول رحمة الله عليه: لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه، أي: على حسب همة الإنسان وقدره وشرفه يكون اهتمامه واستغلاله للوقت.

    قال: فأشرف الناس نفساً وأعظمهم همة وأرفعهم قدراً من لذتهم في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والتودد إلى ما يحبه ويرضاه.

    ويقول ابن كثير عن الحافظ أبي الحجاج المزي وكان قد أصهر منه: وقذتني كلمة سمعتها من أبي الحجاج المزي الحافظ، سمعته يقول على هذه الأعواد -يعني: على أعواد المنبر-: إن امرأً ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن تطول عليه حسرته يوم القيامة.

    خرج شريح يوماً فوجد قوماً من الحاكة يلعبون، فقال لهم: ما لكم تلعبون؟! قالوا: إنا تفرغنا، قال: أوبهذا أُمر الفارغ؟! اقرءوا قول الله جل وعلا: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح:7] .

    ولذلك لا بد للإنسان المسلم أن يعلم أنه ليس هناك وقت يسمى وقت فراغ، ولا وقت يسمى وقت خلو وبطالة من العمل، ولذلك قال ابن الجوزي : ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، وليس فقط لا يضيع بل يقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور، ولربما يعجز عنه البدن من العمل.

    فإذاً ليس فقط مجرد استغلال الوقت، بل لا بد أن يقدم الأفضل فالأفضل، فلا يقنع بما هو أقل إذا كان يستطيع ما هو أعلى وأشرف.

    وقال الشاعر:

    إن الفراغ والشباب والجده مفسدة للمرء أي مفسده

    وكما قال أحدهم: الفراغ والصحة والمال ثالوث مدمر، ما لم يوجه التوجيه السليم.

    وهذه المعاني كما أشرت تصحح ذلك المفهوم الخاطئ الذي يتلازم مع مقدم الصيف.

    1.   

    ممارسات خاطئة في الإجازة الصيفية

    ممارسات خاطئة فيما يتعلق بالسفر إلى ديار الكفار

    نذكر الممارسات الخاطئة أمرين اثنين:

    أولهما: ما يتعلق بالسفر إلى الخارج وإلى ديار الكفر على وجه الخصوص.

    وثانيهما: ما يقع من العطالة والبطالة للشباب على وجه الخصوص في الداخل.

    كثيراً ما يتزامن السفر مع هذه الإجازات والعطل كما درج على الألسن، فأريد أن أبين مخاطر السفر إلى الخارج في نقاط محددة.

    أولاً: الخطر العقائدي: ونعني بهذا السفر -كما أشرت- إلى بلاد الكفر، أو إلى بلاد العلمنة التي هي أقرب في ممارساتها إلى بلاد الكفار، وإن كانت متسمية ببلاد إسلامية.

    ويتمثل الخطر العقائدي في إلقاءات لا تظهر أو قد ينفيها صاحبها، لكنها في الحقيقة تتراكم شيئاً فشيئاً، منها: حب الكفار والميل نحوهم وتعظيمهم والانبهار بهم، وكم نرى ممن يكثرون السفر من يعظمون أهل الكفر ويميلون إليهم ويخلصون لهم الحب ويكنون لهم التقدير ويشابهونهم في الأفعال، وهذا يسبب ضعف البراء من الكفار، وهي عقيدة أصيلة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: (إن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)، وليس المجال مجال إطناب، إذ سيأتي من القول لأهل العلم ما يشمل هذا أيضاً.

    الخطر الثاني: هو الخطر الأخلاقي، إذ يترتب على ذلك انفراط عقد المروءة، فبالنسبة للرجال ينطبع في نفوسهم وقلوبهم ذهاب الغيرة والحفظ للأعراض، وفي النساء يقل الحياء ويأتي التبرج، إضافة إلى ما يقع من انحلال في ممارسة المحرمات، مثل ممارسة الزنا والفواحش والمخدرات والمسكرات، وغير ذلك مما يقع فيه كثير من الناس.

    الخطر الثالث: الخطر الاجتماعي الذي ينطبع في كثير من الصور، منها: الميوعة في الشباب، والتبرج والفتنة في البنات والشابات، هذا ينعكس على الأوضاع الاجتماعية، إضافة إلى ما ينعكس أيضاً من العادات والتقاليد، وكما يسمونها: (الإتكيت) والنظم حتى أصبحنا نشابه القوم في كثير من التصرفات التي فيها حرمة ومخالفة شرعية من مثل أعياد الميلاد ورأس السنة والمناسبات الأخرى وغير ذلك.

    قبل فترة من الزمن لم يكن شيء من ذلك، لكن هذه الخلطة وهذا السفر أدى إلى انعكاس في مثل هذا الأمر، إضافة إلى أن هناك مشكلات اجتماعية واقعية تقع من خلال هذا، فكم يقع نزاع بين الأسر في السفر، المرأة تقول: لا بد أن نسافر، والرجل يقول: ليس هناك مال، تقول له: لا بد أن تدبر المال، والأولاد يقول أحدهم: لا، نسافر إلى الشرق، والآخر يقول: إلى الغرب، بل ويحصل طلاق وتتفكك للأسرة وتحصل نزاعات كثيرة، من خلال هذه القضية، وكأن الاختلاف في أمر واجب أو فرض عيني.

    حتى إن هناك صوراً ومفارقات عجيبة، بعض النساء يغيرن كل شيء بحسب ما يتغير في الأحوال، وكذلك الرجال، فتجد المرأة متحجبة مثلاً هنا في البلد وإذا ركبت في الطيارة أزالت حجابها، وفي طريق العودة قبل هبوط الطيارة بدقائق ترى اللون الأسود يظهر في الطائرة، بينما كان قبل لحظات كأن لم يكن هناك شيء، وهذا نوع من ضعف الإيمان والاستهانة بأمر الله سبحانه وتعالى.

    الخطر الرابع: هو الخطر الاقتصادي، وصرف الأموال في غير موضعها، وإنعاش اقتصاد دول الكفر.

    أضرب مثالاً ربما الإحصائيات فيه ظاهرة ومنشورة بشكل كبير: بريطانيا تعاني من بطالة شنيعة ومن عجز اقتصادي كبير، وتعول كثيراً على النشاط السياحي، إذ يبلغ عدد السياح الذين يردون على العاصمة أكثر من مليون سائح، نسبة كبيرة منهم من دول الخليج العربي والجزيرة العربية وبعض الدول العربية، وينفقون هناك الأموال في تقويم ودعم هذه البلاد؛ لأنها تعتمد في جزء كبير من دخلها على السياحة، ولا شك أن الإنسان في إقامته يأكل ويشرب ويتنقل ويسكن ويشتري، ويصرف الأموال في تلك الديار، وفي المقابل يكون قد اكتسب هذه الأموال من ديار المسلمين ثم سلمها إلى الكفرة، وهذا لا شك أن له أثراً سلبياً. بعض الناس يقول: الأموال التي سأنفقها عشرة آلاف أو عشرين ألفاً، هل هذه الأموال ستقيم هذه الدولة وتقوي ذلك الاقتصاد؟ نقول: نعم:

    لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

    أنت تصرف عشرة آلاف وهذا عشرة آلاف حتى يبلغ عدد السياح عشرات الآلاف، فتبلغ المصروفات ملايين فيكون لها تأثير واضح، ونحن نعلم أن قوة الاقتصاد تستخدم كثيراً من دول الكفر ضد الإسلام والمسلمين، فأنت بهذا تكون عوناً مع أعداء الله على أولياء الله سبحانه وتعالى وعلى المسلمين.

    الخطر الخامس: ضياع الوقت في غير الطاعات، فلو تنزه الإنسان عن مقارفة المعاصي فإنه في غالب الأحوال يعجز ويضعف عن الطاعة ولا يأتي بها على كمالها، فلن يرد المسجد الذي يشهد فيه الجماعات باستمرار، وقد تفوته الجمع، وبحكم أنه مسافر لا بأس أن يفعل كذا وكذا، ولن يجد هناك في الغالب دروس العلم، ولن يجد المحاضن الإسلامية التربوية؛ لأنه في بلد كفري، لا يقابل سمعه ولا نظره ولا فكره إلا أمور كلها انحراف ومخالفات شرعية، ومن أجل ذلك فإنه لا يستطيع أن يستغل الوقت في الطاعات، إلا إن بقي في حجرته مغلقاً بابه يصلي ويصوم، إذاً لماذا يسافر؟! فليبق في بلده.

    الخطر السادس: من خلال الممارسات التي يقوم بها بعض الناس يحصل خطر مهم: وهو تشويه صورة الإسلام وتشنيع صورة هذه البلاد وغيرها من بلاد المسلمين.

    كثيراً ما يصد بعض الراغبين في الإسلام أو الذين يمكن أن تميل قلوبهم ونفوسهم للإسلام عن الإقبال، بسبب ما يرون من ممارسات منحرفة وسلوكيات بشعة انحلالية يقوم بها ويمارسها المسلمون، بل قد استغل الإعلام الغربي والشرقي صورة هؤلاء المنحرفين، ولبسوها على صورة كل مسلم وعربي، وسمعنا كثيراً من الأفلام والمقالات والتحقيقات التي استغلت هذه التصرفات لتضرب الإسلام ولتشوه سمعة وصورة المسلمين، وأنت داخل في هذا الضرر بصورة أو بأخرى.

    الخطر السابع: وهو التعرض للمخاطر المادية المباشرة، وفي السنوات الماضية زادت عمليات القتل والخطف والسرقة والتهديد والابتزاز، فلماذا يعرض الإنسان نفسه لمثل هذا وهو كريم معزز في بلده آمن على نفسه مطمئن على ماله؟

    تسافر لتكون هناك عرضة لأن يسرق مالك، وتبقى منقطعاً في بلد لا يكرم كريماً ولا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة؟! ورأينا وسمعنا عن حوادث كثيرة من مثل هذا النوع، وهي من المخاطر التي تتزايد في الفترات الأخيرة، إذ إن العداء يتوجه نحو الإسلام والمسلمين والعرب كذلك واستهداف أموالهم، وأنهم هم الذين يتمتعون بالأموال، وأن عندهم هذه الثروات، وأنهم أغبياء وحمقى يصرفونها في غير ما ينبغي أن تصرف، فإذاً لا بد أن نسرقها منهم وأن نخطفهم وأن نقتلهم، والقتل عندهم أسهل من شرب الماء، وعندهم السرقة أيسر من تنفس الهواء، ليس عندهم هناك أمان ولا ضوابط ولا شيء من هذا القبيل، ومثل هذا يقع كثيراً، والمسلم ينبغي أن يحصن نفسه عن مثل هذه القضايا.

    وضمن هذا السفر تقع ممارسات أكثر خطورة بأن يسافر الشاب وحده وهنا كما يقال:

    خلا لك الجو فبيضي واصفري.

    يعني: لا يكون عنده على الأقل نوع من الحياء من أب أو أم، إن كان هناك حياء أو توقير أو تقدير، وإذا اجتمع بعض الشباب مع بعض ولم يكونوا على خير وصلاح أعان بعضهم بعضاً على المعصية، وجرأ الجريء منهم من ليس جريئاً، وشجع المبادر منهم الذي عنده تردد، وللأسف نجد أن بعض الشباب يزين لغيره ويدفعه وينقل له تجربته وخبرته في مثل هذه القضايا.

    والقضية الأخرى أن بعض الرجال يسمحون لعوائلهم أن يسافروا وحدهم، أو يسافر معهم ويتركهم في تلك البلاد ويعود هو، وكأن تلك البلاد فيها أمان وفيها إسلام وفيها دعوة إلى الخير، ما يشعر أنه حينما يترك هؤلاء كأنه ضيعهم ولم يقم بحق الله وبأمر الله سبحانه وتعالى فيهم، وهذه صور واقعة وللأسف وكثيرة في مثل هذا الأمر.

    ولعل من استشعار هذه المخاطر أن جاءت بعض النظم الجيدة، مثل منع السفر لمن دون سن الحادية والعشرين من العمر إلا بإذن ولي أمره؛ لأنه دون ذلك غالباً ما يكون في مثل مجتمعاتنا وواقعنا لم يبلغ مبلغ العقل والحزم والحكمة، فيضحك عليه ويقع في كثير من القضايا، وإن كان حتى بعد هذا السن قد يقع منه بعض هذا، وكذلك لما رئي كثرة الفساد والإشكالات الكثيرة في جانب السفر إلى بعض البلاد مثل (تايلاند) وغيرها منع السفر إليها؛ لما فيه من الفساد، ولما فيه أيضاً من التعدي على الحرمات بالقتل وغير ذلك، وكذلك سفر المرأة بدون محرم، وإن كان هناك أسلوب وهو أن المحرم إذا وافق يمكن أن تسافر المرأة وحدها، وهذا فيه خطر كثير وكبير، ويقع وللأسف في بعض الأحايين.

    أذكر ختاماً لهذا الموضوع الذي يقع فيه كثير من الناس فتوى سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز في هذا، وبعض الفتاوى الأخرى في غير هذا الموضوع، لكنها تدلنا على أن هذا من باب أولى، قال الشيخ في جوابه على سؤال عن السفر إلى الخارج:

    أنعم الله عز وجل على هذه الأمة بنعم كثيرة، وخصها بمزايا فريدة، وجعلها خير أمة أخرجت للناس؛ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وأعظم هذه النعم نعمة الإسلام الذي ارتضاه الله جل وعلا لعباده شريعة ومنهج حياة، وأتم به على عباده النعمة، وأكمل به الدين، قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

    لنتأمل إلى نظر وكلام الشيخ في معرفة أن هذا الأمر هو نوع من الغزو ونوع من الحسد ونوع من الإضرار للمسلمين، قال: ولكن أعداء الإسلام قد حسدوا المسلمين على هذه النعمة الكبرى، فامتلأت قلوبهم حقداً وغيظاً، وفاضت نفوسهم بالعداوة والبغضاء لهذا الدين وأهله، وودوا لو يسلبون المسلمين هذه النعمة أو يخرجونهم منها، كما قال تعالى في وصف ما تختلج به نفوسهم: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118].

    هذا بيان الله عز وجل إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118] اعرفوا ما في قلوبهم وما يسيرونكم فيه مما يضركم.

    ثم قال: وقال عز وجل: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ [الممتحنة:2] إن قابلوكم كيف إن جئتم إليهم؟ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:2] وقال عز وجل: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] والآيات الدالة على عداوة الكفار للمسلمين كثيرة، والمقصود أنهم لا يألون جهداً ولا يتركون سبيلاً للوصول إلى أغراضهم وتحقيق أهدافهم، من النيل من المسلمين إلا سلكوه، ولهم في ذلك أساليب عديدة ووسائل خفية وظاهرة، فمن ذلك ما ظهر في هذه الأيام من قيام بعض مؤسسات السفر والسياحة بتوزيع نشرات دعائية، تتضمن دعوة لأبناء هذا البلد لقضاء العطلة الصيفية في ربوع أوروبا وأمريكا بحجة تعلم اللغة الإنجليزية، ووضعت لذلك برنامجاً شاملاً لجميع وقت المسافر، وهذا البرنامج يشتمل على فقرات عديدة منها ما يلي:

    الأول: اختيار عائلة انجليزية كافرة لإقامة الطالب لديها، مع ما في ذلك من المحاذير الكثيرة.

    الثاني: حفلات موسيقية ومسارح وعروض مسرحية في المدينة التي يقيم فيها.

    ثلاثة: زيارة أماكن الرقص والترفيه.

    أربعة: ممارسة رقصة الدسكو مع فتيات إنجليزيات ومسابقات في الرقص.

    خمسة: جاء في ذكر الملاهي الموجودة في إحدى المدن الانجليزية ما يأتي: أندية ليلية، مراقص دسكو، حفلات موسيقية، الموسيقى الحديثة، مسارح، ودور سينما، وحانات.. إلى آخره، وتهدف هذه النشرات إلى تحقيق عدد من الأغراض الخطيرة ومنها ما يلي:

    أولاً: العمل على انحراف شباب المسلمين وإضلالهم.

    ثانياً: إفساد الأخلاق والوقوع في الرذيلة عن طريق تهيئة أسباب الفساد، وجعلها في متناول اليد.

    ثالثاً: تشكيك المسلم في عقيدته.

    رابعاً: تنمية روح الإعجاب والانبهار بحضارة الغرب.

    خامساً: التخلق بالكثير من تقاليد الغرب وعادته السيئة.

    سادساً: التعود على عدم الاكتراث بالدين، وعدم الالتفات لآدابه وأوامره.

    سابعاً: تجنيد الشباب ليكونوا من دعاة التغريب في بلادهم بعد عودتهم من هذه الرحلة، وتشبعهم بأفكار الغرب وعاداته وطرق معيشته، إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد الخطيرة التي يعمل أعداء الإسلام على تحقيقها بكل ما أوتوا من قوة، وبشتى الطرق والأساليب الظاهرة والخفية، وقد يستترون ويعملون بأسماء عربية ومؤسسات وطنية، إمعاناً في الكيد وإبعاداً للشبهة وتضليلاً للمسلمين عما يرومونه من الأغراض في بلاد المسلمين، لذلك فإنني أحذر إخواني المسلمين في هذا البلد خاصة، وفي جميع بلاد المسلمين عامة من الانخداع بمثل هذه النشرات والتأثر بها، وأدعوهم إلى أخذ الحيطة والحذر وعدم الاستجابة لشيء منها، فإنها سم زعاف، ومخططات من أعداء الإسلام تفضي إلى إخراج المسلمين من دينهم وتشكيكهم في عقيدتهم، وبث الفتن فيهم، كما ذكر الله عنهم في محكم التنزيل، قال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] .

    كما أنصح أولياء أمور الطلبة خاصة بالمحافظة على أبنائهم، وعدم الاستجابة لطلبهم إلى السفر إلى الخارج؛ لما في ذلك من الأضرار والمفاسد على دينهم وأخلاقهم وبلادهم كما أسلفنا، وإرشادهم إلى أماكن النزهة والاصطياف في بلادنا وهي كثيرة والاستغناء بها عن غيرها، وتحصل السلامة لشبابنا من الأخطار والمتاعب والعواقب الوخيمة، والصعوبات التي يتعرضون لها في البلاد الأجنبية.

    وفي فتاوى أخرى أيضاً أشار الشيخ وغيره إلى مثل هذا لما سئل عن السكن مع العوائل الكافرة في أثناء التعليم يقول: لا يجوز ذلك، قال: وهذا كله على القول بجواز سفر الطالب إلى بلاد الكفر للتعلم، والصواب أنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار للتعلم إلا للضرورة القصوى، وبشرط أن يكون ذا علم وبصيرة، وأن يكون بعيداً عن أسباب الفتنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله من مشرك عملاً بعدما أسلم أو يزايل الشرك) إلى آخر ما قال في مثل هذا المعنى أيضاً.

    وهناك أيضاً للشيخ ابن جبرين فتوى في مسألة جواز مصافحة الكفار وابتدائهم بالسلام ونحو ذلك، قال: الكفار والمشركون من يهود ونصارى ووثنيين ودهريين كلهم نجس كما أخبر الله، فلا يجوز إكرامهم ولا احترامهم ولا تقديرهم في المجالس ولا القيام لهم ولا ابتداؤهم بالسلام، أو بكيف أصبحت وأمسيت؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه) وإذا سلموا علينا فإنا نقول: وعليكم، ولا تجوز مصافحتهم ولا معانقتهم ولا تقبيل أيديهم، وإن كان هناك فتوى أيضاً تخصص مثل هذا للجنة الفتوى، بأنه بحسب المقصد، إن كان فيه نوع تودد لغرض الانتفاع منه للمسلمين أو لغرض إمالته للإسلام فقد يكون بمثل هذا، أما ما يقع من الناس الذين يذهبون لتلك البلاد وليس هناك غرض كالدعوة وإنما هو نوع من الضعف والانهزام في مثل هذا، فإنه لا يجوز.

    ممارسات خاطئة فيما يتعلق بالبطالة والضياع للشباب

    الصورة الثانية بعد السفر إلى الخارج: ما يقع من أعمال البطالة والضياع من الذين لا يسافرون:

    بعض الشباب -هدانا الله وإياهم- يقعون في تفاهات وتضييع للأوقات وممارسات خاطئة ومحرمة، فتجد ظواهر مثل: قضاء الوقت في التسكع في الأسواق، المعاكسة في المنتزهات والملاعب، الاجتماع على اللعب بالورق وغير ذلك، وكذا السهر إلى آخر الليل على (الفيديو) والتلفاز وما فيه من المفاسد والفتن والأفلام التي تهيج الغرائز وتدعو إلى الفتنة وتحض على الجريمة في بعض الأحوال، وكذلك قضاء الوقت في النوم والخور والكسل، حتى إن الإنسان يدهش ويعجب من سهرهم وضياع أوقاتهم ثم نومهم الكثير.

    وتظهر من وراء ذلك صور مثل: التميع والتشبه بالكفار ونحو ذلك، كل هذه صور وممارسات خاطئة تنشأ عن عدم حصول الفهم والتصور، وللأسف أن الذي يساعد على مثل هذا هو ما يرسم من خلال الإعلام صحافة وتلفازاً، وغير ذلك ما هو تكريس لهذه الظاهرة الخطرة: كيف تقضي وقتك؟ كيف تستمتع؟! كيف ترفه؟! كيف كذا؟! ليس هناك أي إشارات إلى القضايا الجادة والمهمة، فترسخ في نفوس الناس هذه المعاني ويميلون إليها.

    1.   

    ميادين الخير

    ميادين الخير التي يمكن أن يكون فيها انتفاع بالوقت وجد وعمل، أذكر منها جانبين اثنين:

    المراكز الصيفية

    المراكز الصيفية التي تتبناها جهات فطنت لأهميتها ولضم الشباب إليها، وشغلهم بالنافع المفيد، ومن ذلك جامعة الإمام محمد بن سعود ووزارة المعارف، والجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، هذه المؤسسات تقيم مثل هذه المراكز لتكون مجالاً للانتفاع واستثمار الأوقات وحصول كثير من المنافع والفوائد، ومنها:

    الأولى: حفظ الأوقات من الضياع، أقل ما يمكن أن يعان به الإنسان في مثل هذه المراكز أن يحفظ وقته من الضياع في المحرمات أو في التوافه والسخافات.

    الثانية: الحفظ من الوقوع في المخالفات؛ لأن الإنسان إن كان في جانب من ميادين الخير، فإنه يغلب على الظن أن تشغله الطاعة عن المعصية بإذن الله جل وعلا.

    الثالثة: توفير الأجواء الإسلامية التي تعين الشاب على الخير وتربيه على الأخوة، فهي تهذب نفسه، تقوم أخلاقه، تصحح تصوراته؛ لأن الإنسان لا يكفيه الكلام، حتى إذا عاش في جو مناسب تجسدت أمامه صور الأخوة، ورأى أمثلة العلم ورأى قدوات المسابقة إلى الخير، ورأى نماذج الحرص على أمور الطاعات، فإن هذا يكون مانعاً من المفاسد التي تحدث عندما يعيش أو يسافر إلى بيئة غربية أجنبية كفرية، كذلك يعكس الأثر عندما يعيش في بيئة إسلامية طيبة، وفي أجواء تحث على الخير وتعين عليه.

    الرابعة: الإفادة العلمية، فإن مثل هذه المراكز تشتمل على دروس علمية ومحاضرات ثقافية ومسابقات فيها إعداد لبحوث أو تلخيص لكتب نافعة أو نحو ذلك، إضافة إلى حفظ القرآن الكريم، وحفظ الأحاديث النبوية الشريفة، فإن هذا لا يستطيع في غالب الأحوال أن يقوم به المرء بنفسه؛ لأنه يعجز ويكسل، وأحياناً بعض الأعمال بطبيعتها تحتاج إلى الاشتراك، فإن العلم يحتاج إلى من يعلمه حتى يستمع، وهناك أيضاً بعض الأعمال تحتاج إلى المنافسة والحماس، حتى ينبعث إليها وتقوى همته وعزيمته عليها، وهذا جانب مهم أيضاً.

    الخامسة: اكتساب الخبرات وتنمية المهارات، فإنه إلى جانب هذا العلم وإلى جانب الفائدة العلمية فهناك ممارسات وفوائد تقدمها كثير من أنشطة هذه المراكز، سواء من التدريب على بعض المهارات والأعمال كمعرفة (الكمبيوتر)، أو الضرب على الآلة الكاتبة، أو تعلم الخطابة، أو تعلم أسلوب الكتابة، أو التربية البدنية أو نحو ذلك من البرامج المختلفة، فإنها تفيد كثيراً في مثل هذا الجانب.

    السادسة: التعرف على الجديد النافع، من خلال الزيارة لبعض المؤسسات العلمية والثقافية، أو بعض المنشآت الصناعية والحضارية، وهذا يربط الإنسان وينفعه ويفيده، ولذلك فالحديث عما يتصل بمثل هذه المراكز لا يحتاج إلى تطويل؛ لأن واقعها يشهد بكثير من الخير الذي فيها، ولذلك ينبغي أن يتبنى الآباء تشجيع أبنائهم، ولا بد أن يتبنى الأبناء والشباب ترغيب إخوانهم، ولا بد أن تكون قنوات الإعلام مشجعة عليها ودافعة إليها؛ لما تتضمنه من الخير وتدرأ من المفسدة، ولما تحصل من عوائد ومنافع حتى على البلاد وعلى الطلبة، وعلى المؤسسات التي تقوي وضعها ودورها في المجتمع وتزيد من نشر خيرها، فالجمعيات الخيرية للتحفيظ عندما يأتيها الطلاب يرتبطون بعد ذلك بحفظ القرآن، وجامعة الإمام عندما يأتيها الطلاب يرتبطون بعد ذلك بمعاهدها العلمية وكلياتها الشرعية، وغير ذلك من الفوائد، فلا بد أن تتضافر الجهود لدعم مثل هذا العمل.

    المشاركة في الأعمال الإسلامية من خلال الهيئات

    الجانب الثاني: وهو جانب الأعمال والمشاركة في الأعمال الإسلامية من خلال الهيئات الإسلامية:

    وأعني بذلك المشاركة في أعمال الدعوة وأعمال الإغاثة، فإن هناك برامج تتاح وتعرض وتزيد في فترة الإجازة من قبل هيئات، مثل: هيئة الإغاثة الإسلامية، ومثل الندوة العالمية للشباب الإسلامي.

    وهناك برامج دعوية، وبرامج إغاثية يسافر الإنسان من خلالها إلى بلاد الإسلام ويرى أحوال المسلمين ويساهم في العمل، وتجد أن هناك كثيراً من الفوائد والأعمال يجنيها الإنسان من مثل هذا العمل، منها:

    الأولى: تفقد أحوال المسلمين، وهذا عمل إسلامي مطلوب، فإن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

    الثانية: مساعدة المحتاجين بتقديم العون المباشر، وشعورك بأنك تؤدي واجباً، وأنك تعين مسلماً، وأنك تمسح دمعة يتيم، وأنك تواسي امرأة ثكلى، وأنك تعين شيخاً كبيراً، وهذا أمر كبير ومفيد ونافع.

    الثالثة: تعليم الجاهلين، فإن الذي يشارك في البرامج الدعوية يرى صوراً من الجهل في بلاد الإسلام، كما تقوم بعض الهيئات ببعث الطلاب من حفظة القرآن إلى بلاد إسلامية، يمكثون فيها الشهر والشهرين، يتفرغون لتعليم المسلمين القرآن وتجويده وتلاوته وحفظه، ولا شك أن في هذا أجراً عظيماً، وكأنك مع أجر هذا العمل تنال أجر الرحلة إليه وما تكبدته من المشقة فيه، فبدلاً من أن تتحمل مشقة وتنال وزراً وإثماً؛ تتحمل مشقة وتنال عليها مثوبة وأجراً.

    من الفوائد أيضاً: الشعور بنعمة الله سبحانه وتعالى، فإنك عندما ترى الخائفين تشعر بنعمة الأمن، وعندما ترى الجائعين تشعر بنعمة الطعام والشراب والرزق الوفير، وعندما ترى المشردين والمهجرين تشعر بنعمة الله سبحانه وتعالى، فتكون أحرص عليها وعلى استدامتها بشكر الله عز وجل أكثر، بحيث لا تكون مفرطاً في هذه النعم غير عابئ بها ولا مكترث لها.

    من الفوائد أيضاً: معرفة حقيقة العداء ضد الإسلام والمسلمين، ترى عندما تذهب للبوسنة والهرسك ترى القتلى والجرحى، ترى المساجد المهدمة، وعندما تذهب إلى أفريقيا ترى أعمال التنصير وأصابعه الخبيثة، فتعرف حقيقة المعركة، وتعرف أنك مستهدف، وأنك جزء من أمة.

    وهذا أمر مهم، بدلاً من أن يضيع الشباب في السخافات والتفاهات، فإنهم لو ذهبوا إلى تلك البلاد لرجعوا بغير العقل والقلب والوجه الذي ذهبوا به، فيرجعون بقلوب وعقول تتناسب مع ما ينبغي أن يكون عليه شباب الإسلام في مثل هذه المرحلة المعاصرة من حياتهم.

    ومن الفوائد أيضاً: تعميق روح الأخوة والوحدة بين المسلمين، هنا تأكل وتشرب وتنام، وتسمع أن هناك بلداً مثل البوسنة والهرسك، أو أن هناك بلداً يقال له كذا وكذا، لكن إذا ذهبت شعرت أنك جزء من هؤلاء الناس، وأن تلك الديار هي ديارك، وأن الاعتداء عليها اعتداء عليك، هذا الشعور لا يمكن أن يأتي إلا من خلال هذه الأعمال.

    هناك برامج كثيرة في هذه الإجازات يمكن للإنسان أن يسافر من خلالها وأن يخدم الإسلام والمسلمين وأن يحصل له الأجر والثواب، وأن يحصل له النفع والفائدة، ومن أكثر البرامج اتساعاً برامج الدعوة في الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي سابقاً، وهناك نحو عشرين مخيماً تربوياً دعوياً تنظمها الندوة وهيئة الإغاثة العالمية الإسلامية، وهناك أيضاً برامج دعوية وقوافل تسمى قوافل الدعاة، تجوب في أفريقيا تقوم بها الندوة العالمية أيضاً، فإذا كان عندك وقت وعندك جهد وطاقة، فإنك تصرفها في هذا الميدان من ميادين الخير.

    1.   

    المشاريع المقترحة في الإجازة الصيفية

    المشاريع المقترحة، قد لا يكون هناك فرصة لهذا ولا لذاك، فهناك أيضاً مشاريع ومقترحات تضاف إلى مثل هذا الخير الذي يمكن أن يحوزه الإنسان وأن يحصله:

    الأول: القيام من قبل الشباب بجولات دعوية في بعض القرى والمناطق النائية، فإذا لم تستطع السفر إلى أفريقيا، وإذا لم تر الجهل في بعض ديار الإسلام فإنك تجده في بلاد ومناطق قريبة منك، وأعرف بعض الإخوة يذهبون إلى مناطق الساحل مثل: القنفذة وما يتلوها من مناطق ساحل تهامة، فيصفون أموراً عجيبة من الجهل، ومن المخالفات الشرعية، والأقوال والعادات التي تخالف حكم الله سبحانه وتعالى.

    لو أخذت جمعاً من إخوانك وذهبت أياماً قليلة في زيارة إلى مثل هذه المناطق لنفع الله بك وانتفعت، وعرفت من الأحوال وذكرت الآخرين، وساهمت في لفت النظر إلى مثل هذه الأعمال، ويحصل من ذلك خير وأجر ومثوبة.

    الثاني: مسألة صلة الأرحام، كثير من الشباب والملتزمين ينشغلون بأعمالهم عن أقرب المقربين إليهم، في هذه الإجازات فرصة أن يتبنى مشروعاً يستقدم فيه بعض أقاربه ليزوروا أهله، ثم يعد لهم برامج جميلة ومرغبة، وفيها بعض الخير من التذكير وتوزيع الشريط أو إهداء الكتاب الصغير، لماذا يريد بعض الشباب أن يجلس الناس أمامه ليلقي عليهم خطبة عصماء أو يقرأ عليهم كتاباً طويلاً؟! يمكن أن ينظم برنامجاً قصيراً لأيام محدودة لمجموعة من الأسر من أقربائه، فينال بذلك منزلة، ويرون أنه يحرص على نفعهم، ويرون أنه متودد إليهم، لا أنه منشغل عنهم، أو كاره لهم أو معارض لهم، فلينتهز الفرصة في مثل هذا الجانب.

    الثالث: كثيراً ما يقول الشباب: إذا جاءت إجازة سأحفظ أو سأقرأُ أو سأدرس أو نحو ذلك، أقول: ينبغي الحرص على العلم وتحصيله، لو كنت مشاركاً في مركز أو مواظباً على محاضرة.. أو نحو ذلك في وقت الإجازة، فالوقت فيه اتساع أكبر، وإمكانية العمل فيه أوسع، فلا تكتف بأقل القليل مما يقع لك، بل يمكن أن يكون لك حرص على أن تنتظم في درس أو درسين أو ثلاثة من الدروس النافعة الموجودة والمنتشرة، تزيد ما أنت فيه من الخير.

    الرابع: التحصيل والتكوين الذاتي الذي ليس فيه مساعدة من الآخرين:

    لماذا لا يجعل لنفسه برنامجاً في حفظ القرآن، في حفظ بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ولو قليلاً؟ ولتكن الحصة معتدلة أو قليلة حتى يمكن أن ينجح فيها.

    ويمكن للشاب أن يمارس العمل وأن يكون في وظيفة؛ لأن هذا يحصل به خبرة ويحصل به مالاً، فلماذا لا يمارس أعمال الخير سواء بالاشتراك في مركز أو محاضرة أو كذا، ولا يجعل النهار كله للنوم؟ لا أرى ولا أقبل مثل هذه الصورة مطلقاً، وللأسف أن هذا يقع من كثير من الشباب الذين نحسبهم على خير، فلو ربط نفسه بعمل ولو عملاً تطوعياً في جانب من جوانب الخير، أو عمل بأجر يكتسب فيه خبرة ويكتسب فيه مالاً لحصل له كثير من الخير.

    ويمكن التحصيل الذاتي الذي قد يقصر الوقت أو يعجز الجسم أو يقل العزم عنه في أوقات الدراسة، ومن ذلك كثير من الأمور العبادية التطوعية مثل قيام الليل، يقول: لا أستطيع أيام الدراسة لأن الدراسة مبكرة، ثم يأتي هذا الموسم الذي ينبغي أن يكتسب فيه تعوداً على هذا الأمر، فليجعل لنفسه برنامجاً يحرص عليه وحده مرة ومع غيره مرة وهكذا؛ والمقصود أنها برامج ذاتية تنفع الإنسان في تحصيله العلمي وفي تكوينه الذاتي وفي تربيته الإيمانية.

    الخامس: البرنامج الأسري:

    هذا موجه للآباء؛ وذلك إذا لم يسافر الأبناء ولم يشاركوا في بعض هذه الأعمال، وحتى لو شاركوا فيمكن أن يجعل الأب في أسرته برامج خفيفة، لماذا يتركهم للتلفاز يقضون ليلهم ونهارهم فيه، لو عمل لهم مسابقة في حفظ جزءٍ من القرآن أو سورة أو أحاديث أو قراءة كتاب، أو يعمل لهم درساً، أو يقرأ لأبنائه إن كانوا صغاراً قصصاً، ويكون هذا بداية لأن يستمر مثل هذا العمل بعد ذلك ولو بصورة أقل، فإن ترك الأمر وترك الأبناء والأسرة على ما تحب يحصل فيه أن الصغار ينشغلون بأفلام الكرتون، وينشغل الشباب بالخروج هنا وهنا كما أشرت في أعمال العطالة والبطالة، وتنشغل النساء مثلاً بالهاتف وأحاديث النساء من هنا وهناك كما هو معلوم، وبحضور المناسبات وغير ذلك، لا بد أن يوجد رب الأسرة شيئاً من الجد والعمل والمنافسة الخيرة في مثل هذا الجانب.

    السادس: البرامج الإعلامية:

    نرى مسابقات تكون في رمضان، فما دامت هناك إجازة أو عطلة أو وقت، لم لا تكون هناك برامج، مثل المسابقات في الصحف أو حتى برامج إعلامية فيها تعليم، وفيها زيادة من الحصص العلمية والتوجيهية واكتساب الخبرات؟! لماذا لا تكون هناك برامج لتعليم الحرف ونحو ذلك، ما دمنا نقول إن هناك فراغاً، فهناك بعض الدورات كانت تقام مثلاً في المعاهد المهنية لا أرى لها الآن ظهوراً وأحسبها قد انتهت، نريد أن يكون المجتمع فيه تعاون على استغلال الأوقات في أمور جادة ونافعة، فوسيلة الإعلام مع وسيلة التعليم مع وسيلة توجيه الأسرة، مع رعاية المجتمع وتوجيهه، حتى تكون هذه الفترة فترة جد، لا أن تكون فترة الصيف محلاً للفراغ الذي يمحو كل أثر للدراسة التي درسها الطالب، حتى يأتي العام الجديد وهو صافي الذهن خال من المعلومات، ليستقبل معلومات جديدة أخرى.

    السابع: الاستفادة مما يقع دائماً في الإجازة الصيفية من موسم الزواجات:

    كثيرة هي الزواجات حتى إنها تملأ أيام الأسبوع، وينشغل الناس فيها، فلا بد أن يكون هناك حرص على أن يحصل بعض النفع، أذكر أن واحداً حدثني قبل فترة يقول: كنا في مناسبة زواج قبل عدة أيام فكنت أقول: لو أن الناس خففوا في هذه المناسبات من المبالغة في الإنفاق، وخصصوا ما كانوا يعتزمون إنفاقه للتبرع للمسلمين، لبلغت هذه الأموال عشرات الملايين، لأن الناس ينفقون أموالاً كثيرة بعضها في غير محلها وبعضها زائدة عن حدها، فأول الأمر: لو كنت صاحب زواج أو كان لك قريب، فاقتصر في المناسبات، وخفف من المصاريف، وجعل بعض هذا المال في وجوه الخير، فلا يخفف من المصاريف ليوفر المال في جيبه، بل من أجل أن ينفق في سبيل الله عز وجل، فهو أصلاً قد قرر أن ينفق هذا المال، فليجعل شطره لله وشطره لإقامة المناسبة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة)، فلا يحتاج أن يدعو الأولين والآخرين والمقيمين والمرتحلين الأحياء منهم والأموات ليشهدوا هذا الحفل، فإن هذا يشق على الناس، وأكثر الناس الآن إذا دعي إلى مناسبة زواج كأنه وقعت فوق رأسه طامة؛ لأن عنده مناسبة أخرى وثانية وثالثة وعنده عمل ويريد أن ينجز بعض الأشياء، فأصبحت الأعباء الاجتماعية ثقيلة؛ لأن كل من له صلة بأحد من بعيد أو قريب يدعوه، فيحصل مشقة للناس، فلو خفف مثل هذا لكان خيراً.

    الأمر الثاني وهو أمر بوادره جيدة: أن تستغل هذه المناسبات وجمع الناس فيها في الموعظة والتذكير اليسير واللطيف، لا يأتي في وقت الفرح ويقص عليهم أخبار الموت والقيامة، فإن لكل مقام مقالاً، وكذلك لا يطيل عليهم.

    أيضاً القيام بأعمال ومشاريع خيرة، كأن يوزعوا شريطاً أو كتيباً صغيراً أو مقالة لطيفة، هذه أمور فيها كثير من الخير.

    ويمكن أن ينتفع بأكثر من ذلك، وهذه أمور للتنبيه على أن هناك مجالات كثيرة، لا يعجز الإنسان أن ينتفع من وقته وأن يقوم بالعمل، والمرفوض هو أن يكون الإنسان خالياً من العمل ومضيعاً للوقت.

    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لاستثمار الأوقات واستغلالها في الخير، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    الأسئلة

    معنى العطلة من حيث اللغة

    السؤال: من الوقفة الأولى علمنا أن التعبير عن العطلة والإجازة خطأ، فما هو التعبير الأصح؟

    الجواب: لم أقل إنه خطأ، تعبير العطلة أرى أنه في معناه اللغوي لا يصح إلا إن قلنا: إنه خال عن الالتزام بالدراسة، باعتبار أنه ليس مكلفاً بالدراسة في هذا الوقت، فيقال: إن عنده عطلة أي: خلواً من الدراسة، لأن معنى التعطيل كما قلنا: هو الخلو من الشيء، أما الإجازة فصحيح هو أجيز الآن إلى مرحلة أخرى، فينبغي أن يجتاز المرحلة الأولى.

    وعلى كل حال يسمي ما شاء أن يسمي، المهم هو المضمون.

    خطأ محاربة المراكز الصيفية

    السؤال: إن بعض الناس لا يرون فائدة ولا تأييداً للمراكز الصيفية، وأنهم يمزقون إعلاناتها؟

    الجواب: هذا في غالب أحواله أنه مخطئ، قد يكون مجتهداً في فعله لكنه خاطئ، إذ الأمور بمضامينها، فهل في مثل هذه الاجتماعات أو اللقاءات في المراكز محرمات أو دعوة إلى الباطل، أو أصلها مبني على تزيين الشر والدعوة إليه، كل الوقائع والشواهد والحقائق تدل على غير ذلك كما أشرت إيجازاً في هذا الدرس، وكثير من المشايخ وأهل العلم يرتادونها ويحاضرون فيها ويدرسون فيها ويثنون عليها؛ لأن فيها فائدة عظمى يشهد بها القاصي والداني، وربما قصر نظر هذا عن مثل هذا الأمر، أو يرى أن غيره أفضل منه، فإن رأى ذلك فليس له أن يمنع ما هو أدنى إن كان يراه أدنى من هذا.

    التوفيق بين العمل في المراكز الصيفية وكسب المال

    السؤال: أحدهم ينصحه بالاشتراك في المراكز، والآخر ينصحه بالعمل لكسب المال وغير ذلك، فهو واقع في حيرة؟

    الجواب: ليس هناك حيرة، إن كان صاحب همة استطاع أن يجمع بينها كلها، يعمل في الصباح ويحضر المراكز في العصر، ويقوم بالصلاة في الليل، والوقت أوسع مما يتصوره إن كانت همته كبيرة.

    طلب بالتذكير لزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في العطلة

    السؤال: لو ذكرتم للإخوة المصلين والأسر إذا كان هناك وقت أن يغتنموا الوقت في الاعتمار وزيارة المدينة المنورة ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: لا شك أن هذا من الأمور النافعة والمفيدة، وكثير من الناس يستغلون بعض الوقت في مثل هذا وهو خير، والتذكير به حسن وجيد.

    عدم صحة تأثير المراكز الصيفية على التحفيظ

    السؤال: كثير من الشباب يقول: إن المراكز تؤثر على التحفيظ؟

    الجواب: ليس هناك تأثير إلا من ضعف الإنسان نفسه، وإلا فبالإمكان أن تقول: إن الدراسة تؤثر على التحفيظ، وإن الارتباط بالأهل يؤثر على حفظك للقرآن، لكن لو أعطى الإنسان كل شيء وقتاً كافياً وجهداً مناسباً وكان عنده الاهتمام والاعتناء بكل أمر بحسبه لاستطاع أن يحصل مثل هذا، والذي يدل على نقض هذا القول أن بعض الأمثلة تنقضه واقعاً عملياً، لماذا أنت الذي يؤثر على تحفيظك بينما زميلك يحفظ ويقرأ ويستمع للدرس ويكتب ويلخص؟! من أين جاءه الوقت؟! وهل عنده وقت غير وقتك؟ وهل عنده عضلات وقوة غير قوتك وعضلاتك؟! لا، عنده شيء واحد وهو أن همته وعزيمته وانبعاثه للخير أقوى وأفضل.

    حكم تأليف الروايات والقصص وتمثيلها

    السؤال: ما حكم تأليف الروايات والقصص، ربما أيضاً جاء هنا سؤال بما يتعلق بتمثيل هذه الروايات خاصة فيما يقع في بعض الأنشطة الصيفية؟

    الجواب: وقفة مناسبة هنا حول هذا الموضوع، بعض أهل العلم ذكر الإباحة، وبعضهم ذكر المنع، وفي هذا بعض التفصيل.

    أقول بإيجاز: الذين ذكروا الإباحة استدلوا بعمومات أدلة كثيرة، منها قاعدة أن الأصل في الأشياء البراءة من الحرمة حتى يثبت التحريم بدليل مخصوص، ومنها عمومات أدلة ليست أدلة في نفس القضية، مثلما استدلوا ببعض ما جاء في القرآن من قصة إبراهيم الخليل عليه السلام لما كسر الأصنام وقال: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:63] وقال: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:88-89] أي: أنه ماشاهم وأظهر لهم شيئاً غير الذي هو على الواقع والحقيقة.

    وذكروا أيضاً من عمومات الأدلة: قصة يوسف عليه السلام فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [يوسف:58] ثم جاراهم على أنه لا يعرفهم ووقع ما وقع من قصته مع أخيه، ثم أيضاً بعض الأحاديث، مثل حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه لما توضأ وضوءه للصلاة وقال: (إنما أردت أن أعلمكم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم) أي: أنه مثل لهم وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، وأقوى وأظهر منه حديث مالك بن الحويرث ، قال: (إني لأصلي الصلاة ولا أريدها، إنما أريد أن أعلمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم).

    وقد استشكل هذا وذكر ابن حجر تعليقاً عليه، وكان من ضمن قوله أنه قال: في هذا الحديث أن التعليم بالفعل أوضح من التعليم بالقول، وقال: إنه لا يقصد فيه أنه لم يرد العبادة أصلاً، وإنما أنه ليس هناك سبب باعث، يعني: أنه لم تكن هناك فريضة ولم تكن سنة وإنما كان الباعث هو باعث التعليم، هذه عمومات أدلة.

    في الجانب الآخر: هناك من منع لعمومات لا تنطبق بالضرورة على هذا، من ذلك حرمة الكذب.

    الثاني: الخوف والبراءة من التشبه بالكفار.

    الثالث: ما قد يقع من المحظورات.

    ولكن في الجملة هناك فتوى للشيخ محمد بن صالح العثيمين ذكر أنه ليس فيه كذباً، إذ الكذب هو أن يكون السامع مصدقاً لك بهذا الأمر وهو غير صحيح، لكن إن كان يعرف أنه غير صحيح فلم يعد في ذلك كذب، بمعنى: هذا الذي يقول إنه زيد، وذاك الذي يقول إنه عبيد، يعرف الناس أنه ليس زيداً ولا عبيداً، وأن ليس هذا أباً لهذا ولا هذا ابناً لذاك، فما دام أن العلم حاصل بأن هذا هو تصوير وتمثيل فلم يقع الكذب.

    ويقول الشيخ ابن جبرين : التمثيليات إذا كانت هادفة ومفيدة فهي أكثر فائدة من الكلمات التي تلقى على الحاضرين، وتأثيرها أكثر من تأثير الكلمات؛ وذلك لأنهم يشاهدونها بالنظر ثم يطبقونها ويحرصون عليها، ويتذكرونها تذكراً زائداً، فالحاضرون يعلمون أنها ليست حقيقة إنما هي تمثيل، فلا ينطبق عليهم حديث: (ويل للذي يحدث ويكذب ليضحك القوم، ثم ويل له ثم ويل له) فهؤلاء ما كذبوا، وإن كانوا كاذبين فالحاضرون يعلمون أن هذا ليس هو فلان، لأجل ما فيها من التأثير والأهداف الطيبة، أنا أقول: لا بأس بها -يعني الشيخ يقول-، وقد كان مشايخنا يحضرونها في الأندية وفي قاعات المحاضرات في كلية الشريعة والمعاهد العلمية، فهذه إن شاء الله نافعة ومؤثرة، حتى وإن تسمى باسم شيخ الإسلام أو باسم أبي جهل ؛ لأن الحاضرين يعلمون أن هذا تنزيل لقصة واقعة حتى ينتبهوا لها أكثر مما لو خطب الخطيب.

    فمقال حصل لـشيخ الإسلام كذا وكذا، يقول: فقد لا ينتبهون لما قال ولا يتمثلونه كما يتمثلونه إذا صور أمامهم.

    ثم سئل عن الضوابط فقال: إذا كان الحاضرون يعلمون أنها ليس فيها شيءٍ من الإيهام، أو كذلك إذا كان فيها استهانة بشخصيات محترمة وتمثيل بأشياء غير واقعية فهو محظور، بمعنى: إن كان فيها تنقص لصاحب فضل كأن يمثل عالماً لكن يحتقره، أو يمثل صورة العالم الإسلامي أو الفقيه في صورة محتقرة أو نحو ذلك مما هو مقصود، كما يقع في التمثيليات الفاسدة والإعلام الذي يمارس من خلاله تشويه صورة الدين، فهذا من أحد المحاذير.

    وسئل الشيخ لو مثل أحدهم ابن حنبل والآخر مثل ابن أبي دؤاد وما وقع من الفتنة؟ قال: لا بأس وأرى أنه مفيد، فقيل له: ولكنه تمثيل دور مبتدع، قال: نعم لا بأس به؛ لأن تأثيرها أكثر من تأثير الكلمات، وفيها مصلحة، والحكم يدور مع المصلحة، وقيل له: فيه تقليد للكفار كعيد الشعانين وكذا ونحو ذلك، فقال ليس كذلك، بل ورد ما يدل على أنه ليس المقصود بها هذه المتابعة، وليس كل ما يفعله الكفار نحن ممنوعون منه، إذا لم يكن التمثيل مشابهة للكفار يقول: ليس التمثيل من خصائصهم حتى تكون المشابهة مطابقة، وهذا ليس من خصائصهم فما يضر المسلمين.

    وأيضاً في فتوى للشيخ عبد الله بن حميد رحمة الله عليه سئل عن حديث: (لا تمارضوا فتمرضوا) قال: هذا الحديث ليس صحيحاً، ثم قال: إن كان هذا التمارض احتاج إليه من باب التأويل المباح فلا حرج في ذلك؛ لأنه يقصد بذلك غرضاً صحيحاً، وليس في هذا العمل ما يتنافى مع الشرع، فأرجو أن لا حرج في ذلك.

    وذكر بعضهم هنا ضوابط: الأول: ألا يكون كما أشرنا فيها محرم، وتدعو إلى محرم أو إلى شيء من الفساد، فهذا لا شك أنه ممنوع.

    الثاني: ألا يكون فيها تمثيل للنبي عليه الصلاة والسلام أو الصحابة؛ لأن هذا قد أفتى العلماء بحرمته.

    الثالث: ألا يكون فيه إيهام للناس.