إسلام ويب

شهر الصلة والإصلاحللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا غنى للمرء عن ربه عز وجل طرفة عين ولا أقل من ذلك؛ ولهذا يجب على المرء أن يحسن صلته بربه عز وجل وخاصة في شهر رمضان؛ لأنه شهر الطاعة والعبادة والصلة، والتوبة والإنابة، وهو شهر تكفير الذنوب والسيئات، ونزول المغفرة والرحمات، فعلى العبد في هذا الشهر أن يحسن صلته بأرحامه وأقاربه، وأن يقوي علاقته بأصحابه وإخوانه، استغلالاً لهذا الموسم الكريم، وحرصاً على الفوز بجنات النعيم.

    1.   

    أهمية إصلاح النفوس ووصلها بالله عز وجل

    الحمد لله، الحمد لله خص رمضان بنزول القرآن، وفتح أبواب الجنان، وإغلاق أبواب النيران، وتصفيد مردة الجان, وتخصيص باب الريان لعباده الصائمين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، النبي المصطفى والرسول المجتبى، علم التقى ومنار الهدى، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلى هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! سلف لنا حديث عن رمضان بوصفه شهر القلوب والأرواح، وحديثنا اليوم عن رمضان بوصفه شهر الصلة والإصلاح؛ صلة لما انقطع، وإصلاح لما فسد.. صلة شاملة تعم حسن وقوة الصلة بالله، كما تشمل حسن وامتداد الصلة بعباد الله في مراتب كثيرة، وفي إصلاحات نفسية وعملية واجتماعية متنوعة، تجعل الصلة بالإقبال إصلاحاً للإدبار، وتجعل الصلة بالطاعة إصلاحاً للغفلة الموقعة في المعاصي.

    إنها صلة عظيمة تتجدد وتقوى، وتتجذر وتمتد، وتصبح في هذا الموسم العظيم سمة ظاهرة للمسلم وحده وللأمة كلها في نوع من التربية الإيمانية السلوكية الفكرية التي يصوغ بها هذا الدين العظيم أتباعه؛ ليردهم إليه من بعد شرود، وليقيمهم على منهجه من بعد انحراف، وتلك مزية هذا الدين في مواسم الخير، وعبادات التذكر والاتعاظ التي تتعهد القلوب بالزكاة والنفوس بالطهارة، وتتعهد العقول بالرشد والإيضاح، كما تتعهد الجوارح بالاستقامة وتهذيب السلوك، وتتعهد العلاقات والصلات بتحسينها وقطع ما يسوء ويضر منها، وتلك هي المزية العظيمة التي تتجلى لنا في شهرنا هذا وفي صيامنا هذا.

    1.   

    رسائل الصلة بالله المتاحة في رمضان

    الإخلاص بداية الصلة بالله عز وجل

    والصلة بالله تبدأ بالإخلاص له، وتجريد القصد لطاعته ومرضاته، وتحقيق التحلي بمراقبته والحياء منه؛ امتثالاً لأمره: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وتحذيراً واجتناباً لوعيده وتهديده في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من أشرك معي فيه غيري تركته وشركه).

    الاهتمام بالصلاة من الصلة بالله عز وجل

    حسن الصلة ظاهر في ركن ركين وأساس متين وهو العمل بالطاعات والقيام بالفرائض؛ ذلك أن المسلم في هذا الشهر الكريم أحرص ما يكون على تكميل إيمانه وعلى تحقيق إسلامه، فصلاته يشهدها في الجماعات، ويبكر إليها مع الأذان، ويحرص على اغتنام الأوقات مع حضور القلب والخشوع والتذكر والاتعاظ والاعتبار، فإذا به يأتي بها على صورة أكمل وعلى هيئة أفضل، فيكون له من أثرها ومما فيها من حسن الصلة بالخالق ما يحدث له امتلاءً بعظمته في القلب وشعوراً بصدق توقيره وإجلاله في النفس.

    مع ما يكون فيها من الخضوع له والذل بين يديه والانكسار في السجود، وإخضاع الجوارح كلها انكباباً على الأرض وتعظيماً للرب سبحانه وتعالى، والعمل بالفرائض لفضيلة الزمان ومضاعفة الأجور يجعل المرء يحسن صلته بالله عز وجل في صلاته، فيتلو الآيات وقلبه يخفق بالتعلق، وعقله متدبر فيها، وجوارحه خاشعة ساكنة معها، ويشعر حينئذ بلذة ما بعدها لذة، وحلاوة ليس فوقها حلاوة، ويستحضر ذلك المثل العظيم والنموذج الأعظم في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، فكم في هذه الصلة العظيمة من وصل عظيم! فإننا نحرص في هذا الشهر على كثير وكثير مما سيأتي ذكره.

    إخراج الزكاة في رمضان من الصلة بالله عز وجل

    وهكذا ركن الزكاة، فجل الناس يحرصون على إخراج زكاتهم في هذا الشهر إدراكاً لفضيلة الأجر ومضاعفته، مع حرصهم على التعرض لرحمة الله برحمة خلقه، كما ورد عند الترمذي بسند فيه مقال: (إن أفضل الصدقة صدقة رمضان)، وغير ذلك من الأسباب التي نرى فيها إظهار هذا الركن والتزامه والقيام به وإخراج الأموال من النفائس ومن شتى الأموال التي وجبت فيها الزكاة.

    أداء العمرة في رمضان والاستكثار من النوافل من الصلة بالله عز وجل

    وذلك أيضاً مشعر بأمر ثالث في شأن الحج، وإن كان في غير موسمه، لكن يأتي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (عمرة في رمضان كحجة معي)، فيعظم حينئذ إتيان الإنسان المسلم بالأركان والفرائض على شيء عظيم من التمام والكمال.

    ثم هناك أمر آخر في هذه الصلة وهو الاستكثار من النوافل، وذلك فيه حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عن رب العزة والجلال: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).

    فبهذه النوافل الكثيرة مع الفرائض العظيمة تصبح ربانياً، وتصبح وأنت تدب على هذه الأرض لكنك معلق في السماء، وتنطق بلسانك لكن الحكمة تجري عليها، وتنظر بعينك لكنك تتدبر وتتأمل، ويصبح كل شيء فيك وبك ومعك مع الله وبالله ولله عز وجل، ولا ينقطع عن فكرك ولا عن قلبك ولا عن نفسك ولا عن لسانك ولا عن خاطر عقلك أمر الله عز وجل والصلة به.

    وكن صاحب قلب معلق بالمساجد، ولسان رطب بالذكر، وقلب مملوء بالحب، ونفس متعلقة بالطاعة، فأي شيء هذا؟! إنها صورة عظيمة في حسن الصلة بالله؛ تجعل المؤمن في حياته غير لاهٍ ولا عابث ولا غافل، فضلاً عن أن يكون معانداً أو جاحداً أو معرضاً، نسأل الله عز وجل السلامة.

    قيام الليل من الصلاة بالله عز وجل

    تلك هي الصورة الحقيقية التي يتمها الله عز وجل علينا في هذا الشهر الكريم، وتزيدنا الصلة أيضاً من الأبواب المختلفة، ومنها قيام الليل، ذلك الذي هو دأب الصالحين، والذي فيه مفاتيح من مفاتيح الخير في الدنيا والآخرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما تنزل عليه الوحي في مبتدئه وفي أوائل أمره وفي مفتتح رسالته قال الله له: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، وكانت التهيئة قبلها: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:1-4]، فقيام الليل زاد لمواجهة الصعاب، وزاد لحمل الرسالة، وزاد لأداء الأمانة، وزاد للثبات على الطريق، وذلكم هو الزاد العظيم في حسن الصلة بالله عز وجل.

    روى الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، مكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم، ومطردة الداء عن الجسد).

    وعندما رأى ابن عمر رؤياه الشهيرة كان قول النبي صلى الله عليه وسلم تعليقاً عليها: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)، وكانت الرؤيا جولة في رياض الجنان ووقوف على شفير النار والعياذ بالله! فكان توجيه المصطفى صلى الله عليه وسلم أن من أراد الوصول إلى هذه والنجاة من تلك فذلك دأبه وتلك طريقه، وكما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟! قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائماً والناس نيام) رواه الطبراني في معجمه والحاكم في مستدركه بسند صحيح.

    وكلنا يعلم خصيصة هذه النافلة العظيمة في هذا الشهر الكريم؛ لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

    الاهتمام بالقرآن الكريم من الصلة بالله عز وجل

    وهناك زاد آخر من حسن الصلة بالله، وهو: الصلة بكتابه جل وعلا، فهذا هو الشهر المختص بهذا القرآن نزولاً، والمختص به مدارسة، كما ورد في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدارسه جبريل القرآن في رمضان، وكان يدارسه في كل ليلة من ليالي رمضان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة).

    قال ابن رجب تعليقاً على هذا الحديث: دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، واستحباب كثرة تلاوة القرآن في شهر رمضان.

    وذكر الله عز وجل متصل بهذا، فنحن في هذا الشهر -بحمد الله- نكثر من ذكره، ونكثر من الدعاء والتضرع إليه، فلا نزال دائماً متقلبين ما بين تلاوة وذكر ودعاء، وهذه كلها من أبواب الصلة العظيمة بالله سبحانه وتعالى.

    وكل هذا لو تأملنا إنما هو إصلاح لما فسد من أحوالنا من غفلة جاء بها الران على القلوب، ومن شهوة تعلقت وانصرفت إليها النفوس، ومن شبهة حارت وضلت فيها العقول، وأصبحت قلوبنا -إلا ما رحم الله- ليس فيها شيء يربطها بالله، ولا يصلها به، ولا يذكرها بأمره ونهيه، ولا يعظها بوعده ووعيده، وأصبحت أحوالنا كأنما نحن صورة من مسخ لا يتحقق فيه الإيمان الحي ولا الإسلام الحق ولا الصلة القوية ولا الرابطة الوطيدة التي تربط المخلوق بالخالق، والتي تربط المؤمن بمولاه، والتي تربط المسلم بربه وخالقه سبحانه وتعالى.

    ولئن وجدنا هذه الصلة ولئن سعينا إلى تقويتها فلنعلم أن كلاً منا يصبح إنساناً آخر، يصبح ذلك الإنسان المؤمن الموقن الذي يواجه الخطوب والصعاب والذي يستطيع -بإذن الله عز وجل- أن ينتصر في كل معركة، بدءاً من معركة نفسه وهواها، وانتهاءً بمعارك الشيطان ووسواسه، وإلى ما بين ذلك من مزالق شياطين الإنس ودعاواهم الباطلة وزخرف قولهم.

    1.   

    بعض آثار الصلة بالله عز وجل

    لا ينفع الإنسان في الضراء إلا صلته بالله

    ولنتأمل! فإنه ليس لنا إلا هذه الصلة بالله، وليس لنا من شيء يمكن أن ينفعنا ويعيننا في دنيانا وأخرانا إلا الصلة بالله، فإذا اشتد الكرب وعظم الخطب، فليس إلا تلك الصلة، قال تعالى: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ [الصافات:75]، فعندما أعرض عنه المعرضون، واستهزأ به المستهزئون، وكانت حبال وصله ممتدة إلى ربه، وكانت مناجاته دائمة في حياته، وكان لسانه لهجاً بذكره، التجأ مباشرة إلى مولاه، فتغير الكون كله، وتغيرت الدنيا كلها، كما قال جل شأنه: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:11-12].

    فسخر الله كل شيء، وغير كل شيء؛ لينجو أهل الإيمان بعصمة إيمانهم وحسن صلتهم بربهم، ويهلك كل معرض عن أمر الله وكل جاحد بالله عز وجل.

    فلابد أن يكون يقيننا قوياً؛ لأننا إذا قوّينا صلتنا بالله فنحن أقوى خلق الله وأقوى ممن يملكون الصواريخ والطائرات والأسلحة النووية وغير النووية؛ لأننا حينئذ نرتبط برب الأرباب وملك الملوك وجبار السماوات والأرض الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، الذي هو على كل شيء قدير.

    نماذج من اعتماد الرسول صلى الله عليه وسلم على الله في الضراء

    فقد رأينا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان اعتماده عليه الصلاة والسلام عليه واستناده إليه واستمداده منه، يوم رجع من الطائف قائلاً بعد أن لقي ما لقي: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري! إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي).

    وعندما جاء يوم بدر وجاءت الجموع الغفيرة بثلاثة أضعاف ما هو عليه عدد المسلمين قال عليه الصلاة والسلام: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً، اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وكبريائها)، فتنزل النصر على محمد صلى الله عليه وسلم.

    ويوم اجتمع الأحزاب كبر المصطفى صلى الله عليه وسلم وجاء المدد الرباني، فأكفئت القدور، وأطفئت النيران، وقلعت الخيام، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال.

    تلك هي الصلة القوية، فهي في كل خطب نجاة، وفي كل معركة نصر، وفي كل مواجهة تفوق؛ لأن القلب الموصول بالله لا يُهزم، وإن كانت جولة في معركة أو هزيمة في مواجهة فما يزال القلب الموصول بالله يستمد نصراً من بعد نصر وقوة من بعد قوة، ويرى في ذلك بلاءً هو امتحان وتمحيص له، كما قال عز وجل: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179].

    وإذا وجدنا اشتداد الضر وما يحيط بنا من كرب، فإنه ليس لنا إلا تلك الصلة، كما أخبر الحق سبحانه وتعالى بقوله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]، لا أحد سواه، فكيف تدعوه وكيف تلجأ إليه وقد قطعت حبال الوصل، وأعطيت ظهر الإعراض، وسرت بقلب الغفلة، وبنفس الشهوة بعيداً عنه سبحانه وتعالى؟

    الصلة بالله نعمة من نعم الله

    تذكر تلك الوصية العظيمة للغلام المؤمن الفطن اللقن، يوم قالها المصطفى صلى الله عليه وسلم لـابن عباس : (اذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدة، احفظ الله يحفظك).

    وهذه الصلة هي من نعم الله عز وجل علينا، فإذا تكاثف الهم وتعاظم الغم، فأنزل ذلك بالله عز وجل الذي وصل حبالك به، قال عز وجل: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، فكُشف الهم، وزال الغم، وتغيرت الأمور، وفتح بطن الحوت ليكون قصراً ومسكناً، ونبتت شجرة اليقطين لتكون زاداً وظلاً.

    فكل شيء في الكون يتغير متى كنت مع الله؛ لأن الله يكون معك بإذنه عز وجل.

    فلنفقه في هذا الشهر الكريم وفي هذه الفريضة الجليلة عظمة صلتنا بالله عز وجل وعظمة انتفاعنا بها واستفادتنا منها، وكلما حلت نقمة أو وقعت فتنة فالعصمة هي الصلة بالله عز وجل، ويوم أحيط بيوسف عليه السلام في تلك الفتنة العظيمة نادى ربه سبحانه وتعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ [يوسف:34].

    وهكذا إذا أردت المدد والإعانة: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9]، فالمدد والنصر والإعانة من الله، وكل شيء لا يكون بالله لا يستمر ولا يدوم إلا به، وكل شيء يستند إلى غير الله فهو إلى خراب وضياع، وكل اعتماد على غير الله فهو إلى هزيمة، لكن الدنيا شغلت الناس، والقلوب تعلقت بغير مرضاته، والنفوس تاقت إلى غير ما وعد به جل وعلا، فصار الناس كأنما هم في شك من هذه الصلة، فتجيء هذه المواسم الخيرة لتعيدنا إلى حسن صلتنا بالله، أفلا نشعر بأثرها؟ أفلا نشعر براحة في نفوسنا وسعادة في قلوبنا وطمأنينة وهدوء بال في خواطرنا؟! أفلا نشعر بأننا اليوم أكثر طمأنينة وراحة وسعادة؟!

    تلك هي آثار الصلة في نفوسنا، وهي من بعد ذلك شفيعنا ومقربنا إلى رحمة الله عز وجل، وما يعرضنا إلى فضله وكرمه وجوده جل وعلا، فكل يوم ندعو، وكل يوم نذكر، وكل يوم نتلو، وكل يوم نصلي، وكل يوم ننفق، وكل يوم نصنع تلك الأمور التي تقوي صلتنا بالله.

    فما أعظم هذا الموسم؛ غير أنه ينبغي لنا أن ننتبه إلى هذه الصلة، وأن نفعها الأعظم وفائدتها الكبرى دنيا وأخرى إنما تكون بامتدادها واستمرارها، وغرسها في سويداء القلوب، وبذرها في أعماق النفوس، حتى تكون دماً يجري في العروق، وحتى تكون نوراً مع كل نظرة، وتكون حية في كل خطرة، وتكون ظاهرة في كل كلمة، وتكون بادية في كل حركة وسكنة، وحتى تصبح ذلك المؤمن الرباني والمسلم الذي يسير بنور الله وعلى منهج الله، وعلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أهمية إحسان الصلة بذوي الأرحام وخاصة في رمضان

    وهناك وسيلة أخرى عظيمة أيضاً: وهي الصلة بعباد الله.

    قال القرطبي رحمه الله: اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة، وقطيعتها محرمة.

    وقال في بيان هذه الصلة وسعة رحمه الله: وبالجملة فالرحم على وجهين: عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين، فيجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله، ونصرتهم، والنصيحة لهم، وترك مضارتهم، والعدل بينهم، والإنصاف في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة، وأما الرحم الخاصة فهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق العامة والخاصة، أي: تجب لهم الحقوق العامة وزيادة كالنفقة، وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عنهم في أوقات ضروراتهم.

    وتلك أيضاً صلة نرى أثرها في هذا الشهر عندما يتفقد الناس أقاربهم، ويصلون أرحامهم، ويجددون علائقهم، وينهون قطيعتهم، ويتغافرون فيما بينهم، ويعفو بعضهم عن بعض؛ لأن القلوب عمرت بالإيمان؛ ولأن النفوس غمرت بالمحبة والرحمة والمودة؛ ولأن الجميع يريد أن ينال من رحمة الله، ويريد أن يعمل كل ما يقربه إلى الله عز وجل.

    وتلك الرحم نعلم أن لها في ديننا أهمية عظيمة، كما أخبر الحق سبحانه وتعالى بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] ، وكما أمر جل وعلا بقوله: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الإسراء:26].

    تقديم صلة القربى على غيرها من القربات

    وفضل الصلة عظيم، حتى قدمه النبي صلى الله عليه وسلم في جوانب كثيرة من جوانب الحياة المختلفة: (لما سمع أبو طلحة قول الحق جل وعلا: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! إن أحب أموالي إلي بيرحاء -وهو اسم بستان عظيم كبير له- وإني خرجت منه لوجه الله عز وجل، فمدحه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أرى أن تجعلها في الأقربين).

    ولما جاءت ميمونة رضي الله عنها تريد سبقاً في ميدان الخير وكانت لها وليدة -أي: أمة- فأعتقتها، فلما جاء دورها في مكوث النبي صلى الله عليه وسلم عندها قالت: (أما شعرت أني أذهبت أو أطلقت وليدتي؟ فقال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    الآثار الدنيوية للصلة بذوي الأرحام

    ونجد أثراً لهذا في دنيانا، فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الشيخين وغيرهما أنه قال: (من أراد أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه)؛ فإن بركة الرزق والوقت والعمر والصحة والعافية من أعظم أسبابها صلة الرحم، ودوام هذه الصلة في الله سبحانه وتعالى.

    ونعلم جميعاً ما ورد في ذلك من شأن عظيم وأجر كبير وأثر ظاهر في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن التين رحمه الله: صلة الرحم تكون سبباً للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية.

    وذلك من الآثار المهمة التي نشعر بها في صلة الرحم مع هذه الفريضة وهذا الموسم العظيم.

    ونجد هذا أيضاً بيناً في أن ذلك له أثر أوسع في دائرة أوسع، كما ورد في سنن الترمذي وعند الإمام أحمد بسند رجاله ثقات، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلة الرحم، وحسن الجوار، يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار).

    بل إن الأمر أعظم من ذلك؛ فإن صلة الرحم التي قد يراها الناس من باب المجاملات أو يراها الناس من باب العلاقات الإنسانية التي لا صلة لها بالدين، يجعلها إسلامنا من أعظم أسباب دخول الجنة، كما تكون الفرائض، وكما تكون الطاعات كلها لله عز وجل، فهذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم يرويه أبو أيوب الأنصاري يذكر فيه: (أن رجلاً جاء إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام وقال له: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال له عليه الصلاة والسلام: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم).

    وفي صحيح مسلم أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف متعفف)، الشاهد قوله: (ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم)، فما أعظم هذه الصلة!

    بل روى جبير بن مطعم في الحديث المتفق عليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل الجنة قاطع)، أي: قاطع رحم، والمقصود: لا يدخلها مع أول الداخلين، وذلك أيضاً مذكور في حديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الحق جل وعلا: نعم، فإن لك أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك).

    وكذلك وردت في هذا أحاديث كثيرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، منها ما روى عبد الله بن أبي أوفى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم)، رواه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي في شعب الإيمان.

    حتى إن الدائرة تتسع في الحرمان والعقوبة إذا فشت قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين منها، وهو أعظمها والعياذ بالله!

    فهذه صلة تمتد أواصرها -بحمد الله- في هذه الفريضة في هذا الموسم، فلماذا تحرم نفسك وتبقى على قطيعتك مع رحمك: الأجل خلاف مادي أو لأجل موقف تافه، أو كلمة عابرة، أو كبرياء فارغة، أو عصبية وحمية جاهلية؟! وكم نعرف ونعلم وللأسف الشديد أن صلات مقطوعة بين أشقاء من أم وأب! وكم نعلم أن بين الأقارب ما بينهم! فكيف تريد أن تحسن صلتك بالله وصلاتك بعباده مقطوعة مخالفة لأمر الله؟

    مراتب صلة الرحم

    ومراتب الصلة كثيرة:

    أولها وأعلاها: الواصل لمن أساء إليه، كما ورد في حديث مسلم عن الرجل الذي جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (إن لي رحماً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، فقال: لئن كان كما تقول فكأنما تسفهم المل -أي: الرمل الحار- ولا يزال لك عليهم من الله ظهير) .

    المرتبة الثانية: الواصل لمن قطع وإن لم يسئ إليه.

    المرتبة الثالثة: المكافئ، وفيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها)، أي: ليس الميزان إذا زارني زرته، وإن لم يزرني لم أزره، كدائن ومدين، وإن أعطاني هدية أعطيته، وإن أعطاني كلمة أعطيته، فأي معاملة هذه؟ وأين هذا من قول الله عز وجل: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34]؟

    قال الشاعر:

    وذي رحم قلمت أظفار ضغنه بحلمي عنه وهو ليس له حلم

    أما رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، يوم أن رأى أعداءه الألداء الذين ناصبوه العداء وأخرجوه من بلده واستهزءوا به، وتعرضوا لمقامه وجلاله وذاته وشخصه صلى الله عليه وسلم؛ فأي شيء فعل بهم؟!

    إنه صاحب القلب الرحيم، وصاحب معرفة حق الوصل حتى لغير المسلم تأليفاً لقلبه واستمالة له وإظهاراً لمحاسن هذا الدين.

    وقد عرفنا الله سبحانه وتعالى بذلك، وأمر بحسن صلة الوالدين وإن كانا كافرين، ولما جاءت أسماء تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلة أمها الكافرة وقد جاءتها راغبة، فقال: (صلي أمك)، ولما أتى أبو هريرة يطلب النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لأمه فدعا صلى الله عليه وسلم لأمه فأسلمت.

    تلك هي صلة الرحم، فكيف بنا وأمهاتنا وآباؤنا وذوو قرابتنا مسلمون مؤمنون مصلون عابدون صائمون؟! فهذا موسم عظيم تمتد فيه هذه الأواصر، وتقوى لحمة أمة الإسلام، فالصلة الصلة بالله! والصلة الصلة بعباد الله!

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الواصلين، وأن يحسن ويقوي صلتنا به، وأن يجعل أخوتنا فيه وصلتنا وعلاقتنا في مرضاته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أهمية إحسان الصلة بعموم المسلمين وخاصة في رمضان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

    وبقي لنا من صلتنا وصلاتنا التي تمتد وتقوى وتحسن في هذا الشهر الكريم الصلة بعموم إخواننا المسلمين، فإن صلة الرحم لا تقتصر على ذوي القربى فحسب، كما ذكر ذلك القرطبي وغيره، وكما نعلمه من ديننا بالضرورة، قال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، وقال: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الأنبياء:92]، وقال صلى الله عليه وسلم: (المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم).

    وهذه الفريضة أيضاً لها أثر في مد حبال الوصل بالمسلمين شرقاً وغرباً؛ لأننا نستشعر وحدة المسلمين، فهم يصومون جميعاً في فريضة واحدة، على هدي نبي واحد، لمقصد ومقاصد واحدة، إنها صورة للأمة التي تأتي الفرائض لتؤكد وحدتها في أصولها ومقاصدها وغاياتها، وفي أعمالها وفرائضها وعباداتها، وفي مناهجها وأحكامها وتشريعاتها، فكيف تختلف بعد ذلك في قلوبها ونفوسها؟! وكيف ينسى المسلم إخوانه المسلمين في أرض العراق أو فلسطين؟

    ألسنا اليوم نستشعر أحداث الزلازل في باكستان وفي كشمير؟! فإخواننا مسلمون صائمون وقعت عليهم النكبات، وحلت عليهم الكوارث، ومات منهم من مات، نسأل الله أن يتقبلهم شهداء.

    وابتلي بالعناء والمرض والإصابات من ابتلي، أليس لهم حق علينا أن نذكرهم ولو بدعوة؟! أليس لهم حق علينا أن نذكرهم ولو بدمعة؟! فضلاً عن أن نهب لإعانتهم وغوثهم، ليس في تلك الديار فحسب، بل في كل الديار وفي كل صقع؛ لأن المسلم لا يكمل إسلامه إلا بذلك، كما صح عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

    ولذلك فإن هذه الصلة ينبغي ألا تكون غائبة، لأننا وللأسف الشديد في الآونة الأخيرة هبت علينا رياح الإقليمية، بل هبت علينا من بعد ذلك رياح وطنية لا ننكر أصلها، لكننا نكر أن تكون حجراً على امتداد آفاقنا الإسلامية إلى أقاصي الصين وإلى أدغال أفريقيا وإلى أوساط أوروبا وأمريكا، فكل أرض فيها مسلم تجعلنا نرتبط به، ونتصل به، ونعطيه حق أخوته، ونحسن الصلة به بكل ما يستطاع من الأحوال، ولا تحدنا الحدود، ولا تقطعنا أحاديث ولا أحابيل ولا ألاعيب ولا مشكلات سياسة، بل لا يصدنا عن ذلك الموجات والهوجات الإعلامية التي تهب علينا لتقطع أواصرنا.

    فنحن اليوم إن مددنا يد العون لمبتئس مكروب قد أصابته كارثة خفنا أن يكون ذلك تهمة أو إدانة بالإرهاب، فهل ننكر فريضة كاملة من فرائض دنينا -وهي الزكاة- ونعطل شريعة الله عز وجل لأجل أقاويل أهل الأباطيل؟!

    ينبغي لنا أن ندرك أن هذه الموجات إنما غرضها أن تقطع الأواصر، وأن تجعل كل مسلم في أضيق دائرة ممكنة، وذلك كله مما يهدف إليه أعداء الله.

    1.   

    أهمية الصلة بالمساجد وخاصة في رمضان

    واليوم أحبتي الكرام! نقف على مفتتح الثلث الثاني من الشهر، فلقد مضى ثلث والثلث كثير، وبقي ثلثان والثلثان أكثر، أليست مناسبة لوقفة في المراجعة ونحن نتحدث عن الصلة، أيحسن بنا مع امتداد الشهر أن تعظم الصلة بالأسواق، وتقل الصلة بالمساجد؟! وأن نترك التضرع ونتلهى بالبيع والشراء؟!

    أيحسن بنا ترك تلك العبادات والانشغال بالشاشات والمسلسلات والمسابقات.. وغيرها من الأمور الصارفة عما هو أولى منها في أقل تقدير؟! ألسنا نرى ذلك في كل عام؟ ألسنا نعرفه من الأحوال التي نلامسها؟

    وأنا أسأل نفسي كل مرة: لماذا لا يكون الشراء إلا في العشر الأواخر؟! ولماذا لا يكون شراء الأشياء من هذه الأوقات بل ربما من قبلها؟! ولماذا لا ينزل الناس بضائعهم الجديدة إلا بعد انتصاف الشهر؟! وهل جعلنا هذا الموسم موسم الغفلة بدل الذكر، وموسم القطيعة بدل الصلة؟! مع أن شريعتنا وسنة نبينا كلما مر شيء من الشهر كان الهدي هو زيادة العمل الصالح، وزيادة الخيرات والطاعات، حتى ينتهي للاعتكاف انقطاعاً عن الدنيا في العشر الأواخر، فما بالنا نمد حبال الوصل لما يجب قطعه، ونقطع حبال الوصل لما يجب وصله؟!

    هذه صور من المفارقات.

    1.   

    أهمية صلة المرأة المسلمة بربها عز وجل

    وهناك صلة للمرأة المسلمة بالله، وصلة المرأة المسلمة أن تستجيب لأمر الله في كل هذه الأنواع من الطاعات، فما بالها تتبرج وتخرج إلى الأسواق، وتعافس الرجال فيها، وتخاطبهم، وتلين في قولها معهم؟!

    بل ما بالنا نسمع في هذه الأوقات وفي هذه الأيام الدعاوى المحمومة التي تدعونا إلى أن نعيد الطريق من أوله، ذلك الطريق المظلم الذي سار فيه كثير من المسلمين والعرب في ديار وبلاد مختلفة، طريق حرية المرأة المزعومة على المفهوم الغربي غير الإسلامي، الدعوة للتحرر وحرية الذات، والدعوة للندية والمساواة، والدعوة للاختلاط والمشاركة؟!

    ولعلي أختم هنا بكليمات لنا ولأخواتنا المسلمات، أنقلها في آخر الأمر على لسان غربيات مسلمات خرجن من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الرذيلة إلى الفضيلة، ومن الإباحية إلى العفة، وهن بأقوالهن هذه يخاطبن أخواتنا المسلمات اللائي يقلن اليوم أقوالاً ويقمن بأفعال؛ أحسب أن أول من سيعض أصابع الندم عليها هن أنفسهن وليس غيرهن، وذلك مما ينبغي التدبر والتأمل فيه:

    تقول دنماركية أسلمت: لم أسعد في حياتي بقدر ما سعدت في الإسلام بقوامة الرجل، أنا سعيدة جداً بهذه القوامة، فخورة بها، أنا امرأة يهتم بي رجل أعيش معه في سكينة وهدوء، ولا أصدق نفسي أنني لم أعد مسئولة عن لقمة العيش، ولا عن الشراء ومعاكسة الباعة، ولا طوارق الليل والنهار، معي رجل يحميني، وبه أتحدى العالم بقوته، ونتحداه بإسلامنا!

    واليوم يقال للمرأة المسلمة: إن هذه القوامة تسلط وسجن وإكراه، بدلاً من أن يقال: إنها حماية وإعزاز وإكرام وتقدير وغير ذلك، وهكذا نجد الأقاويل والكلمات تتردد في هذا.

    وهذه مضيفة هندية أسلمت في بلد عربي تقول عن الإسلام: إنه الوحيد الذي يرد للمرأة إنسانيتها، ويعترف لها بكرامتها التامة، ويحترمها ويمنحها كافة الحقوق، جذبني قول رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم: (ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم)، لقد علمت أن الإسلام يحض على الإحسان للمرأة، فقد كانت آخر وصية للرسول صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت: (استوصوا بالنساء خيراً)، أسلمت لأسترد كرامتي، وأستعيد إنسانيتي!

    وهكذا نجد الأقوال كثيرة من أولئك النسوة اللاتي قد سرن في تلك الحضارة ما سرن، وأدركن العلقم الذي شربنه، وأدركن الداء العضال الذي خرب دواخلهن وبواطنهن وأفسد عليهن عيشهن، ففئن إلى ظلال الإسلام ورحاب الحجاب والعفة والصيانة ونعيم الأسرة.

    أسأل الله عز وجل أن يردنا جميعاً إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا.

    اللهم إنا نسألك أن تعظم الإيمان في قلوبنا، وأن ترسخ اليقين في نفوسنا.

    اللهم زد إيماننا، وعظم يقيننا، وطهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأخلص نياتنا، وحسن أقوالنا، وهذب أخلاقنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وارفع مراتبنا، وامح سيئاتنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم إنا نسألك العفو والعافية المعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا.

    اللهم إنا نسألك أن تمكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، وأن تقمع أهل الزيغ والفساد، وأن ترفع في الأمة علم الجهاد، وأن تنشر رحمتك على العباد.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمتي الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه.

    اللهم احفظ لها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها، ورغد عيشها يا رب العالمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، ووفقنا لما تحب وترضى يا حي يا قيوم.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.