إسلام ويب

شموس الخيرات وظلم العثراتللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تطاول كثير من الناس -وخاصة أمراض القلوب- في أعراض المسلمين بألسنتهم، والأدهى والأمر أن يقع هذا الفعل ممن انتسبوا إلى العلم، فتصدروا المجالس ورموا العلماء وطلاب العلم بالنقائص، ولبسوا الأمر باسم الدين، والذب عن حمى السنة، وما وقع ذلك إلا بسبب سوء فهم، ونقص علم، وقلة فقه، وعدم إدراك لقواعد وضوابط الجرح والتعديل، وعدم النظر إلى سير السلف وإنصافهم للعلماء.

    1.   

    مسائل ينبغي التنبه لها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، الحمد لله على ما شرح به الصدور من الإسلام، وعلى ما طمأن به القلوب من الإيمان، وعلى ما لفظ به الألسنة من القرآن، نحمده سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين!

    وبعد:

    أحييكم بتحية الإسلام الطيبة المباركة، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    وأبدأ بشكر لجنة التوعية على ما هيأت من هذا اللقاء، وأبشكر الحاضرين على ما أسرفوا من حسن الظن، سائلاً الله سبحانه وتعالى في أول الأمر وفي مبتدأ القول أن يرزقنا الإخلاص في الأعمال، والصدق في الأقوال، والحسن في الأحوال، والنجاة عند المرجع والمآل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    الرجوع إلى المنبع الصافي في العلم

    من المهم في بداية هذا الحديث أن نبدأ بذكر مضمون هذا الموضوع؛ لأنه ربما لا يستشف من عنوانه المضمون الواضح الذي يرتسم في ذهن السامع أو في ذهن القارئ ابتداءً، وأحب أن أضرب لذلك مثلاً يجعله إن شاء الله مدخلاً إلى الحديث عن مضمون هذا الموضوع.

    لو تصورنا إنساناً بلغ به العطش غايته، وليس له من شراب ولا غيره أمداً طويلاً، فلنتصور حالته إذا أقبل على واحة أو على نبع من الماء، لا شك أنه يندفع اندفاعاً قوياً ويعب من الماء عباً، وهو يقصد في ذلك خير نفسه وصلاحها، ولكنه ربما لا يلتفت حينئذ إلى ما على هذا الماء، وما جاء إليه، وما اختلط به من بعض الأكدار التي جاءت من خارجه، وربما أيضاً أسرف في شربه بما قد يضره مع أن قصده المنفعة. ولو أنه تروى قليلاً، فأزاح ما قد يكون من الماء من الشوائب أو الأخلاط، أو عمد إلى منبع الماء الصافي، فأخذ قدر حاجته شيئاً فشيئاً لكان ذلك أصح له وأنفع له بإذن الله سبحانه وتعالى ولا شك.

    في الفترة الماضية من الزمان هاجت رياح التغريب، وجنح كثير من الناس في مزالق الشيطان، وأهواء النفوس، وضلالات العقل، وكثر البعد عن دين الله سبحانه وتعالى، ثم يسر الله سبحانه وتعالى هذه الصحوة المباركة التي نشاهد فيها الإقبال العظيم على الخير، والرغبة الجامحة في الاستزداة والاستفادة، والحمية والغيرة القوية على هذا الدين، وهذه كلها مقاصد حسنة، لكن كما أقبل العطشان، ربما لم يلحظ شيئاً من الأكدار، وربما أخذ بمقدار أكثر من الحاجة، وربما يقع له في مثل هذه الحال ما يقع لذلك الرجل.

    هذا هو مدخل موضوعنا، أن نحاول أن نرجع إلى النبع الصافي، وأن نحاول أن نستوضح من كلام الأئمة والعلماء ما يبين بعض مواطن الخلل التي قد نقع فيها، وبعض مواطن الزلل التي قد تزل الأقدام فيها، وهذا يتعلق بالذات بالأكثر وروداً، والأكثر تداولاً، وهو ما يتعلق بالتقويم والنصح والإرشاد، أو بالدفاع عن الدين والذب عن حياض الإسلام، فإنه ربما كان في مثل هذا الأمر ما يقع فيه الخلل، حتى قد يسرف الناقد فيأتي بما لا ينبغي، وبما لا يجدي، وقد يسرف أيضاً المتغاضي فيتهاون فيما لا ينبغي وفيما لا يجدي.

    وبالجملة: فإن مسألة التقويم ومسألة النقد والتصويب والتخطئة لا شك أنها من أدق المسالك ومن أصعبها، ومن أكثر المسالك التي قد يرد الخطأ فيها، ومن هنا فإنا أحببنا أن نبين بإذن الله سبحانه وتعالى ما ينبغي في مثل هذا الأمر من القواعد والضوابط، ومن الاسترشاد بالآيات والأحاديث، ومن ضرب الأمثلة من واقع تطبيقات الأئمة الموثوقين والمتبوعين والمرضيين من سلف هذه الأمة رضوان الله عليهم أجمعين، فإن الخير له نور، وإن للطاعة حلاوة، ونجد لصاحب تصويباً وتوفيقاً من الله سبحانه وتعالى يوقعه على الصواب، ويجنبه الخطأ والزلل في غالب الأمر، كما أن للمعصية ظلمة وسواداً في القلب، وربما تورث فساداً في الرأي، وخطأً في العمل؛ لأن لذلك آثار، ولذلك آثار وبهذا قضت سنة الله سبحانه وتعالى، ولكن الخير إذا كثر وكثرت أنواره فإن قليل الظلام من العثرات يعفى، بل قد يعم النور فلا يظهر لتلك العثرات أثر إلا لمن نقر وبحث في هذه العثرات، ومن هنا فإن حديثنا وموضوعنا هو فيما يتعلق بهذا الجانب المهم والخطير، الذي ربما يكثر مساحة الاختلاف والتنابز، أو التنافر، فعلينا أن نسعى جاهدين إلى قصد الحق، ورؤية ميزان العدل في مثل هذا الأمر، فنسأل الله جل وعلا الإعانة والتوفيق، وهو سبحانه وتعالى ولي هذه الأمور، وما يكون للإنسان فيها إن شاء الله من توفيق فمن الله، وما يكون من خطأ فمن الشيطان أو من نفس الإنسان، ومن إحسان ظن الناس به أن يلتمسوا له عذراً.

    لا عصمة لأحد من الخلق غير الأنبياء

    أول قضية مسلمة عند الجميع أنه لا عصمة لأحد من أهل الحق أبداً إلا للأنبياء والمرسلين، وأن الخطأ يجوز على بقية البشر من صغير أو كبير أو من جاهل أو عالم أو من تابع أو متبوع، بل هو محتم الوقوع، فينبغي أن نعلم ابتداءً هذه القضية، وأن نعلم أيضاً قضية أخرى لازمة لها، وهي أن منشأ وجود الخطأ إنما هو حكمة الله سبحانه وتعالى، وسنته في تباين الفهوم، واختلاف مدارك العقول، ويجوز في الدين الاجتهاد في كثير من المسائل التي يحتاج إليها، فلا عصمة لأحد، وهذه الأخطاء غالبها يقع بالاجتهاد الذي هو سائغ في هذا الدين، وله ما يؤسسه ويبينه، قال الشاعر:

    سامح أخاك إذا خلط منه الإساءة بالغلط

    من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط

    فجميع الناس -غير الرسل والأنبياء- لا يسلم أحدهم من نوع خطأ أو قليل هفوة أو بعض زلة يقع فيها، لكنها تغتفر في كثير حسناته، ويلتمس له فيها العذر؛ لأنه سار فيها وفق نهج الدين بالاجتهاد السائغ وفق شروطه، والله سبحانه وتعالى بين هذه الحكمة بقوله تعالى: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود:118] أي: في موارد الاجتهاد، وكذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم يبين ذلك فيقول: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) فهو في كلا الحالين مأجور، سواء أصاب أو أخطأ، لكن الأجر لا يتعلق بالإصابة والخطأ، وإنما يتعلق بالقصد الذي في قلبه، والنية التي بين جنبيه في أنه أراد إصابة الحق، وموافقة أمر الله سبحانه وتعالى، وسعى إلى قصد ما يحصل له به الثواب والأجر ورضا الله جل وعلا، وما يتجنب به من الوزر والإثم وسخط المولى سبحانه وتعالى.

    وهذا الموضوع طويل، والنقول فيه كثيرة، وما يسر الله لي جمعه قليل من كثير، وما سيقال لكم مما جمع قليل منه، فلعل هذا القليل من القليل يكون فيه إشارة إلى ما وراءه، ويكون مؤسساً إن شاء الله لما نهدف إليه من التبصير بهذا الأمر.

    ليس كل خطأ ينبغي التنبيه عليه

    الله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] فهذه الآية نأخذ منها أن كل أمر من قدح أو تزكية ينبغي فيه التبين والتثبت، لا التعجل والتسرع الذي قد يفقد الدقة في تصويب الأمر أو تخطئته.

    ونجد أن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم تبصرنا في إطار عام إلى بعض الأمور والقواعد التي توضح مسار هذا الأمر، يقول صلى الله عليه وسلم: (من ستر على مسلم في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة) وهو جزء من حديث طويل في الصحيح، فليس كل خطأ ينبغي التنبيه عليه، وليس كل زلة ينبغي نشرها وإذاعتها، وإلا لم يكن لهذا الحديث معنى عملياً ولا تطبيقياً، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر المدح، وعقب عليه بثبوت الأجر العظيم في الدنيا والآخرة، ولذلك شواهد يأتي ذكرها.

    ثم إن قصد التنبيه والتبيين لا يقتضي بالضرورة التشهير والتوبيخ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه كان إذا رأى أو سمع ما لا ينبغي أو ما ليس بصواب يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا كذا؟ ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟) فيحصل المقصود الأعظم -وهو بيان الخطأ والتنبيه من الوقوع فيه- مع تجنب التجريح، ومع تجنب ما قد يكون فيه نوع جرأة على حرمة المسلم، ونوع توغير للصدور، ونوع منافرة بين القلوب، ونوع تفرق في الصفوف، مما قد تكون آثاره أعظم وأخطر من هذه الزلة التي تم التنبيه عليها أو التشهير بصاحبها إذا صح التعبير.

    ونجد في هذا أحاديث وتطبيقات كثيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، منها: الحديث المعلوم في الصحيحين في قصة ماعز الأسلمي الذي زنى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، معلوم أنه جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام معترفاً بزناه يقول: يا رسول الله! زنيت فطهرني، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة واثنتين وثلاثاً، وفي الرابعة رأى إصراره على الاعتراف فلم يبادره رغم تكرره منه، وإنما قال له ملقناً له للحجة التي قد يدرأ بها الحد عن نفسه، ويبصره بأنه ربما لم يفهم ما يوجب عليه الحد، فقال له: (لعلك قبلت أو لعلك فاخذت، فقال له: لا يا رسول الله!) حتى في الرواية التي في صحيح البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم صرح باللفظ الصريح في معنى الجماع!

    فلما حصل كل هذا من الاعتراف أربع مرات ثم تعيين الفعل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبك جنون؟) لأنه يكون مسقطاً للحد عنه، ثم بعد ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استنكهوه)، يعني: شموا رائحته لعله يكون قد شرب خمراً خالط عقله فلم يدر ما يقول، (فاستنكهوه، فقالوا: ليس به شيء يا رسول الله، فحينئذ أمر به فرجم)، وفي بعض روايات مسلم أنه لما رجم هرب من شدة الرجم لكنهم لحقوه ورجموه حتى مات، فورد في بعض الروايات الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هلا تركتموه؟) قال بعض الشراح: أي: لعله يتوب ويرجع، فهذا يبين لنا عظيم ما ينبغي من الستر على المسلم. وفي رواية أنه جاء رجل إلى أبي بكر رضي الله عنه فاعترف بالزنا فقال له: (استر على نفسك وقد ستر الله عليك)، فلم يكن منه تشهير، بل حتى لم يكن منه إبلاغ للحاكم أو الإمام، لأنه داخل في مفهوم الستر متى ما تحصل المقصود، وهو وقوع الندم، وصدق التذلل لله سبحانه وتعالى، وعظيم الإخلاص في قصد التخلص من آثار هذا الذنب ولو بإقامة الحد الذي فيه إزهاق النفس، ثم إنه ذهب إلى عمر فقال له مثل ما قال له أبو بكر إنه ذهب إلى هزال فأخبره؛ فقال له: اذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى يقيم عليك الحد، فجاء في الروايات الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـهزال: (هلا سترته بردائك؟) وهذا يبين لنا أن الستر مطلوب، ما دام أنه لا يكون فيه الضرر العام الذي تحصل به الفتنة، والذي يستلزم الوضوح وتبيين الأمر، فلما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم معترفاً على النحو الذي أشرنا إليه أقام الرسول صلى الله عليه وسلم عليه الحد تنفيذاً لحكم الله سبحانه وتعالى، وبياناً لقضية أن الحد إذا بلغ الإمام فلا بد أن يقام.

    وكذلك قصة الغامدية نحوها، مما يبين لنا أن الأمر إذا كان يحتمل الستر، ومما لا يشيع أثره، ولا يعم ضرره؛ فإنه يكون الستر أولى، مع تقديم النصح والتذكير بالله سبحانه وتعالى، ومعلوم أنه لا يقر بالذنب، ولا يفضح أحد نفسه عند غيره إلا وقد حصل له من حرارة لسع أثر الذنب ومن حرارة قصد إرادة التوبة ما يحصل به المراد من إقامة الحد، وهو الرجوع إلى الصواب، والتطهير من الذنب.

    من قلت أخطاؤه غمرت في بحار حسناته

    نمر ونعرج من خلال نصوص السنة النبوية المشرفة على قضية أخرى وهي: أن كثرة الخير تغمر وتغطي قليل الخطأ والزلل، بل ربما كان للخير الأعظم والأكبر ما يغفر زللاً قد سبق، وزللاً قد مضى، ولذلك شواهد عظيمة في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    الأول: ما جرى من أمر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حينما أرسل إلى أهل مكة يخبرهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتحها، وأخبر الوحي رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، فأرسل علياً ومعه نفر من الصحابة وقال لهم: اذهبوا إلى روضة خاخ فإنكم تجدون امرأة معها كتاب فخذوه، فذهبوا فلما وجدوا المرأة أخذوا الكتاب قبل أن تصل به، وعادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاطب في مجمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يأخذه الرسول صلى الله عليه وسلم بالظنة رغم وضوح الفعل، ورغم صراحة وثبوت القضية -كما يقولون- بالأدلة المادية المحسوسة، ولكنه قال له عليه الصلاة والسلام مبيناً منهجاً عظيماً: (ما حملك على ما فعلت؟) ليبدي عذره، وليبين تأوله أو اجتهاده، أو ليعترف ويقر بذنبه، فقال ما معناه: إنه مؤمن بالله ورسوله، وأنه ما غير ولا بدل، ولكن الأمر أن له مالاً وأسرة، وليس له عند قريش من يحميهم، فأراد أن يجعل له يداً عندهم ينتفع بها، فحينئذ قام عمر رضي الله عنه بغيرته المعروفة، وبشدته الظاهرة المعلومة فقال: (يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: يا عمر ! ما أدراك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)؟ وقد كثرت أقوال الشراح لهذه المقالة وكلها تجمع على أن فضيلة التقدم في الإسلام، وشهود بدر، والمنافحة عن دين الله؛ كان لها الأثر أن تكون معفية لذنوب سبقت أو لذنوب تلحق، أو أنها تكون سبباً لصاحبها فلا يقع في العظائم، وربما يقع له بعض الهنات التي يغفرها الله سبحانه وتعالى له، وهكذا من كان له قدم صدق، ومزيد فضل، وغزير علم، وسابقة خير في الناس؛ ربما يكون له من الخير ما يعفي عنه أو ما يغطي عنه أو ما يقلل أثر الذنب القليل أو الخطأ اليسير بعون الله تعالى. ومن ذلك حديث عند الترمذي حينما جهز عثمان جيش العسرة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) وهذا شاهد على ما قلنا من قوله صلى الله عليه وسلم.

    ما جاء في صحيح البخاري ومسلم أن رجلاً كان اسمه عبد الله ولقبه الحمار ، وفي بعض الروايات لم يسم، وفي بعض الروايات أنه نعيمان أو ابن نعيمان ، كان يؤتى به وقد شرب الخمر، ثم يجلد، ثم يؤتى به مرة أخرى، وتكرر منه ذلك كثيراً، حتى قال بعض الصحابة: (لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) وهذه قاعدة عظيمة أنه قد يجتمع حب الله ورسوله وثبوت الإيمان مع حصول الخطأ والمخالفة، وهذه من المزالق العظيمة التي وقع فيها الخوارج وغيرهم حينما كفروا مرتكب الكبيرة، ونفوا عنه اسم الإيمان، فهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر عن رجل تكرر منه شرب الخمر، وحد فيه، أنه يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينهى عن لعنه، قال العلماء: إن كان مراد لاعنه اللعن المعروف -وهو الطرد من رحمة الله- فلا شك أنه منهي عنه بالجملة؛ لأنه يكفره به، وقد يقصد بلعنه توبيخه أو التشنيع عليه كما يكون بين الناس عندما يلعن إنسان إنساناً ولا يقصد الحكم عليه بالطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى، وفي بعض الروايات لهذا الحديث: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم) فإن مثل هذا الجرح أو مثل هذا السب أو مثل هذا التشنيع ربما يسبب أن الإنسان تأخذه العزة بالإثم فينجرف وراء الإصرار على المعصية، وقد كان يوشك أن يكون قريباً من حبل التوبة فيعتصم وينجو به بإذن الله سبحانه وتعالى.

    وهذه مقالة نفيسة لـأبي الدرداء رضي الله عنه، فإنه كان يقول: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، ولكن كونوا عوناً لأخيكم على الشيطان)، وهذه مسألة من المسائل التي نستشفها من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطبيقه.

    الثالث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) والمقصود بذوي الهيئات الذين اشتهر فضلهم في الناس، والذين بزغ نجمهم في المجتمع، والذين كثر خيرهم، فإذا وقعت لهم عثرة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، أن تقال عثرتهم، وألا تكشف سوأتهم؛ لئلا يذهب كثير خيرهم في الناس، ولئلا تنعدم قدوتهم في كثير من الخير الذي هم عليه عند الناس، ونص الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) إلا ما كان موجباً للحد، فإذا بلغ الحد الحاكم فلا تقال مثل هذه العثرة، إلا ما كان في باب التعزيرات، أي: ما يكون موجباً للعقوبة دون الحد، فللحاكم -عندما يكون الواقع في هذا الأمر من ذوي الهيئات- أن يسقط عنه التعزير الذي هو مقدر من عند الحاكم أو القاضي، ولذلك قال الشافعي في ذلك: ذوو الهيئة من لم يظهر منه ريبة. وقال العلماء في الاستنباط من الحديث: وفيه دليل على جواز ترك التعزير، وأنه غير واجب، يعني: لمن كان عليه هذا الأمر.

    وقد روى الترمذي وضعفه بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم) وهي قاعدة مقررة عند الفقهاء، وهي درء الحد ولو بشبهة، وهذا حديث من الأحاديث التي نستشهد ونستأنس بها في هذا الباب، وقد ذكر الماوردي في الحاوي الكبير في فقه الشافعية هذه القضية، وضرب لها أمثلة كثيرة.

    تجويز الكذب للإصلاح بين الناس

    عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: الرجل يكذب في الحرب -فإن الحرب خدعة-، والرجل يكذب بين الرجلين ليصلح بينهما، والرجل يكذب للمرأة ليرضيها بذلك) رواه الترمذي وأحمد .

    وشاهدنا منه أنك في بعض الأحيان قد تلطف القول، وقد تسعى للإصلاح، فتقول ما ليس بواقع حقيقة، فتجد من ينتقد ذلك أو ربما يشنع على هذا الفعل؛ لأنه يرى فيه تجاوزاً، ويرى فيه بعداً عن الغيرة عن الدين، ونحو ذلك مما يتوهمه، وهذا ليس بصحيح، فإن سفيان بن عيينة قال تعليقاً على هذا الحديث: لو أن رجلاً اعتذر إلى رجل فحرف الكلام وحسنه ليرضيه بذلك لم يكن كاذباً، لماذا؟ قال: يتأول الحديث: (ليس الكذاب من أصلح بين الناس) فإصلاحه ما بينه وبين صاحبه أفضل من إصلاح ما بين الناس.

    عمر رضي الله عنه وهو من نعلم شدته، ومن نعلم حرصه على إقامة الحق بكل وجه من الوجوه، روي أن رجلاً في عهد عمر قال لامرأته: نشدتك بالله هل تحبينني؟! قالت: أما إذ نشدتني بالله فلا، أي: ما دام المسألة فيها يمين وفيها قضية فاصلة فلا؛ لأنها لا تريد أن تكذب، فخرج حتى أتى عمر فأخبره، فأرسل إليها عمر فقال: أنت التي تقولين لزوجك: لا أحبك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين! نشدني بالله، أفأكذب؟! قال: نعم فاكذبي، ليس كل البيوت تبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب.

    هذا الموقف صح عن عمر وهو الشديد وهذا يبين لنا أثر المقاصد الحسنة في تجويز الكذب أحياناً، ما لم يكن في ذلك مخالفة لحكم صحيح أو تغيير لحكم من حل إلى حرمة أو نحو ذلك، فالمقصد الحسن يعفو عن قليل الكذب؛ ليصلح بين الناس، مع بيان الحق، والنصح للمسلمين.

    وجوب الذب عن عرض المسلم

    روى أحمد وأبو داود من حديث جابر بن عبد الله وأبي سهل الأنصاريين قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من امرئ يخذل مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته).

    قد يمر بك الطعن فيمن له خير وفضل، وفيمن لا يكون هذا الأمر الذي وقع فيه موجباً للتشهير به؛ فيكون هذا الحديث شاهداً لك، ودليلاً لك إن انتصرت له، وذببت عن عرضه، وبينت ما يلزم من الستر، مع التنبيه على أن الخطأ لا يصوب بحال من الأحوال، وأن الحلال لا ينقلب حراماً بحال من الأحوال، والتنبيه يكون مع لزوم الأدب، ومع الحرص على هذا الأمر. كان بين خالد بن الوليد وبين سعد بن أبي وقاص كلام، كما يحصل بين الناس عند الاختلاف، فتناول رجل خالداً عند سعد ، أي: ذكره بأمر، ومعلوم أن المذكور خالد ، والسامع سعد ، فربما يظن الظان أنه قد يفرح بذلك أو يسكت عنه؛ لأن بينهما شيئاً من الخلاف، فقال سعد : إن الذي بيننا لم يبلغ ديننا.

    فينبغي أن يكون الخلاف بيننا لا يؤدي إلى ما هو أبلغ منه وإلى ما هو أعظم منه في هذا الشأن.

    المسلم مرآة أخيه المسلم

    حديث عظيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعاً، ويروى عن أبي هريرة موقوفاً، عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة قال: (المؤمن مرآة أخيه، إذا رأى فيه عيباً أصلحه) وأما الرواية المرفوعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أيضاً من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن مرآة أخيه، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه) ومعنى (المؤمن مرآة أخيه) أنه مقوم له ومصحح لمساره؛ لأن الإنسان إذا لبس ثوبه نظر في مرآته ليصحح من وضعه، وليرى خطأه في ذلك، ويرى في المرآة ليستكشف ما لا يحب الاطلاع عليه؛ لأن العين لا تبصر جبهته، ولا تبصر وجنته، فيستعين بهذه المرآة، ولا شك أنه يحتاج إليها، ويفتقر إليها، فلو تصورنا أن في المرآة غبشاً أو نوعاً من الضباب أو نوعاً من الغبار فما تراه يصنع؟ هل تراه يعمد إليها، فيكسرها فيفقد خيرها فلا ينتفع بها ألبتة أم تراه يتلطف بها ويمسح عنها غبارها، وينظفها بكل أسلوب حسن يستطيعه حتى ينتفع بها؟

    إن كان فيها الغبار ولم يزله بقي عليها، وإن كسرها أو استغنى عنها لم يزل مفتقراً إليها؛ وكذلك الأمر ما بين المؤمن والمؤمن، ينبغي أن يكونا على مثل هذا الأمر. هذه جملة يسيرة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبئنا عن منطلقات مبدئية لولوجنا حول هذا الموضوع، وقد قال الله سبحانه وتعالى في أقسام الناس: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة:102] فرجا الله سبحانه وتعالى العفو لمن خلط ذاك بذاك. وقد عمم العلماء حديثاً من قاعدة فقهية تطبيقية إلى قاعدة معنوية في التقويم، وهو حديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، ما معنى لم يحمل الخبث؟ قد يكون فيه خبث ولكنه لا يضره، وكذلك من غلبت محاسنه وكان فيه قليل خطأ؛ فإن قليل الخطأ لا يضره مع كون الخطأ يبقى خطأً، ولا يفهم من قولهم: (لا يضره) أنه ينقلب إلى صواب.

    1.   

    قواعد وضوابط أسسها العلماء

    من المنطلقات السابقة نأتي إلى لب القضية، وجوهر الموضوع، وهي بعض الضوابط والقواعد التي أسسها العلماء من الأئمة الفضلاء، والسلف الصالح رضوان الله عليهم، الذين جمعوا غزير العلم، مع وافر التقوى وجليل الورع، وكان لهم -ولا شك- تميز عن كل من جاء بعدهم رضوان الله عليهم، وكما أشرت دأبنا إن شاء الله الاختصار والتعريج على المهمات قدر المستطاع.

    أعراض المسلمين حفرة من حفر النار

    يقول القاسمي : المعروف في سنن الاجتماع أن كل طائفة قوي شأنها وكثر سوادها لا بد أن يوجد فيها الأصيل والدخيل، والمعتدل والمتطرف، والغالي والمتسامح، وقد وجد بالاستقراء أن صوت الغالي أقوى صدى، وأعظم استجابة، لأن التوسط منزلة الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل من كل عصر ومصر، وأما الغلو فمشرب الأكثر، ورغيبة السواد، ولذلك كثر ما قد يكون بين المتباينين في الفرق حول هذا الأمر.

    ولا شك أن هذه القضية -قضية التقويم- مسألة فيها خطورة عظمى، نبه عليها الإمام ابن دقيق العيد في عبارة مهمة وقوية فقال: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام. ولماذا وقفت عليها هاتان الطائفتان؟ وقفت مضطرة لأن طبيعة عملها واللازم منها أن تكون فيها، لكنها وقفت على الشفير، فهي على خطر، فلذلك انتبهت لنفسها، واستعصمت بالحق حتى لا تزل قدم فتقع في هذه الحفرة الخطيرة، ولذلك يذكر ابن دقيق العيد وجوهاً من الآفات التي قد تعتري قضية الجرح والتعديل، أو التقويم والتصويب، فقال: هذه لها وجوه خمسة من الآفات:

    أحدها: الهوى والغرض وهو شرها، وكم من جرح نعلم أن مبعثه هو الهوى! قال: وهو في تاريخ المتأخرين كثير. يقول ذلك وهو من المتأخرين، فكيف بالمتأخرين جداً في عصرنا؟ فلا شك أن هذا التأخير -كما يقول أهل الرياضيات بالمضاعفات العددية- يسبب كثرته عندنا.

    الثاني: المخالفة في العقائد، فإن كل متخالفين في بعض الاعتقاد أو في بعض الاجتهاد يحصل منهم ذلك، أي: يحصل منهم التعدي بما يقع فيه مجانبة الحق والصواب.

    الثالث: الاختلاف بين أهل الباطن وأهل علم الظاهر في نقد بعضهم بعضاً في بعض الأحوال.

    الرابع: الكلام بسبب الجهل بمراتب العلوم.

    الخامس: الأخذ بالتوهم مع الورع، بمعنى: الأخذ بالظنة.

    ولذلك نبه أيضاً القاسمي على ما وقع في آخر الزمان، والقاسمي قريب منا في نهاية القرن الماضي، يقول: فترى من هذا أن التنابز بالألقاب والتباغض لأجلها الذي أحدثه المتأخرون بين الأمة عقوا به أئمتهم وسلفهم أمثال البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل ، ومن ماثلهم من الرواة الأبرار، وقطعوا رحم الأخوة الإيمانية الذي عقده الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، وجمع تحت لوائه كل من آمن بالله ورسوله، ولم يفرق بين أحد من رسله.

    فإذاً: كل من ذهب إلى رأي محتجاً عليه، ومبرهناً لما غلب على ظنه، وقد بذل فيه قصارى جهده، مع صلاح نيته في توخي الحق، فلا ملام عليه ولا تثريب؛ لأنه مأجور على أي حال، ولمن قام عنده دليل على خلافه، واتضحت الحجة في غيره أن يجادله بالتي هي أحسن، ويهديه إلى الرشاد، مع حفظ الأخوة، والتظافر على المودة والفتوة، والله سبحانه وتعالى يقول: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي [العنكبوت:46] ما قال بالحسنى وإنما: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46] وهم أهل كتاب، فكيف تكون مجادلتنا لمن هم أهل الإيمان وليسوا أهل كتاب؟! فإن كان عندكم لفظة هي قوله: (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فهي مرادة ومطلوبة فيما بين أهل الإيمان.

    الحالات التي يجوز فيها الجرح

    النقطة الأهم في قواعد الجرح والتعديل هي: متى يصح أن ننقض؟ ومتى يجوز الجرح والتعديل؟

    من المعلوم أن الغيبة محرمة، وأن الوقوع في الأعراض من أعظم الذنوب، وقد بين العلماء المواطن التي يجوز فيها ذلك، ثم بينوا القواعد التي تضبط هذه المواطن أيضاً.

    هذه المواطن ستة ذكرها الإمام الغزالي والإمام النووي رحمة الله عليهما، قالا بتوافق بينهما:

    الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية، يعني: إذا ظلمه إنسان لا يمكن أن يسكت ويذهب فيمدحه، فهو صاحب حق فله أن يقول: فلان ظلمني.. أخذ مالي.. فعل كذا وكذا.. فيذكر ما وقع من ظلم منه، فهذا لا شيء فيه.

    الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو منه إزالة المنكر: فلان يفعل كذا.. إن كان لا يستطيع أن ينكر عليه هو، أو قد استفرغ جهده ولم يقدر عليه.

    الثالث: الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي بكذا.. فما سبيل الخلاص؟ أو فعل فلان معي كذا وكذا.. فما أفعل معه؟

    الرابع: تحذير المؤمنين من الشر ونصيحتهم، وهذه مسألة مهمة، وهي متعلق كل من يخوض في هذا الباب، فإنه يدعي أنه ينصح للمسلمين، وأنه يذب عن حياض الإسلام، قالا: ومن هذا الباب المشاورة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته في عمل، أو إيداعه وديعة عنده، أو معاملته أو غير ذلك.

    ومنه جرح الشهود عند القاضي، وجرح رواة الحديث، فهذه كلها هدفها النصح للمسلمين، وتحذير المسلمين من الشر، وهو جائز بالإجماع، بل واجب للحاجة، لكن سيأتي تفصيل الحديث عنه، ومنه ما إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فينصحه ببيان حال الذي يذهب إليه، بشرط أن يقصد النصح ولا يحمله على ذلك الحسد والاحتقار، وهذه القضية دقيقة وحساسة:

    وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك

    يعني: كل إنسان يعلن أنه يريد نصح المسلمين، والذب عن الأخطاء التي تقع، لكن ينبغي أن يحاسب نفسه، هل هذا هو المبعث الصحيح أم أنه قد خالطه بعض الأخلاط والأغلاط مما لا يسلم منه من هوى أو منافرة ومخالفة أو شيء من الجفوة والغلظة التي تكون في الطبع أحياناً كما سيأتي الحديث عنه؟!

    الخامس: أن يكون الرجل مجاهراً بفسقه أو بدعته، فيجوز ذكره بما يجاهر به دون غيره من العيوب: وانظر إلى هذه المسألة، يقول: ما جاهر به نذكره، وما كان مستتراً به نستره على غرار ما فعل، فإذا جاهر، وهتك ستر الله عليه، وأتاح للناس أن يواجهوا ذلك بالتحذير منه؛ فلا ستر له حينئذ؛ لأنه قد هتك الستر بفعله، لكن هل نتجاوز هذا الحد ونخوض في كل أمر؟ لا.

    السادس: التعريف، أن يكون المقصد بذكر هذا العيب أو تلك العلة التعريف، كأن يكون الرجل معروفاً بوصف يدل على عيب، كالأعمش والأعرج والأصم والأعور والأحول.. وغير ذلك، إن كان لا يعرف إلا به، أما إن كان له اسم يعرف به أو شهرة تدل عليه فلا يصح هذا.

    فهذه الضوابط العامة التي يكون فيها مجال الجرح والتعديل، أو التقويم، أو ذكر المساوئ، أو بيان العثرات، هذه هي المجالات، لكن أين المجال الأكثر؟ التظلم معلوم، وطلب النصح معلوم، لكن الدقة في مسألة النصح للمسلمين، ومسألة الحرص على بيان الخطأ، ومسألة الحرص على ألا يلبس على الناس، هذه هي التي يكثر فيها الكلام، وتكثر فيها الدعاوى؛ ولذلك نأتي بكلام العلماء في التفريق الدقيق، وذكر القيود الضابطة الحساسة، كما أشرت إلى صاحب المثل حيث يحتاج إلى أن يزيح الأكدار حتى يصفو له النبع، فيأتي الأمر على وجهه، فيترك هذه الأخلاق ويذهب إلى النبع، فيحصل له المراد إن شاء الله.

    فرق الإمام القرافي في كتاب الفروق بين قاعدة الغيبة المحرمة والغيبة التي لا تحرم، وذكر هذا عند أحد الأسباب المجيزة للغيبة وهي النصح للمسلمين، فقال: ويشترط في هذا القسم أن تكون الحاجة ماسة لذلك، يعني: يكون هناك احتياج لأن تذكر هذا العيب، أما هكذا لمجرد التفكه والتندر وشغل الأوقات أو ظهور الفضل بذكر نقص الآخرين فهذا لا شك أنه من أخطر الوجوه، يقول: وأن يقتصر الناصح في ذكر العيوب على ما يخل بتلك المصلحة الخاصة التي حصلت المشاورة فيها دون غيرها، كأن جاءه رجل يشاوره في أمر الزواج، فيذهب ويذكر له عيوبه في البيع والمعاملة و..و..، والسؤال كان عن دائرة معينة، فينبغي إذاً في مسألة المشاورة ألا يتجاوز في ذكر العيب القضية التي سئل عنها، والتي يحتاجها السائل، فإن حفظ مال الإنسان وعرضه ودمه عليك واجب، وإن لم يعرض له بذلك، ثم ذكر الشروط فقال: الأول: احترازاً من ذكر عيوب الناس مطلقاً، وإنما على قدر المطلوب.

    الثاني: احترازاً أن يستشار في أمر الزواج مثلاً فيذكر العيوب المخلة بمصلحة الزواج، والعيوب المخلة بالشركة أو المساقاة، أو يستشار في السفر معه فيذكر العيوب المخلة بمصلحة السفر والعيوب المخلة بالزواج، كما يقال: ما صدق أن يفتح له الباب، فذكر كل ما يعرف، بل كل ما يسمع، فالزيادة على العيوب المخلة بما استشرت فيه حرام، بل تقتصر على عيب ما أراده منك السائل، فمثلاً يقول: إن كفى منك قولك لا يصلح لك، لم تزد عليه، إن كان الرجل أصلاً ما جاءك يستشيرك إلا وهو واثق بك، وقابل لحكمك، فإن كان يكفيه ويغنيه أن تقول: والله هذا لا يصلح لك، فليس لك أن تزيد على ذلك، فتقول: لا يصلح لك؛ ولأنه.. وتفتح قائمة طويلة لها لا منتهى لها! كلا، قال: إن كان يكفي قولك: لا يصلح لك، لم تزد عليه، وإن توقف على ذكر عيب وبيانه ذكرته ولا تجوز الزيادة عليه، أو على ذكر عيبين مثلاً اقتصرت عليهما، بمعنى: أنه لو كفى ذكر عيب واحد كان ذكر الثاني حراماً، فهذه من وجوه التفريق الدقيقة حتى لا يقع الإنسان غير المتنبه في المحظور.

    ومثل ذلك ما يقع أحياناً من كلام الناس فيما يقولون مثلاً: فلان الله يصلحه، أو دعونا منه، أو إنه عجيب، فيظن أنه لم يغتابه بشيء من ذلك! وما يظن أن ذلك من أقبح الغيبة.

    كذلك يذكر الزبيدي في مسألة جواز الغيبة أموراً أخرى أضافها على تلك الشروط السابقة: أن يكون ذلك مشروطاً بقصد الاحتساب وإرادة النصيحة، أي: تكون نيته الباطنة أنه يحتسب ذلك، ليس تحقيقاً لغرض آخر، وأن يخلص النصح لله سبحانه وتعالى؛ دفعاً للاغترار به، فمن ذكر أحد من تجوز غيبته في بعض الحالات تشفياً لغيظه أو انتقاماً لنفسه ونحو ذلك من الحظوظ النفسانية فهو آثم، ثم ذكر قصة عن ابن السبكي وعن والده، وهي قصة قد يراها بعض الناس مبالغة، وهي تبين أنه إذا ذكرت الجرح وفي نفسك شيء من الازدراء والاحتقار لهذا المخطئ، فقد وقعت في شيء من الحرام، يقول: صرح بذلك تاج الدين ابن السبكي عن والده، يقول: كنت جالساً في دهليز دارنا، فأقبل كلب فقلت: اخسأ كلب بن كلب، وهو صحيح، فزجرني الوالد من داخل البيت، يعني: نهاه، والسبكي ووالده من الأئمة والعلماء، فقلت: أليس هو كلب وابن كلب؟ قال: شرط الجواز عدم قصد التحقير، فقلت: هذه فائدة، فهذا الإمام ينبه ولده في حق الحيوان الذي لا عقل له: ألا يخالط قصده شيئاً من الاحتقار؛ لأنه من خلق الله، أو لأن فيه جزءاً من نفع أحياناً، ونريد بضرب هذا المثال أن يطبق هذا في الناس، ونريد أن نبين دقة السابقين في محاسبة أنفسهم، وتورعهم واحتياطهم.

    ضوابط الجرح والتعديل

    يقول القرافي أيضاً في التفريق بين الأمور المباحة والمحرمة في كتاب الفروق، وهو كتاب محتو على مباحث نفيسة:

    الأمر الأول: التجريح والتعديل في الشهود عند الحاكم إنما يجوز عند توقع الحكم بقول مجرح ولو في مستقبل الزمان، أما عند غير الحاكم فيحرم؛ لعدم الحاجة إلى ذلك، يعني: إذا جئت للحاكم أو القاضي لتشهد لأن شهادتك لها أثر في الحكم، فلك أن تشهد، وأما إن لم يكن لها أثر فلا، فإذا لم يكن ثمة قضية ولا حكم فليس من داع لأن تذكر هذا الأمر، قال: وكذلك رواة الحديث يجوز وضع الكتب في جرح المجروح منهم، والإخبار بذلك لطلبة العلم الحاملين لذلك لمن ينتفع به، وهذا الباب أوسع من أمر الشهود؛ لأنه لا يختص بالحكم أو بالحكام، بل يجوز وضع ذلك لمن يضبطه وينقله، يعني: هذه قضية عامة، فيها مصلحة دينية، فتذكر العيوب والجرح؛ لما يترتب عليه من النفع، قال: يجوز وضع ذلك لمن يضبطه وينقله وإن لم تعلم عين الناقل؛ لأنه يجري مجرى ضبط السنة والأحاديث، وطالب ذلك غير متعين، يعني: لا نعلم من الذي يحتاجه، فتبينها لكل أحد يأتي ليأخذ الحديث، فينتفع بها ليعلم الصحيح من الضعيف، ويشترط في هذين القسمين أيضاً: أن تكون النية خالصة لله سبحانه وتعالى في نصيحة المسلمين عند حكامهم في ضبط شرائطهم، أما إذا كانت لعداوة، أو تفكه بالأعراض، أو جريان مع الهوى فذلك حرام، وإن حصلت به المصالح عند الحكام والرواة، يعني: قد تحصل به المصلحة، لكن هو في ذاته قد يأثم إن لم يكن في نفسه هذا الأمر؛ لأنه قال: فإن المعصية قد تجر للمصلحة، وضرب مثالاً قال: كما يقتل الرجل كافراً ويظنه مسلماً، فإنه عاص بظنه؛ لأنه قصد قتل المسلم في نيته، وإن حصلت المصلحة بقتل الكافر، فالمعول عليه عند الله هو ما يستقر في النية، فأنت قد تجرح المجروح بشيء ينتفع به الآخرون، ولكنك إن لم تكن جرحته لذات الله سبحانه وتعالى، وللنصح الخالص دون هوى فإنه يقع عليك الإثم.

    الأمر الثاني: قال: اشترط أن يكون هذا في الاقتصار على القوادح المخلة بالشهادة أو الرواية، إن كنت في أمر الشهادة فتذكر ما يقدح في شهادة الشاهد، وإن كنت في أمر الرواية فتذكر ما يقدح في روايته، أما ما وراء ذلك من أمور خاصة أو من أمور لا تعلق لها بهذا فلا يجوز، فلا يقول مثلاً: هو ابن زنا، ولا أبوه زان، ولا غير ذلك من الأمور التي لا تتعلق بالشهادة ولا بالرواية.

    إذاً: لاحظ هذه الملامح الأولية لمسألة الجرح أو التقويم أو الكلام عن الناس، فهي مسألة دقيقة، وهي -كما قال القرافي:- كأكل الميتة، الميتة لا تؤكل إلا عند الاضطرار، وكذلك لا يخاض في هذا الأمر إلا عند الاضطرار، عند شدة الاحتياج وترتب المنفعة، الميتة إذا اضطر إليها إنسان هل يصنع منها وليمة يأكل منها ويطعم؟! لا، وإنما يأكل منها بقدر ما يرد به عن نفسه الهلكة، فإن غلب على ظنه أنه بما أكل منها قد اندفع الضرر عنه لا يحل له أن يزيد على ذلك، فهي مقدرة بقدر محدد، فكذلك هذه الحاجة والمصلحة إن وجدت فإنما يؤخذ منها بالقدر الذي يحقق المصلحة ولا زيادة، كما هو في شأن الميتة، ولذلك يقول الإسنوي: يعتبر الجرح أمراً صعباً، فإن فيه حقاً الله مع حق الآدمي، أنت تريد الإخلاص لله، والنصح لله، وكذلك هناك حق لهذا الإنسان، فإذا أخطأت في حق الله سبحانه وتعالى عنك يعفى، ولكن حق الآخرين إذا تشبثوا به فلا بد أن يؤخذ منك، قال: وربما يورث مع قطع النظر عن الضرر في الآخرة ضرراً في الدنيا، من المنافرة والمقت بين الناس، وإنما جوز للضرورة الشرعية، وحكموا بأنه لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة، ولا الاكتفاء بذكر الجرح فقط فيمن وجد فيه الجرح والتعديل كلاهما، يعني: ينبغي ألا يقتصر على ذكر المعايب أو المثالب أو وجوه الجرح، ويترك جانب التعديل وذكر المناقب والفضائل، بل إن كان قاصداً للنصح فليذكر كلا الأمرين، فإن كان من أهل العلم فله أن يجرح، وقد يخالفه غيره، وإن لم يكن كذلك فليبسط المسألة ليكون للناظر موضع تأمل وفرصة للتقويم والميزان، فلا يقع في ذكره جزء من الجزأين دون الآخر، حتى لا يزكي من لا تكون له تزكية أو يخطئ من لا تكون له تخطئة. العلماء أصلاً ما لجئوا إلى هذه المسألة إلا عن حاجة وضرورة ملحة، فما هو السبب الذي حملهم على أن يكتبوا في الجرح والتعديل، وأن يصنفوا في المآخذ على الناس؟ قال: وإنما ألزموا -العلماء- أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث، وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا؛ لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل وتحريم، أو أمر ونهي، وترغيب وترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته؛ كان آثماً بفعله، غاشاً لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع، أي: أنهم اضطروا لذلك لأن هذه المسائل يترتب عليها دين وحل وحرمة، ولكن وضعوا في ذلك القواعد مثل: لا جرح فوق الحاجة، ولا بد أن يكون الجرح بدافع ملح، وحاجة ماسة.

    الأمر الثالث: لا جرح إلا لمن يحتاج إلى جرحه لترتب أمر على جرحه، فلذلك قالوا: لا جرح إلا للرواة وأما غيرهم فلا، ولذلك ابن دقيق العيد تعقيب على ابن السمعاني في ذكره بعض الشعراء وقدحه فيهم فقال: إذا لم يضطر إلى القدح فيه للرواية لم يزده، لماذا تقدح فيه؟ هل هو صاحب رواية؟ هل هو ممن نقل الأحاديث فنحتاج إلى أن نعرف حاله؟ لا، فإذاً: لا نجرحه بذكر حاله ما لم يترتب عليه أمر يحتاج جرحه وقال الذهبي في الميزان ناقداً ابن الجوزي : قد أورده أيضاً العلامة ابن الجوزي في الضعفاء، ولم يذكر فيه أقوال من وثقه، وهذا من عيوب كتابه، يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق!

    الأمر الرابع: لا بد أن يذكر الجرح والتوثيق، قال الذهبي في ترجمة ابن المبارك: من غلبت حسناته فينبغي ألا تذكر سيئاته، ومن غلبت سيئاته فينبغي ألا تذكر حسناته، وكلا الأمرين لحكمة بالغة؛ لأن من غلبت حسناته إذا سلط الضوء على سيئاته ربما كان ذلك صارفاً للناس عن الانتفاع بتلك الحسنات، ومن لم يكن له حسنات ولا فضائل وإنما غلب عليه الفساد أو الخلل وله النادرة من الحسنات، والقليل من الأقوال الصائبات، فإذا أشيعت وأعلنت وشهرت فإنها ربما تكون مزكية له عند من لا يعلم حاله، ثم يتبعه ويقتدي به وهو على خلل أو خطأ كبير فهذه من القواعد المهمات.

    الأمر الخامس: أنه لا يصح الخروج والانتقال عن دائرة الجرح، بمعنى نحن في قضية معينة فلا نخرج إلى غيرها، فلذلك قال صاحب الرفع والتكميل: من عاداتهم السيئة أنهم كلما ألفوا سفراً في تراجم الفضلاء ملئوه بما يستنكف عنه النبلاء، فذكروا فيه المعايب والمثالب كما في ترجمة من هو عندهم من المجروحين المقبوحين، وإن كان جامعاً للمفاخر والمناقب، وهذا من أعظم المسائل، تفسد به ظنون العوام، وتسري به الأوهام في الأعلام.

    الأمر السادس: أنه ينبغي أن يكون الجرح في موطن الخصومة فقط ولا نزيد عليه، ولذلك ذكر بعضهم عادات بعض المخطئين فقال: من عاداتهم الخبيثة أنهم كلما ناظروا أحداً من الأفاضل في مسألة من المسائل توجهوا إلى جرحه بأفعاله الذاتية، نحن في مسألة علمية فما لنا ولذكر عقله أو تعامله مع أبنائه أو بيعه وشرائه؟! قال: وبحثوا عن أعمال عرضية، وخلطوا ألف كذبات بصدق واحد، وفتحوا لسان الطعن عليه بحيث يتعجب منه كل شخص، وغرضهم منه إسكات مخاصمهم بالسب والشتم، والنجاة من تعقل مقابلهم بالتعدي والظلم، بجعل المناظرة مشاتمة، والمباحثة مخاصمة، وهذا من أقبح العادات التي ينبغي التنبه عليها عند التعرض لمسألة التقويم، أو ذكر المحاسن والمثالب، فربما نجد أن بعض المتأخرين في مسألة علمية يطعن في ذات الشخص الذي خالفه أو في هيئته أو كذا.. ولو كان مصيباً فيه فهذا مما ينبغي ألا يخوض فيه؛ لأنه يتحدث عن مسألة فيها نصح للمسلمين.

    من الذي يقبل جرحه وتعديله

    من القواعد الخطيرة: من الذي نقبل جرحه وتعديله، ونقبل تقويمه وتصويبه، ونعتمد على توثيقه وتوهينه؟

    هذه المسألة مما كثر الخلط فيها، وكلما نجم ناجم أو تحدث متحدث بجرح تلقفته الألسن دون معرفة بناقله أو بقائله، حتى نعرف من الذي يتأهل لأن يكون متكلماً في التقويم، وفي ذكر الأخطاء والإصابات، لذلك شرطوا في الجارح والمعدل شروطاً، ليس كل أحد له أن يخوض في هذا الجانب، ومعظم هذه الشروط من الشروط النفيسة الدقيقة الغالية التي لا تتوافر لكل أحد، قالوا: يشترط في الجارح والمعدل العلم والتقوى والورع، والصدق والتجنب عن التعصب، ومعرفة أسباب الجرح والتزكية.

    إذاً: أولاً: العلم والتقوى والورع.

    الثاني: الصدق والتجنب عن التعصب، حتى لا يخالط هذا المقصد الأول.

    الثالث: معرفة أسباب الجرح والتزكية؛ لأنه إذا لم يعرف السبب الجارح فربما يجرح بما ليس بجارح كما سيأتي التمثيل له، ربما تجد إنساناً تسأله عن إنسان فيقول لك: لا يصلح بحال من الأحوال، لماذا؟ فتجده يذكر لك عيباً ليس من الكبائر، بل حتى لا يعد من الصغائر، بل ربما حتى يخرج عن دائرة السنن، وإنما هو من المتعارفات عند بعض الناس أو عند بعض أهل الخير من الناس، وهذا من أخطر المزالق، قالوا: ومن ليس كذلك لا يقبل منه الجرح والتزكية، يعني: لا يعتمد عليه؛ لذلك قال السبكي : من لا يكون عالماً بأسبابهما -يعني: أسباب الجرح والتعديل- لا يقبلان منه لا بإطلاق ولا بتقييد. يعني: سواء قال: فلان لا يصلح، أو قال: لا يصلح لأنه كذا وكذا.. لا يقبل منه؛ لأنه ليس بعالم بالسبب الذي به يجرح أو يخطأ الإنسان. وقال بدر الدين بن جماعة : من لا يكون عالماً بالأسباب لا يقبل منه جرح ولا تعديل لا بإطلاق ولا بتقييد. وقال ابن حجر رحمة الله عليه: إن صدر الجرح من غير عارف بأسبابه لم يعتبر به. يعني: كأنه لم يتكلم، وقال: تقبل التزكية من عارف بأسبابها لا من غير عارف، وينبغي ألا يقبل الجرح إلا من عدل متيقن، ولذلك ذكروا بعض التقويمات أو بعض الأمثلة، يقول الذهبي أيضاً مؤكداً على هذا الباب في تذكرة الحفاظ: حق على المحدث أن يتورع فيما يؤديه، وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته، ولا سبيل إلى أن يصير العارف -أي: الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم- جهبذاً إلا بإدمان -وهذه عبارة جميلة جداً- الطلب، والفحص عن هذا الشأن -يعني: حتى يكون صاحب خبرة بمواطن الخطأ، وكيف يقوم- وكثرة المذاكرة والسهر، والتيقظ والفهم، مع التقوى والدين المتين والإنصاف، والتردد إلى العلماء، والإتقان، وإلا فلا تفعل -يعني: إذا ما أخذت بهذه الأسباب-

    فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد

    ثم يكمل مؤكداً فيقول: فإن آنست من نفسك فهماً وصدقاً، وديناً وورعاً وإلا فلا تفعل، وإن غلب -انظر التتمة وهي أهم- عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب فبالله لا تفعل، وإن عرفت أنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله فأرحنا منك. هذا كلام الذهبي في تذكرة الحفاظ، وهو كلام مهم ينبغي أن يتوقف عنده المقدم أو الداخل إلى هذا الأمر والمتكلم فيه.

    متى يقبل الجرح والتعديل

    متى يقبل الجرح والتعديل؟ قد تتفق الشروط، وقد يكون المتكلم وهو من أصحاب الجرح والتعديل، فهل يقبل من كل أحد كل قول بلا استثناء أم أن هناك ضوابط لهذا الأمر؟

    ومن دقة العلماء وحرصهم على تمييز الخطأ من الصواب حتى يدخل الحلال في الحرام وضعوا لذلك ضوابط فقالوا: يقبل التعديل من غير ذكر السبب، أما الجرح فلا يقبل إلا مفسراً، عندما تقول: فلان لا يصلح، لماذا لا تبين لنا؟ إن لم يكن هذا الجارح من الأئمة المعروفين بتقواهم وورعهم، وعلم الناس دقتهم في معرفة أسباب الجرح والتعديل، فلا يقبل هذا الجرح على الإبهام، فكونك تقول: فلان لا يصلح أو ليس فيه خير، أو في دينه شيء، ثم لا تبين لنا ما نستطيع به أن نصحح قولك أو نخطئك في قولك؛ لا يقبل منك، لماذا؟ قالوا: لأن الجرح يحصل بأمر واحد فلا يشق ذكره، لو كنت صاحب حق فبين علة هذا الجرح بكلمة ليست طويلة، أما التعديل فيقبل بدون ذكر سبب؛ لأنك إذا أردت أن تزكي إنساناً فتقول: يصلي الصبح.. ويصلي العصر.. ويتصدق، وتعدد كثيراً من المناقب، فهذا يشق، والجرح يكفي فيه أسباب معدودة، فلذا يلزم عندهم التفصيل والبيان، وقد ذكروا أمثلة لبعض الأمور التي تبين لنا أنه قد يجرح بما ليس فيه جرح، فمنها: أنه قيل لـشعبة وهو أمير المؤمنين في الحديث، ومن أوائل من تكلموا في الجرح والتعديل: لم تركت حديث فلان؟ يستفسر منه سبب تركه لحديث راو، هذا القول! قال: رأيته يركض على برذون فتركته! فجعل هذا سبباً لأن يتركه، رآه يركض على البرذون يعني: أتى بأمر قد يعد من خوارم المروءة، ومما لا يليق؛ فتركته، قال الذهبي : ومن المعلوم أن هذا ليس بجرح موجب لتركه.

    ومن الأمثلة أيضاً: أن شعبة أتى المنهال بن عمرو فسمع صوت الطنبور في بيته، وهذا مثال قد يتكرر عندنا؛ فتركه، فلم يقبل منه العلماء جرحه، وقالوا: قد يكون عمل بغير إذنه وهو ليس موجوداً، وهو مباشرة جعل هذه القضية من باب التورع، نعم تورع لنفسك، لكن هل يعد ذلك جرحاً مؤثراً؟ الجواب: لا. ومنها أنه سئل الحكم بن عتيبة : لم لم ترو عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام، فهذا كان عنده من أسباب الجرح.

    ومنها أيضاً: أن جريراً رأى سماك بن حرب يبول قائماً فتركه، وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب إلى سباطة قوم فبال قائماً، وقد ذكر بعض العلماء أنه لعلة أو لعذر، والشاهد أنه أدخل هذا في أسباب الجرح، والتنبيه على مثل هذا كثير، قال الملا علي القاري: التجريح لا يقبل ما لم يبين وجهه، وقال ابن دقيق العيد بعد أن يوثق الراوي من جهة المزكين ثم يجرح جرحاً مبهماً غير مفسر، فمقتضى قواعد الأصول عند أهله أنه لا يقبل الجرح إلا مفسراً، ولكن نص علماء الحديث على أن الأئمة المنتصبين لهذا الشأن من المتقدمين -أي: إلى رأس المائة الثالثة- ينبغي أن يؤخذ كلامهم مسلماً؛ لأننا عرفنا علمهم واضطلاعهم واطلاعهم، واتصافهم بالإنصاف والديانة، مع الخبرة والنصح، وخاصة إذا توافقت آراؤهم في رجل، فلا شك أنا لا نحتاج إلى معرفة السبب، وبهذا قال كثير من الأئمة والعلماء.

    من ثبتت إمامته لا يضر جرحه

    من القواعد المهمة في الجرح والتعديل قاعدة ذكرها السبكي وقال عنها: إنها ضرورية ونافعة، قال: إنك إذا رأيت الجرح والتعديل، وكنت غير عالم بالأمور؛ فلا تحسب أن العمل على جرح هذا الرجل، فإياك وإياك! وذكر القاعدة المهمة، فقال: بل الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره؛ فإنا لا نلتفت إلى جرحه فيه، ونعمل فيه بالعدالة، ولو فتحنا هذا الباب وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون. وبذلك ينحسم كثير من الفساد بهذه القاعدة، وهي: أنه إذا كثر المزكون فينبغي أن نكون على حذر من الجرح الوارد، فإذا انضم إليه نوع شبهة من خلاف أو تعصب أو غير ذلك غلبنا جانب التزكية المتكاثرة، وأسقطنا جانب هذا الجرح اليسير.

    يقول أبو عمر بن عبد البر: الصحيح في هذا الباب أن من ثبتت عدالته، وصحت في العلم إمامته، وبانت ثقته، وبالعلم عنايته، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحه ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات، وأيضاً يقول السيوطي: أن الذهبي لم يذكر أحداً من الصحابة ولا الأئمة المتبوعين في كتابه ميزان الاعتدال، وهذا قد صرح به الذهبي فقال: وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً؛ لجلالتهم في الإسلام، وعظمتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة والشافعي والبخاري ، فإن ذكرت أحداً منهم فأذكره على الإنصاف، وما يضره ذلك عند الله ولا عند الناس؛ أي: لأن عنده من الخيرات الشيء الكثير، ومثل هذا الأمر يكثر الحديث فيه كما سيأتي في سرد الأمثلة في آخر حديثنا إن شاء الله سبحانه وتعالى.

    مسألة توجيه الجرح إلى الراوي

    من القواعد مسألة توجيه الجرح، وهذه مسألة نبه عليها ابن الوزير الصنعاني، وهي من القضايا المهمة قال: واعلم أن التعارض بين التعديل والتجريح إنما يكون عند الوقوع في حقيقة التعارض، أما إذا كان ليس هناك تعارض لو تمعنت فليس هناك إشكال، مثال ذلك: أن يجرح إنسان بفسق قد علم وقوعه منه، ولكن علمت توبته أيضاً، فحينئذ هذا الجرح لا قيمة له، لأنا علمنا أنه قد زال وقد رفع بتوبته وباستقامته على غيره، أو كان يقول بقول أو فتيا ثم رجع عنها، فلا تسارع بتلقف قوله دون أن تعرف ما استقر عليه حاله يوم أن تغير قوله؛ فلذلك ينبغي حين يتعارض الجرح والتعديل أن نعرف وجه الجرح ووجه التعديل، فربما يكون ذاك في أول الأمر وهذا في آخره، وذلك في قول، وذاك في قول آخر؛ فحينئذ ينحسم التعارض.

    قاعدة أخرى: إذا كان هناك نوع مخالفة فينبغي التروي والتحرز من قبول الجرح، فلذلك قال العلماء: إذا علم بالقرائن المقالية أو الحالية أن الجارح طعن على أحد بسبب تعصب منه عليه، فلا يقبل منه ذلك الجرح، وإن علم أنه ذو تعصب على جمع من الأكابر -يعني: على كثير من العلماء والأئمة- ارتفع الأمان من جرحه، وعد من أصحاب القرح، يعني: لا يصبح من أصحاب الجرح، ولكنه من أصحاب القرح، وهذا مما ينبغي التنبه إليه عند مسائل النقد أو التقويم.

    اختلاف العقائد بالنسبة إلى الجارح والمجروح

    مما يؤثر في الجرح اختلاف العقائد، قال بعض العلماء: ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما يخالف الجارح المجروح في الاعتقاد، وبسببها قد يظنه على زيغ كبير، والمسألة قد تكون فيها مندوحة أو مما يجوز فيه الاجتهاد، كما نعلم أن الاجتهاد موجود في نوعي المسائل العلمية والعملية، يعني في بعض مسائل الاعتقاد وفي بعض مسائل العمل، والذي يكون فيه الإجماع ويكون فيه التبين والمفاصلة -كما قال ابن تيمية- المسائل التي هي معلومة من الدين بالضرورة، ويندرج فيها بعض المسائل العلمية، وبعض المسائل العملية، والمسائل الأخرى يسوغ فيها الاجتهاد، وقد يقع فيها الاختلاف، وهي من دقائق الأمور، ويدخل فيها النوعان، فإذا كان هناك اختلاف بين الجارح والمجروح في هذا فينبغي التنبه والتيقظ، ولا يقبل جرح هذا مباشرة، ومن أمثلة ذلك قول بعضهم في الإمام البخاري إمام المحدثين: تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ، فقد نسبوا إليه هذا الأمر، وإذا كان البخاري نسب إليه أنه قال في مسألة قريبة من خلق القرآن وهي مسألة اللفظ، فيا لله وللمسلمين! أيجوز لأحد أن يقول: البخاري متروك وهو حامل لواء الصنعة، ومقدم أهل السنة والجماعة؟! ثم يا لله وللمسلمين أتجعل ممادحه مذام؟! فإن الحق في هذه المسألة معه، وهذا قد يقع في كثير من المسائل، وقد مثل له الأئمة كثيراً، ونحن نعلم أن البخاري وكثيراً من الأئمة أوردوا ووثقوا بعض أهل البدع من المعتزلة أو الشيعة أو الجهمية أو القدرية، وأخرجوا لهم أحاديث في كتبهم، وزكوهم من جانب الأخذ بالرواية، والصدق مع الصيانة والديانة، ولكن مع ذلك كانوا قد وقعوا في خطأ في العقيدة، لكن هو يظن نفسه على صواب، وهو من جانب الاحتياط في الرواية قد استوفى الشروط، فلذلك كانت رواية المبتدع لا ترد إلا إن كان داعية إلى بدعته، أو كان ما يرويه مما يشهد لبدعته؛ فحينئذ يكون مظنة الكذب أو مظنة تغيير الحقيقة عن وجهها.

    معرفة مدلولات ألفاظ الجرح

    من أهم المسائل في قضية الجرح والتعديل: مسألة المعرفة بمدلولات الألفاظ، وهي مشكلة خطيرة، تجد الإنسان يقول كلمة: فلان فيه كذا، وهو لا يعلم ما مضمونها، وعندما تحللها وتبين له أن هذه الكلمة قد تدل على كفر أو نحوه يقول: لا، أنا لم أقصد بها هذا، ما دمت لا تقصد بها هذا، فاعلم كلامك واعلم مدلولاته، ولا تلقي الكلام على عواهله، ولذلك تجد من السابقين والمتقدمين من الأئمة والأجلاء من قد يكون في ترجمته، بأنه كان من المرجئة، أو بأنه كان يتشيع، فليست هذه الكلمة على إطلاقها لها دلالة واحدة، فينبغي أن يعرف المدلول الذي تنتظمه هذه الكلمة، فإنه قد أطلق نوع من الإرجاء سمي إرجاء أهل السنة، وليس هو الذي فيه المذمة والمغبة، لأنه كان فقط مصادمة للخوارج، كان إرجاؤهم المقصود به إرجاء أهل الكبائر إلى الله سبحانه وتعالى، وعدم الحكم بتكفيرهم، فليس في وصف هذا بكونه مرجئاً شيئاً من ذلك. وكذلك كان يوصف الأئمة من السلف من أهل الكوفة بشيء من التشيع، وليس مقصودهم به التشيع الغالي، وإنما كون بعضهم كان يقدم علياً على عثمان ، وهو من أقوال بعض أهل السنة، فينبغي أن يعرف الموطن أو الكلمة وما مدلولها، ومثل ذلك أيضاً كلمة الصوفية، فإنها قد تشمل الحلول والاتحاد وهو من أعظم الكفر، بل هو أكفر من كفر النصارى كما ذكره ابن أبي العز ، وقد يكون مقصود المتكلم بها أحياناً مزيد الحرص على العبادة، ومزيد الزهد في الدنيا، ومزيد المواظبة على الأذكار مما قد لا يكون فيه بأس أبداً، أو يكون الغلط فيه يسير لا يقارن بما يكون مخرجاً عن الملة أو موجباً لكفر أو مقرباً إلى خطر عظيم، فينبغي التنبه لهذه المسألة، وهي من المسائل المهمة.

    كلام الأقران يطوى ولا يروى

    مسألة مهمة يؤكد عليها العلماء، يجب أن نقف عندها، وهي: كلام الأقران بعضهم في بعض، وكلمة الأقران: تعني: الأضداد المتساويين المتعاصرين، ومعلوم أن هذه القضية فطرية وبشرية، فالناس لا يخلون من اختلاف، حتى ولو كانوا من العلماء فقد يقع بينهم الاختلاف، وقد يكون الخلاف موجباً لنوع من الجرح الذي فيه نوع من القدح البالغ، ولذلك قال العلماء: كلام الأقران بعضهم في بعض لا أثر له، فاطرحه ولا تلتفت إليه، إلا إن كان ببيان، وتحقيق بقدر معين، وإلا فالغالب في كلام الأقران أنه لا أثر له سيما إذا عورض بجرح وتعديل آخر. مثال ذلك: قال الإمام مالك رحمة الله عليه عن محمد بن إسحاق: دجال من الدجاجلة، وهو من أهل العلم الصالحين، وأخطأ مالك في جرحه، قال الذهبي وغيره: فلا تلتفت إلى ذلك، فإذا كان لم يلتفت إلى كلام مالك في جرحه هذا مع ما هو عليه من غزارة علم وجلالة قدر، وقدرة استنباط، ومزيد ورع، فغيرهم من المعاصرين من باب أولى، فإن كلام الأقران والمتعاصرين في بعضهم لا يقبل، وذلك كثير جداً، كما كان بين السيوطي والسخاوي وكما كان بين ابن مندة وأبي نعيم حتى أجلة العلماء يحصل بينهم شيء من ذلك فما ينبغي التنبه له، حتى لا يقع الإنسان في الخطأ، وهذه مسألة مهمة، قال الذهبي في ترجمة عفان الصفار في ميزان الاعتدال: كلام النظراء والأقران ينبغي أن يتأمل فيه، ويتأنى فيه، وقال أيضاً في ترجمة ابن ذكوان : قال ربيعة فيه: ليس بثقة ولا رضا، مع أنه ثقة!

    يحكم على الإنسان بالأمر المعتاد لا بما طرأ عليه

    قال ابن حجر رحمة الله عليه في حديث: (ما خلأت القصواء وما هو لها بخلق): في هذا الحديث جواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ عليه غيره، بمعنى: من كان عادته الإحسان فيحكم عليه بالإحسان، وإن طرأ عليه بعض الإساءة، يقول: فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها، ويرد على من نسبه إليها، ويعذر من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله، فلولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحاً، ولم يعاتبهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لعذرهم في ظنهم، فوقف ابن حجر مع ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم في قول الصحابة عنها: خلأت القصواء، ليستنبط أن الأمر المعتاد الشائع هو الذي يحكم به، ولا يلتفت إلى الخطأ اليسير، فيجعل هو الحكم المميز، وهذا مما يشهد لما قلنا في هذا الباب.

    والأمثلة على ذلك كثيرة جداً نعرج على بعضها سريعاً: ترجم الذهبي لـقتادة بن دعامة السدوسي فقال عنه: إنه كان يرى القدر، يعني: في بعض المسائل قدري، والقدرية -كما في حديث- مجوس الأمة، ثم قال الذهبي : ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه؛ يغفر له زللـه ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك.

    وأيضاً يقول حينما ترجم لـمحمد بن نصر المروزي : ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له قمنا عليه، وبدعناه، وهجرناه؛ لما سلم معنا لا ابن نصر ، ولا ابن منده ، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين.

    ثم ذكر ترجمة ابن خزيمة ، وهو من أئمة أهل السنة والجماعة، وهو صاحب كتاب التوحيد الذي قرر به أكثر مسائل الصفات على مذهب أهل السنة والجماعة، ومع ذلك تأول.. قال الذهبي : وكتابه في التوحيد مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة: (يخلق الله آدم على صورته) ثم قال بعد ذلك تعقيباً على هذا: فليعذر من تأول بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده -مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق- أهدرناه وبدعناه؛ لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه.

    فهذه مسألة قد يكون الخطأ فيها ظاهراً، وقد يعتبرها الإنسان كبيرةً، لكنه قالها مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق، فيعذر، وأمثلة هذا الجانب بالذات على وجه الخصوص كثيرة، فإنه قد وقع من بعض أئمة العلماء من أهل السنة والجماعة تأويل في بعض المسائل، ويمكن أن ينظر ذلك في كتاب: المفسرون وموقفهم من التأويل والإثبات في آيات الصفات، فإن فيه أمثلة مطردة وواضحة في هذا الباب.

    أبو حامد الغزالي رحمه الله ترجم له الذهبي، فذكر بعض إنصافه، بعد أن ذكر أخطاءه ومناقضته له ومخالفته له قال: قلت: الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ، وقال أيضاً: قلت: ما زال الأئمة يخالف بعضهم بعضاً، ويرد بعضهم على بعض، ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل. وقال أيضاً: فرحم الله أبا حامد فأين مثله في علومه وفضائله، ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليده في الأصول، نعم؛ نخطئه فيما أخطأ، ولكن لا ننكر فضله، ولا نغير القول فيه.

    وقد قال ابن تيميةعنه: وهذا الرجل -مع حسن قصده، ووفور ذكائه- لم يكن له حظ من السنن، فوقع في بعض الأخطاء. والسبكي مع كونه من محبيه ومن المنتصرين له عقد في ترجمة الغزالي في طبقات الشافعية فصلاً طويلاً ذكر فيه كل الأحاديث الموضوعة التي في إحياء علوم الدين، مع كونه أثنى عليه، وبين كثيراً من محاسنه.

    1.   

    مسائل وقواعد مهمة في قضية التبديع

    لا بد من الإشارة إلى مسألة لها أهمية كبرى، وهي: قضية الدوائر التي تدخل في مسألة الجرح والتعديل، فإن بعضها أهون من بعض، لأن الناقد قد يشمل دائرة غير مقبولة وهي دائرة التفسيق أو ذكره بفسق أو كذا، ولكنها دائرة سهلة بالنسبة لدائرة أخرى أعظم وأخطر: وهي التبديع ورميه بالبدعة، والأخطر والأعظم -وهي على قمة الخطورة- دائرة الرمي بالتكفير والإخراج من الملة، وفي كل هذه المسائل جملة من الأقوال ربما يكون الوقوف عليها مطيلاً للحديث، لكن نكتفي بذكر قضية التبديع؛ لأن قضية التفسيق قد ذكرنا كثيراً مما يتعلق به، وقضية التكفير يبدو أن التعظيم لها في القلوب حاصل، ولكن قضية التبديع يحصل منها تساهل، فنذكر منها أموراً مهمة:

    كيفية التعامل مع صاحب البدعة إن حكم ببدعته

    كيف يجب التعامل مع صاحب البدعة إن حكمنا ببدعته؟

    كان القاسمي رحمة الله عليه يسميهم المبُدَّعِين، قال: لأنهم قد يرمون بالبدعة وليسوا أهل بدعة، فمن أول هذه الجوانب: لزوم أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، ونصحه لدلالته على الخير، وشاهد ذلك ترجمة موسى بن حزام شيخ البخاري ، كان في أول أمره ينتحل الإرجاء، ثم هداه الله تعالى بـأحمد بن حنبل ، فانتحل السنة وذب عنها، وقمع من خالفه، فكانت صحبة أحمد بن حنبل موجهة له للصواب.

    الأمر الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا كان هذا مبتدعاً تدعوه إلى السنة، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلى شر منه، فتنهاه عن هذه البدعة، وإن كنت تعلم يقيناً أنه سيقع فيما هو أعظم منه فاتركه، وقد ذكر هذا الكلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم.

    الأمر الثالث: يجب أن يقر له بالإسلام، وأن ينصر على الكفار، وأن يعان على من يظلمه، وأن يفضل على من هو أكثر منه ضرراً، فإن كان هو صاحب بدعة صغيرة فهو خير من صاحب البدعة الكبيرة، وينبغي التنبه لهذه المسألة، قال تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] قال شيخ الإسلام : فنهى الله أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا عليهم، فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع من أهل الإيمان، فهو أولى ألا يحمله ذلك على ألا يعدل فيه وإن كان ظالماً له، وهذا موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا.. إلى أن قال: والبدعة مقرونة بالفرقة كما أن السنة مقرونة بالجماعة.

    والأمثلة على هذا في تراجم العلماء كثيرة جداً، ومن هذه التطبيقات تطبيق للإمام ابن تيمية رحمة الله عليه حينما لم يخض في أعراض وتجريح من كانوا سبباً في إيذائه! وتفضيل المبتدع على من هو أكثر منه ضرراً شاهده قول الله سبحانه وتعالى -وهو استنباط لطيف من الإمام ابن تيمية -: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ من يشاء [الروم:1-5] ففرح المسلمين بانتصار الروم على الفرس -وكلهم كافر- دليل على هذه المسألة، فينبغي التنبه لهذه المسائل.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بأيدينا إلى طريق الحق والصواب، وأن يلزمنا الميزان العدل، وأن يجعل في قلوب كل من يتصدى للتصويب والتخطئة الإخلاص لله، والتجرد عن كل ما لا يكون مقبولاً في مثل هذا الأمر من نوع مخالفة أو هوى مما ذكرناه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل فيما ذكرنا نفعاً وفائدة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خير الجزاء.

    1.   

    الأسئلة

    حكم التوضيح عن بعض الدكاترة في الجامعة

    السؤال: كثيراً ما يدار السؤال بين الطلاب عن الدكاترة، وعن طلب النصح عن كيفية سلوك هذا الدكتور من الناحية العلمية أو شيء من هذا القبيل، فهل الجواب بالحق -وإن كان قدحاً سيئاً- يكون من باب الغيبة المحرمة، مع أن ذلك من باب النصيحة للسائل مع الصدق؟

    الجواب: سئل بعض المشايخ عن هذه المسألة فقال: لا تخرج هذه المسألة من عموم النهي عن الغيبة، ولكن المسألة قد تكون في أنه يستنصح في مسألة معينة، أي: فيما يتعلق بالتجربة أو الفهم، هل هذا المدرس يحسن الطرح والإلقاء أو لا؟ فلا بأس في هذا، أما أن يخرج إلى شيء آخر، كأن يقول لك: هذا الدكتور دائماً مقطب الجبين، ودائماً هو كثير الصياح، فهذه مسألة أخرى، ولكن إن استشاره في ما قلنا، وكان يحصل الجواب بمجرد أن يقول له: هذا لا يصلح لك، أو لا تسجل عنده، فيكفيه ذلك، وإن كان يبدو لي أنه إن سأل أو لم يسأل فنظام التسجيل يلجئه أن يدرس حتى عند من لا يرغب فيه، والله أعلم.

    موقف طلاب العلم من كلام العلماء في بعضهم البعض

    السؤال: هناك بعض الشباب صغار السن وقليلي العلم يقومون باتهام بعض الشيوخ والعلماء، أو يقومون بالتشهير بهم أو ببعض مؤلفاتهم، وهناك بعض الكتب تخرج في الرد على بعض العلماء من بعضهم الآخر، فما موقفنا تجاه هذه القضايا؟

    الجواب: من لا يحسن السباحة لا يذهب إلى الأماكن العميقة، بل يسبح على الساحل، وقد ذكرنا أنه لا يقبل الجرح إلا من عالم به، وعالم بأسبابه، وعالم بمدلولات ألفاظه، مع التيقظ والتنبه، إضافة إلى الورع والتقوى، وحينئذ لا يقبل بحال من الأحوال قول من لا علم له، أو ليس له بصيرة، أو من لا يعرف هذه الأمور، سواء جرح عالماً كبيراً أو صغيراً، بل ينبغي أن ينصح ألا يقع في هذا الأمر، وكما ذكر ابن دقيق العيد حيث قال: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، يقف على شفيرها المحدثون والحكام. فإن استسهل ذلك وتجرأ عليه فإنه في خطر عظيم.

    وأما كلام العلماء فيما بينهم، فكما ذكرنا: إن كان الجرح في العلماء من غير بيان وتفصيل يستطيع الإنسان من خلاله أن يستنبط أن هذا قد أخطأ فعلاً أو جانب الصواب؛ فإنه كما قيل في كلام الأقران: لا يؤخذ قول بعضهم في بعض، وكذلك إن لم يكن المطلع على المسألة ممن يعرف المسائل، وممن يعرف دلالات الألفاظ، فإنه لا يفهم أيهما أحق، وأيهما ينتصر له، فلذلك ليس له أن يعلو إلى فوق مقامه، فهو لا يريد الآن فقط أن يرتقي إلى مقام هذا العالم وهذا العالم، بل يريد أن يرتقي إلى منزلة أعلى منهما لينظر من علم، فيرجح بين هذا وهذا، فإن لم يكن بالغاً منزلة واحد منهما فكيف له أن يحكم بينهما؟!

    فلا شك أن كلام العلماء فيما بينهم ينبغي أن يتورع الإنسان عن الخوض فيه، إلا إن كان قد تمكن من العلم أو استقصى في المسألة، أو ركن إلى من يثق بعلمه وتقواه ممن قد يرجح له الصواب على الخطأ، مع اعتقاد أن وقوع الخطأ ممن أخطأ لا يعني إهداره بالجملة، ولا يعني القدح فيه؛ لأن موارد الاجتهاد كثيرة، ولأن العصمة ليست لأحد، ولأن الخطأ وارد ومطرد على الناس.

    وهذه الخلافات فيها نوع من الآفات التي تشوش ذهن الشباب أو من ليس له حظ من العلم، فينبغي أن يعرف الأصول التي يحتاج إليها، ومما يذكر في هذا المقام قصة المزني مع شيخه الشافعي ، لما سأله فقال: مسألة حاكت في نفسي من أمر التوحيد قلت لا يجيبني عنها إلا أنت، وجاءه وهو في المسجد في مصر، فسأله عن هذه المسألة، وهي مسألة غريبة، فقال: هل تعلم نجماً في السماء متى يطلع؟ ومتى يبزغ؟ قال: لا، قال: هل تعرف متى النجوم كذا..؟ قال: لا، فسأله مسائل وهو يقول في كل منها: لا، ثم قال: فهذه مخلوقات الله تعلمها ولا تعرف كيفية بزوغها وأفولها، فكيف تسأل عن فعل الله سبحانه وتعالى؟! ثم سأله بعد ذلك وهو شاهد الحال عن مسألة في الوضوء، فلم يحسن الجواب فيها، قال: ففرعها لي على أربعة أوجه فما أصبت فيها، فقال: مسألة تحتاج إليها في كل يوم خمس مرات لا تعلمها، وتتكلف علم ما ليس لك به علم!

    فهذه الخلافات ينبغي ألا تشوش على المبتدئ، وينبغي أن يأخذ الأصول، وأن يعرف ما قد يكون جاهلاً به من أركان صلاته أو أركان وضوئه أو ما يتعلق به، وهذا أمر مهم.

    الأمر الثاني: ألا يؤدي ذلك إلى فرقة، وإلى تنازع بين الأمة، وتشتيت لجهودها.

    الأمر الثالث: ألا يصرف هذه الملاحظات، وهذا النقد عن توجيه سهام النقد، وبيان الزيف والخطأ فيما هو خارج عن دائرة كلام العلماء، بمعنى: أن يصب في دائرة كلام الأعداء الذين يثيرون على الإسلام الشبهات التي يلقونها، والرد على من نعلم جميعاً أنه لا يقصد خيراً، وأنه صاحب هوى، وله غرض سيء، فينبغي ألا يشغل مثل هذا عما هو أهم وأعظم من ذلك الأمر.

    قال العلماء: الإنسان ينبغي دائماً أن يكون مخلصاً لله، فحينئذ يبصر بإذن الله سبحانه وتعالى مواطن الصواب في مثل هذه الأمور، وهذه المسائل قد عمت بها البلوى إلى حد كبير، لكن من رجع إلى كلام السابقين، وإلى تصرفاتهم، وإلى جرحهم وتعديلهم، وإلى مواقفهم عند الاختلاف ربما لاح له كثير من النور والضياء، والمواقف التي يستطيع -إذا استمسك بها واسترشد بها ورجع إليها- أن يكون إن شاء الله على الحق، ولا يخوض في مثل هذه الأمور بما يشغله عما هو أعم له وأنفع له، والله أعلم.

    كيفية التعامل مع الكفار والمبتدعة في المعاملات الدنيوية

    السؤال: أضطر في بعض الأوقات أن أتعامل في عملي مع من هم مخالفون لي في عقيدتي أو من أهل الكتاب من النصارى، فكيف أعاملهم؟

    الجواب: على ما ذكرناه عن ابن تيمية في استنباطه من قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] فلا بد من إعطاء الحق الذي للإنسان، وإعطائه الأمر الذي له دون أن يكون نوع الخلاف داعياً إلى الظلم والاعتساف، وهذا أمر مقرر، فمثلاً أهل الكتاب لهم ذمتهم في دولة الإسلام، ولهم أحكامهم، وأيضاً لهم نوع من المعاملة كما قال الله سبحانه وتعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، وفي بعض الأحاديث: (اضطروهم إلى أضيق الطرق) أي: حتى لا يكون مظهراً لعزة، ولا متعالياً في مجتمع المسلمين، حتى قال بعض الفقهاء في الجزية حينما تؤخذ: ينبغي أن تكون يد المسلم من أعلى عندما يأخذ الجزية من الذمي، وتكون يد الكتابي أدنى، حتى يتحقق قوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) فمثل هذا من أحكام الإسلام، لكن لا نتجاوزه إلى غير ذلك، فقد ثبت إحسان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليهود الذين عاصروه في المدينة، بل ثبت في الصحيح في قصة الغلام اليهودي الذي حضرته الوفاة، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: (أسلم وقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأبوه عند رأسه فقال له: أطع أبا القاسم) فشهد شهادة الحق فتوفاه الله على الإسلام.

    وكذلك قصة عمر رضي الله عنه مع اليهودي حينما رآه وهو كبير في السن يطلب الناس فقال: أخذنا منه جزيته في شبابه، وما أنصفناه في شيبته، فأمر له بعطاء من بيت المال.

    ومعلوم في شرع الله سبحانه وتعالى أن من مصارف الزكاة المؤلفة قلوبهم، ومن أصنافهم قوم غير مسلمين يرجى تألف قلوبهم وتحبيبهم في الإسلام، وتعرفون قصة صفوان بن أمية رضي الله عنه حينما أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام من غنائم حنين فقال: (كان رسول صلى الله عليه وسلم أبغض الناس إلي، فما زال يعطيني ويعطيني حتى صار أحب الناس إلي).

    فينبغي التنبه لهذا، ولا يكون الإنسان فقط مندفعاً بحكم الغيرة أو بحكم الدفاع عن الدين فيتجاوز حدود ما حده له الدين، وعلى هذا فقس: فكل من خالفك في أمر اعتقادي، فإنه ربما يكون معذوراً عند الله سبحانه وتعالى، وأنت لا تعلم نيته، وربما يكون قد استفرغ جهده، فعليك بنصحه وإرشاده، وعليك بإثبات الإسلام له إن لم يكن قد ذكر أو قال القول الذي يكفر به كفراً صريحاً عندك من الله فيه برهان، وعليك أيضاً بتفضيله وتقريبه على من هو أشد منه ضرراً، وعليك أيضاً ألا تؤدي معاملتك له إلى بدعة أعظم، كما قال الإمام ابن تيمية: ترك الصلاة خلف المبتدع إذا كان فيه مصلحة لأن يتغير حاله أو أن الناس سيغيرونه أو كذا فالأولى هجره، قال: وإلا فهجره ورد بدعته بالهجر يكون فيه نوع ابتداع؛ لأنه ما أدى الفائدة التي يريد بها التقويم والإصلاح. كذلك ألا يؤدي هذا التعامل إلى ما هو أعظم من بدعته، وأكثر شراً، وهذه مسائل دقيقة إذا استطاع الإنسان أن يحسن فيها فهو توفيق من الله عظيم، وينبغي أن يراعي إصابة الحق وأن يراقب الله سبحانه وتعالى ما استطاع في مثل هذه الأمور، والعلماء قد غضوا في مسائل الاختلاف في العقائد عن بعض المسائل الكبيرة، قال القاسمي: وقد روى البخاري عن رءوس من المعتزلة والشيعة والقدرية والمرجئة لأنه وثقهم، ولم يكونوا دعاة بدعة، ولم يكونوا يستحلون الكذب، وكان عندهم صيانة وورع، وربما كان لهم في هذا ما يعذرون به عند الله سبحانه وتعالى إن قصدوا الحق، فينبغي التنبه لهذا فإنه أمر عظيم، والله أعلم.