إسلام ويب

مجتمعاتنا والصيفللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعتبر الإجازة الصيفية أكثر أيام الشباب فراغاً من شواغل الدراسة ونحوها، إلا أن كثيراً منهم يعمرها بالسهر والكسل واللهو والنوم وكل غث غير مفيد، مع أنه كان يعد هذه الأيام فيما مضى لكل سمين نافع، ومع ذلك ما إن تأتي هذه الأيام إلا وينسى أو يتناسى ما وعد به نفسه ومناها، فلابد من استغلال المواهب والطاقات، وتوجيه الشباب للنهوض بالأمة، واللحاق بركب الحضارة، والتخلي عن سفاسف الأمور وغثائها.

    1.   

    مظاهر وصور التهاون في الصيف

    الحمد لله، الحمد لله الموصوف بصفات الكمال، المتفرد بالعزة والجلال، منه المبتدى وإليه المرجع والمآل، حبب إلينا الإيمان ودعانا إلى صالح الأعمال، وكره إلينا الكفر وحذرنا من سوء الفعال، أحمده سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال، وفي كل آن، وله الحمد في الأولى والآخرة.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وبعثه كافةً إلى الناس أجمعين، وجعله رحمةً للعالمين.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون!

    على أبواب الصيف يتجدد الحديث عن مجتمعاتنا والصيف، ذلك أن أموراً وأحوالاً وأوضاعاً كثيرة ربما يقع فيها كثيرون وهي مما ينبغي أن ينتبه له المسلم، وأن يحذر منه المؤمن، لأنه لا يليق به ولا يتناسب مع غاياته وأهدافه، ومع سماته وصفاته.

    وكثير من الإخوة قد أشار إلى التنبيه على بعض هذه الأمور لأهميتها، وحرصاً على أن نكون -بإذن الله عز وجل- في موضع طاعته سبحانه وتعالى، وفي أسباب طلب العز والنصر والقوة لهذه الأمة التي لحق بها كثير من الضعف، وتمزقت أوصالها، واختلفت آراؤها، وحل بها كثير من غضب الله سبحانه وتعالى؛ بسبب تفريطها في طاعته، وتقصيرها في التزام منهجه.

    إن هناك ظواهر كثيرة أحب أن أقف على بعض منها بشيء من الوضوح والصراحة، وبتسليط الضوء على الأسباب التي تؤدي إلى هذه الظواهر، ومن خلال رؤية إلى بعض صور العلاج لها.

    إدمان السهر والانشغال باللهو

    كثيراً ما يرتبط بالأذهان أن إجازة الصيف هي خلو عن أي عمل، وترك لأي طلب أو أخذ أو زيادة في العلم، وهذا يظهر أكثر في صفوف طلاب المدارس والجامعات الذين تتوقف دراستهم؛ فيرى أحدهم أن نظره في كتاب، أو مطالعته في مسألة، أو مراجعته لمنهج من المناهج كبيرة من الكبائر، وعظيمة من العظائم، وتسلط في أذهان كثير من أبنائنا وشبابنا أن هذه الفترة رغم امتدادها وطولها، ورغم وجود الفراغ فيها، ورغم تهيؤ كثير من الأسباب النافعة خلالها: أنه ينبغي لهم أن يكونوا عطلاً من كل علم وعمل، ونجد ذلك يتمثل في صور عمليه، وظواهر اجتماعية كثيرة: منها:

    السهر والعبث: فنحن نرى كثيرين في هذه الأوقات لا ينامون إلا بعد الفجر، أو ربما بعد انبثاق النور وبداية النهار، وذلك ليناموا بعد ذلك سائر يومهم، ونجد هذا السهر عابثاً ليس فيه شيء ينفع ويفيد في غالب الأحوال، بل فيه لغو باطل، وكلام لا نفع فيه، وربما وقع فيه اجتماع على بعض صور وأعمال من معاصي الله عز وجل، وربما يكون فيه كثير من أسباب الأذى؛ ولذلك نجد هذه الصورة تبرز لنا لتدلنا على هذا التعطل والبطالة.

    وصورة أخرى نراها أيضاً تابعة لها، وهي النوم والكسل: فلا انشغال بعمل، ولا ارتباط بهدف، ولا سعي لإنجاز مهمة، بل لو كان هناك وقت غير النوم فإنه يقضى في الفراغ الذي لا جدوى فيه ولا نفع.

    ونجد أيضاً صورةً ثالثة: وهي التفاهة والأذى التي نجد فيها كثيراً من الشباب والشابات، رغم سهرهم وعبثهم، ورغم نومهم وكسلهم، يفيض الوقت لكثرته، فلا يقضونه إلا في أمور تافهة، يفكر أحدهم في ملابسه أو سيارته، وتفكر الأخرى في زينتها أو أسواقها، أو غير ذلك، ويقع من وراء ذلك ما يقع من الأذى للناس، أو من التجريح لهم، أو ما يقع من آثار الاجتماعات والتجمعات التي يقضون فيها أوقاتهم، فنجد حينئذ تجسداً لهذه الصورة التي لا تليق بالمسلم، فضلاً عن شباب الأمة الذين هم أملها المرتقب.

    أسباب التهاون في إجازة الصيف

    نحن نرى أن تلك المظاهر تدفعها أسباب، وتهيئها أوضاع، ذلك أن هناك تربية أسرية تكرس هذه المعاني، فنجد كثيراً من الآباء والأمهات يغرسون في نفوس أبنائهم أنه لا ينبغي له أن يقرأ، ولا أن يتعلم ولا أن يعمل شيئاً، ولا أن تسند إليه مهمة، ولا أن يقوم بأي شيء.

    وكذلك نجد أمراً آخر يساعد على ذلك، وهو البيئة الاجتماعية -الدائرة الأوسع من دائرة البيئة الأسرية- فنحن نرى حديث الناس في الصيف عن قضاء الأوقات أو قتلها في اللهو والعبث، أو غير ذلك من الصور التي تكرس هذا المعنى.

    وأمر ثالث أيضاً: وهو الدعاية الإعلامية التي تعمق هذا المفهوم، فهناك دعوة للسياحة، ولقضاء أوقات الفراغ، وللتنزه، وغير ذلك من الأمور التي قد يكون أصلها ليس محظوراً ولا محرماً، لكن تعميقها وجعلها غايةً، وصرف الأوقات والأموال فيها؛ هو الأمر الذي ينبغي أن يترفع عنه المسلم.

    إننا حينما نجسد هذه الصورة نقف على خطر عظيم، ذلك أن هناك وقتاً طويلاً يمتد إلى أشهر، وشبابنا وشاباتنا وطلابنا وطالباتنا تصل أعدادهم إلى الملايين، وهناك أوضاع متنوعة متعددة تضيع بلا جدوى ولا ثمرة.

    ونحن أمة نحتاج إلى مزيد من مضاعفة الجهد والعمل وتحصيل الثقافة والعلم؛ لندرك من سبقنا في أبواب كثيرة من أبواب التقدم والعلم، ولنحصل كثيراً مما فاتنا وسبقتنا إليه أمم أخرى، ومع ذلك نجد الأمر على هذا النحو.

    بل إننا نجد شكوى مزعومةً من بعض الشباب في أوقات الدراسة، هذا وهم يأملون ويؤجلون كل آمالهم وطموحاتهم إلى هذه الفترة؛ فتجد أحدهم لا يجد فرصةً للعبادة والطاعة بحجة انشغاله بالدراسة، وآخر لا يجد متسعاً من الوقت للثقافة والاطلاع وزيادة المعلومات بسبب الانشغال بالتحصيل والاختبارات، وثالث لا يرى فرصةً لتنمية المهارات، أو ممارسة الهوايات، فأين هذا كله في هذه الفترة؟

    التهاون بالعبادات والطاعات وإهمالها

    نحن نسأل عن الليل، أين قيام الليل من هذا السهر العابث واللهو التافه الذي تقضى فيه كثير من الأوقات؟

    أين قول الله عز وجل: وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]؟

    أين أنت أخي الشاب المسلم من قول الله عز وجل: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6]؟

    أفلا تذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصغار الصحابة، وتذكر الشباب الغض الطري كيف كان يقضي ليله، وهو في النهار من المجاهدين ومن العاملين، لا من النائمين والكسالى الذين تتاح لهم فرصة للراحة، مع ذلك كان دأبهم على ما نعلمه ويعلمه كثير منا لكنه لا يؤثر في واقعنا؛ فكلنا نعلم قصة ربيعة بن كعب رضي الله عنه لما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن أمنيته ليدعو له بها، فقال: (أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: ليس إلا هو، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، فلم يكن رضي الله عنه يدع قيام الليل بعد ذلك وهو في الرابعة عشرة من عمره.

    وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه كما في صحيح البخاري جاء إليه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: (ألم أخبر أنك تصلي فلا تنام، وتصوم فلا تفطر، وتقرأ القرآن في كل ليلة؟ قال: نعم يا رسول الله)، هذا الخير بلغ النبي عليه الصلاة والسلام عن حال عبد الله بن عمرو وهو الشاب الذي كان في مقتبل العمر، فكان يصلي فلا ينام، يصوم فلا يفطر، ويقرأ القرآن في كل يوم، حتى رده النبي عليه الصلاة والسلام إلى الاعتدال، وذكر له صيام يوم وإفطار يوم، وأن ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه الأخير، وأن يختم القرآن في خمس، أو في سبع كما في بعض الروايات.

    نحن نقول لإخواننا ولأنفسنا ولآبائنا: إن هذا الوقت الذي يفرغ فيه الإنسان أو الشاب من هذا الارتباط بالدارسة أو التحصيل وغير ذلك، ينبغي أن يقابله هذا الاستثمار في العبادة والطاعة.

    أين الذكر والتلاوة؟ كثير من الشباب لا يجدون -كما يقولون- وقتاً لتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل في أوقات الدراسة، أفليس جديراً بهم أن يقرءوا جزءاً من القرآن في أول نهارهم، وجزءاً في آخر يومهم، أو أكثر من ذلك كما كان شباب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يفعلون؟

    أين المسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إلى المساجد والصلوات؟ أين هذا الذي كان يُترك بعضه أو كثير منه بحجة الانشغال بالدارسة والتفرغ لها؟

    فما بالنا نشكو هذه الشكاوى المزعومة، وندعي هذه الدعاوى الموهومة، ثم إذا جاء الوقت وحانت الفرصة لم نجد الصورة الصادقة لهذه الدعوى.

    إهمال الثقافة والاطلاع في أوقات الفراغ

    لماذا لا يستثمر الوقت في مثل هذا المجال لتحصيل مزيد من العلم، أو التهيؤ للعام القادم، أو مراجعة ما مضى من التحصيل، أو في زيادة في أبواب من الفهم والعلم يميل إليها الشاب أو الشابة، كأنه -كما أشرت من قبل- ينبغي ألا يكون خلال هذه المدة الطويلة في الإجازة الصيفية أي قراءة ولا اطلاع، ولا كتاب، ولا مقال.

    نجد كأن الإنسان إنما جعل له هذا الوقت ليبدده من غير فائدة، ونحن نعلم ما كان من سلفنا رضوان الله عليهم كيف نقلوا لنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، كيف نقلوا لنا القرآن الكريم، كيف نقلوا لنا هذه الثروة الهائلة من العلوم الإسلامية، والمؤلفات الضخمة، حيث لم يكن أحدهم ينام ملء عينيه، ويأكل ملء ماضغيه، ويطمئن إلى الدنيا، وينشغل باللهو والعبث، بل كانوا على جد وعمل.

    فهذا ابن عقيل الحنبلي يقول: إنه لا يترك لحظةً إلا وهو ينشغل بقراءة، فإن لم يكن فبكتابة، فإن تعب تمدد وشغل فكره في مسألة من المسائل، وكان بعض السلف وبعض علماء الأمة من أمثال إمام الحرمين الجويني لا ينام إلا مغلوباً، فليس له وقت في النوم، وإنما يقرأ ويطالع ويدرس ويعمل، حتى يرهق فينام، فإذا نام نومةً قصيرةً كانت أو طويلة استيقظ وواصل عمله.

    جد ودأب واستثمار واستغلال، فما بالنا نحن في هذه الظروف اليسيرة التي هيأ الله فيها أسباباً من النعم كثيرة، نفرط مثل هذا التفريط، وندع مثل هذه الفرص دون اغتنام.

    التقصير في التوجيه للشباب

    ونجد أيضاً أن هناك ضعفاً فيما ينبغي أن يقدم للشباب في هذه الأوقات، فلا نرى كثيراً من البرامج التي تحثهم على القراءة والاطلاع، لا نجد مسابقاتٍ ثقافية تتناسب مع وقت الفراغ وتكون فيما ينفع ويثمر.

    لا نجد أيضاً التوجيه الإعلامي المناسب الذي يعمق هذا التوسع الفكري والاطلاع الثقافي لدى شبابنا، حتى إننا نجد أحياناً صوراً ممسوخةً لا يعرف فيها أحدهم ما درسه من المناهج، بل لا يعرف أحدهم أن يجيد كتابة اسمه فضلاً عن أن يكون صاحب علم ومعرفة.

    1.   

    دعوة إلى استغلال الأوقات في تنمية المهارات

    كسب العمل.. التدرب على المهن.. الفرص التي تتاح في هذا الوقت للشباب، لماذا لا تستغل في العمل والجد وتحمل المسئولية؟

    لماذا يبقى شبابنا حتى التخرج من الجامعة وهو لا يزال غير قادر على تحمل المسئولية؟

    ألم يكن من صحابة المصطفى صلى الله عليه وسلم من قاد الجيوش وهو في السابعة عشرة من عمره؟

    ألم يكن منهم من تولى الإمارة، ومن عمل أعمالاً وقام بمهمات عظام، كمهمة نقل القرآن وكتابته التي قام بها زيد بن ثابت وهو شاب غض طري، فلماذا لا نعود أبناءنا على تحمل المسئولية؟ ولم يعيشون على كد آبائهم فحسب دون أن يتهيئوا لحمل المسئولية والقيام بالعمل؟

    لقد كان عمر بن الخطاب ينظر إلى الرجل فتعجبه عبادته وطاعته، فيسأل عن عمله ونفقته، فيقال له: إنه لا عمل له، وإن أخاه أو أباه ينفق عليه، فيسقط من عينه؛ لأن الإنسان بلا عمل وبلا مسئولية وبلا مهمة لا قيمة له، كيف يعيش بغير كدح في الحياة واستثمار لها، وأخذ بالأسباب التي تعينه على طاعة الله عز وجل فيها.

    يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما أكل ابن آدم طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده)، ونعلم توجيهه عليه الصلاة والسلام عندما للرجل الذي جاءه يسأله فأعطاه، ثم جاء يسأله فأعطاه، ثم قال له: (أليس عندك من مال؟ قال: لا إلا قصعةً وكذا، قال: فائتني بهما، فنادى بهما النبي صلى الله عليه وسلم للبيع فبيعا بدرهمين، فقال: كل بدرهم واشتر بدرهم فأساً أو قدوماً، ثم اذهب فاحتطب، فذهب فعمل فدعا له النبي عليه الصلاة والسلام)، وبين أن شرف العمل وقيمته في هذا الدين الإتقان فيه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، لا بد أن نستغل هذا الوقت لنشغل أبناءنا وفتياتنا بما يعود عليهم بالفائدة والنفع.

    ونحن نعلم أن هناك فرصاً من العمل تتاح للطلبة على وجه الخصوص ليشغلوا أوقاتهم، وليكتسبوا بعض الخبرات، ولكن أيضاً هناك بطالة مقنعة، بعضهم يأخذ أعمالاً أو وظائف لمجرد أن يأخذ بعض الأموال دون أن تكون هناك مهمة ولا عمل ولا اكتساب لخبرة، هذا أيضاً نوع ليس مرغوباً فيه.

    ونجد أيضاً فرصاً أخرى تتيحها معاهد التدريب المهني للتدرب في مجال الكهرباء أو الميكنيكا أو غير ذلك من الأمور النافعة التي تجعل الإنسان عنده مهنة تدفع عنه الفقر إن شاء الله عز وجل، وهذا أمر متاح معروف، وقد رأيت له إعلانات كثيرة تدعو الشباب إلى أن يشتركوا في مثل هذه الدورات المجانية بغير مقابل، فاذهبوا وانظروا مدى الإقبال عليها، فإنكم واجدون حالةً تحتاج إلى إعادة نظر.

    وهناك فرص أخرى كثيرة ينبغي أن تستثمر؛ لأجل العمل، ولأجل تحمل المسئولية، ومن ذلك المراكز الصيفية التي تجمع بين كثير من المنافع: في استغلال الأوقات، والدفع والتشجيع على العبادة والطاعات، وزيادة العلم والثقافة، واكتساب المهارة، وغير ذلك.

    والرسول عليه الصلاة والسلام قد بين لنا أنه: (ما من نبي إلا وقد رعى الغنم)، وأخبر عن نفسه أنه كان يرعاها لأهل مكة على قراريط، ليبين لنا شرف العمل.

    وكان علماؤنا منهم الفراء، ومنهم الخياط، ومنهم البزاز، ألقابهم تدل على مهنهم، فإنهم اشتغلوا بالعمل وبالعلم، وتحملوا المسئولية، فينبغي لنا أن نلغي هذه الصورة من ترك العمل والعلم، خاصةً في صفوف أبنائنا وشبابنا: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105].

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    صور للمضار والأخطار التي تقع في السفر الخارجي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى الحرص على نعم الله عز وجل، وتقييدها بشكرها علماً وعملاً.

    وأنتقل إلى صورة أخرى من صور واقعنا الاجتماعي، وهي صورة تتعلق بتبديد الثروات من مال ووقت وجهد، ويرتبط هذا التبديد إلى حد كبير بوقت الصيف والإجازة التي فيه، ونرى لذلك أيضاً صوراً عديدة:

    أولها: كثرة السفر إلى خارج البلاد.

    وثانيها: كثرة الأفراح وما يقع فيها من إسراف.

    وثالثها: بذل الأموال للأبناء في الهدايا والمصاريف وغيرها.

    أخطار عقدية وسلوكية ناتجة عن السفر إلى الخارج

    وأقف وقفات سريعة ليس المقصود منها أن نفصل القول في هذه الجوانب، ولكنها ومضات يكفي القليل منها للتنبه إلى ما يقع من خلل، وما قد يستتبع ذلك من خطر.

    فنحن نجد كثيرين يتنادون إلى السفر من هذه البلاد إلى غيرها من بلاد أخرى، وكثيرون يذهبون أيضاً إلى بلاد الكفر التي لا تقيم وزناً لخلق، ولا ترفع شعاراً لإيمان، ولا شيئاً من ذلك، وهنا يتعرض المسلم في سفره هذا إلى مخاطر عدة:

    أولاً: المخاطر الاعتقادية: حيث يفتن بعض الناس أو الشباب على وجه الخصوص بأهل الكفر فيعظمونهم، ويرون فيهم مثلاً يحتذى، ويرون في صورة حياتهم قدوة ينبغي أن تطبق في حياتنا، وقد يفتنون في دينهم فيتشككون في بعض عقائدهم.

    ثانياً: المخاطر السلوكية: حيث يرون صوراً من التحلل، والإباحية، ووجود الخمور، وكثرة الخنا والفجور، ونحو ذلك مما نعلمه ولا يخفى على أحد، ولا يحتاج إلى بيان.

    أخطار أمنية واقتصادية ناتجة عن السفر إلى الخارج

    ثالثاً: المخاطر الأمنية: نسمع بالاعتداء على الأموال بالخطف، أو الاعتداء بالضرب، ونحو ذلك مما وقع لكثيرين ولم يعتبر بهم غيرهم.

    رابعاً: المخاطر الاقتصادية: حيث يتفنن كثير من الناس في تبذير الأموال في غير ما حاجة إلى السفر أو اللهو، ونحو ذلك، فينفعون بذلك أعداء الأمة، ويضعفون مواردهم المادية واقتصاد بلادهم، وهذا أيضاً كله صورة مصغرة.

    معالجة الأوهام الدافعة إلى السفر إلى الخارج

    عندما تبحث عن الدعوى في ذلك، تجد أنها: نحن نريد أن نرفه عن أنفسنا، وأننا خلال فترة طويلة لم يكن عندنا فرصة لهذا الترفيه.

    وأقول: هذا أيضاً تصور غير صحيح، فنحن في كل أسبوع عندنا يومان من أيام العطلة والإجازة، وعندنا عطلة في الربيع، وعطلة في الأعياد، وعطلة في رمضان، وأخرى في الحج، وكثير من الناس يقضون هذه العطل فيما يقولون إنه ترفيه عن أنفسهم، أو تجديد لنشاطهم، فهل يضاف إلى ذلك ثلاثة أشهر ربما تكون ربع العام، فيكون ترفيهنا أكثر من نصف العام، إذاً: فأين علمنا، وأين عملنا، وأين جهدنا وجهادنا؟!

    إذا كان نصف عمرنا يقضى فيما نجعله ترفيهاً أو نحو ذلك، وإذا كنا نجد أننا بحاجة إلى ذلك، فينبغي ألا يصاحب ذلك شيء من المحرمات، ولا الوقوع في معاصي الله عز وجل، وينبغي ألا يكون ذلك مبرراً لكل هذه التجاوزات والترخصات بحجة أننا نريد أن نرفه عن أنفسنا.

    وإذا أردنا أن نرفه عن أنفسنا فإن هناك مواضع كثيرة في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد التي يقل فيها الفساد، ولا يوجد فيها ما في بلاد الكفر، فإن كنت فاعلاً ففي مثل هذا واقتصد في الوقت والإنفاق؛ لأن هذا كله ينبغي أن يقابل بأمر آخر نحتاج إليه ونستفيد منه أكثر من هذا.

    ونحن نعرف أيضاً أحوال إخواننا المسلمين في بلاد كثيرة كالبوسنة والهرسك، وكشمير وغيرها، أفيكون لنا كل الاطمئنان والسعادة في أن نبذل وننفق ونلهو ونلعب ونمرح ونفرح، دون أن نتذكر إخواننا باقتطاع شيء من أموالنا، أو باقتطاع شيء من وقتنا لنتفقد أحوالهم، أو نزورهم في بلادهم، أو غير ذلك مما ينبغي أن نشغل به أنفسنا وأفكارنا وعقولنا.

    أين نحن أيضاً من سفر العبادة؟ لم لا يكون هذا الموسم موسماً لمجاورة بيت الله الحرام في مكة المكرمة، ولزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة؟ وقت هنا ووقت هناك، الانتقال والتغيير للمكان وللناس هو أيضاً نوع من التجديد، أفلا يكون ترفيهاً؟ أفلا يكون زيادة للإيمان؟ ألا يوجد صورة من صور الانتفاع إلا أن يكون السفر إلى خارج البلاد، هذا أيضاً أمر ينبغي أن يكون الإنسان منه على ذكر، علماً بأن المسلم ليس عنده في الحقيقة فراغ حتى يقول: أريد أن أبدد هذا الوقت، فالوقت هو الحياة:

    والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع

    لم تفرط في هذا الوقت والله عز وجل يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ويقول: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح:7]، أي: إذا فرغت من شأن الدنيا وأعمالها، فانصب لطاعة الله عز وجل، فليس هناك فراغ في الحقيقة، فالدنيا مزرعة وحرث للآخرة، وكل وقت يمكن أن تستثمره في طاعة الله عز وجل؛ ولذلك ينبغي أن نتنبه إلى هذا المعنى.

    صور للمضار الناتجة عن الأفراح وغيرها

    ونجد الصورة الأخرى أيضاً في الأفراح وما يصاحبها من إسراف وتبذير بدعوة الأعداد الكبيرة، وتهيئة الأطعمة الوفيرة، واشتراط تغيير الملابس للنساء، وغير ذلك من أمور ينفق فيها من الأموال ما ينبغي أن يدخر ويبذل في أبواب الخير أخرى، أو ينتفع به لأمور أعظم من هذا وأشرف.

    وإذا كان يقترن مع ذلك محرمات فيكون الإنفاق في هذا الباب إنفاقاً محرماً، وغير ذلك من الصور التي تقترن في أمور الأفراح وهي كثيرة جداً.

    وكذلك الأموال التي يعطيها الآباء لأبنائهم؛ ليشتروا ويرفهوا عن أنفسهم دون أن يسألوهم في أي شيء صرفوا هذا المال، وقد يصرفونه فيما يضرهم، وقد يكون مدخلاً لهم إلى شيء من المحرمات، أو من المخاطر الكبرى كالمخدرات وغيرها:

    إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة

    1.   

    دعوة إلى اليقظة وشكر نعمة الله

    فينبغي الترشيد والانتباه؛ ولذا ألخص قولي في دعوة صادقة لنا جميعاً أيها الإخوة: أن نحرص حرصاً أكيداً على طاعة الله، وأن نستثمر الأوقات التي أتاحها الله عز وجل لنا، لا لشيء إلا لذكره ولشكره سبحانه وتعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:61-62].

    دعوة صادقة:

    أولاً: بترشيد الإنفاق والتبرع في سبيل الله؛ رشدوا في السفر والأفراح، وابذلوا في سبيل الله عز وجل.

    ثانياً: المحافظة على الأوقات، والعمل بطاعة الله عز وجل: أكثروا من الذكر والتلاوة، وطلب العلم، واستغلال الوقت في هذه الفرصة المتاحة.

    ثالثاً: ترك البطالة، والاشتغال بالأعمال.

    رابعاً وأخيراً: تقوية الأواصر والتعاون على الخير:

    لم لا تكون الإجازة فرصة عظيمة لصلة الأرحام والتزاور، وتقوية الأواصر، وقيام المشاريع الخيرة بين أهل الحي والجيران؟ لم لا نستثمر هذه الأوقات في طاعة الله عز وجل؟

    اللهم إنا نسألك أن توفقنا لما تحب وترضى، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين يا رب العالمين.

    اللهم استعملنا في طاعتك، وسخرنا في الجهاد في سبيلك، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك أن توفقنا للطاعات، وأن تصرف عنا الشرور والسيئات، وأن تغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آت.

    اللهم تولَّ أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.

    اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.

    اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، ومن جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم، اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، ورزقاً طيباً، وعلماً نافعا، ورزقاً واسعاً، وتوبة قبل الموت، ومغفرةً بعد الموت، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، يا سميع الدعاء.

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولاتنا لهداك، واجعل عملهم في رضاك، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، اللهم اجعل دائرة السوء على الكافرين، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وفرق كلمتهم، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار.

    اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المضطهدين والمعذبين، اللهم رحمتك بالمشردين والمبعدين، اللهم رحمتك بالأسرى والمسجونين، اللهم رحمتك بالشيوخ الركع، والأطفال الرضع، اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، والنسوة الثكالى، اللهم ارفع عنهم البلاء، اللهم وارزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، اللهم اجعل ما قضيت لهم زيادة في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    عباد الله: صلوا وسلموا على رسول الله استجابةً لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي؛ أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين.