إسلام ويب

رمضان ضيفنا المنتظرللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد فضَّل الله عز وجل بعض مخلوقاته على بعض لحكمة يعلمها جل وعلا، ومما فضله الله عز وجل شهر رمضان؛ حيث أنزل فيه القرآن، وجعل صيامه ركناً من أركان الإسلام، وجعل فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفتح فيه أبواب الجنان، وغلق أبواب النيران، وصفد المردة من الجان، فعلى المسلم أن يستغل هذا الموسم العظيم في الاستكثار من الطاعات والعبادات، والانتهاء عن الذنوب والمخالفات.

    1.   

    تفضيل الله عز وجل لبعض مخلوقاته

    الحمد لله، الحمد لله العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، القاهر لكل شيء، الذي لا يعجزه في الأرض ولا في السماوات شيء، له الحمد سبحانه وتعالى كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، جل جلاله، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعمّ نواله، وعظم عطاؤه، فهو المحمود على كل حال وفي كل آنٍ، له الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، أتم به النعمة، وأكمل به الدين، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وأعز به من بعد ذلة، وكثر به من بعد قلة.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وسقانا جميعاً من حوضه.

    وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! رمضان ضيفنا المنتظر، تطوي الأيام مسيرتها اقتراباً منه، وشوقاً إليه، وتمر الليالي متواليات ليهل علينا -بإذن الله عز وجل- هلاله، وندعو الله عز وجل أن يجعله هلال يمن وإيمان، وسلامة وإسلام، وهلال رشد وخير، ننال به من الله أجراً، ويمحو به عنا وزراً، ويجعله لنا في موازين حسناتنا ذخراً.

    كل ضيف لابد من معرفته قبل قدومه، وأحسب أن الجميع يعرف رمضان، وقد مر به على مدى أعوام وأعوام؛ ولكننا في كل مرة وعام نذكر من الصور المحزنة، والأحوال المؤلمة، والغفلة المستحكمة، والمعاصي المتكاثرة ما لعلنا نحتاج معه دائماً وأبداً إلى أن نجدد هذه المعرفة تجديداً يخلص إلى أعماق القلوب والنفوس، ويرشد خطرات وأفكار العقول، ودائماً نحن في حاجة إلى ذلك.

    فوقفة مع الحكم والآثار في الخصائص والاختيار نبدؤها بحق الاختيار والتخصيص الذي جعله الله عز وجل له وحده من دون سائر الخلق أجمعين:

    قال عز وجل: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ [القصص:68]، فليس لأحد أن يصطفي أو أن يختار زمناً فيجعل له مزية أو فضيلة، ولا مكاناً فيجعل له حرمة أو حكماً، ولا إنساناً فيجعل له شرفاً أو فضلاً، بل الله جل وعلا هو الذي له الحق وحده في ذلك كله.

    وقال عز وجل: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]، وقال سبحانه: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] فاختار من بين الخلق صفوتهم، وجعلهم رسله وأنبياءه، وهو الذي جعل أيضاً من الأماكن أماكن خصت بالحرمة والأحكام في بلد الله الحرام ومدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم جعل من الأزمان أزماناً لها خصائص في الفضل ليس لأحد أن يعينها إلا هو جل وعلا، وأطولها مدىً وأكثرها زماناً وامتداداً شهر رمضان المبارك.

    رحمة الله في تخصيص بعض مخلوقاته بالفضل

    الحكمة العامة في ذلك: رحمة الله جل وعلا بالخلق الذين يعلم سبحانه وتعالى طبيعتهم، وغفلتهم من بعد ذكرهم، وضعفهم من بعد نشاطهم، وفتورهم من بعد إقبالهم، فيدركهم الله عز وجل بحكمته ورحمته؛ ليقيل العثرات، ويمحو السيئات، ويضاعف الحسنات، ويفيض الخيرات، ويعمهم بالبركات، فإنهم ضعفاء ليست لهم قوة ولا حول إلا بحوله وقوته سبحانه وتعالى، قال سبحانه: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    والله تعالى جعل لنا من رحمته في أيام دهرنا نفحات نتعرض فيها إلى الرحمات، ونتطهر فيها من المعاصي والسيئات؛ لتتزكى النفوس، وتطهر القلوب، وتقبل الجوارح على طاعة الله عز وجل، ولو لم يكن ذلك كذلك لاستولت الغفلة، ولأظلمت النفوس، وقست القلوب، وعميت العيون، وصمت الآذان، إنها حكمة الخالق ورحمته الغامرة! فمن ذا الشقي الذي لا يتعرض لها؟ ومن ذا الغبي الذي لا يفطن لها؟

    فحاول قليلاً من التدبر والتأمل بالفكر والعقل التماساً للحكمة، وقليلاً بل كثيراً من التعرض للخير والطاعة والفضل والرحمة.

    ذكر بعض خصائص شهر رمضان

    وهذا الشهر له خصائصه واختياره، وفيه من الخصائص والفضائل ما يضيق المقام عن حصره وذكره، فهو ركن مفروض، كما قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، وفي حديث ابن عمر الذي ذكر أركان الإسلام ذكر فيه الصيام.

    وهو مخصوص في النهار بالصيام، وفي الليل بالقيام؛ ليجتمع فيه من العبادات ما قل أن يجتمع في غيره من الأيام والليالي.

    وهو شهر مختص بالقرآن نزولاً ومدارسة، كما قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185]، وكما قال ابن عباس : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون حين يلقاه جبريل يدارسه القرآن).

    وله اختصاص في مضاعفة الحسنات وتكفير السيئات، كما في الحديث المحفوظ المشهور: (كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به).

    ويضاف إلى ذلك فتح أبواب الجنان في رمضان، وتخصيص باب الريان، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إذا كان شهر رمضان فتحت أبواب الجنان، وأغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين) رواه أبو هريرة في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، ينادون على رءوس الأشهاد، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل دونهم أحد)، وغير ذلك مما تعلمون.

    وصيام رمضان جنة ووقاية، ومباعدة من النار، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة كجنة أحدكم في القتال)، حديث صحيح عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وصيام يوم يباعد بينك وبين النار سبعين خريفاً.

    كل هذه الخصائص وغيرها تجتمع في هذا الشهر، فما هي الآثار؟

    1.   

    الآثار الإيمانية لشهر رمضان

    التدرج في العودة إلى الله والقرب منه في رمضان

    أقف -أيها الأحبة الكرام- مع ثلاثة آثار مهمة، جدير بنا أن ننتبه لها، وأن نتواصى بها:

    الأثر الأول: الإقبال والإكثار من الطاعات.

    ودعوني أذكر لكم ذلك ما يقع لي ولكم ولكل أحد في غالب الأحوال:

    أكثر الناس يصومون، فإن سألت أحدهم عن السبب يقول: لأنه ركن من الأركان، وفريضة من الفرائض، فيصومه وإن شق وثقل على النفس، وإن كرهه من القلب كما قد يحصل، لكنه يقول: لابد أن أصوم، فيشرع في ركن وفريضة هي مما افترضه الله عليه وأحبه منه، كما في الحديث القدسي: (إن أحب ما تقرب إلي به عبدي الفرائض).

    ثم إذا صام ماذا يقول؟

    يقول: هل أصوم وأؤدي فرضاً، ثم لا أصلي؟! وهل أترك فريضة الصلاة الواجبة في كل يوم وآخذ فريضة الصيام التي هي مرة في العام؟! فيجول في ذهنه ذاك، فيقول: لابد مع الصيام من الصلاة، فيصلي إن كان تاركاً لها، أو مقصراً فيها، أو متخلياً عن أدائها في أوقاتها، أو متخلفاً عن شهودها في أماكنها، فيبدأ بالصلاة.

    ثم يقول: شهر رمضان شهر القرآن، وسأذهب إلى المسجد للصلاة، وسأمكث فيه أوقاتاً، فلمَ لا أرطب لساني بالقرآن؟! ولمَ لا أحيي قلبي بتلاوة كلام الرحمن؟! فيبدأ في تلاوة القرآن.

    ثم يتذكر أن هذا الشهر شهر مخصوص بقبول الدعاء، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا ترد دعوتهم، ومنهم: الصائم حين يفطر)، ويتذكر أنه في وقت الأسحار يكون مستيقظاً، ويتذكر أن هذا هو الثلث الأخير من الليل الذي ينزل فيه رب العزة والجلال إلى السماء الدنيا وينادي برحمته سبحانه وتعالى عباده: (هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له، وذلك الدهر كله) فيبدأ حينئذ يلتفت إلى الدعاء، والدعاء مخ العبادة كما قال صلى الله عليه وسلم.

    فإذا بسجوده يطول ليكثر دعاؤه، وإذا بقنوته يطول ليكثر دعاؤه، وإذا به في أعقاب كل صلاة وفي كل وقت يرفع يديه إلى الله عز وجل متضرعاً وداعياً.

    ثم يقول: رمضان أعظم مواسم الإحسان من الكريم المنان سبحانه وتعالى، فلمَ لا أصوم وأحسن؟ ولمَ لا أصوم وأنفق؟

    ويتذكر أجر تفطير الصائم، وأنه يناله كاملاً غير منقوص، ويتذكر أجر الصدقة ومضاعفتها، فيدخل في عبادة جديدة، وإذا به من غير شعور، وربما من غير عزم سابق قد ألم بهذه الطاعات كلها، وإذا بها لا أقول: تخف على نفسه؛ بل تصبح محبوبة له، يرغب فيها، ويشتاق إليها، ويحس بلذتها، ويتذوق حلاوتها، وذلك أثر معروف من آثار الطاعات، فالطاعة تجلب الطاعة بعدها، والحسنة تقود إلى الحسنة التي وراءها، وبذلك نجد هذا الأثر لمن تأمل في هذه الخصائص.

    ثم ينتقل إلى مرحلة أخرى -أيها الإخوة- وأريد أن يتصور كل أحد ذلك في نفسه، أليست هذه الخواطر التي ذكرتها تجول بالفعل، وتتدرج كما أشرت إلى تدرجها؟

    ثم ينتقل إلى هذه المرحلة المهمة، وهي مرحلة الإتقان، فإذا صام يقول: لمَ لا أصوم وأخلص؟ وفي الحديث القدسي: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي).

    فيرتقي إلى مرتبة عظيمة: إخلاص ليس فيه شائبة رياء، وتعلق بالله عز وجل يعظم محبته في خالقه ومولاه، ويعلق قلبه به، ويتدرج ليبلغ في بعض الأحوال إلى درجة الإحسان، التي هي أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. أليس ذلك أيضاً يجول في خواطرنا؟

    ثم يقول -وهو الذي قد كان مفرطاً من قبل-: هأنذا أصلي، فلمَ لا أخشع؟ ولمَ لا أتدبر؟ ولمَ لا أحضر قلبي في صلاتي؟ ولمَ لا أكون فيها كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه في الحديث القدسي المحفوظ المشهور: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذا قال عبدي: الحمد لله رب العالمين. قال الله عز وجل: حمدني عبدي...) إلى آخر الحديث، فيستحضر حينئذ أنه بين يدي الله، وأنه في مناجاة وصلة مباشرة مع الله، فيتغير قلبه، وتتبدل نفسه، ويصبح غير الذي كان من قبل، وذلك حاصل لنا جميعاً بتفاوت واختلاف في الدرجات، وربما ينكر قبله الذي يعرفه فيقول: هل أنا هو؟ أنا برقة قلبي، ودمعة عيني، وخضوع نفسي، وشعوري بهذه الروحانية الإيمانية، هل أصبح في صدري قلب غير قلبي الأول؟ وهل بثت في نفسي روح غير روحي الأولى؟ إنها نعمة كبيرة!

    ثم إذا به يتدرج في الإتقان، فيقول: أنا أنفق، فلمَ لا أنفق من الطيب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، ولمَ لا أتيمم الأحسن من مالي فأنفقه؛ لأن الله تعالى يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، وكم من جولات فيها مشاحة للنفس في أول الشهر، لكنها تنفق، ثم إذا بها تكثر، ثم إذا بها تصطفي ما قد يكون عزيزاً أثيراً عندها فتنفقه في سبيل الله عز وجل؛ فيرقى العبد إلى مراتب الإتقان في هذه العبادات.

    ثم يتلو فيقول: ولم أتلو هذًّا كهذِّ الشعر؛ ولا يهمني إلا آخر السورة؟ لمَ لا أتفكر وأتدبر؟ ولمَ لا أفتح قلبي لأنجو من صفة الكفر والنفاق؛ لقوله عز وجل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]؟

    وإذا بقلبه ينفتح، وإذا بأنوار القرآن تنسكب فيه، وإذا ببصيرته ترى ما لم يكن يرى من قبل، وإذا به يدرك في معرفة الأحوال والأوضاع ما لم يكن يعرفه من قبل، وإذا به يقارن حينئذ وهو يتلو، والقرآن يأمر، فيبحث عن نفسه هل هو حيث أمر الله في كتابه، والقرآن ينهى، فينظر في حاله: هل كان موجوداً في تلك الدائرة المنهي عنها.

    وتلك خصيصة، وذلك أثر عظيم من آثار الفضائل الرمضانية، فتأملوا فيه وتدبروه، واجتهدوا في تذكره واستحضروه.

    مجانبة المعاصي والذنوب بالتدرج في رمضان

    الأثر الثاني: مجانبة المعاصي والمحرمات.

    ومرة أخرى نبدأ ذلك بالتسلسل الفعلي الواقعي:

    يصوم فيترك الطعام والشراب، وهو الحلال الزلال؛ لأن الله أمر بتركه وحرمه في أثناء النهار، فيقول: فما بالي لا أترك الحرام الدائم على مدى الأيام والأعوام؟ أليس هذا نظراً عقلياً حصيفاً، ومنطقاً واضحاً جلياً؟

    ويقول: ما بالي إذاً لا أنتبه إلى الخطورة التي أقارف فيها ما حرم الله وأنا أترك ما أباحه من طعام وشراب امتثالاً للنهي هنا، وتخلياً عنه هناك؟ قال صلى الله عليه وسلم: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب).

    ويفكر العقل فيقول: لمَ أجعل هذه الفريضة عناءً ونصباً وتعباً وأخرج منها بغير غنيمة ولا مكسب؟ إن العاقل لا يرضى لنفسه ذاك.

    ثم يتذكر مرة أخرى، وهو يستمع ويسمع كثيراً من النصوص التي يكثر ذكرها في رمضان، كحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم)، فيمسك لسانه ليتم صومه.

    وإذا به يقول: ما لي لا أمتنع عن الغيبة؟ ولمَ لا أترك النميمة؟ ولماذا لا أقطع السب والشتم؟ ولماذا أذكر فاحش القول؟ يتذكر هدي وشمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    ثم انظروا أيضاً مرة أخرى وهو يستمع إلى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، فيقول: كيف أصوم وأكذب؟! وكيف أصوم وأغش في بيعي وشرائي؟! وكيف أصوم وسهام عيني تخترق المحرمات؟! وكيف أصوم وأذني وعاء لكل النفايات من الأقوال الباطلة، والأغاني الماجنة؟!

    إنها سلسلة تتوالى عند المسلم إذا كان يقظ العقل حي القلب، وتلك الآيات تأتيه مرة أخرى، والأحاديث تتلى عليه مرة وأخرى، ثم إذا به يتأمل بعد ذلك كله وقد بدأ يترك تلك المحرمات، ويلتفت حينئذ إلى عاداته المذمومة التي بدأ يتركها.

    فالدخان الذي يواظب عليه، واللعب واللهو الذي يجعل له في كل يوم نصيباً، يقول: لمَ وقد تركت ذلك لا أترك هذا؟

    وكذلك من علامة ترك المعصية: كره المعصية بعدها، ومن اجتناب المحرمات: نفرة القلب من المعاصي والسيئات.

    رمضان فرصة عظيمة للمراجعة والمحاسبة

    وأثر ثالث عظيم لابد من ذكره والتنبيه عليه، وهو فرصة المحاسبة والمراجعة:

    المواسم هي كذلك، فالناس يريدون أن يحاسبوا أنفسهم، وأن يراجعوا بعد ذلك مسيرتهم، لكن الذي يقعدهم عن ذلك أمران اثنان:

    الأول: الانشغال في زحمة الحياة؛ نهار عامل، وليل ساهر، ولقاء بالناس دائم، فلا يفرغ لحظة ليقف مع نفسه لمحاسبتها.

    والسبب الثاني: ضعف العزيمة والإرادة، قد يجد الفرصة فيقول: لمَ لا أراجع؟ لكنه يعود مرة أخرى ويسير، يغض بصره ويصم أذنه حتى لا يواجه نفسه؛ لأنه يقول: من الصعب أن أترك هذا، من المستحيل أن أفعل هذا، من غير المتوقع أن أكون كذلك!

    فكيف تكون آثار رمضان في هذا الجانب؟

    أولاً: زحمة الحياة التي نشكو منها. ففي رمضان فرص كثيرة متاحة للهدوء والسكينة، وفيه فترة من الزمان تستطيع فيها أن تفكر، فهل ثمة من ينشغل في الدقائق القليلة قبل الإفطار من كل يوم؟ أليس هو جالساً في بيته؟ أليس هو فارغاً من شغله؟ أليس جسمه قد استراح؟ أليس هو متهيئاً لإفطاره؟ فهي دقائق قليلة معدودة، لكنها من أعظم الفرص في الهدوء والسكينة، ومن أعظم الفرص في خلو البال وهدوئه، وحينئذ تثور أسئلة المحاسبة، وتبدأ خطوات المراجعة.

    وانظر أخي مرة أخرى في رمضان وقيام الليل، ووقت السحر، من عندك يشغلك؟ ومن معك يتحدث إليك؟ إنك وحدك في جوف الليل، بل في ثلثه الأخير، أفليس وقتاً خلصت فيه من ضجيج الحياة وصخبها إلى هدوء الليل وإلى مناجاة الله عز وجل ودعائه؟ أفليس ذلك الوقت مناسباً لجرد الحساب؟

    قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيئوا للعرض الأكبر).

    وأيضاً: ففي رمضان يسن الاعتكاف، وفيه تقطع الصلة بالخلق؛ لتفرغ نفسك للصلة بالخالق، وتقطع علائق الدنيا لتمد حبال الوصل بالآخرة، أفليست أياماً وليالي مقتطعة من العمر لتكون فرصة لهذه المراجعة والتذكر؟

    حري بنا -أيها الإخوة الأحبة- أن ننتهز تلك الفرصة.

    وأما العزيمة الضعيفة المهزومة في غير رمضان فهي فتية وقوية وأبية في شهر رمضان، فحينئذ تقول: قد انتصرت فتركت طعامي وشرابي، قد انتصرت فاستطعت أن أغلب شهوتي ولذتي؛ فحينئذ بإذنه جل وعلا تنتصر، فتجدد المسيرة، وتراجع طريقك الذي تسير فيه، وحينئذ تتنزل الخيرات والبركات.

    نسأل الله عز وجل أن يبلغنا رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يجعلنا فيه من المقبولين ومن عتقاء الرحمن الرحيم في هذا الشهر الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    صور مناقضة لما هو مطلوب في رمضان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ورمضان موسم التقوى الأكبر والأعظم؛ إذ تتزود فيه القلوب بهذه التقوى.

    ما ذكرته -أيها الإخوة الأحبة- أحسب أنه استنباط يطابق الواقع، وأنه أمر من الأمور المهمة التي ينبغي أن نتهيأ بها لاستقبال شهرنا.

    ولعلي أقف هذه الوقفات في نوع من ذكر الجمل والكلمات مع قليل ويسير من التعليقات؛ لنرى كثيراً من صور التناقضات وأحوال المفارقات التي تباعد بيننا وبين تلك الآثار والخيرات والبركات.

    شهر رمضان شهر الجد والعمل، أفليست صور كثيرة واستعدادات كثيرة تظهر الخمول والكسل؟

    وشهر رمضان شهر الجود والإنفاق، أفليست في واقعنا صور من التبذير والإسراف؟

    وشهر رمضان شهر المكارم والخصائص، فما بالنا في كثير من أحوالنا نجعله شهر المعايب والنقائص: فلا تضيق الصدور إلا فيه، ولا يشتد الغضب إلا في أيامه، ولا يعظم اللهو إلا في لياليه، ولا تكثر وتتعاظم بعض أسباب الإغراء والإغواء إلا فيه؟! أفليس هذا أمراً ظاهراً بين لا يحتاج إلى إقامة دليل ولا برهان؟

    رمضان شهر التلاوة والذكر، والواقع لدى بعض الناس أنه شهر الغفلة واللهو، فتراهم ينامون حتى عن صلواتهم المفروضة، ويسهرون على المحرمات المقطوع بحرمتها دون أدنى شك.

    رمضان شهر المناجاة والدعاء، وهو عند كثير من الناس شهر اللغو والغناء، حيث يجتمعون في كل ليلة ليكون لهم حديث ليس له خطام ولا زمام، ولا نفع ولا فائدة، بل هو حديث في كثير منه يكون عليهم لا لهم، وفي مضرتهم لا منفعتهم، فضلاً عما يكون في الليالي مما هو غير مباح.

    رمضان شهر الصبر والانتصار، لكننا نجعله في بعض أحوالنا شهر الضيق والاندحار، فكم من شخص تراه في رمضان كأنما كتب على جبينه الهزيمة، وكأنما هيئته تمثل أعظم صور الاندحار والضعف والهوان، وتعجب من ذلك! ولا عجب إذا عرفنا أن فقه الصيام إذا لم يكن في القلوب والنفوس فلن تظهر آثاره على الأجسام والأبدان.

    رمضان شهر الحمية والصحة، وإذا بنا نجعله شهر الشراهة والبطنة، فثمة أطعمة لا نراها ولا نسمع عنها إلا في رمضان، وكأن الصيام لا يتم على وجهه الحقيقي؛ بل ربما لا يصح الصيام عند بعض الناس على الوجه المشروع إلا إن كانت تلك الأكلة أو ذلك الشراب موجوداً، وهذا أيضاً من واقعنا.

    رمضان شهر التراويح والتهجد، لكن يجعله كثير من شبابنا وشاباتنا بل -وللأسف- رجالنا ونساؤنا شهر التسكع والتسوق، فتبقى الأسواق ساهرة حتى تخلط ليلاً بنهار، وتعمي في حقيقة الأمر القلوب والأبصار.

    أيها المؤمنون الأذكياء العقلاء! لا تكونوا من الحمقى والمغفلين، فاشتروا ما تريدون في الأيام الأولى من رمضان، ولا تكن النساء كذلك من المغفلات المضيعات للأوقات الشريفة الفاضلة في البحث عن الأكسية والأحذية، فأمة تصنع ذلك رغم ما حباها الله به من الفضائل والخصائص فعلها ذلك أقبح القبيح، وأشنع الشناعة!

    رمضان شهر الإخاء والوحدة، ونجعله في بعض أحوالنا شهر الأنانية والعزلة، وننسى أحوال إخواننا الذين يصومون معنا في أرض فلسطين، ولعلكم سمعتم ورأيتم ما مضى خلال هذا الأسبوع من تشديد الجرائم التي مع كثرتها تتعود عليها العيون والقلوب والنفوس، فلا شيء يتغير أو يتأثر، إنها حملة صهيونية باغية إرهابية على إخواننا في رفح من أرض فلسطين، فالبيوت المهدمة أكثر من مائتين وخمسين بيتاً خلال أسبوع واحد، وفي ليلة واحدة وباتصال هاتفي من تلك الديار كان عدد الذين باتوا في العراء أكثر من ألفين وخمسمائة نفس من الرجال والنساء والأطفال!

    وهناك صور كثيرة في العراق المحترق بدخانه وأمنه الغائب، ورغد عيشه المفقود!

    وهكذا أحوال أمتنا هنا وهناك، بل إلى جوار بيتك، بل في حيك، بل في قرابتك! أين هذه الروح التي توحد الأمة، وتذكرها بإخوتها؟

    رمضان شهر القدوات والمنجزات، شهر كان من موتاه الشهيد الحي خالد بن الوليد رضي الله عنه، ومن آثاره فتح الفتوح في فتح مكة، ويوم الفرقان في يوم بدر، ثم نجعله شهر التفاهات والسخافات، فنأتي بالمقابلات مع الفنانين والفنانات، ونسألهم: ماذا يأكلون؟! وأي شيء يشاهدون؟! ومتى ينامون؟! ومتى يستيقظون؟! وكأن تاريخنا وأمتنا قد انتهت إلى سقط المتاع، وإلى هذا القول الرخيص الذي ينبغي أن نتنزه عنه!

    وغير ذلك كثير.

    أسأل الله عز وجل أن يعصمنا بعصمته، وأن يتداركنا برحمته، وأن يوفقنا لطاعته، وأن يجنبنا معصيته؛ إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم إنا نسألك لأبداننا الصحة والسلامة، ولقلوبنا الصفاء والنقاء، ولنياتنا الإخلاص والتجرد، ولأعمالنا الصحة والصواب، ولأجورنا المضاعفة والكثرة يا رب العباد!

    اللهم إنا نسألك أن تبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اجعلنا اللهم من عبادك المخلصين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.

    اللهم أقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وزد خيراتنا، ووفقنا لما تحب وترضى، واصرف عنا ما لا تحب وترضى يا أرحم الراحمين!

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد؛ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!

    اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء!

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين!

    اللهم يا سميع الدعاء! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! نسألك اللهم أن تذل الشرك والمشركين، والكفرة والكافرين، والطغاة المتجبرين، اللهم عليك بهم أجمعين، أرنا اللهم فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر.

    اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تبلغ لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية.

    اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.

    اللهم رد عنا وعن إخواننا المسلمين كيد الكائدين، وادفع عنا شرور المعتدين، وسلم ديار المسلمين، واحقن دماءهم، واحفظ أعراضهم وأموالهم يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك أن تلطف بإخواننا المسلمين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى، والمشردين والمبعدين في كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين.

    اللهم واجعلنا لهم مناصرين، ولهم مؤيدين، واجعلنا لهم معينين، وسخرنا لنصرتهم وإغاثتهم وإعانتهم يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك أن تحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا أرحم الراحمين!

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! ثبت اللهم خطوتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وترضوا على الصحابة الكرام، نخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    والحمد لله رب العالمين.