إسلام ويب

الأمة في مواجهة الغمةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن ما نشاهده اليوم من تسلط الأعداء على المسلمين، والهيمنة الكاملة للكافرين، يجعل اليأس يدب إلى قلب المسلم، ويجعله يستسلم للواقع المرير، إلا أن ديننا علّمنا ألاّ نيأس، وأن نتحصن بالإيمان، ونتحلى بالصبر، ونقوي اليقين في قلوبنا، وأن النصر للإسلام وإن تأخر، وإلى جانب ذلك علمنا أنه لابد من الاهتمام بصلاح القلوب والنفوس، وتقوية الإيمان واليقين وغيرها من أسباب النصر، وأنه لابد من الإعداد التام لمواجهة الباطل وحزبه، حتى يندحر شرُّه، وتنكسر شكوته.

    1.   

    نزول الملمات بالأمة وكيف تواجه

    الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المؤمنين، ومعز الموحدين، وجاعل العاقبة للمتقين ولو بعد حين، له الحمد سبحانه وتعالى وعد بنصر عباده المؤمنين، وجعل لهم في الأرض الاستخلاف والتمكين، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاد، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    وهن الأمة وضعف عزائمها

    أيها الإخوة المؤمنون! أحوال عصيبة، وظروف رهيبة، تحيط بأمتنا في هذه الأيام، ونحن نقف هذه الوقفة مع الأمة في مواجهة الغمة، ولعلنا نرى صوراً مخجلة إذ نجد أن الأمة في مجموعها كأنها لا تملك من الأمر شيئاً، وكأن الحال كما قال القائل:

    ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود

    ونرى أن الآراء ما زالت متباعدة، وأن الأفكار ما زالت متباينة، وأن الوحدة ما زالت بعيدة.

    من جهة ثالثة: نرى صوراً من زيغ الفكر، وضعف اليقين، وانحراف السلوك، بل نرى حقيقة النفاق والممالأة والمصانعة التي تزيد الأمة ضعفاً ووهناً، والتي تزيد أعداءها تسلطاً وتمكناً.

    إننا لا نشك أن كل أحد منا عليه واجب، وفي عنقه مسئولية، وليست المهمة قاصرة على دولة أو أخرى أو حاكم أو آخر أو عالم أو مؤسسة، بل كل واحد في عنقه أمانة، وعلى كاهله مهمة.

    ومن ثم فإننا ينبغي أن نعيد القول ونكرره، وأن نعاود المدارسة والمذاكرة في أحوال أمتنا التي هي في حقيقة أمرها مجموع أحوالنا، وإذا أردنا أن نؤكد هذه المعاني فينبغي لنا أن نكون صرحاء لا نستخدم التعمية الإعلامية، ولا الألاعيب السياسية، ولا المداهنات والمنافقات التي نجدها ليس في حياة الأمة على مستوى الدول والحكومات، بل على مستوى الأفراد والتجمعات، فلا بد أن نكاشف أنفسنا من خلال أنوار اليقين في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بد أن نكتشف خللنا وعيوبنا من خلال النظر في سنن الله سبحانه وتعالى الماضية التي نقرؤها في صفحات التاريخ الغابرة، ونشاهدها ونراها في الوقائع المعاصرة.

    وعندما نكون كذلك ربما يكون هذا أول طريق للإصلاح وتغيير هذه الأحوال، ولكن لا يمكن أن نتصور أن يكون طريقاً قصيراً ينتهي في غمضة عين وانتباهتها، أو في أيام قلائل أو أعوام يسيرة، ولا يمكن كذلك أن نعتقده طريقاً سهلاً مذللاً مفروشاً بالورود، بل فيه عقبات عظيمة، وهوائل جسيمة، وفيه ابتلاءات ومحن وفتن لا يصبر لها ولا يجتازها إلا الخلص من المؤمنين الصادقين، والمسلمين المستسلمين لرب العالمين.

    أهمية الإيمان واليقين لجمع الكلمة وتحقيق النصر

    وهذه وقفات كلية جامعة في الأمور المهمة لمواجهة هذه الملمة.

    أولاً: الإيمان واليقين:

    وقد نكرر القول ونزيده، وليس في ذلك من ترف ولا سرف، ولا شيء ممل، بل هو عين اليقين؛ لأن ثوابتنا لا تتغير، ولأن أسس ومناهج الحل والتغيير لا تتبدل، ولأن بين أيدينا كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وسنة هي وحي يوحى من رب العالمين.

    ونحن قد قلنا في حديثنا عن القرآن -ولعل هذا الحديث يعد موصولاً به- إن واجبنا نحوه حسن فهمه، وقوة اليقين به؛ أن نحسن التدبر والتأمل والتفكر والمعرفة، والعلم والتعليم في كتاب الله عز وجل، وأن نرسخ الإيمان واليقين بكل حقائقه وبكل وعوده، وبكل سننه، وبكل أوامره وبكل نواهيه، لا بشيء دون شيء: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85]، تلك صفة أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا، الذين كان إيمانهم زائغاً، بل لم يكن إيماناً حقيقياً ألبتة.

    قال تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51]، هل من يقين بهذا؟ وهل له أثر في الواقع، أم أنه يمر على أطراف الألسنة وتكاد تنكره العقول، أو تعافه النفوس، والله جل وعلا يقول: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]؛ القائل رب الأرباب وملك الملوك الذي بيده ملكوت كل شيء.. من إليه يرجع الأمر كله.

    وبيده الأمر كله، ويقول جل وعلا متفضلاً ممتناً وهو المستغني عن العباد: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، فهل يكون الحق الذي أوجبه على نفسه باطلاً؟ حاشا لله جل وعلا، ومن كان في نفسه ذرة شك في ذلك فليراجع إيمانه ويقينه، وليتفقد إسلامه وحقيقة دينه، فإن الأمر عظيم، والخطب جليل! وقال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173].

    مادام النصر لا تخفق راياته.. مادام جند الإسلام لا يظهر علوهم ولا تبدو غلبتهم، هل فيما جاء في كتاب الله شك، أم أن هناك ضعفاً في اليقين ومخالفة لشروط ذلك النصر؟!

    وعد الله بالعاقبة للمتقين

    قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49]. العاقبة هي نهاية الأمر، ولا بد أن تكون لأهل الإيمان والتقوى، رضي بذلك من رضي، وشك فيه من شك، لكن أهل الإيمان يوقنون به ويرونه رأي العين، ويؤكدون أنه قادم لا محالة.

    نعم، قد يتأخر يومه، وقد يعظم البلاء قبله، لكنه قادم لا محالة، كما أخبر الله سبحانه وتعالى، وكما قص علينا، وبين لنا فيما جرى على رسله وأنبيائه صفوة خلقه عليهم الصلاة والسلام، حين قال أتباعهم: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214]. ماذا يرى الناس اليوم؟ وما الذي يتسرب إلى قلوبهم مما يرون؟ أليسوا يرون أصحاب الباطل والكفر أصحاب سيطرة وهيمنة.. أصحاب قوة وهيبة؟

    أليست لهم الكلمة العليا في المشهد السياسي؟ أليست لهم القوة العظمى في الواقع العسكري؟

    أليست لهم الهيمنة القوية في الميدان الاقتصادي؟

    يتسرب اليأس إلى النفوس، ويدب الشك إلى القلوب، أين هذا من هذه الآيات؟ أين هذا الواقع الذي لا يرى فيه لأهل الإيمان شوكة قوية، ولا راية مرتفعة، ويرى الناس ويسمعون ويشاهدون القول في الأحداث التي تتعلق بأهل الإسلام وبلاد الإسلام، ويرون التفاعلات في الشعوب فما يكادون يسمعون لساناً عربياً مبيناً، ولا وجهاً مسلماً مشرقاً، يرون المتخاذلين في أمور الأمة وأحوالها كفرة فجرة من شرق وغرب.

    ويدب إلى النفوس يأس، ويسري إليها شك، وينبغي أن يكون أول العلاج هو دفعه ونفيه ورفضه ومنعه بكل الأحوال؛ لأنه لا مجال له عند أهل الإيمان واليقين، بل يكون يقيناً مقابلاً.

    إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81]، إنها نظريات ثابتة قاطعة جازمة، إنها بالتأكيد التي تصدر أن: اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81]، والنصر ثابت مطرد، و(يصلح) صيغة مضارع مستمرة، والإفساد واحد في كل مذهب وملة ونحلة، فينقلب السحر على الساحر ويرد السلاح إلى نحر راميه، لا بد أن يوجد يقين بذلك ومن بعده عمل نتحدث عنه.

    مواقف من انتصار الرسول صلى الله عليه وسلم باليقين

    يقول الله جل وعلا: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227].

    لقد قاله سيد الخلق صلى الله عليه وسلم قبل بدر عندما خرج غير معد ولا مستعد، ثم واجه جيشاً يبلغ ثلاثة أضعاف عدده وعدته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم؛ هذا مصرع أبي جهل ! هذا مصرع أمية ! هذا مصرع عقبة بن أبي معيط !) فلم يخطئ واحد منهم المكان الذي عينه له صلى الله عليه وسلم.

    إنه اليقين بنصر الله! قاله أبو بكر يوم رأى محمداً صلى الله عليه وسلم يرفع يديه ويلح في الدعاء حتى يسقط رداؤه عن منكبيه، ثم يقول: (حسبك يا رسول الله! إن الله منجز لك ما وعد).

    أفليس هذا اليقين الذي نفتقده؟! أوليس هذا الإيمان الذي إذا غاب من قلوبنا لم يكن لنا بعد ذلك قيمة ولا وزن، ولا كلمة ولا هيبة ولا عزة؟ ينبغي أن ندرك حقائق الأمور.

    وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:5-6]، أي شيء كانوا بنو إسرائيل وأي قوة كانت مع موسى عليه السلام؟! ألم يكن فرعون هو فرعون القائل: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]؟ ألم يكن فرعون هو صاحب القوة والبطش والجبروت؟

    لكن لما قال أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] نطق لسان الإيمان واليقين، فقال موسى عليه السلام: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] فانفلق البحر، فنجا موسى وغرق فرعون، وذهبت قوته بجند من جنود الله عز وجل.

    أولم يقل أبو بكر رضي الله عنه يوم الغار: (لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله معنا)، لقد كان يقينه عظيماً عليه الصلاة والسلام يوم كانت حباله بالله موصولة، يوم كان قلبه بالله متعلقاً، يوم كان توكله على الله صادقاً، يوم كانت تقواه لله خالصة، يوم كانت إنابته إليه دائمة، عندما يكون ذلك كذلك تتحقق الأمور.

    قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51] أفليس لنا يقين بذلك؟ أفنظن أنه سيصيبنا أمر إذا أرادت أمريكا أو روسيا أو غيرها؟ كلا والله، لا يبلغ أولئك القوم شيئاً إلا بإرادة الله وقدره الذي يشاؤه، لحكمة يعلمها جل وعلا.

    نماذج من انتصار المسلمين باليقين

    ثم انظر إلى وقائع هذا اليقين في النخبة والصفوة الذين رباهم عليه الصلاة والسلام في يوم الأحزاب.. يوم الشدة، وقد كررنا المثل؛ لأننا نمر بهذه الحالة، ولأننا نراهم يتداعون علينا، ولأن الجيوش والجنود تحيط من كل جانب، ولأن الأحزاب تتحزب وتتألب، ماذا قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    قالوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22] ويوم قال لهم القوم: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران:173] قال الله في وصفهم: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173].

    ولم يكن ذلك في عهد الأصحاب فحسب، بل تاريخنا ينطق بذلك وقد أسلفنا القول فيه، ألم يقل ابن تيمية في معركة (شقحب) عام (702هـ) أي بعد سبعة قرون من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يبشر الناس ويثبتهم: إنكم لمنصورون والله إنكم لمنصورون! فيقولون: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، جزماً لما يرى من اليقين، وما يظهر من الإيمان، وما يبدو من شمس الصلاح والاستقامة.

    ننتبه إلى هذا، فإنه هو الذي يثبتنا بإذن الله عز وجل، إن هذا الإيمان واليقين يثبتنا ويعطينا عدة أمور مهمة أولها: الإدراك والوعي والفهم الذي ندرك به الحقائق، لئن كانت للباطل جولة بل وألف جولة فإن جولة الحق آخرها، وإنها جولة إلى قيام الساعة.

    تأخير النصر قد يكون للتمحيص

    وإننا لندرك حين نكون على هذا الإيمان واليقين سنة الابتلاء: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران:179]. غيب الله فيه حكم، وفيه ابتلاء، عندما نكون موقنين ندرك أن هذه من صفحات الابتلاء تنقلب، ويأتي بعدها النصر والرخاء: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:5-6].

    وكذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4]، أفهذه القوى عجولة أن تهزمها قوة الله جل وعلا؟ كلا. إن رعباً في القلوب.. إن خلفاً في الصفوف.. إن ريحاً تهب.. إن أرضاً تتزلزل.. إن بحراً ينشق.. إن أدنى شيء مما أراده الله عز وجل يدمر كل تلك القوى، ولكنها حكم الله عز وجل ينبغي أن نتأملها في الآيات والأحاديث والسنن.

    ويأتينا من بعد ذلك الثبات وعدم التراجع: وهو أمر مهم، فلا يثبت إلا مستيقن، ولا يمضي في طريقه شامخ الرأس إلا مؤمن معتز بإيمانه، ولذلك لا تستغربوا عندما ترون المواقف المخزية؛ لأنها ليس لها رصيد من إيمان ولا أساس من يقين، كيف نرتقب لمن خلت قلوبهم من الإيمان ونفوسهم من اليقين أن يقفوا مواقف عزة؟! أو أن تكون لهم في المواجهة قوة؟! ذلك تفسير واضح بدهي من خلال الفقه الإيماني في آيات الله سبحانه وتعالى.

    الأمر الثالث: الرجوع والالتجاء إلى الله: إن من عرف الخلل أدرك أنه لا بد من الإصلاح بالرجوع إلى الله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50].

    كل شيء تخافه تفر منه إلا الله، فإنك إن خفته فررت منه إليه، لا ملجأ ولا منجى لنا منك إلا إليك، وعجباً.. يرى المرء هذه الأحوال العصيبة وما زال الفن رافعاً راياته، والرقص ضارباً دفوفه، وما زالت الأمة كأنما هي نائمة نوماً لا تستفيق منه.

    فمتى سيستيقظ أولئك الغافلون؟ هل يستيقظون إذا طرقت أبوابهم ووقعت السقوف فوق رءوسهم؟! أم إذا أصابتهم البلية في أنفسهم وأزواجهم وأموالهم؟!

    هل بعد هذا كله ليس هناك مدكر ولا معتبر، ولا منزجر ولا راجع إلى الله سبحانه وتعالى؟

    ومن بعد ذلك الثقة والقوة: ثقة بالله، وقوة بقوة الله عز وجل، فإنه لا حول ولا قوة إلا به سبحانه وتعالى.

    1.   

    أهمية الإصلاح والاستقامة في مواجهة الملمات

    الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المؤمنين، ومعز الموحدين، وجاعل العاقبة للمتقين ولو بعد حين، له الحمد سبحانه وتعالى وعد بنصر عباده المؤمنين، وجعل لهم في الأرض الاستخلاف والتمكين، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاد، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    ضعف الاستقامة سبب لتأخير النصر

    الأمر الثاني: الإصلاح والاستقامة: وهو أمر بدهي ونتيجة تلقائية للإيمان واليقين، ألم نقل: إنه يجعلنا نعي وندرك؟ ألم نقل: إنه يجعلنا نرجع ونلتجئ؟ ألم نقل: إنه يجعلنا نثق ونتقوى بالله؟

    إذاً: أصلح حالك وحال أهلك، وحال مجتمعك، أصلح قلبك ونفسك، أصلح فكرك وعقلك، أصلح منطقك وقولك، أصلح حالك وعملك، يصلح الله عز وجل كل شيء من حولك، وقد جعلها الله عز وجل أسباباً منوطة بأخرى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7] أين نصر دين الله في واقع حياتنا نحن الأفراد؟

    لا تنظروا إلى الأمم، لا تنظروا إلى الحكومات، انظروا إلى ذوات أنفسكم، هل أقمتم الإسلام في نفوسكم؟ هل جعلتموه سمة ظاهرة في بيوتكم؟ من هي تلك المرأة المتبرجة؟ من هو ذلك الشاب الضائع؟ ما هي تلك المنكرات الظاهرة؟ ما هي تلك الكلمات الفاجرة؟ من أين تصدر في مجتمعاتنا وأممنا؟

    إنها مني ومنك.. ومن هذا.. ومن ذاك، ونحن نعلم أن المعاصي حاجبة لرحمة الله، مانعة لتنزل نصر الله، ما يدريك أن تبرج تلك المرأة وأن تسكع الشباب من أسباب تأخر النصر، ومن أسباب تسلط الأعداء، قال تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165].. ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:41]، بما كسبت أيدي الناس؛ فكل كلمة نابية مخالفة لشرع الله، وكل منكر مرتكب مخالف لما حرم الله، كل واجب متروك منقطع فيه عن الاستجابة لأمر الله؛ هو من أسباب هذا التأخير للنصر، ومن أسباب هذا الوهن في الأمة، ومن أسباب تضييع النصر، وتأخر التمكين، وتسلط الأعداء.

    كل فرد مسئول عن صلاح نفسه ومن تحت يده

    قد يقول القائل: وماذا عساي أن أفعل؟ ولئن قال كل كذلك فنقول له: خذ آيات القرآن: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38].

    ونقول له: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، ونقول له: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

    هل هذه تنوب عنك فيها الحكومات، أم يحملها عنك العلماء، أم يخفف وطأتها في حسابك الدعاة؟

    إنك مسئول بين يدي الله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فإذا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).، وقد قال صلى الله عليه وسلم لفلذة كبده: (يا فاطمة بنت محمد ! لا أغني عنك من الله شيئاً).

    فاعلم أنك مسئول! وهذه قضية مهمة، وهي مبدأ الطريق، ومفتاح الإصلاح والاستقامة، لا يكن أحدكم إمعة، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم، لم نلغو مع اللاغين ونخوض مع الخائضين؟! ولا يكون لنا ممانعة نسلم بها أنفسنا، ونقوم فيها بواجبنا تجاه أبنائنا؟ إن شخصيتك إن كانت قرآناً يتلى، وإن زوجتك إن كانت نموذجاً أمثل، وإن ابنك إن كان مربى تربية إسلامية صحيحة، فهذا كله يصب في خدمتك لأمتك، ويصب في قيادتك لهذه الأمة، ونحن نرى أحوالاً كثيرة، فكم هناك من خلل بين الأزواج والزوجات؟ كم من ظلم وبغي وتسلط بغير حق من الأزواج على الزوجات؟

    وكم من تفريط وتقصير من الزوجات في حق الأزواج؟

    كم من عقوق من الأبناء للآباء؟ وكم من تفريط وتضييع من الآباء للأبناء؟ وكم من معاملات زائغة وكم من انحرافات فاجرة وكم.. وكم.. وكم؟

    ثم بعد ذلك نسأل: أين نصر الله؟ ونسأل: لم يتسلط علينا أعداء الله؟! وهذا مما ينبغي لنا أن نتأمله وأن نتدبر فيه، وهذا هو الأمر المهم الذي نحتاجه ولا بد لنا منه، وكما قلنا: لا تكن إمعة، ولا نريدك أن تكون تابعاً، بل نريدك أن تكون قائداً وزعيماً في الخير والحق والدعوة إلى إصلاح القلوب، وقوة العزائم.

    أرشد العقول ببيان وتعليم، حرك الهمم والعزائم بأمثلة مضروبة، لم لا يكون أحدنا كما قال الله عز وجل في دعاء عباده: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]؟

    كل منا لو كان قائداً في الحق ورائداً في الخير وسابقاً إلى المعالي، لوجدنا هذه الروح وهي تلتهب، والمنافسة وهي تشتعل، والهمم وهي تعلو نحو التشبث بمرضاة الله وإصلاح أحوالنا، وكل منا مسئول، فنسأل الله عز وجل أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً.

    أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أهمية العمل والإعداد لمواجهة الأعداء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

    أمر الله للمؤمنين بإعداد القوة

    ثالث الأمور التي نتحدث عنها العمل والإعداد: فإن الصلاح والاستقامة في ميادين العمل الذي يصلح به المرء نفسه في عبادته وطاعته، وأما العمل والإعداد فعلى مستوى الأمة، وقد قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال:60] قال ابن كثير: والمقصود بذل أقصى الطاقة والقوة في كل ما أمكن، والقوة المقصود بها كل ما يتقوى به على العدو.

    (ترهبون به عدو الله) قال الطبري : تخزون به عدو الله، وقال ابن كثير : تخوفون به عدو الله. وقال غيرهم: الخوف مع الاضطراب هو حقيقة ذلك الإرهاب، (وآخرين من دونهم) كل أعداء الإسلام.

    وقد قيل لـعنترة : بم نلت هذه الشجاعة حتى صار ذكر اسمك يرعب القلوب؟! قال: كنت أعمد إلى الرجل الرعديد الجبان فأضربه ضربة قوية ينخلع لها قلب القوي الشجاع، فهناك يكون الاعتبار بالأول لمن وراءه.

    فوائد إرهاب العدو

    ذكر الرازي رحمه الله في هذا الإرهاب الإسلامي المطلوب وجوهاً من الفوائد والمنافع أولها: أن لا يجترئ الأعداء على ديار الإسلام، ومتى كان لهم في ذلك حلم لو كان هناك أهل إيمان وإحسان، وأهل قوة وهيبة.

    ولذلك نقول كما قال الرازي رحمه الله أيضاً: إنه ربما يقودهم الخوف إلى الإذعان من غير قتال، ودفع الجزية مهادنة ومصالحة.

    الأمر الثالث: أن هذه القوة والإرهاب قد تكون داعيةً لهم إلى الإيمان؛ لأنهم يرون أصحاب الإيمان وهم أهل قوة، وأهل بسط، وأهل هيمنة، وأهل عزة، فيرون أن ذلك ما يكون إلا لخير في هذا الدين فيؤمنون به.

    كذلك من الفوائد: أنهم لا يعينون غيرهم من الكفار، إن كانوا قد امتنعوا بأنفسهم فإن الرهبة من أهل الإيمان تمنعهم أن يكونوا سنداً لغيرهم، وقد كان ذلك كذلك في عصور الإسلام الزاهية.

    ومن ذلك أيضاً: العزة في أهل الإسلام كما قال الرازي : أن يثبت الإيمان في القلوب وأن يعتز المسلمون بإسلامهم.

    والأحوال اليوم منقلبة، والقوة ضائعة، والرهبة لا وجود لها، ترى كثيراً من المؤمنين وهم مطأطئون برءوسهم، وهم يشعرون بشيء من الاحتقار والذلة لعدم يقينهم وإيمانهم الصحيح، ولعدم فهمهم ووعيهم التام؛ لكن ذلك واقع في حقيقة الأمر.

    فوائد القوة إذا كانت في جانب المسلمين

    ينبغي لنا أن ننتبه إلى هذا الإعداد والقوة التي تؤمن المختارين لهذا الإسلام، فلها فوائد عديدة:

    أولها: أن أهل الإسلام والإيمان بحاجة إلى من يحمي بيضتهم.. من يذب عن أعراضهم.. من يمنع تدنيس مقدساتهم.. من يحفظ أرواحهم وأموالهم.

    الأمر الثاني: إرهاب أعداء الله عز وجل.

    الأمر الثالث: أنها إقعاد عن مواجهة دعوة الإسلام، فإذا عرف الناس قوة الإسلام تركوا له الطريق يمضي، وإذا به يغزو القلوب بالحق واليقين والبرهان، لا بالقوة والعنف كما يزعمون، وإذا بنا أيضاً نجعل القوة في آخر الأمر تحطيماً للقوى الباغية الظالمة الجائرة التي تصد عن دين الله، وتتسلط على خلق الله، وتظلم عباد الله.

    وحق لأهل الإسلام أن يتولوا وأن يكونوا أهله، فذلك هو شأنهم، وذلك هو فرضهم وواجبهم، ولقد قالها ربعي بن عامر في كلماته التي تحفظونها يوم خاطب القوى العظمى في زمانه: (جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة).

    واليوم نعرف أنه عالم القوة، فأي شيء يتحدث اليوم؟ هل هو العدل: كلا. هل هو المنطق؟ كلا. هل هو القوانين؟ كلا. هل هي الإنسانية؟ كلا. إن الناطق اليوم هو القوة، فلا قول ولا كلمة إلا لصاحب قوة.

    سنة الله في الأخذ بالأسباب

    ينبغي لنا أن نبذل هذه الأسباب، والأسباب من سنن الله عز وجل ينبغي الأخذ بها معنوياً ومادياً قال تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [مريم:25]، أمرت مريم وهي امرأة ضعيفة في وقت المخاض أن تهز جذع نخلة، وما عسى أن تهز فيه! لكنها أخذت بالسبب، وجاءت النتيجة من الله سبحانه وتعالى.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (اعقلها وتوكل)، وقد ضرب عليه الصلاة والسلام المثل في هجرته، فأخذ للأمر عدته وأهبته وتخطيطه الكامل التام، ثم جاءت بعد ذلك عناية الله عز وجل لتجبر كل نقص في تدبير المسلم، وكل خلل فيما أعده من الأسباب، وذلك هو الذي نرتقبه ونأمله.

    أما بلا إيمان ويقين، وبلا صلاح واستقامة، وبلا عمل ولا إعداد، فإن سنن الله ماضية لا تحابي أحداً، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أولى خلق الله بأن تنكسر أو تتخلف سنن الله عز وجل في حياته، ولكن لما خالف بعض أصحابه يوم أحد دارت الدائرة، وشج وجهه، وسال الدم على جبهته، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه عليه الصلاة والسلام، فلئن كان ذلك كذلك مع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فكيف بمن دونه ممن هو بعده؟ نسأل الله عز وجل أن يرد الأمة إلى دينه رداً جميلاً، ونسأله أن يصرف عنها الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إن قضيت فتنة فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداةً مهديين، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيهما، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وارفع درجاتنا، وضاعف حسناتنا، برحمتك يا رب العالمين!

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيها أهل طاعتك، ويذل فيها أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه.

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك يا رب العالمين! وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

    اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم أنزل في قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، اللهم وحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين!

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطئمناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

    وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.