إسلام ويب

المسلم بين النصيحة والفضيحةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للنصيحة منزلة عظيمة في الدين الإسلامي، بل هي الدين كله كما قال ذلك رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، ولها شروط وضوابط ينبغي مراعاتها حتى تؤتي ثمارها؛ فإنها إذا خرجت عن شروطها وضوابطها انقلبت إلى فضيحة، وجاءت ثمارها معكوسة.

    1.   

    تعريف النصيحة

    الحمد لله الذي حبب إلينا الطاعة والإيمان، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأرشد إلى النصيحة والبيان، وحذر من الفضيحة والبهتان، أحمده سبحانه وتعالى هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه؛ هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، وله الحمد في الأولى والآخرة، له الحمد على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى.

    وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، جعله الله عز وجل خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وبعثه إلى الناس أجمعين، وجعله رحمة للعالمين.

    وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا جميعاً اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! موضوع حديثنا هذا هو عن (المسلم بين النصيحة والفضيحة) نستعرض فيه ملامح الشخصية الإسلامية.

    وقد سلف لنا الحديث على أن المؤمن مبلغ عن الله، وداعٍ إلى دين الله، ومرشد إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ناطق بالحق، داعٍ ومرغب في الخير، وهذه السمة هي من أعظم سمات المسلم، والنصح هو أيضاً أمر عظيم يؤدي به المسلم ذلك البلاغ، ويحقق به ما كلفه الله جل وعلا به.

    فالنصيحة: هي كلمة جامعة لإرادة الخير وحيازته للمنصوح، وأصلها بالاشتقاق اللغوي: من نصحت الثوب إذا خطته، أو من نصحت العسل إذا صفيته، فالمقصود بها: رتق العيوب، وسد الخلل، والتصفية ونبذ ما لا يليق بالمسلم، وتحذيره من المخالفة، وزجره عن المعصية، وجذبه إلى الطاعة، ليخلص من الشرور والآثام، وليبعد عنه آثارها العظام، وهذا الأمر هو الذي ينبغي أن يتنبه له المسلم.

    والنصيحة هي من أعظم ما يكلف به المسلم، بل هي الحد الذي لا ينفلت ولا ينفك عنه مسلم، كما قال جل وعلا: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:91].

    وقد تعجز عن بعض الفعل لعذر شرعي، لكن نصحك لله ولرسوله ونصحك للأمة ولعباد الله، أمر ينبغي أن ينطوي عليه قلبك، وأن ينطق به لسانك، وأن يكون ديدنك في حياتك كلها مع كل إخوانك، بالأسلوب الحسن، وبالمنهج الشرعي، ووفق الهدي النبوي الذي علمنا إياه رسولنا صلى الله عليه وسلم.

    وقد ذكر الله جل وعلا لنا في قصص الأنبياء والمرسلين شعاراً قاله بعضهم وطبقه كلهم: وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ [الأعراف:68].

    والنصح فيه إخلاص وأمانة ومحبة للمنصوح وإرادة الخير له؛ فإنما المسلم هو الذي يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، فإن هداه الله إلى الطاعة وإن وفقه إلى الخير، أحب أن يشاركه سائر إخوانه في تلك الطاعات وفي المسارعة والمسابقة إلى الخيرات.

    1.   

    مكانة النصيحة في دين الإسلام

    لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مكانة النصيحة، كما في الحديث العظيم المشهور الذي رواه تميم الداري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم).

    فهذه النصيحة رحبة المدى، متعددة الأنحاء، وهي أمر عظيم في هذا الدين، ولذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) قال أهل العلم: أي: قوامه وعماده وأساسه النصيحة؛ لأن بها سياج لسائر المأمورات؛ ولأن بها حماية من سائر المنكرات، ولذلك قال بعض أهل العلم في هذا المعنى: إن المراد أن غالب الدين يدور على النصيحة، وقد جاءت عنه عليه الصلاة والسلام أحاديث أخرى فيها مثل هذا المعنى، كقوله: (الحج عرفة).

    1.   

    واجب المسلم في النصيحة لإخوانه

    وتأمل تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ لكي تقوم بهذه المهمة دون الخروج عما ينبغي أن تكون عليه أثناء أدائها، فهذا جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه يروي لنا مبايعته للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)، وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي زاده في بيعته: (والنصح لكل مسلم).

    ولنعلم أيضاً الحديث المشهور المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه في ذكر حقوق المسلم على المسلم ومنها: (إذا استنصحك فانصحه أو فانصح له) فهذه حقوق وواجبات، وهذه معالم وسمات ينبغي للمسلم أن يرتبط بها، وأن يحرص عليها، فما معنى نصحك لإخوانك المسلمين؟ وأي دلالة تؤديها هذه الكلمة؟ إنها ليست مجرد كلمات عابرة تقولها أو أمراً أو تذكيراً تقوله مرة واحدة أو في شأن واحد، بل الأمر أوسع من ذلك وأرحب.

    وأقف بك -أخي المسلم- مع قول الإمام النووي في بيان ما يجب عليك من النصح لإخوانك المسلمين؛ لترى أن في هذا الأمر من العظمة والاتساع والتنوع والتعدد ما هو جدير أن تلتفت له، وأن تعتني به، وأن تبذل فيه من جهدك وطاقتك وعلمك ووقتك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

    هذا الإمام النووي رحمة الله عليه يقول في شأن النصيحة للمسلمين: إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم، ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، وأن يكره لهم ما يكرهه لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك.

    فانظر -رحمك الله- إلى عظيم هذه الأمور والواجبات، وإلى ما ينبغي أن يشيع بيننا من النصائح والمواعظ والأمر والنهي؛ فإن ذلك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه الدين، أي: قوامه وأساسه وغالبه.

    1.   

    فضل المسلم الناصح

    هذا الفضيل بن عياض أحد أئمة التابعين يبين لنا ويرشدنا فيقول: ما أدرك عندنا من أدرك بكثير صلاة ولا صيام، وإنما أدرك من عندنا بسخاء النفس، وسلامة الصدر، والنصح للأمة.

    لا يبلغ المسلم المراتب العالية بمجرد كثرة صلاته وصيامه -وإن كان هذا مما يؤمر به- ولكن بسخاء النفس، وسلامة الصدر، والنصح للأمة، فإن هذه هي المعاني الإيمانية القلبية والمعالم التربوية النفسية وأثرها الظاهر في النصح للأمة والإخلاص لها.

    وعن الحسن البصري رحمة الله عليه أنه قال: لو شئتم أن أقسم لكم لأقسمن: إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، والذين يحببون عباد الله إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة.

    ويقول في مقالة أخرى: يجب عليك لأهل قبلتك أربع: تعين محسنهم، وتحب تائبهم، وتستغفر لمذنبهم، وتدعو لمدبرهم.

    فانظر -رحمك الله- إلى هذه الكلمات كم فيها من الإشراقات والأنوار، وكم فيها من بيان الإيمان وصفاء القلب، وكم فيها من تهذيب النفس وطهارتها! إن واجبك تجاه إخوانك أن تعين المحسن على إحسانه، وأن تحب التائب لإقلاعه، وأن تكون مستغفراً للمذنب رجاء أن يعفو الله عنه، وأن تدعو المدبر، وأن تسير في إثره، وأن تلح عليه، وأن تلحقه وتدركه علك أن تكون سبباً في إنقاذه من النار بنصحك له ودعوتك له، فهذه كلها من الأمور المهمة.

    1.   

    الفرق بين النصيحة والفضيحة

    ووقفتنا التي نفرق فيها بين ما ينبغي وما لا ينبغي، وما ندعو إليه وما نحذر منه، وبين ما بين لنا الشارع محاسنه وبين ما حذرنا من مساوئه؛ هي تلك النصيحة عندما تنقلب إلى فضيحة، وعندما يجهر بها في المجالس، وتشاع في المجامع، وتعلن بالصوت المرتفع، وتجبه بالأسلوب السيئ البغيض المنفر، فليست حينئذ تؤدي أثرها، ولا تكون على صواب وسواء في نهجها.

    فهذا الفضيل بن عياض يبين لنا الفرق فيقول: إن المؤمن يستر وينصح، وإن المنافق والفاجر يهتك ويعير.

    فإن كنت مؤمناً مخلصاً في محبتك لإخوانك فاستر عليهم قصورهم وعيوبهم، ثم اخلص بالأسلوب الحسن والحكمة والموعظة الحسنة إلى قلوبهم وإلى آذانهم وإلى عقولهم، وانصحهم بالتي هي أحسن، فإن سترك عليهم مظنة قبولهم منك، وإن سترك عليهم عون لهم على الإقلاع عن الذنوب.

    أما التجرؤ بهتك أستار الناس والتلفظ بمعايبهم على سبيل التنقص والتعيير فليس من النصيحة في شيء، وقد نقل ابن رجب عن السلف أنهم كانوا يقولون: من أمر أخاه على رءوس الملأ فقد عيره.

    ونقل عن سلف الأمة أنهم كانوا يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه، أي: على وجه الإعلان والمجابهة وإشهار العيوب، قال: ويحبون أن يكون الأمر سراً بين الآمر والمأمور، فإن هذا من علامات النصح، فإن الناصح ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها.

    فإن كنت مخلصاً فما الفائدة في إعلان المعايب؟ وما الذي يرجى من إشهار الأخطاء؟ وإن كنت تريد التغيير ومنع الواقع في المنكر عن منكره فالطريق الشرعي أن تفضي بنقدك له مباشرة، وأن تسر له بالنصيحة بينك وبينه، فإن ذلك أدعى للقبول وحصول التأثير.

    وبعض الناس بحجة النصيحة يقعون في الفضيحة، وبحجة إحقاق الحق يقعون في عين الباطل، فتجد بعضهم كأنما يذيع نشرة أخبار يقول عن هذا كذا وعن ذاك كذا، وهذا فعل كيت وكيت، وذاك قال كذا وكذا، وقد اطلعت من هذا على هذا وهذا! وما تجلس في مجلس إلا وتسمع منه من الكلمات والفحش ما هو محذور، وما هو خطر جليل عظيم.

    إن الله جل وعلا يحذرنا بقوله جل وعلا: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26]، قال ابن عباس وغيره من سلف الأمة في تفسير هذه الآية: القول الخبيث والكلمات الخبيثة للخبيثين. وقال ابن جرير مرجحاً هذا المعنى: لا يصدر القول القبيح إلا من القبيح، ولا يصدر القول الطيب إلا من الطيب.

    والنبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي برزة الذي رواه أبو داود والإمام أحمد وسنده صحيح- يحذرنا من هذا تحذيراً لو تأمله المسلم لما تجرأ على هتك أعراض إخوانه وفضحهم بحجج وهمية وبمناهج فيها من الخطأ ما فيها، يقول عليه الصلاة والسلام: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتتبع عورات المسلمين يتتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته)، فقوله: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه) أي: لم يخلص الإيمان إلى التمكن من قلبه والتأثير في نفسه وظهور آثاره في فعله، قال: (لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من يتتبع عورات المسلمين يتتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته) فهل بعد هذا البيان من بيان؟ وهل بعد هذا التحذير والوعيد من وعيد؟

    1.   

    المحاذير التي تحصل بسبب النصيحة العلنية

    فانظر -أخي المسلم- إلى المحاذير والآثار التي تقع من هذا العمل:

    إن القائل بالنصيحة على رءوس الأشهاد، والمعلن للأخطاء في المحافل والمجامع، والمكرر لهذا الفعل في سائر أوقاته وأحواله يرتكب أموراً فيها محاذير شرعية كثيرة:

    سوء الظن بالمسلمين

    الأمر الأول: سوء الظن بالمسلمين:

    لأن هذا هو المذهب الذي يدفعه إلى ما بعده، والله جل وعلا قد قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ [الحجرات:12]، وفي الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث).

    التجسس

    الأمر الثاني: التجسس:

    لأن سوء الظن يدفعه إلى أن يتحقق بزعمه، فيبحث مستمعاً متنصتاً، أو ناظراً متجسساً، أو باحثاً متعقباً عن عورات المسلمين وعن سقطاتهم وعن فلتات كلماتهم، بل ربما تجرأ فدخل بكلامه إلى داخل قلوبهم وإلى خبايا نياتهم، والله جل وعلا قال: وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات:12]، والنبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تجسسوا، ولا تحسسوا).

    الغيبة

    الأمر الثالث: أمر الغيبة:

    وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغيبة، كما في الصحيح أنه سئل: (يا رسول الله! وما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله! أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، فليست الغيبة أن تقول شيئاً في حقيقته كذب، بل الغيبة أن تقول شيئاً صحيحاً، لكنك تخالف بإشاعة هذا الأمر، ولا تجعل طريقك الصحيح بالنصح المباشر إلى الواقع في المنكر.

    عدم التثبت من الأقوال والأفعال

    الأمر الرابع: ترك الأمر القرآني في التثبت من الأقوال والأعمال والأحوال:

    فإن الله جل وعلا قد قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6]، وكثير من ناقلي هذه الأقوال إنما ينقلون أقوالاً لا خطام لها ولا زمام، فإن قلت له: هل سمعت بنفسك، أو رأيت بعينك؟ قال: بل قالوا! ويسند إلى مجاهيل لا تعلمهم، أو ثقات عنده، وحسبك بتوثيقهم أنهم مجروحون، كما قال عمر بن عبد العزيز عندما بلّغه بعض الناس خبراً عن آخرين: إن كنت كاذباً فحسبك بالكذب إثماً، وإن كنت صادقاً فحسبك بالنميمة إثماً.

    فنقل الخبر على سبيل التنقص والتعيير وإشهار العيوب إنما هو من هذا الجانب.

    عدم الستر على المسلم

    الأمر الخامس: مخالفتهم لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالستر على المسلمين:

    فأين نحن من هذا النداء الذي حضنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم على الستر، كما في الحديث الصحيح أنه قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن فرج عن مسلم فرج الله عنه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة

    فلم يجترئ ذلك الفاعل على فضح المسلم؟ نسأل الله عز وجل السلامة.

    الفحش والبذاءة

    الأمر السادس: وقوعه في محظور آخر لا يليق بالمسلم، وقد تنزه عنه النبي صلى الله عليه وسلم وبين فظاعته وحذر منه، وهو الفحش في القول؛ لأن كثيراً من الناس يقولون: فلان قال كذا وكذا، ثم ينقلون الألفاظ البذيئة، وقد يصفون الأفعال القبيحة، فهم بأنفسهم يقولون هذه المقالات، ويصفون هذه الأعمال التي لا ينبغي أن تكون على لسان المؤمن، ولا في مجامع المسلمين.

    فلا ينبغي أن توصف الفواحش وأن تذكر الأقوال البذيئة؛ هذا مما ينبغي أن تصان عنه المجالس.

    وأن تحمى منه القلوب والنفوس، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والفحش والتفحش!)، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ولا طعاناً ولا صخاباً في الأسواق، كما في ورد في وصفه عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الآثار المترتبة على قلب النصيحة إلى فضيحة

    فانظر -رحمك الله- كم من المحظورات قد ارتُكبت عندما فُعل هذا الفعل؟ ثم انظر مرة أخرى إلى الآثار المترتبة على انقلاب النصيحة إلى فضيحة:

    عدم قبول النصيحة

    أولاً: عدم القبول لهذه النصيحة:

    لأن النفوس تصد عما يكون فيه إظهار لعيبها، وإشهار لخطئها، فإذا نصحت الرجل في الملأ من الناس أو أظهرت عيبه من ورائه فغالب الأحوال أنه لا يرتدع، بل يصر ويمضي على معصيته، ويبقى على مخالفته، ثم قد يلتمس لها تأويلاً، وقد يبحث لها عن دليل؛ وما ذلك إلا بسبب ما وقع في نفسه من أثر سوء فعلك ومن أثر فضحك له.

    تغير القلوب

    الأمر الثاني: تغير القلوب وحصول الشحناء والبغضاء، وشيوع سوء الظن والريبة بين الناس:

    فإن الذي فضحته لا شك أنه في الغالب يضمر لك في قلبه كرهاً، ويحمل لك في نفسه شراً، والآخرون الذين سمعوا تغيرت قلوبهم، وزادت ريبتهم، وتحقق تخوفهم وحذرهم، فيحصل من وراء ذلك ما لا يليق بأمة الإسلام من إساءة الظن، وتتبع العثرات، وترقب المحاذير والمعايب، وهذا كله فساد لأصل المودة والأخوة الإيمانية الواردة في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، وهذا يبعث على تغير القلوب.

    وفي حديث معاوية رضي الله عنه الذي رواه أبو داود وابن حبان بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنك إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت تفسدهم)، أي: إنك تعلمهم كيف يسيئون الظن بغيرهم، وتعلمهم كيف يجترئون على حرمات إخوانهم، وتعلمهم كيف تنصرف ألسنتهم بالغيبة من أثر هذا الفعل، وكم في إفساد القلوب وإفساد النوايا والطوايا بين أهل الإسلام وأهل الإيمان من آثار وخيمة وعواقب عظيمة!

    إشاعة الفاحشة

    الأمر الثالث: إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا:

    فالله جل وعلا قد نهى عن ذلك وحذر منه فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدنيا والآخرة [النور:19]، فهذا التحذير معناه: ألا يذكر المرء وقوع الفواحش، وألا يذكر من ذكرها؛ حتى لا يكون في ذلك تسهيل للناس إلى الوقوع فيها، أو إرشاد لهم إلى طرائقها، أو تهوين من خطرها وفظاعتها، أو عدم التفات لما وقع في الآيات والأحاديث من التحذير منها، وذلك كله من أعظم الأمور وأخطرها، ولذلك ورد عن بعض السلف في شأن إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا أنه قال: اجتهدوا أن تستروا العصاة؛ فإن ظهور عوراتهم وهن في الإسلام، أي أنه يظهر المجتمع المسلم كأنه مجتمع فحش وجرائم وأمور لا تليق بصفاء القلوب ولا بنقاء السرائر ولا بالصلة بالله؛ فينبغي أن يحذر المرء من ذلك.

    الاشتغال بعيوب الآخرين عن عيوب النفس

    الأمر الرابع: انشغال مثل هؤلاء الناس بعيوب غيرهم عن عيوبهم:

    وحسبك بهذا أثراً خطيراً؛ لأن كثيراً من أولئك قد تفرغ في وقته وفكره لتتبع أخطاء الناس وفضحهم بحجة أنه يظهر الحق، وهذا في غالب الأحوال ينسى نفسه، ويغض الطرف عن عيبه، ويقسو بذلك قلبه، وقد قال ابن رجب : فشتان بين من قصده النصيحة وبين من قصده الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا على من ليس من ذوي العقول الصحيحة.

    أما صاحب العقل الصحيح والقلب الحي فإنه يدرك ويفرق بين ما هو نصيحة وبين هو فضيحة.

    وعن الحسن البصري أنه قال: من سمع بفاحشة فأفشاها كان كمن أتاها، وما تزال الفاحشة تفشو بين المؤمنين حتى تصل إلى الصالحين فهم خزانها. أي: يمسكون عن نشرها وإشاعتها لئلا يسهل على الناس ذكر مثل هذه الأمور.

    فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل النصح والإخلاص، وأن يجعلنا ممن يجتنبون هذه المحاذير ويبتعدون عن هذه الآثار، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    وقفات من هدي السلف وتوجيهاتهم في باب النصيحة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله عز وجل، وإن من التقوى إخلاص النصح لأخيك المسلم على الوجه الشرعي، وإن من التقوى تجنب هتك ستر المسلم وفضحه على رءوس الأشهاد إلا ما كان محتاجاً إليه منصوصاً عليه لك فيه مستند من شرع الله جل وعلا، وذلك ليس إلا في النادر من الحالات التي ذكرها أهل العلم، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيراً ما يقول: (ما بال أقوام يفعلون أو يقولون كذا وكذا؟)، فبيانك الأمر مغنٍ عن بيان فاعله أو قائله إن كنت تريد الإصلاح والنصح والتغيير بما يرضي الله سبحانه وتعالى.

    وأقف أيضاً وقفات يسيرة مع أقوال سلفنا وتوجيهاتهم وإرشاداتهم، وهم القوم الذين قد عظم الإيمان في قلوبهم، وغزر علمهم، وصح عندنا حسن اعتقادهم، وظهر لنا كثير من آثار تقواهم وورعهم، فهم ممن نستهدي بهديهم وممن نقتفي آثارهم:

    هذا أبو بكر عبد الله بن عبد الله المزني يقول ناصحاً لنا وموجهاً كلمات جميلة انتخبت بعضاً منها: احملوا إخوانكم على ما كان فيهم، كما تحبون أن يحملوكم على ما كان فيكم، وإذا رأيت من هو أكبر منك سناً فقل: هذا خير مني؛ قد صام وصلى وعبد الله قبلي، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: هو أحدث مني سناً، وأقل ذنوباً، واتخذ أكبر المسلمين لك أباً وأوسطهم لك أخاً وأصغرهم لك ابناً، أوتحب أن تعذب الطفل الصغير، أو تظلم الشيخ الكبير؟ ولتشتغل بذنوبك عن ذنوب العباد، واشتغل بالتوبة والاستغفار، وليسعك ما أنعم الله به عليك عما أنعم به على العباد، واشتغل فيه بالحمد والذكر والشكر، ولا تنظروا لذنوب الناس كالأرباب، وانظروا إلى ذنوبكم كالعبيد.

    وأحب أيضاً أن أنبه إلى ما نبه إليه الصحابي الجليل أبو الدرداء رضي الله عنه في مقالة عظيمة مؤثرة اقتبسها من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحتاج منا إلى التأمل والانتباه! يقول فيها: (أيما رجل أشاع على امرئ مسلم كلمة هو منها بريء؛ ليشينه بها، كان حقاً على الله أن يعذبه بها يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال)، وهذا اقتباس من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الطويل الذي رواه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ورواه البيهقي في سننه عن ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في ضمن حديثه: (ومن بهت مؤمناً -أي: قال فيه بهتاناً وافتراءً ما ليس فيه- حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي فيما قال بمخرج وليس بخارج).

    وهذا التحذير يبين لنا ما يترخص فيه بعض الناس من إشاعة القول من غير تثبت ولا بينة، بل بعضهم قد يعلم كذب القول ويشيعه، وذلك له أسباب ودوافع ليس هذا المقام مقام ذكرها، ومن أكثرها: الحسد لأهل الخير والصلاح، أو لمن يوفقه الله عز وجل لإرشاد أو لإصلاح أو لتقدم في أمر من الأمور، فإن الحسد يوغر الصدور، ويحمل على ارتكاب عظائم الأمور.

    وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرشدنا إلى تحقيق هذه المعاني الإيمانية التي ينبغي أن ننتبه لها حيث قال: (لا تعجبكم من الرجل طنطنته، ولكن من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس فهو الرجل).

    وروى ابن أبي الشيخ في (التوبيخ والتنبيه) عن أعرابي أنه قال: إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، فمن نطق بقبح فإنما استمده من قبح ما في قلبه، ومن نطق بفحش فإنما ذلك استمداد من قلبه. والله يعلم إن قلبي لك شاكر ولساني لك ذاكر، وهيهات أن يظهر الود المستقيم في القلب السقيم؛ فإن القلب المريض الذي قد غشه صاحبه بالبغض لأهل الإيمان أو الحسد لأهل السبق في الخيرات إنما يصدر عنه -غالباً- ما لا يكون لائقاً بالمسلم.

    وهذا أكثم بن صيفي ينصح بنيه قائلاً: يا بني! كفوا عن ذكر مساوئ الناس تصف لكم صدورهم.

    فالنصيحة أيها الأخ المسلم! مطلوبة منك وواجبة عليك، لكنك ينبغي أن تخلص فيها لله أولاً، وأن تكون فيها على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانياً، وأن تمضي في تكرارها والثبات عليها ثالثاً، وأن تحذر أن يخالط قلبك شيء مما حذر الله ورسوله منه، أو أن يخالط قلبك ما لا ينبغي أن يكون تجاه أخيك المسلم؛ فإنك تبغض منه معصيته، وتحب منه ما كان من طاعته، وتود من قلبك لو أقلع عن المعصية؛ فإن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

    واحذر مما يقع فيه كثير من الناس من الفضح، والهتك، والتجسس، والغيبة، وإشاعة الفواحش، وكن واقفاً لأولئك القوم بالمرصاد نصحاً لله ولرسوله، وبين لهم الآثار الوخيمة، وبين لهم المحاذير الشرعية التي يقعون فيها أثناء ذلك، فسلف الأمة -كما أثر عن كثير من علمائهم وفضلائهم- كانوا لا يغتابون أحداً، ولا يسمحون في مجالسهم أن يُغتاب أحد، فإن تكلم أحد نهوه، فإن سكت وإلا قاموا من المجلس؛ لئلا يكونوا في ذلك مشاركين.

    واعلم أخي المسلم! أن من أعظم الحرمات حرمة المسلم في عرضه وماله ودمه، فقد جاءت النصوص حافظة لهذا المعنى معظمة له، فاحذر أن تكون واقعاً في هذا، والله أسأل أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح.

    اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.

    اللهم وفقنا للصالحات والخيرات، واصرف عنا الشرور والسيئات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آتٍ.

    اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.

    اللهم أنزل علينا الرحمات، وأفض علينا الخيرات، وضاعف لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات، وامح عنا السيئات، وأقل لنا العثرات يا رب العالمين.

    اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية.

    اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، ولا تخزنا اللهم يوم العرض عليك.

    اللهم اجعلنا ممن أخلصوا دينهم لك، اللهم اجعلنا ممن حرصوا على اتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم.

    اللهم اجعلنا من الناصحين لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم يا رب العالمين.

    اللهم اجعلنا من القائلين بالحق والداعين إلى الخير والمتبعين لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين!

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، برحمتك وقوتك يا رب العالمين!

    اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد المسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وفرق كلمتهم، اللهم نكس راياتهم، وأذل أعناقهم، وسود وجوههم، اللهم أبطل مكرهم، اللهم رد كيدهم في نحورهم، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك اللهم في نحورهم، اللهم أنزل بهم سخطك وعذابك وبأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء!

    اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والأسرى والمسجونين، والمشردين والمبعدين.

    اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، والنسوة الثكالى، والأطفال الرضع، والشيوخ الركع، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم قرب فرجهم، ونفس كربهم، وفرج همهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم، جائعون فأطعمهم، مشردون فسكنهم، اللهم ارزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، اللهم اجعل ما قضيت زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين.

    عباد الله: صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    والحمد لله رب العالمين.