إسلام ويب

مشروعات رمضانيةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شهر رمضان موسم الطاعات، ومحل المغفرة والرحمات، ففيه تضاعف الأجور، ويكثر إقبال الناس على الطاعات، وتمتلئ المساجد بالمصلين والتالين للقرآن، وجدير بنا أن نستغل هذا الشهر الكريم بالمشروعات الرمضانية الأخرى، وألا تكون أعمالنا فيه عشوائية، بل نجعله منطلقاً لمشاريع خيرية تنمي جوانب الخير، وتقطع وسائل الشر عن أنفسنا ومجتمعنا على الدوام.

    1.   

    مقدمة عن أهمية التخطيط والإعداد والعزم والتجديد والابتكار في الحياة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمدنا بواسع رحمته، وأن يجعل مجلسنا هذا تحفه ملائكته، وأن يبلغنا وإياكم رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يوفقنا لطاعته ومرضاته إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.

    رقم هذا الدرس في سلسلة الدروس العامة (181) وعنوانه: مشروعات رمضانية.

    ومناسبة انعقاده في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر شعبان عام (1424هـ) حيث لا يفصل بيننا وبين الشهر الكريم إلا أيام قلائل.

    وموضوعنا هذا أحبتي الكرام! موضوع عملي وليس نظرياً، فكل ما سنذكره من المشروعات مقترحات وأفكار لأعمال يمكن لكل واحد منا أن يقوم بها، ولعلي من البداية أقترح عليكم أن تخرجوا أقلامكم وشيئاً من أوراقكم لتدونوا هذه الأفكار آملاً في أن تتحول إلى واقع عملي.

    أولاً: أهمية التخطيط والإعداد، كل موسم وكل عمل في أمورنا الحياتية نخطط له ونستعد له قبل بدايته، وقريباً بدأ موسم الدراسة، وجميع الحاضرين بلا استثناء كانوا يفكرون فيه ويعدون له، وأبناؤهم يطلبون منهم ويركبون معهم حتى يتهيئوا لهذا الموسم قدوماً إن كانوا مسافرين، وسكوناً واطمئناناً إن كانوا متحركين، وشراءً للاحتياجات الناقصة، ومتابعة للأمور اللازمة ونحو ذلك، ورمضان أولى بذلك وأجدر، فهو زائر كريم ووافد عظيم، وضيف عزيز، كيف بنا لا نتهيأ ولا نخطط لاستقباله.

    ثانياً: أهمية العزم والمعاهدة، ما تقوله الآن وتعزم عليه لا يكون له أثر لو أنك لم تفكر فيه ولم يرد ببالك، وإذا حولت هذا العزم إلى معاهدة بينك وبين أهلك أو بينك وبين زملاء العمل أو بينك وبين أهل حيك، فإن هذا يرتقي إلى أن يكون أمراً نتوقع أن يتحقق بنسبة كبيرة، مع الانتباه لقضية مهمة، وهي أن هذه المشروعات وغيرها من أعمال البر والجد إلى حد ما تعتبر سباحة ضد التيار، لأن التيار في الغالب يميل إلى الكسل وينشغل بالتفاهة، لا يأخذ الأمور الإيمانية والعبادية على المحمل المطلوب، ولا يعنى بأمور الأمة وشئونها على الوجه اللائق، فلذلك كانت الظروف لا تساعد، فإن لم يكن عزم منك ومعاهدة مع غيرك ربما تتبدد هذه الأفكار وتتبخر دون أن تترجم إلى واقع عملي.

    ثالثاً: أهمية التجديد والابتكار، ونحن نعلم أن عباداتنا وفرائضنا جاء بها الوحي والشرع، وليست من بنات أفكارنا ولا نتاج عقولنا، ولن نجدد الصيام فنبتكر فيه أو نغير، ولكنا نقول: كيف نجدد في طريقة اغتنامنا للأوقات، وتعاملنا مع هذا الموسم؟! كيف نحول بعض عاداتنا السيئة ونجدد فيما يجعلنا أكثر استعداداً وقوة في التفاعل والانتفاع من هذا الموسم العبادي والإيماني؟

    وأذكر لكم مثالاً: فوسائل الإعلام كلها تجدد في كل عام، وهي تجدد في ميدانها الذي يغلب عليه في أكثر قنواته الفساد والإفساد، فنحن نعرف أنه هناك باستمرار -كما يقولون- فوازير أو ألغاز أو ألعاب أو برامج أو نحو ذلك، وكل مرة يجددون، لماذا؟ حتى يكسبوا الجميع معهم، ونحن أولى بمثل هذا.

    1.   

    مشروعات شهر رمضان

    الآن سننطلق إلى المشروعات، وسأذكر لكم في هذا الوقت القصير مائة مشروع فأكثر، كلكم سينظر إلى الورقة الصغيرة ويقول لن تكفي إلا لأقل من ذلك، لكنكم ستعرفون كيف سنصل إلى هذه المائة، وجزماً سنصل إليها إن شاء الله تعالى، فنبدأ واحداً واحداً.

    المشروع الأول: حسن الاستقبال

    كل وافد وكل مناسبة نعلم جميعاً أن الجهة أو الأفراد الذين ينتظرون هذا القادم يستعدون ويعملون حفلاً للاستقبال.

    المدارس تعمل حفلاً لاستقبال الطلاب في المناسبات المختلفة، فيقسمون الأفراد إلى لجان: لجنة للإعلام، ولجنة للتنظيم، ولجنة لاستقبال الضيوف، فما هي المناسبة التي نريد أن نستعد لها؟

    الآن وقبل أن يدخل الشهر اعقد اجتماعاً على مستوى القمة في بيتك، وتناقش مع أسرتك كيف نستقبل شهر رمضان؟! مجرد هذه الجلسة سوف يكون منها فائدة كبرى في التهيئة للصغار والكبار والأبناء والبنات؛ ليعلموا أن هناك شيئاً ما، وأن هناك حدثاً ما لا بد أن ننتبه له، خذ في هذه الجلسة أفكاراً من الأبناء، قل لهم: ماذا تريدون أن تفعلوا لاستقبال شهر رمضان؟ كلهم سيقول لك شيئاً، بعضهم سيقول لك: سنزين الغرف، لماذا؟ لنفرح بموسم الخير والطاعات.

    بعض الصغار قد يقول لك: أنا أريد أن أصوم في كل يوم إلى الظهر؛ لأنه صغير، نقول: أنت إذاً في ميدان مناسب، الآخرون يقولون: نريد أن نقوم بزيارات للأقارب، كل سيفكر بشيء.

    ثم أيضاً نقول: في مثل هذا الاجتماع نقوم بتوزيع الأدوار على الأبناء الكبار والأبناء الصغار، مثلاً: أنت مكلف بإفطار الصائم، إن كنتم كل يوم سوف تخرجون إفطار صائم، وأنتِ مكلفة بأن تقومي بإعداد بعض الأوراق وتطبعينها على الكمبيوتر حتى نهديها إلى الناس، كما سيأتي بعض أيضاً في هذا الاجتماع نذكر بالفضائل والخصائص لشهر رمضان؛ حتى نساعد الأسرة، أو مجموعة العمل، عندما نسرد هذه الفضائل سوف تفتق أفكاراً لهذا الاستقبال.

    ثم هناك نقطة مهمة جداً: وهي الانتباه للأخطاء والتقصير من خلال التجارب الماضية، فكثير من الأسر وكثير من الناس يقول: في الأعوام الماضية كنا نسهر ونتأخر عن صلاة الفجر، أو كنا أحياناً نفعل بعض الأمور وننام في النهار وقتاً أطول، أو كنا أحياناً نتكاسل عن أداء صلاة التراويح كاملة.

    إذاً: من ضمن خطط الاستقبال كيف نعالج هذه الأخطاء التي تحصل في كل عام، والتي كنا في كل نهاية رمضان نقول: إن شاء الله في رمضان القادم سوف نتلافى ذلك.

    إذاً: المشروع أن تجتمع اجتماعاً ليكون هناك حفل استقبال واستعداد لهذا الشهر الكريم والموسم العظيم.

    المشروع الثاني: السباق مع الريح

    هذا مشروع مهم ومفيد جداً، وربما عنوانه لا يدل على مضمونه، لكننا إن تذكرنا حديث ابن عباس في الصحيح: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل حين يدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان أجود بالخير من الريح المرسلة).

    الرسول عليه الصلاة والسلام سبق الريح في كرمه وجوده وعطائه، نحن نريد أن نعمل مشروعاً اسمه: سباق مع الريح، قد لا نسبقها لكن نوازيها، قد يكون بعضنا خمسين في المائة وبعضنا ستين في المائة؛ قد يكون هذا المشروع على مستوى الأسرة، وقد يكون على مستوى الجيران، وقد يكون على مستوى أهل الحي، وقد يكون على مستوى زملاء العمل أو الدراسة، ما هو هذا المشروع؟ إنه مشروع التسابق في مجال الإنفاق وبذل الخير.

    وهنا وقفة: ليس بالضرورة أن يكون الأمر مالياً بحتاً، سنذكر هنا صوراً من السباق في مجال البذل والتبرع، وسننبه على قضية الرياح حتى لا تشوش على أحد.

    اجعل مسابقة بين الأبناء، كل يجمع من مصروفه مالاً يجعله صدقة لوجه الله عز وجل، ولا يعلم بها إلا رب الأسرة، ويمكن أن نخفي ذلك ونجعل لهم أرقاماً لا تعلن إلا في آخر الشهر، ويمكن أن نقول: فاز في هذا الأسبوع واحد منكم وبلغ تبرعه كذا وأنفقناه.

    ترى أن من عرف الرقم الذي تبرع به عرف أنه فائز، والآخرون عرفوا أنهم ليسوا فائزين، والمنافسة تشتد في الأيام التي تليها والأسبوع الذي يليه، لو كان في ميدان عمل فيمكن كذلك.

    ليس فقط ميدان الإنفاق والتبرع، وإنما المسابقة في ميادين أخرى أيضاً منها: التعريف والدعوة، ما معنى التعريف والدعوة؟

    عرف بمجالات الإنفاق وادع إليه، قد لا يكون عندي مال، لكني أستطيع أن أقول: إن في المسجد مشروعاً لإفطار الصائم فلو أنكم تبرعتم لوجدتم من الأجر كذا وكذا، فالذي سيتبرع سيكون في رصيد حسناتك نصيب من تبرعه وأجره.

    كيف نتسابق إن كنا جميعاً فقراء معدمين، يمكن أن نتسابق سباقاً مع الريح في مجال التعريف والدعوة للإنفاق، وبيان ذلك وفضائله للناس، وبيان ميادينه التي يمكن أن يسير فيها.

    الجانب الثالث: السعي والدلالة، ليس بالضرورة فقط الدعوة للإنفاق بالقول، بل تسعى مثلاً في مشروع إفطار الصائم إلى الحمل مع الناس في إيصال الأشياء إلى مستحقيها، قم بشيء من الجهد الذي يريدونه، حتى تكون مشاركاً في هذا، أو دل عليه دلالة عملية، بأن مثلاً في زكاة الفطر تدلهم على الأسر المحتاجة التي تعرفها فيكون لك أجر الدلالة على الخير كما ورد في الحديث: (من دل على هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).

    ثم أيضاً في مجال المعونة والمواساة ولو أن تتبسم في وجه المكروب، ولو أن تقف معه وتخفف عنه بكلمات ميسورة، كل هذه ميادين، فينبغي أن نعلن مشروع السباق مع الريح، صدقوني لو أننا أعلنا هذا الشعار في هذه الدوائر التي قلتها، سوف يكون له أثر لا نتخيله ولا نتوقعه، بدلاً من أن يكون التسابق الفعلي في عكس ذلك لميدانين مختلفين: إما في التخلف عن الطاعات والتكاسل عن أدائها فهذا يقول: ننام إلى الظهر، الثاني يقول: أنا أنام تقريباً إلى العصر، الثالث يقول: في الحقيقة أنا لا أستيقظ إلى قبيل المغرب، تنافس إلى الخلف إلى الوراء.

    أو تنافس في ميدان آخر: هذا اشترى من الطعام بألف، هذا يقول: نحن اشترينا بعشرة آلاف، هذا يقول: نحن أعددنا للعيد كذا، وهذا يقول: الإنفاق يخصنا وينحصر في ذاتنا، وربما يكون فيه من السرف والتبذير ما فيه.

    المشروع الثالث: الاستضافة الدعوية

    وهذا مشروع سهل ميسور:

    كثير من الأسر، وكثير من مؤسسات العمل تقوم بمناسبة في هذا الشهر ولو مرة واحدة، إما دعوة للإفطار أو دعوة للسحور، أو دعوة فيما بعد صلاة التراويح كنوع من التواصل أو صلة الرحم أو نحو ذلك، لم لا يكون هناك استضافة لشيخ أو داعية أو عالم أو واعظ لدقائق معدودات؟! يطرق أبواب القلوب، يستنزل بعض الرقة والخشية والخشوع في النفوس، وبذلك يكون له أثر كبير، ويمكن أن يكون ذلك في بيتك أيضاً عندما تجمع أفراد أسرتك، أو تكون هناك مناسبة عائلية موسعة، ولقد جربت هذا وكنت أجد من كثير من الناس يدعونني ويدعون غيري إلى بيوتهم، ويجمعون أفراد أسرتهم من الأبناء والأرحام والأحفاد.

    دعوة موجودة سيكون فيها طعام أو سيكون فيها إكرام وضيافة فلم لا نزيد عليها هذا الشيء، بدلاً من أن نقدم الطعام والشراب فقط فلنقدم الذكر والموعظة والتعليم والإرشاد بالأسلوب الحسن وبالطريقة المناسبة، وكثيراً ما يكون لهذا فائدة، حتى وإن كنت أنت تربي أبناءك وتذكرهم وتعلمهم لكن كما يقولون: (زامل الحي لا يطرب) وكل جديد له لذة، كل ضيف سوف يكون الانتفاع به متحققاً.

    لو جاء الضيف أو المتحدث من نفس الأسرة ربما يقولون: سمعناه من قبل، وربما بحكم المعرفة والخلطة لا يعطونه الاهتمام أو الاحترام اللازم لذلك، لكن إذا جاء الضيف كان أمر آخر، ثم هناك فائدة: أن يتعرف الأبناء أو الزملاء على طلبة العلم والدعاة، وأن يستمعوا لهم، فربما كان الحاضرون لم يستمعوا مرة إلى درس أو إلى موعظة غير خطبة الجمعة، وقد يرغب الواحد منهم ويصبح بعد ذلك يتتبع الدروس والمحاضرات والمواعظ هنا وهناك، وربما أيضاً يتعرف على هذا الشيخ فيحتاجه في سؤال أو استفتاء أو يستشيره في أمر ما، فيفتح من أبواب الخير من أثر هذا اللقاء والتعرف ما لا يعلمه إلا الله.

    وفي ذلك أيضاً ترغيب وتحبيب فيما سيطرح من هذه اللقاءات والموضوعات.

    المشروع الرابع: الحملة الخيرية

    نبدأ هذه الجملة بالتذكير بحديث جرير بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم والذي أخبر فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع بعض أصحابه في المسجد، فدخل قوم من مضر عليهم أثر الفاقة مجتابي النمار -أي: ملابسهم مقطعة- فتمعر وجه النبي عليه الصلاة والسلام) -أي: تغير حزناً لما رأى من حالهم، وما تغير وجهه إلى بعد أن تغير قلبه ونفسه من فرط رقته ورحمته وشدة تأثره بأحوال الناس وضعفهم وفقرهم وسوء حالهم.

    ثم ماذا؟ هل تمعر وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله وسكت؟! انتظر النبي عليه الصلاة والسلام حتى دخل وقت الصلاة -وكانت صلاة الظهر- ثم صلى بالناس ثم قام فيهم خطيباً وبدأ بالآيات المعروفة في التقوى والأمر بها ثم قال: (تصدق رجل من درهمه، تصدق رجل من ديناره، تصدق رجل من صاع بره، تصدق رجل من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة)، دعا الناس كلهم أن يتبرعوا وأن ينفقوا، هذه حملة تبرع نبوية منذ ذلك العهد.

    (فأتى رجل من الأنصار بصرة من ذهب كادت كفه أن تعجز عنها بل قد عجزت، وتقدم فوضعها بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام فتسابق الناس -يعني: تشجعوا- كلاً يخرج ما عنده حتى اجتمع كومان من ثياب وطعام، فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم كأنه مذهبة من شدة فرحه) لا بهذا المال؛ لأنه كان من الممكن أن يقول: يا عثمان ! أخرج كذا وكذا، أو يا عبد الرحمن بن عوف! أو غيرهما من كبار التجار، ونحن دائماً إذا ذكرنا التبرعات ذكرنا كبار التجار، سبحان الله! ننسى حديث النبي صلى الله عليه وسلم (سبق درهم ديناراً)، القليل من القليل كثير، عندما يكون رأس مالي ألفاً فأخرج خمسمائة، أكون قد أخرجت نصف ما لدي، أليس كذلك؟! والذي يخرج خمسمائة وعنده خمسمائة مليون لم يخرج إلا شيئاً لا يذكر، فالمسألة ليست بالكثرة وإنما بهذا التحرك الذي يترجم التكافل والتعاون الذي تزول به الحاجة ويندفع به الأذى، كما حصل في هذه الحادثة.

    ثم أعطى النبي عليه الصلاة والسلام أولئك المحتاجين من ذوي الفاقة، وقال في هذه الحادثة: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً).

    فأنا أريد أن أعمل حملة للتبرع وحملة خيرية في المكان الذي أختاره، قد يكون في بيتي، قد يكون في مقر عملي، أو مع زملاء دراستي، أو مع أهل حيي، وهذا سنكرره دائماً، ما الذي نقوم به؟ اختر الموضوع أو القضية التي تريد ندب الناس للتفاعل معها والإنفاق في سبيلها، لنقول مثلاً: قضية إسلامية كقضية إخواننا في فلسطين، أو حاجة من الحاجات التي تكون في مجتمعنا وفي واقعنا، تحدث أولاً عن هذه القضية، وضح معنى وأهمية هذه القضية، اذكر الحاجة الملحة الشديدة للإعانة والإنفاق في هذا الباب، اذكر أمثلة للسبق والتسابق في هذا الميدان، اذكر أمثلة للأثر الإيجابي الذي يدخل إلى نفوس وقلوب من يعانون وينفق لهم هذا المال، ثم هيئ النفوس كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

    النبي عليه الصلاة والسلام انتظر الصلاة حتى يجتمع أكبر عدد ممكن من الناس، وحتى يكون الناس قد صلوا وركعوا وسجدوا وذكروا ودعوا وابتهلوا فيكونون في مستوى إيماني مرتفع بحيث يمكن أن يجودوا وينفقوا في سبيل الله عز وجل، وانتظر الصلاة ليذكر المسلمين بأنهم أمة واحدة، كأنه يقول: الآن قمتم إلى الصلاة غنيكم وفقيركم، قويكم وضعيفكم في صف واحد، إذاً أنتم إخوة في الله، إذاً أنتم كتلة واحدة وأمة واحدة، لماذا تكونون أمة في الصلاة ولا تكونون أمة عند الحاجات وعند الملمات، وعند سد الثغرات، وعند كل ما يمكن أن تحتاج إليه الأمة في أي باب من الأبواب؟!

    ولذلك فإن التأثير والتذكير مهم جداً، ثم بعد ذلك ربما لا نكون مهيئين لأن نبذل أو ننفق فلنفكر ولندبر كيف يمكن أن نترجم هذا الذي سمعناه، والأمور التي علمناها، والأحوال التي عرفناها، كم من المرات نسمع؟! كم من الخطب نسمع؟! كم من الأحاديث نسمع عن أحوال وأمور في بيئتنا ومجتمعنا أو في بلاد المسلمين؟! ولا نفكر كيف يمكن أن نعمل أو نترجم ذلك إلى حملة حقيقية توصل الخير وتسد شيئاً من الرمق أو تدفع باباً من الأذى، أو تثبت أحداً من المسلمين أو نحو ذلك؟! وفي آخر الأمر سوف ينتج عن هذا ضرب من المنافسة والمساهمة التي ذكرناها في سباق الريح، وهذا أمر فطري طبعي.

    ولاحظوا هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس جميعاً ولم يدع الأغنياء فقط، حتى قال: (ولو بشق تمرة)، يعني: لا أريد أن يتخلف أحد منكم عن أن يتقدم للإسهام ولو بأقل القليل، إذاً القليل من الكثير كثير أو لا؟ نحن لو قلنا: نريد من كل واحد ريالاً كل الناس يقول: يا أخي! ماذا سيصنع الريال؟ لكن لو أخذنا هذا الريال من ألف مليون مسلم كم سنجمع؟ ألف مليون ريال.

    لا نتصور نحن القليل من الكثير أو القليل مع الدوام، وهذه قضية سيأتي ذكرها، وهي مشروع مهم جداً لا بد من أن يحرص الجميع على تنفيذه وتطبيقه.

    المشروع الخامس: المقاطعة الآمنة

    ماذا نريد أن نقاطع لكي نأمن وندفع الشرور والأمراض والمشكلات الكثيرة؟

    أنا أدعو أن يكون شهر رمضان شهر مقاطعة لوسائل الإعلام الفاسدة، ومعلوم أن الغالبية العظمى منها خاصة الآتي عبر الفضاء هي كذلك، وكلنا يعلم هذه الخصيصة البغيضة التي جعلوها لشهر رمضان خصيصة الفوازير، والقضية هل هي سؤال للمعرفة وللثقافة ولزيادة الاطلاع؟ خذوا صورة تعرفونها من يقدم الفوازير؟ لا بد أن تكون المقدمة الرئيسية امرأة أو فنانة، حتى ولو أن هناك رجلاً، لكن لا بد أن تكون هي موجودة، وفي الحلقة الواحدة تظهر بعشرة فساتين، وبعشر تسريحات للشعر، وبأكثر من عشر رقصات مع عشرة من الرجال، والسؤال: أين هي الثقافة والمعلومة المفيدة؟ وكم في ظل ذلك من الفساد! وكم من الأثر السيء! وكم من ارتكاب للحرام حتى نأخذ هذه الفزورة، أو هذا اللغز! وهل جعل رمضان لكي نشغل أنفسنا بالألغاز؟ كأننا فارغون وهناك من يريد أن يملأ فراغنا، كما كان يقول الشيخ كشك رحمه الله: سلِّ صيامك فصيامك فيه ملل، ونريد أن ندخل عليه التسلية.

    كل عام هناك مسلسلات خاصة في رمضان ماذا تقدم لنا في غالب الأحوال؟ هل تقدم فضائل الأخلاق، أو مكارم الخصال، أو تنبه على الخلل؟ كثير مما تعلمونه، وتكون في كثير من الأحيان في أفضل الأوقات المهمة وقت الإفطار، فبدلاً من أن تذكر الله أو ترتاح لتستعد للصلاة تأتيك هذه المسليات والمرغبات من هنا وهناك، واليوم لم يعد الوقت مع هذه الفضائيات محدداً ففي وقت الإفطار يبثون ما يمكن من المشاهد؛ لأنها لا تراعي حرمة للشهر، أو أن التوقيت مختلف، فكثير من الفضائيات العربية تصوم في النهار وتفطر في الليل، وتعرفون ما معنى صيامها في النهار؟ وما معنى فطرها في الليل؟ صيامها في النهار تأتي بالقرآن وبرامج دينية في وقت العمل والنوم، وإذا جاء الليل جاء معه ما تعلمون، لكن نهار أولئك ليس مثل نهار هؤلاء، فيأتيك في الليل والنهار ما هو جارح للصيام.

    أسأل سؤالاً واحداً: ما الذي سينقص عندما نقاطع هذه الشاشة لمدة شهر رمضان؟ سوف نرى أثر ذلك سلامة من أمراض القلوب، وأمناً من وهن النفوس، واطمئناناً لرشد العقول، وعدم وجود أنواع من الخلل تتسرب إلى أبنائنا من مشاهدات كثيرة سيئة.

    سيقول بعضنا: وكيف تملأ الأوقات؟ وكأننا كما قلت: ليس عندنا اهتمام ولا عناية، وكأننا لا نعرف أين نحن وفي أي زمان نحن؟ بمعنى: لا نعرف أننا في رمضان، وأننا في موسم الطاعة، وأن مهما اغتنمنا من الوقت في الطاعات فإنه قليل، وأذكر لكم ما ذكره ابن عساكر في تاريخه، في ترجمة الإمام الشافعي -وارجعوا إليها- يقول: إن الإمام الشافعي رحمه الله ختم القرآن في رمضان ستين ختمة.

    أعلم أن بعضاً منكم سوف يقول: هذا مستحيل، أنا أقول لكم ما قال ابن عساكر : يقول ابن عساكر -وانتبهوا إلى هذا الكلام-: فحاولت ما حاول الشافعي فلم أستطع إلا تسعاً وخمسين ختمة.

    إذاً المسألة ليست خيالاً، فنحن نقول: ماذا سنصنع إذا لم نشاهد التمثيلية، ونشاهد المسابقة؟! سبحان الله! عجيب أن نفكر بهذا، لكن أقول: خذوا بدائل، لماذا لا تشغلوا الأبناء ببعض الأمور النافعة؟ رسوم خاصة موجودة أو مبتكرة خاصة برمضان مثل صورة الإفطار يلونها الأبناء، أو صورة للتمر والنخل، أو صورة لمعركة بدر يلونها، فإنه سيكتسب من ذلك شيئاً مفيداً، والصغار إذا وجههم الآباء توجهوا، ويمكن بسهولة جداً أن يتوجهوا إلى أمور يرون فيها متعة، ويرون فيها قضاء للوقت، لماذا هم الآن متعلقون بمشاهدة الشاشة الفضائية؟ لأنهم وجدوا فيها المتعة وليس عندهم غيرها.

    أوجد بدائل أخرى: اجعل لوحة كبيرة في حائط المنزل، واطلب من الأبناء كل يوم أن يختار الواحد منهم شيئاً يكتبه بنفسه ويعلقه أو يقصه من جريدة أو مجلة، أو يختار صورة معبرة ومؤثرة ومفيدة، سوف تجد أن هناك وقتاً كثيراً، سوف يضيق عن تنفيذ مثل هذه المشروعات، وذكر الصغار بأن يبحثوا أو يقرءوا وقل لهم: أريد من كل واحد منكم أن يأتيني بقصة لبعض العلماء أو الأئمة أو أسلافنا الصالحين لمن هو في مثل عمره، مثل قصة أنس بن مالك عندما قدمته أمه للنبي عليه الصلاة والسلام ليكون خادمه وكان عمره عشر سنين، وعاش في بيت النبوة عشر سنين منذ نعومة أظفاره.

    قل لابن العاشرة: اقرأ سيرة أنس وائت وقصها على بقية إخوانك، ابن الرابعة عشرة والخامسة عشرة دعه يأتيك بقصة عبد الله بن عمر يوم رد في أحد، وقصة سمرة بن جندب ورافع بن خديج يوم تصارعا حتى يذهبا إلى الجهاد في يوم أحد.

    اجعل ابن الثامنة عشرة والتاسعة عشرة يأتيك بقصة أسامة بن زيد يوم تولى الجيش، اجعل هناك منافسات وأشياء مختلفة غير ما يأتينا من الغثاء عبر هذه القنوات، وصدقوني أنكم ستجدون وقتاً كثيراً طيباً ليس فيه تعلق وليس فيه أذى للعين بالمشاهدة وأذى للأذن بالسماع، ومشكلات نجدها خاصة اليوم مع القنوات حتى الأبناء يتصارعون هذا يريد أن يرى قناة كذا وهذا يريد كذا، لو أننا انتهينا من هذه المشكلة ستجدون أنها مقاطعة نافعة وآمنة، تسلمون بها من كثير وكثير من الشرور والأضرار والمشكلات، وأظن أننا في غنىً عن توضيح ذلك.

    وأما إمكانيته فأنا أجزم لكم بنسبة مائة في المائة أنها ممكنة، لن ينقص وزنك ولن يصيبك صداع في الرأس ولن يحصل لك أي شيء، بل سوف تزداد إيماناً وتقوى وخيراً، وستجد من الوقت ما تفعل فيه ما كنت تظن أنك عاجز عنه، الناس الآن يتنافسون هل سيختمون في رمضان كله ختمة أو أقل، وهناك قلنا: ستين وتسعة وخمسين!

    المشروع السادس: رحلة على بساط الريح

    الناس يعرفون بساط الريح، تركب على بساط الريح وتذهب حيثما تشاء، أليس كذلك؟! وهذا بساط الريح سوف يذهب بك إلى بلد إسلامي، وسوف يجعلك تزور المسلمين والأقليات الإسلامية في كل بلاد الدنيا، وتذكر أن تفعل ذلك في رمضان وأن يكون ذهاباً وإياباً في نفس اليوم، هل هذا ممكن أو غير ممكن؟

    إنه ممكن، وذلك بأن تقوم بزيارة ميدانية للجمعيات والمؤسسات الإسلامية، تذهب إلى الندوة العالمية للشباب الإسلامي، هناك شيء اسمه فلسطين، تدخل فلسطين تسمع وتقرأ وتطلع على التقارير والصور وأشرطة الفيديو والأفلام، تخرج بعد نصف متر إلى كشمير، تخرج من كشمير وتذهب إلى لبنان، تذهب إلى كل مكان وتستطيع أن تطلع على الأحوال بالأرقام والصور، لماذا نحن دائماً ننتظر أن تأتي إلينا الأشياء وعندما تأتي إلينا نكون منتظرين أيضاً من يفسرها لنا ومن يشرحها لنا؟

    أقول: اذهب إلى جمعية القرآن الكريم، أو تحفيظ القرآن الكريم، انظر كم عدد حلقاتهم؟ كيف يصنعون في القرى؟ كم حافظاً خرجوا؟ لماذا تذهب للزيارة؟ هل لفائدتهم؟! نعم ولفائدتك أولاً، ثق تماماً أنك سترجع من هذه الزيارة بفوائد كثيرة.

    وبالمناسبة فلا تكون الزيارة لك وحدك، ولا بد أن تصطحب معك أبناءك، ستجد هناك معارض تريهم أحوال المسلمين وأوضاعهم، واصطحب زوجتك ونساءك، وكل هذه الجمعيات في غالبها لها أقسام وفروع نسائية، ستدخل الزوجة والمرأة وترى وتسمع ما لم تكن تعرف، وستحيط بمسائل وتلم بقضايا لم يكن لها بها علم سابق، أضف إلى ذلك أن هذه الزيارة لها أثر كبير يوم أن تقول لهؤلاء: جزاكم الله خيراً، فهم يدركون أن هناك من يقدر عملهم، ومن يذكر جهدهم ويشكرهم إن كانوا يريدون وجه الله عز وجل ويبتغون مرضاته.

    سوف يكون لك دور بعد هذه الزيارة، وأنا أجزم لك أنك بعد هذه الزيارة سوف تتحدث عنهم بدون قصد، وسوف تقول لمن تقابله: أنا رأيت كذا وكذا، في قضية كذا وكذا، المسلمون في البلاد الفلانية عددهم كذا وقوتهم كذا.

    أعطيكم أمثلة من الواقع أيضاً مثل هذه الزيارات: ألبانيا بلد مسلم كان يرزح تحت الشيوعية سبعين عاماً، وخرج منه المسلمون صوراً فقط، لم أذهب إلى تلك البلاد، لكن رأيت صوراً معبرة.

    صورتان لم تمحيا من ذاكرتي منذ رأيتهما قبل أكثر من عشر سنوات: صورة الإنجيل يوزع على المسلمين عند أبواب المساجد؛ لأنهم مسلمون لا يعرفون من الإسلام شيئاً مطلقاً، وسلاسل الصليب وهي معلقة على صدور أبناء المسلمين وهم لا يعرفون شيئاً من ذلك.

    الصورة الثانية: صلاة الجمعة صفان أو ثلاثة يصلون، ومثلهم واقفون يتفرجون، هؤلاء مسلمون لكنهم لا يعرفون شيئاً من الصلاة أبداً، ولا يعرفون الفاتحة ولا ماذا يقولون في الركوع ولا السجود، لكنهم بعاطفتهم يأتون ويشاهدون إخوانهم وهم يصلون، ألم يؤثر فيك ذلك إذا رأيته في تقرير أو في صورة متحركة أو ثابتة؟ ألا تتحدث بهذا؟ ألا تتندم على أنك مقصر شئت أم أبيت؟

    أنت مقصر وأنا مقصر؛ ألست تعرف الفاتحة؟! فماذا فعلت حتى تعلم واحداً من المسلمين الفاتحة؟

    وإذا ذهبت إلى مراكز الدعوة والإرشاد هنا في هذه المدينة، سوف يرونك الجولات الدعوية في القرى، إنهم يصنعون دورة كاملة لمدة أسبوع صباحاً ومساء، ما هو برنامجها؟ تعليم الفاتحة والصلاة، هنا على بعد مسافات لا تزيد عن الساعتين أو نحوها، هل تعجز أن ترافقهم يوماً وتعلم بعض الناس الفاتحة؟ سوف تزور هذه الأماكن وترى كم من الجهود العظيمة التي تبذل، سوف تحمد الله عز وجل ثم تشكر لهؤلاء، وسوف يتضح لك ما قد يغيب عنك وما قد تبثه وسائل الإسلام المعادية للإسلام وأهله، كل جمعية إسلامية تقدم الدعوة أو الخدمة أو النصر للمسلمين هي اليوم إرهابية وعدوانية وإجرامية، وقد تسمع وتسمع ثم تصدق، لكنك إن قمت بهذه الزيارة فسترى شيئاً آخر، وستدافع عن بينة وعلم، ستقول: كلا، كل هذا هراء، أنا رأيت بأم عيني كذا وكذا وكذا، أنا سمعت بأذني كذا وكذا وكذا، ثم قد تشارك وتقول: أنا بنفسي فعلت كذا وكذا، وكلام هؤلاء باطل وكذب.

    وللأسف أن بعض الناس مع كثرة ما يردد الإعلام إما اقتنعوا أو على أقل الأمر تشككوا في أصالة فطرنا وطيب مجتمعنا، وعراقة تديننا في هذه البلاد وفي كثير من بلاد الإسلام، حتى أن بعض الناس أصبح اليوم يتحرج أن ينفق في سبيل الله ويقول: ما أدراني أن هذا الكلام صحيحاً سبحان الله!

    هذه الزيارة أو الرحلة على بساط الريح سوف يكون لها أثر كبير، وأرجو صادقاً لكل من حضر في هذا المجلس ومن ستبلغونهم أن تملئوا هذه المؤسسات بالزيارات في هذا الشهر الكريم أنتم وأبناؤكم وأزواجكم، وعندما تذهب هناك ستجد نفسك منشرحة، وتدعوك إلى أن تخرج كل ما في جيبك، وأن تدعو غيرك؛ لكي تنفق وتسهم مع هؤلاء في نصرة الإسلام والمسلمين ونشر دعوته ونوره بين العالمين، وأكتفي بهذا وإلا ففي الحديث مجال رحب وميدان واسع.

    المشروع السابع: صياد القلوب

    إذا صدت القلوب بالسهم فلن يكون صيداً محموداً بل قاتلاً، وإذا صدتها بالسنارة سوف تمزق هذه القلوب، لكن كيف نريدك أن تصيد القلوب في شهر رمضان؟!

    نريد أن تكون معنا في مشروع كل منا يستطيع أداءه جزماً وقطعاً، عندنا وسيلتان نصطاد بهما القلوب:

    الوسيلة الأولى: الكلمة الطيبة، هل تعرفون أن الكلمة الطيبة هي السحر الحلال، وهي الطُعْم الذي تستميل به النفس والقلب، الكلمة التي فيها نوع من مد جسور المودة والمحبة، ونوع من إشاعة أجواء الترابط والتكافل.

    الوسيلة الثانية: هي الهدية: (تهادوا تحابوا)، فالهدية هي رسول المحبة، وهي سفير المودة، وهي التي تغرس في القلب امتناناً لا بد أن يكون له أثره، أنا لا أريد منكم شراء سيارة هدية، بل أريد منكم كرتاً صغيراً ومعه كتيب صغير أو شريط؛ لأن العبرة بالهدية في رمزها بل أكثر من ذلك في خصوصيتها، لماذا أهديت محمداً ولم أهد سعيداً؟ لأن محمداً خطر على بالي، ولماذا خطر على بالي؟ لأن له مكانةً في قلبي، ولماذا له مكانة في قلبي؟ لأني أحب له الخير.

    هذه كلها رسائل تتضمن أن الهدايا لها قيمة عظيمة جداً، لكن احرص مع الهدية على الكتابة واجتهد إن كنت قادراً أو حتى مقتبساً أن تكتب كلمات جميلة مثل: إلى الأخ الذي كلما أراه أشتاق أن أراه، إلى الأخ الذي أحبه في الله، كلمات ثق بأثرها العظيم في صيد القلوب.

    أهد أشرطة، كتيبات، مطويات، وبالمناسبة أنت لن تشتري شيئاً فهذه الأشياء توزع، وأحياناً نتيجة لسوء التوزيع ترمى، ستكون موجودة بأعداد أكثر من الحاجة ماذا يصنع الناس بها؟ يتركونها، نقول: لا، خذها أنت واجعلها في ظرف وارسم عليه وردة، أو ارسم عليه قلباً كما يفعلون، اكتب عليه كلمات جميلة، ضعها لجارك، اسبق زميلك في العمل وضعها على طاولته، أنا لن أتكلم عن الفائدة التي سيجنيها من الشريط أو من الكتاب أو من المطوية، أنا أتكلم عن حقيقة هذا الفعل فقط دون أن نتحدث عن أثر ما فيه وما في مضمونه، ويمكن أن تستفيد الآن من البريد الإلكتروني، فتستطيع أن تأخذ رسومات من هذا الحاسوب وكذلك بطاقات للإهداء، وتأخذ من نفس بطاقة الحاسوب كلمات وآيات وأحاديث وترسلها مرة واحدة بضغط زر واحد إلى مائة أو ألف من أصدقائك، بل إلى مائة ألف، وهذا مشروع آخر سيأتينا حديث عنه وذكر له.

    هل هذه مهمة صعبة؟ هل هناك من يعجز عنها؟ أنا أقول: الجميع حتى الصغير في المرحلة الابتدائية -وأرى هنا بعض صغار السن من الأبناء- أقول: افعل هذا مع زملائك أهد لزميلك شيئاً ولو أن تكتب له فقط في هذه الورقة آية وحديثاً وتقول: هدية من أخيك المحب، سوف يكون لهذا أثره المهم والجميل.

    المشروع الثامن: الضربة القاضية

    ما هي الضربة القاضية؟ هذه الضربة قاتلة ننتهي بعدها إلى الفوز الساحق.

    هذه الضربة القاضية مع من؟ نحن أو غيرنا سنحتاج إلى هذه الضربة القاضية مع أنماط كثيرة من العادات السيئة التي نعجز عن تغييرها، نقول: سوف نغير كذا، نبقى يوماً أو يومين أو أسبوعاً أو أسبوعين ثم نرجع، ثم نقول: سوف نترك كذا، ثم نرجع، وهكذا نبقى في معركة مستمرة والجولات متوالية، فاجعل رمضان فرصة للانتصار بالضربة القاضية، يعني: ليس هناك عودة مرة أخرى.

    وهنا أحب أن أقف مع الضربة القاضية في المسألة المعروفة التي يكثر ذكرها كلما جاء شهر رمضان: وهي الإقلاع عن التدخين، وقد ذكرت لكم في درسنا السابق كم أعداد الذين يدخنون في هذه البلاد، الإحصاءات تقول: خمسة عشر مليار سيجارة تستهلك في المملكة، ستمائة وثلاثة وستون مليون ريال سنوياً، فهي رابع دولة مستوردة للدخان في العالم، أكثر من عشرة مليار دولار مصاريف المستشفى التخصصي بالرياض في علاج أمراض التدخين، أعتقد أن هذه كلها ضربات قضت على كثير من شبابنا وأموالنا وصحتنا، أليست هناك فرصة لنتحول من الهزيمة إلى الانتصار والانتصار الساحق بالضربة القاضية.

    وهنا خطوات سريعة لمن يريد الانتصار بالضربة القاضية على التدخين:

    أولاً: اعقد العزم من الآن وابدأ بتقليص التدخين قبل أن يدخل رمضان.

    حدد اليوم الأول من رمضان موعداً للإقلاع النهائي عن التدخين، اعلن ذلك في الوسط المحيط بك في أسرتك وزملاء عملك، وقل لهم على سبيل التحدي: إن رأيتموني أدخن فأنا لست رجلاً، أو أنا كذا وكذا، أو إن رأيتموني أدخن فلكم الحق أن تخاصموني أن تقاطعوني؛ حتى تقوي عزمك على ذلك.

    اكتب لوحة صغيرة بخلاصة الأمراض القاتلة والأضرار الخطيرة للتدخين، وهي مبثوثة بعشرات ومئات وآلاف الصفحات في كل مكان، في الكتب وفي مواقع الإنترنت وغيرها، خذ صفحة واحدة واكتبها بخط كبير وعلقها في كل مكان تجلس فيه: على مكتبك، وعند غرفة نومك، وفي صالة طعامك؛ حتى تتذكر عندما تريد أن تشعل التدخين أنك تتسبب في تصلب الشرايين لنفسك، أنك تأخذ لنفسك فرصة للوقوع في المرض الخبيث (السرطان)؛ حتى تدرك كم تحرق من مالك، ضع هذا نصب عينيك حتى تستطيع أن تتخلص من هذا التدخين.

    احذر الأصدقاء المدخنين الذين ليست عندهم عزيمة على ترك التدخين؛ فإنهم من عوامل العودة إلى التدخين.

    زد من كل أمر يعينك على ترك التدخين مما يتعلق برمضان، ومن ذلك الدعاء الصادق لله عز وجل، ومن ذلك قوة العزيمة الناشئة من ترك الطعام والشراب في أثناء النهار، وأيضاً سوف تقوم ببعض الأعمال المهمة، وهي لطيفة ولكنها مفيدة.

    أكثر ما يعاني منه المدخنون في الأوساط التي لا يدخن أصحابها أمرين: رائحة الدخان، ومنظر الأسنان المصفرة.

    قبل رمضان اذهب إلى طبيب الأسنان ونظف الأسنان واستخدم مطيبات أو معطرات الفم؛ حتى إذا قطعت التدخين تبدأ الأمور تتضح ولا يأتي من بجوارك يقول: أنت مدخن، وحتى تتغير نفسيتك وتتهيأ له بما يدل على أنك ماض إلى تركه بالكلية بإذنه سبحانه وتعالى.

    تجنب الأماكن التي يكثر فيها التدخين.

    استحضر أو خذ معك بعض الفتاوى الواضحة في تحريم التدخين.

    ذكر نفسك دائماً وقل: إذا كنت تعتقد أن التدخين حلال فلماذا لا تسمي الله عند بداية شرب السيجارة، ولماذا لا تقول بعد إطفائها: الحمد لله؟! أليست كل نعمة نبدأ فنقول: باسم الله فنشرب، باسم الله فنأكل، فإذا انتهينا قلنا: الحمد لله، هل سمعتم أحداً عندما يدخن يقول: باسم الله؟! لماذا؟ لأنه يعلم أن هذا أمر خبيث كما قال الله عز وجل: وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157].

    هل تشرب الدخان أمام من تحترمه أو تهابه؟! مثلاً: الابن هل يشرب أمام أبيه إذا كان الأب لا يدخن؟ الصغير هل يشرب أمام الكبير إذا كان يهابه ويحترمه؟

    وإذا كانت (السيجارة) مناسبة وحلالاً وليس فيها شيء، فهل تعلمها لأبنائك وترغبهم فيها؟ هل سمعتم أن أحداً يصنع ذلك حتى ولو كان مدمناً للتدخين؟! هل يشتري أحد لأبنائه الدخان ويقدمه لهم ويقول لهم: خذوا واستمتعوا؟! لا أعلم أحداً يفعل ذلك.

    إذاً: ذكر نفسك بهذه المعاني، خذ قرارك بصدق وانجح في الانتصار بالضربة القاضية بإذن الله عز وجل.

    المشروع التاسع: الإنفاق المجاني

    إنفاق ولكن بدون أن تدفع شيئاً، ما هو هذا؟ إنه القيام بالعمل التطوعي، فلنكن جميعاً رافعين لشعار جديد: متطوعون بلا حدود، تطوع بوقتك، ماذا تصنع هذه المؤسسات الخيرية، لديها الكثير من الأوراق التعريفية، خذها ووزعها على مقر عملك، خذها أيها الطالب واستأذن إدارة المدرسة أو سلمها لإدارة المدرسة لتوزعها على زملائك، تطوع في أن تساهم في المشروعات القائمة، هؤلاء يوزعون إفطار الصائم، اذهب واحمل معهم الطعام وقم بتوزيعه وساعدهم في هذا الباب، هناك من يريد أن يوزع هذه المواد التذكيرية من كتاب أو شريط، ساهم معهم، تطوع بوقتك، تطوع بفكرك، فكر بخطوة عملية، هناك أشياء كثيرة يمكن أن تقترحها ويكون من ورائها خير كبير، ولم تخرج ريالاً من جيبك، ولم تصنع شيئاً يكلفك جهداً، ولكنك وجدت أشياء أو أوجدت أشياء مفيدة ونافعة بإذنه سبحانه وتعالى.

    المشروع العاشر: صعود بلا حدود

    وهو مشروع مناسب جداً لرمضان، ما هو هذا الصعود بلا حدود؟

    صعود ليس له منتهى! يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي في سننه: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها)، ورمضان شهر القرآن، كم من السور قد سبق لك أن عزمت على أن تحفظها ولم تحفظها؟! كم من الناس يقول: أريد أن أحفظ سورة الكهف، أريد أن أحفظ سورة يس؟ كم من الناس يقول: لم لا أحفظ القرآن؟

    لو كنت صادقاً وعازماً فإن البداية المناسبة هي شهر رمضان، شهر القرآن الذي تتلو فيه القرآن كثيراً، اجعل لك في كل يوم وقتاً لحفظ بعض الآيات، خذ أقل القليل الذي يمكن أن تصعد به بعض هذه الدرجات، ثم إذا واظبت على ذلك على مدى ثلاثين يوماً في شهر رمضان، يرجى أن تستطيع بإذن الله عز وجل المواظبة فيما وراء ذلك من شهر شوال، أو الاستمرار في بقية أيام العام بدون توقف بإذن الله عز وجل، ولو لم تكن من القادرين على الحفظ، فتعلم حسن التلاوة، فكثيرون يقرءون القرآن في رمضان وفي غير رمضان وهم لا يحسنون تلاوة القرآن، لا في الحركات ولا في المدود ولا في أحكام التجويد، بدلاً من أن تختم أكثر اختم أقل، وجود بشكل أفضل، تعلم بعض أحكام التجويد، اقرأ بعض السور على من يحسنها ويتقنها من زملاء العمل، أو إمام المسجد، أو مدرسي التحفيظ، من أي جانب من الجوانب الكثيرة التي يمكن أن تتسع فيها الآفاق، ويحصل فيها كثير من الخير العظيم الذي يمكن أن تستفيد منه كثيراً.

    أنا قلت لكم: سوف نصل إلى مائة مشروع وأكثر إن شاء الله، فهل عند أحد منكم شيء يمكن أن يقوله؟ ما زلت سأعينكم بذكر مشروع أو مشروعين فقط، ثم نجعلكم تكملون المائة.

    المشروع الحادي عشر: رحلة عبر آلة الزمن

    مشروع رحلة عبر آلة الزمن:

    وهذا يمر كثيراً فيما يقدمونه من الأفلام أو التمثيليات وأن هناك من دخل في آلة الزمن ورجع إلى ما قبل مائة سنة من زمانه، وكيف يصبح غريباً في الزمان الآخر، وينسجون لك قصة تكون غريبة ومثيرة ومشوقة، نحن نريد أن ندخل في مثل هذه الآلة، وننتقل فعلاً إلى زمن آخر، كيف نصنع ذلك؟!

    من خلال محطات تاريخية، فلننتقل إلى المحطات التاريخية الرمضانية، اجعل يوماً لغزوة بدر، إن كان عندك صالة في المنزل أو غرفة اجعلها لغزوة بدر، كيف ستجعلها لغزوة بدر؟! اعمد إلى خريطة موجودة في كتاب من كتب السيرة فيها غزوة بدر، كبر هذه الخريطة واجعلها في هذه الحجرة، احضر كتاباً خاصاً بغزوة بدر، أخرج منه قائمة واطبع فيها أسماء الشهداء الذين استشهدوا في غزوة بدر، هذه الغرفة في يوم من الأيام في رمضان تدخل فيها أنت والأسرة أو أنت وزملاء العمل وتقول: نحن الآن في منطقة بدر، على بعد خمسين ومائة كيلو من المدينة المنورة، ونحن الآن في اليوم السابع عشر من شهر رمضان، ونحن الآن في العام الثاني من الهجرة، وتذكر كل ما يتعلق بهذه الغزوة من الأحداث، ويكون نقاش وحوار، ونرجع إلى التاريخ ونعيش داخله تماماً.

    وخذ بعد ذلك فتح مكة في اليوم الثامن من شهر رمضان، ومعركة عين جالوت في الخامس والعشرين من رمضان، ووفاة خالد بن الوليد في الثامن عشر من رمضان، ومعركة الزلاقة وغيرها من المشاهد الكثيرة، اختر بعضاً منها، واجعل في بيتك ركناً تاريخياً في كل أسبوع، كلف الأبناء كل أسبوع أن يعدوا الموقع والغرفة لشيء آخر، أرى البعض من إخواننا يبتسمون، ولعلهم يقولون: هذه فيها غرابة، أقول: إن الغرابة والتجديد هما اللذان سيجعلان نوعاً من النشاط والتحفيز، وثق أن أثر هذا في الأسرة -على وجه الخصوص الأبناء والزوجة وكذا الأقارب والزوار- كبير جداً.

    وأذكر لكم تجربة عملناها منذ سنوات عدة: أخذت مطبوعة -وقد وزعناها هنا في المسجد العام الماضي والذي قبله- عن خريطة فلسطين بين التآكل والتوسع الصهيوني، وهي تبين لنا فلسطين كيف كانت قبل عام (1948م) وكيف نقصت بعد عام (1948م)، ثم نقصت بعد عام (1967م) ثم نقصت ثم نقصت عبر الأعوام، والخريطة تمتد لتتسع مساحة اليهود الغاصبين وتغمر ديار المسلمين، هذه الخريطة منذ ذلك الوقت أراها كل يوم أكثر من مرة، وأراها في كل بداية يوم وفي كل نهاية يوم، لو أنك فعلت ذلك لعشت التاريخ بمراحله المختلفة.

    أبناؤنا الآن لا يعرفون عام (1948م) ولا عام (1967م)، لا يعرفون التاريخ ولا الحدث، ولا يعرفون الأسماء والمصطلحات، لا نسأل عن التاريخ البعيد، بل التاريخ القريب، من يعرف من الأبناء -الذين هم الآن في سن العشرين- عن حرب رمضان وليس عن حرب أكتوبر كما يقولون؟ ماذا يعرفون عن التغير الذي كان أثره بعض جولات الانتصار الأولى؟! ماذا نعرف عن هذا التاريخ؟! كم هو جدير بنا أن نصوره وأن نرسمه وأن نعيش فيه، وأن ندخل أبناءنا إليه، وأن نعرفهم به؛ لأنها قضية مهمة لا بد من العناية بها والحديث عنها بشكل مباشر.

    المشروع الثاني عشر: حمامة السلام

    آخر ما يمكن أن نذكره مشروع حمامة السلام:

    والمقصود به أن تقوم بالمهمة بدون مفاوضات سياسية، ولا مؤتمرات دولية، ولا ألاعيب سياسية، كم من الناس تجد بينهم خصومة وسوء تفاهم وبعض المشكلات، لماذا لا تقوم بالإصلاح بينهم؛ لتنال الشرف العظيم، والأجر الكبير في إصلاح ذات البين؟ وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين).

    كم سعينا بين الناس بالإصلاح؟! قليل، بل نحن أحياناً نكون ضد ذلك، ونكون من أسباب استمرار أو زيادة الشحناء، أنت نفسك قد تكون بينك وبين بعض أقاربك وأصدقائك خصومة أو مشكلة، لماذا لا تكون أنت حمامة السلام؟ لماذا لا تبادر إلى زيارة أرض العدو -كما يقولون-؟ زر خصمك وزر غريمك، وأنت وإياهم في حقيقة الأمر إخوة في الإسلام، وقد تكونون إخوة في القرابة والرحم والدم، لماذا لا نكبر عقولنا، ونوسع صدورنا، ونفتح قلوبنا؟

    لنغتنم هذه الفرصة العظيمة لنشيع الوئام والمحبة والسلام فيما بيننا، ولنكون بالفعل صفاً واحداً ضد أعدائنا الذين يأتون بالموت الزؤام في عباءة ورداء السلام.

    1.   

    مشروع المشاريع أهميته ومقصوده

    عندنا المشروع الأخير تعرفون ما هو اسمه؟ مشروع المشاريع.

    الآن هذه المشاريع فكرت فيه بعضها وقرأت هنا وهناك واستنبطت وجئتكم باثني عشر مشروعاً ذكرناها آنفاً، كل منكم يخترع مشروعاً واحداً، كم عندنا هنا؟! أكثر من مائة، اجعل لنفسك أن تقترح أو أن تبتكر مشروعاً من جنس هذه المشاريع، نحن لم نذكر مشاريع خاصة بالنساء، لم نذكر مشاريع خاصة بالأسواق، لم نذكر مشاريع خاصة بمكة والمدينة والعمرة وما يمكن أن يكون فيها، لم نذكر مشاريع ومشاريع ومشاريع كثيرة، أليس كذلك؟! هذه أبواب واسعة من هذه المشاريع المختلفة.

    قلنا مشروعنا الأخير: هو مشروع المشاريع، هو مشروع لابتكار مشروعات مماثلة، وما زال الباب واسعاً يمكن أن تكون هناك مشروعات مع الزوجة والأبناء، مشروعات مع الأقارب والأرحام، مشروعات مع الجيران والزملاء، مشروعات في المواصلات العامة، كيف يمكن أن نقدم فيها الخدمة أو التذكرة والموعظة؟ مشروعات في جوانب مختلفة وبعضها لم أذكرها.

    كل ورقة سنذكرها الآن مما جاء من الإخوة سنحيلها إلى مشروع، لو أننا تعودنا دائماً أن نترجم أو نحول الأفكار إلى مشروعات، ونترجم المشروعات إلى أعمال يسيرة في البداية وقليلة في البداية، سوف نجد أنها تعظم وتكبر ويصبح فيها فائدة كبيرة وعظيمة.

    النقطة الثانية التي ذكرها بعض الإخوة جيدة وجديرة بالاهتمام: هي أننا ذكرنا اثني عشر مشروعاً يقول: لو أنك نقلتها إلى عشرة أشخاص وكل شخص نقلها إلى مثل هذا العدد، فسوف يكون هناك كثير وكثير من الناس الذين سوف يقومون بهذه المشروعات، ربما لا تنفذ أنت من هذه المشاريع التي ذكرناها إلا واحداً أو اثنين، لكنك إن نقلتها إلى العشرات فقد ينفذها هؤلاء بأكثر وبأقوى مما صنعت وفعلت، ربما يتيسر أن تنسخ هذا الشريط وتوصله للناس، فيكون فيه أثر أن الناس يتذكرون أو يستفيدون ويطبقون ويمارسون ويحققون هذه المشروعات، هنا تعليقات كما قلت كل منها في غالب الأحوال يصلح أن نحوله إلى مشروع.

    مشروع النصرة

    أحد الإخوة يقول: ذكرت حمامة السلام ولم تذكر الجهاد، وكلامه جيد، ولا زال عندي هنا مشروع مكتوب اسمه: النصرة، كيف ننصر إخواننا المجاهدين في ساحات الجهاد التي لا غبار عليها، ولم نصدق أحداً مهما قال وزاد، بل إن هذا الذي يقوم به المجاهدون في فلسطين أمر ليس له اسم أو وصف غير الجهاد، لكن قد لا تكون الفرصة مواتية فسميته النصرة؛ ليكون بالإمكان أن تقوم بما يستطاع.

    لكن المشروع الحقيقي هو أن تقف عند هذه القضية وبالذات قضية فلسطين، والذين هم مجاورون لحينا ويحضرون جمعتنا يعرفون أنني دائماً أعيد القول فيها وأزيده؛ لأن هذه القضية هي قضية الإسلام الأولى في هذا الزمان، وهي قضية التآمر ضد الإسلام وأهل الإسلام في هذا الموطن الذي ذكرنا فيه من النصوص والخصائص ما يبين أهميته.

    وليس عنا ببعيد ما قاله الجنرال العسكري من جيوش الأعداء يقول في كلام معلن: نحن -أي: المسيحية واليهودية- في حرب مع الشيطان، وقد اكتشفت أن المسلمين لا يعبدون الله وإنما يعبدون الوثن أو الشيطان.

    والترجمة العملية لذلك واضحة، أقول: استحضر هذه القضية، إذا قلت: أستطيع أن أنصرهم بالدعاء، إذاً فاجعله أمراً لازماً في كل دعاء، انصرهم بالتعريف اجعله واجباً حتمياً أن تعرف في كل يوم أو في كل مناسبة، انصرهم بالمال، اجعل في مالك وصدقتك وزكاتك جزءاً يخص هذه القضية، بأي وسيلة تكون النصرة ألزم نفسك بها.

    كيفية ممارسة المشاريع في غير رمضان

    الآخر يقول: هل جميع هذه المشاريع يمكننا ممارستها في غير رمضان؟

    إذاً نقول: هذا مشروع المشاريع المستمرة، واختر من هذه المشاريع ما يكون مستمراً، فحفظ القرآن وتلاوته ليس خاصاً برمضان، الصدقة ليست في رمضان، إذاً هذه فكرة كأنها فكرة جديدة بأن تعطيها اسماً، وتقول: كيف ستطمع في ذلك؟

    أعطيكم تجربة عملية: أحد الناس جاء ورأى بعض الصناديق الصغيرة التي كانت تصنعها بعض الجمعيات الخيرية، وهي شفافة ترى فيها الأموال، ثم ذهب وسأل أين صنعت؟ فصنع منها نحو عشرين، وفي اجتماع قال لكل أسرة ورقة قال فيها: صدقة دائمة، أسرة آمنة، ووضع لهم الحديث (ما من يوم يصبح فيه الناس إلا وملكان يقولان: اللهم أعط منفقاً خلفاً، اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، ووضعها في كل صندوق من هذه الصناديق، ووزع عليهم الصناديق وقال لهم: اجعلوها في بيوتكم، وقولوا لأبنائكم: لا بد أن تنال هذه الدعوة من الملائكة بريال يوضع هنا في كل يوم بلا استثناء، حتى إنه يمكن أن تأخذ ثلاثين ريالاً وتصرفها ثم تضعها عند أبنائك وتقول لهم: هذه حصتي، ضغوا لي كل يوم في الصبح ريالاً.

    هذا مشروع مستمر دائم وهو فاعل، ويمكن للجميع أن يطبقه.

    مشروع إصلاح القلوب

    كيف نصلح قلوبنا؟

    إذا صلحت صلح كل شيء، فكر لنا في مشروع اسمه: إصلاح القلوب، اطلب من إمام المسجد أو شيخ أن يعطيك ورقة، اذهب إلى كتاب من كتب السلف أو الكتب المعاصرة التي تتحدث عن أمراض القلوب، خذ منه شيئاً واجمع مادة تشاور فيها بعض من ترى أنهم يفيدون، اطبع ورقة أو اجعلها كتيباً سمه: مشروع إصلاح القلوب، اطلب من إمام المسجد أن يخطب في إصلاح القلوب، انظر من يتعامل مع الشبكة العنكبوتية، أعطه هذه المعلومات لينشرها عبر الحدود وخارج الحدود؛ لأنها فضاء واسع.

    مشاريع متفرقة ومقترحة من الحاضرين

    سوف تسمعون مشروعاً جديداً يقول: أقترح أن يصمم كل واحد منا صندوقاً صغيراً ويضعه في مدخل العمارة التي يسكن بها، ثم يضع بها أسبوعياً مجموعة من الوصايا والنصائح وتوزع على الشقق التي في عمارته، مثل: زيارة المرضى في المستشفيات، زيارة المرضى المدمنين في مستشفى الأمل، زيارة الأطفال المعاقين في معهد الأمل، زيارة المساجين في بعض السجون، وتوزيع بعض الكتيبات والأشرطة عليهم، كم صارت المشاريع؟ ما شاء الله لا تعدونها.

    الآن هذا يسأل سؤالاً فقيهاً ليس له صلة مباشرة بموضوعنا ونحن نريد إن شاء الله أن ننتهي، يقول: مشروع الوضوء سلاح المؤمن، والوضوء وقاية للنظر والجوارح واللسان والسمع وغيره كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم، والسؤال عن كيفية الوصول إلى الأذهان لإشاعة الطهارة، وربما يذكر في هذا حديث بلال (ما أحدثت حدثاً إلا توضأت، وما توضأت إلا صليت ركعتين)، وكان هذا سبباً من الأسباب التي نال بها بشارة النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة.

    هل قراءة القرآن حتى الختم أفضل أم التفرغ لحفظ جزء كبير من القرآن؟ في كل خير، اجعل لك تلاوة مستمرة، واجعل قدراً خاصاً بالحفظ، واجعل قدراً خاصاً بالتأمل، وقد ذكرنا ذلك في خطب كثيرة كان عنوانها: القرآن نور الأنوار، في وقت سابق من شهور خلت.

    أحبتي الكرام! أعتقد أننا لولم نخرج من هذا اللقاء إلا بفائدة واحدة تقول: نحن الآن نريد شيئين: أن نتهيأ لشهرنا وضيفنا القادم، ونريد أن ننجز وأن نخرج بثمار عملية، لو خرجنا بهذا لكان يكفي.

    يقول عن مشروع التنفيذ: كيف نحفز أنفسنا وعزائمنا على التنفيذ ولو خمسين في المائة من هذه المشاريع النافعة، فبعد العلم يجب العمل؟ أقول من غير إعلان: كل الحاضرين الذين سمعوا فليقل كل منهم لنفسه: إنني أعقد العزم وأعطي العهد على أن أبذل الجهد إلى أقصى طاقة ممكنة لتنفيذ هذه المشروعات وغيرها من المشروعات النافعة، قولوا هذا لأنفسكم واعقدوا عليه العزم، واسألوا الله عز وجل الإعانة، وسيكون من وراء ذلك خير كثير، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يصرف عنا ما لا يحب ولا يرضى، وأن يستخدمنا في نصرة دينه وعون عباده، وإعلاء رايته، ونشر دعوته، وأن يجعلنا ممن ينصر الإسلام والمسلمين.

    اللهم استخدم جوارحنا في طاعتك، وسخرنا لنصرة دينك وعون عبادك يا رب العالمين.

    اللهم إنا نسألك أن تهل علينا هلال رمضان باليُمن والإيمان والسلامة والإسلام، وأن تجعله هلال رشد وخير وبركة علينا وعلى إخواننا المسلمين، ونسألك اللهم أن تجعله لنا شهراً خيراً مما مضى من شهور رمضان التي قمنا فيها بالصيام والقيام، ونسألك اللهم أن تجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.