إسلام ويب

المرأة بين الحرية والعبوديةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنصف الإسلام المرأة، وجعل لها حق الحرية والاختيار في أشياء كثيرة؛ بخلاف ما يزعم الغرب من أن المرأة في الإسلام مظلومة مستعبدة، وأي استعباد أعظم مما يجري في كل البلاد المتبجحة بإعطاء أهل الحقوق حقهم؟! فالمرأة عندهم مهانة مستضعفة، وليس لها مفهوم إلا أنها محل تفريغ الشهوة كالبهائم وأشد، أما في الإسلام فإن المرأة له مفهوم آخر له معنى جميل، وذوق رفيع في الحياة الإيمانية السعيدة.

    1.   

    العلاقة بين الرجل والمرأة في الحياة الأسرية

    الحمد لله المتفرد بعزته، المتعالي بعظمته، اللطيف برحمته، القوي بقدرته، خضعت له الرقاب، وذلت له الأعناق، وسجدت له الجباه، وخافت منه القلوب، وجارت إليه النفوس، أحمده سبحانه وتعالى هو أهل الحمد والثناء، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى على سائر آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله كافة للناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته.

    وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون!

    حديثنا موصول في موضوع المرأة بين الحرية والعبودية، وبين الاستقلالية والتبعية، وحديثنا يختص ببعض ما يثار من الشبهات، وما يفهم خطأً لكثرة الجهالات، وأمر القوامة والطاعة من أهم الأمور التي تستقيم بها الحياة الأسرية الزوجية، وتنتظم بها الحياة الاجتماعية، وهو في الوقت نفسه يحقق العدالة الربانية، والمصالح الدنيوية التي جاء بها تشريع الله جل وعلا، وطبقه وبلغه محمد صلى الله عليه وسلم.

    الطاعة والقوامة للزوج على زوجته، وللرجل على المرأة أمر من أمور الشرع، تتجلى فيه حكم، وتظهر فيه منافع، وتستخلص منه دروس وعبر، ومع ذلك فإن أصحاب قصر النظر، أو خلل الفكر، أو زيغ المعتقد، أو فتنة الهوى يرون في ذلك من وجهة نظرهم القاصر إنقاصاً لحق المرأة، وجعلها تابعة للرجل بلا استقلالية، أو يرون في ذلك صورة من صور العبودية مستشهدين بذلك القول الرباني زعموا وكذبوا في الوقت نفسه، قوله جل وعلا: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228]، فقالوا: هذه درجة علو واستعلاء، وتسلط وتحكم.

    وكذلك ما ورد في قول الله جل وعلا في شأن النساء اللائي ينشزن على أزواجهن: فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34]، وقالوا: هذا ضرب من الرجل للمرأة كأنما هي أمة أو عبدة أو كأنما هي حيوان أو غير ذلك مما يقال.

    ونحن نقف هنا وقفات عديدة نظهر فيها جهل أولئك أو تجاهل بعضهم؛ لأنهم ذكروا شقاً ونسوا غيره من الأحكام والتشريعات، ثم لم يصدقوا فيما ذكروه، بل لبسوا وأظهروا شيئاً وأخفوا أشياء أخرى.

    نريد أن نقف على حقيقتين اثنتين مهمتين:

    الأولى: ما هي حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة في شأن الزواج والحياة الأسرية؟

    الثانية: في شأن الرجل مع المرأة بإطلاق.

    المرأة طائعة مطاعة

    إن طاعة المرأة لزوجها أمر مطلوب، لكن لما نظهر هذا الشق ونخفي آخر، استمع معي إلى حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي رواه الحاكم والبزار بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: (أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ فقال: زوجها، ثم سئل: أي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ فقال: أمه)، فالمرأة هنا تطيع وهنا تطاع، فلم نغفل هذا الجانب الذي فيه إعزاز وإكرام للمرأة؟! وكذلك الجانب الأول سيظهر أثره وبيانه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر في هذا الحديث أن أعظم حق على الرجل هو حق أمه، براً بها وطاعة لها، وحرصاً على رضاها.

    والنبي صلى الله عليه وسلم جاءه الرجل يسأله: (يا رسول الله! أي الناس أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك)، فأين أدعياء حقوق المرأة وحريتها من هذه المنزلة الرفيعة العالية؟ وما من أحد من الرجال إلا وله أم مهما كبر سنه، أو علا قدره، أو زاد علمه، أو كثر ماله، فإنه ابن لها، عليه برها، والجنة تحت أقدامها، وطريق رضوان الله عز وجل في طاعتها، فأي إعزاز وأي إكرام لما ننظر لطاعة المرأة لزوجها ولا ننظر لطاعة الرجل لأمه؟

    وجوب معاشرة النساء بالمعروف

    أمر آخر: وهو أن قضية الضرب أو الولاية مسبوقة بتشريعات ربانية حكيمة بالغة في تقدير المرأة، معطية للمرأة أعظم الحقوق، وأكثرها طمأنينة لقلبها، وحفظاً لحقها، وحماية لعرضها، وإعلاءً لمنزلتها، يقول الحق سبحانه وتعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19]، والآية أمر رباني قرآني بصيغة الأمر الجازم الذي لا يحتمل تأويلاً، وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، فإن الله جل وعلا بالتشريع الإسلامي والآيات القرآنية أنزل هذه الأوامر الربانية التي تفرض وتلزم الرجال أن يحسنوا عشرة النساء.

    وقد ذكر القرطبي في تفسيره أن الآية مطلقة، وَعَاشِرُوهُنَّ [النساء:19]، أي: أيها الرجال عاشروا النساء بإطلاق، وإن كان يغلب على الآية تخصيصها بالأزواج في السياق؛ لكنها تشمل عشرة الأم وإحسان عشرتها بالبر والطاعة، وعشرة البنت وإحسان عشرتها بالعطف واللطف والرحمة والرعاية والتربية، وإحسان عشرة الزوجة، وذلك كما ذكر القرطبي في تفسيره: بتوفية حقها من مهرها والنفقة، وأن لا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقاً في القول لا فظاً ولا غليظاً، ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها، والعشرة: هي المخالطة والممازحة، فأمر الله جل وعلا بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن ليكون حسن الصلة فيما بينهم وصحبتهم على الكمال.

    وقال بعضهم في المعاشرة بالمعروف -أي: في تفسيرها-: أن يتصنع لها كما يحب أن تتصنع له، أي: أن يتجمل لها ويريها منه ما يرغبها فيه كما يحب أن يرى منها ما يرغبه فيها.

    ويقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية في قوله: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]: طيبوا أقوالكم لهن، وأحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله؛ لأن الله يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228].

    ثم قال: وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله ويتلطف بهم، ويوسعهم النفقة، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة رضي الله عنها فيسبقها وتسبقه، وكان يجلس مع سائر نسائه بعد صلاة العشاء ويتعشى، ثم ينصرف إلى بيت التي هي ليلتها، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أين هذا التشريع المحكم الذي فيه إعزاز المرأة، وحسن الصلة بها، وتقديم حقها، والتلطف معها، واللين معها، من ذلك الجانب الذي يذكرونه بمعزل عن هذا كأنما يذكرون شقاً وينسون شقاً؟! كما قال قائلهم:

    ما قال ربك ويل للألى سكروا بل قال ربك ويل للمصلينا

    فقد ذكر فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون:4] ولم يتم الآية.

    فالذي شرع القوامة شرع قبل ذلك أمراً من الله جل وعلا للرجال بأن يحسنوا معاشرة النساء، وأن يحافظوا على حقوقهن.

    مسألة الضرب ومراحل تأديب المرأة

    ثم ننتقل إلى الشق الآخر وهو أمر القوامة، وما قد يكون من حق الزوج على زوجته، وخاصة موضوع الضرب الذي يذكرونه.

    أولاً: الآية القرآنية التي ورد فيها هذا الحكم وردت فيها قبل ذلك مراحل ومراتب، يقول الحق جل وعلا: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34] وهنا عدة أمور ينبغي أن نتنبه لها:

    أولاً: أن هذا الحكم لا يكون إلا بسبب من الزوجة: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء:34]، فإن عقت زوجها، أو نفرت منه، أو عصت أمره، أو نكدت عيشه، أو أساءت تربية أبنائه، أو فرطت في حفظ ماله، فالأصل أنه لا شيء عليها إلا إن أساءت ابتداءً، وهذا ما ستوضحه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس الأمر في هذا التوجيه سواء كان بالضرب أو الهجر لهوىً في نفس الرجل أو تحكم أو تسلط منه، وإنما بما قد يقع من خلاف من المرأة فيما أمرها الله به في حق زوجها.

    ثانياً: أن هناك مراحل سابقة: فَعِظُوهُنَّ [النساء:34]، قال الشافعي : وهو قوله لها: اتقي الله فإنه لا يحل لك.. ونحو ذلك من الوعظ، فإذا انزجرت به لم يجد أن يتجاوزه إلى غيره، فإن لم يجز ذلك نفعاً فإنه يهجرها في مضجعها، والحديث يقول: (ولا تهجروهن إلا في البيت)، لا يفعل كما يفعل بعض الناس أن يترك لها البيت كما يقولون، أو يشاهدون في التمثيليات، أنه يترك لها البيت وما فيه ويهرب أو يخرج، فليس هذا هو المقصود بهذه الآية، ثم إن لم يجد هذا ولا هذا فلنعلم أن طبائع النفوس تختلف، فامرأة لم تعرف حق زوجها، ولم تقدر قدره، ولم تذكر خيره، ولم تعترف بفضله، ثم عصت أمره، وأعرضت عن وعظه، ثم لم تأبه بهجره، فإن ضربها في مثل هذا الحال فله مشروعية فطرية منطقية عقلية وهي كذلك شرعية.

    ثالثاً: هناك مواصفات محددة للضرب، فليس الضرب مصارعة حرة، ولا ملاكمة قاتلة كما قد يفعل بعض الرجال الذين ينسون شرع الله، ولا يتذكرون سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأمر ليس مطلقاً على غاربه، فإن شرع الله محكم، وإن شرع الله عز وجل قد تضمن كل معاني الإنسانية، ومعاني حسن العشرة الأسرية حتى يحفظ مسيرة المجتمع كله.

    يقول الرازي في تفسيره: الذي يدل على تخفيف الضرب الابتداء بالوعظ، ثم الترقي منه للهجر في المضاجع، ثم الترقي منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق.

    ثم ما هو هذا الضرب؟

    ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عمرو بن الأحوص في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن حق الزوجة على زوجها؟ قال: (أن يطعمها مما يطعم، وأن يكسوها مما يكتسي، وأن يؤدبها، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح، ولا يهجر إلا في البيت).

    وورد عن ابن عباس في تفسير هذا الضرب غير المبرح الذي ورد تصريحاً في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: (الضرب بالسواك ونحوه)، فهل المقصود بالضرب بالسواك هو ذلك التعذيب والإيلام، أو التسلط والتحكم؟

    إنه معنى تأديبي، إنه معنىً توجيهي، إنه معنىً فيه إشارة إلى أن الأمر قد بلغ حداً تجاوزت فيه المرأة ما ينبغي أن تكون عليه.

    وورد أيضاً في بعض التفاسير عن هذا الضرب أنه الذي لا يكسر عظماً، ولا يشوه جارحة كاللكزة ونحوها، وكالضربة البسيطة التي قد تضربها لصديقك وأنت ممازح له.

    بل قد ورد في التفسير عن بعضهم: أن يضربها بمنديل ملفوف، معنىً من المعاني وليس ضرباً من الضرب المعروف الذي سيأتي ذكر بعضه.

    بل قد ورد في صحيح الإمام البخاري حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه معنىً عظيم، ولفتة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أولئك الذين ينسون أنفسهم، وينسون حق أزواجهم، وينسون حسن العشرة، وينسون ما ينبغي أن تبنى عليه الأسرة، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم).

    قال ابن حجر في تفسيره: في الحديث استبعاد الجمع بين الأمرين، كيف يضرب ثم يعاشر؟ فإن أراد هذا فليمنع هذا، فإن النفرة تقع في قلب المرأة من ذلك التسلط أو التجبر وليس هو من دين الله عز وجل في شيء.

    فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم تعضيداً لما جاء في التشريع القرآني: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] يقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، فانظر إلى هذا الحديث العظيم كيف جعل خيريتك في المجتمع المسلم مرتبطة بخيريتك لأهلك، وإحسانك لزوجك وأبنائك وبناتك، إن لم يكن لك خير في أولئك فأي خير يرجى منك لغيره؟! وفي حديث عمرو بن الأحوص قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واضربوهن ضرباً غير مبرح)، وهذا لفت نظر وتنبيه منه عليه الصلاة والسلام في هذا الشأن وبيانه.

    وانظر إلى تطبيق عملي وقع في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والترمذي في سننهما، وصححه الحاكم وابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تضربوا إماء الله، قال: فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -عمر الذي كان يخفق الرجال بالدرة- فقال: يا رسول الله! ذئر النساء على الرجال) -أي: نشزن لما أمن العقوبة أو كما يقال: سحبت الصلاحيات من الرجل أو الزوج- (فأذن النبي صلى الله عليه وسلم بضربهن) أي: بنصف التشريع الذي ذكرناه في مرتبته وقدره وحده (فطاف بأبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء يشكين أزواجهن) وهذا يدلنا على انفتاح المجتمع المسلم، وكرامة المرأة، جاءت تشكو مما قد يكون وقع عليها من ظلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد طاف بآل رسول الله سبعون امرأة، كلهن يشكين أزواجهن ثم قال: ولا تجدون أولئك خياركم)، هؤلاء الذين يضربون أزواجهم ليسوا من خيار الناس ولا من كرمائهم، أي: إذا تجاوزوا الحد المشروع.

    أي كرامة، وأي شخصية، وأي مروءة عند هذا الرجل الذي يضرب زوجته ضرباً مبرحاً لا يتقي فيه وجهاً، ولا يخشى فيه أذىً أو جرحاً، فهذا لا شك أنه قد خرج عن حد المروءة المتعارف عليها بين الناس، الرجل في الجاهلية القديمة كان ربما يعف عن مثل هذا ويترفع عنه، ويقول شاعر العرب في ذلك:

    سمعت بأقوام يضربون نساءهم ألا شلت يميني حين أضرب زينب

    الرجل الشهم لا يرى ضرب المرأة إلا لوناً من ألوان الدناءة؛ لأن المرأة بطبعها وضعفها وقدرته عليها ينبغي أن لا يدفعه ذلك إلى مثل هذا.

    إذاً: الأمر بسبب خلاف أو تقصير أو مخالفة من الزوجة، ثم قبله مراحل سابقة، ثم هو محدود بمواصفات معينة ليس مطلقاً لمن شاء أن يفعل كما يشاء.

    وأخيراً: فإن له نهاية ملزمة، وله حد يتوقف عنده، وهذا الحد جاء في قوله تعالى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ [النساء:34]، أي: زال السبب الذي كان سبب العقوبة: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34].

    وتوقف أهل التفسير عند السر في ذكر اسم (العلي والكبير) من أسماء الله في هذا الموضع بالذات، رغم قلة تكرر تلازم الاثنين في خواتيم الآيات، فقال القرطبي رحمه الله: في هذا إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب، أي: إن كنتم تقدرون عليهن فتذكروا قدرة الله، فيده بالقدرة فوق كل يد، فلا يستعلي أحد على امرأته فالله له بالمرصاد فلذلك حسن الاتصاف هنا بالعلو والكبر، وهذا أعظم إنصاف، وأعظم حرية، وأعظم حق يعطى للمرأة، فإن الله جل وعلا جعل مقام العلو والكبرياء الذي له تذكيراً وتنبيهاً وتهديداً وزجراً للأزواج أن لا يتجاوزوا الحد، فإن الله أعلى وأكبر منه.

    وزاد الرازي على هذا الوجه وجوهاً أخرى فقال في تفسيره في سر هذا الختم للآية القرآنية: إن النساء عندهن ضعف وعجز عن الانتصاف، فلئن عجزن عنه فإن الله العلي الكبير ينتصف لهن ممن بغى عليهن.

    وقال أيضاً: إن الله جل وعلا مع علوه وكبريائه لا يكلفكم أيها الناس إلا ما تطيقون، فكذلك أيها الرجال إن كان لكم علو أو تكبر أو قوة فلا تكلفوا النساء إلا ما يطقن، وكذلك الله جل وعلا مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، فلا تأخذوا النساء إذا رجعن إلى الطاعة .. إلى غير ذلك من الأسرار الكثيرة التي ذكرت في تفسير هذه الآية، وتنبيه المسلمين إلى الحد الذي ينبغي أن يعرفوه وأن ينتهوا إليه، ولذلك ورد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (استوصوا بالنساء خيراً، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)، فهذا كله تذكير وتنبيه للمسلم ووضع لهذا التشريع في مكانه الصحيح، وفي موقعه الذي ينبغي أن يعرفه المسلم.

    وقال الإمام ابن حجر في شرحه لبعض هذه الأحاديث: ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل، يعني: إن كان يكفي التهديد بأني سأفعل وأفعل فتخاف وترتدع وتستقيم فيكفي هذا التهديد عن الفعل، قال: لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن العشرة المطلوبة في الزوجية، إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله عز وجل.

    وفي حديث عائشة الذي يرويه النسائي في سننه قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة ولا خادماً قط، ولا ضرب بيده شيئاً إلا في سبيل الله، أو تنتهك حرمات الله فينتقم لله).

    إذاً: لو تأملنا هذا لوجدنا أن هذه الطاعة للزوج من المرأة في مصلحتها، وهي كذلك في مقابل أمر آخر مهم، وهو قوله جل وعلا: وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، فالزوج الذي كلف بالنفقة والحماية والرعاية والدفاع عن الأسرة كان له في مقابل ذلك حق القوامة والطاعة.

    والأمر الآخر: أن الطاعة ليست تسلطية تجبرية، بل هي في المعروف، ولا تجوز في معصية الله، ولا تجوز بالتشهي والهوى، وإنما بما يؤدي تحقيق قول الله عز وجل: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، وأن لا يكون شيئاً مما قد يقع في نفس الرجل دافعاً للعدوان أو للتعدي على المرأة دون ما سبب مباشر منها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة-أي: لا يبغضها- إن كره منها خلقاً رضي منها آخر).

    ثم ينبغي أن ندرك أيضاً أن التشريع جاء بهذه المراتب المتدرجة، وجاء بالضرب بحدوده الخفيفة الهينة التي لا تتجاوز حد التأديب والتوجيه إلى حد الإهانة أو العبودية أو التسلط، وإنما بهذا المقدار فحسب، ثم جاء الأمر حاسماً بأنه إذا عادت الطاعة، وانسجمت الأسرة رفع هذا الوجه من وجوه التأنيب والتأديب، وبقي للمرأة إعزازها وكرامتها وحقها وحريتها وحسن معاشرتها.

    وينبغي أن ندرك أيضاً أن الطاعة في هذا المجال أو في مجال الأسرة هي أمر أيضاً فيه اشتراك بين الرجل والمرأة، فهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)، فالأمر فيه تكامل وتعاون لا تصادم وتضاد، فليس هناك عندنا في شرع الله عز وجل بحمد الله ما يفضي إلى وجود التسلط أو العبودية.

    والمرأة لها حقها في مالها رغم زواجها، ولها حقها في التصرف في أمورها الخاصة فيما لا يتعارض مع حق الزوج، فلها أن تبيع من مالها أو تشتري، أو تهدي أو تتصدق، وليس للزوج أن يكرهها، له أن يوجهها أو أن ينصحها أو أن يرى لها الخير في ذلك، ولها أن توكله وأن تترك له الحق أن يتصرف في بعض شأنها، فالأمر على حسن العشرة ليس على هذا الفرض، وانظر إلى قضية استقلالية شخصية المرأة في بيئة الإسلام وبينما يدعونه أو يقولونه في هذه الحضارات المعاصرة.

    موقف واحد أختم به الحديث لننطلق بعده إلى مواقف أخرى: المرأة اليوم في الإسلام وفي كل سائر عصوره تتزوج فتبقى شخصيتها واسمها ونسبها وصلتها بأسرتها وعائلتها، ورجال ونساء الحضارة الغربية اليوم إذا تزوجت المرأة شطب اسمها واسم أبيها وأسرتها إن كان لها اسم أب أو اسم أسرة، ثم صارت تنسب إلى هذا الرجل، كأنما هي في الحقيقة بهذا المعنى تمثل أعظم صور التبعية والذيلية والانقيادية، وسار على ذلك وللأسف بعض المسلمين، فصارت المرأة فلانة الفلانية يذكر بعد ذلك نسب زوجها أو تنسب إلى اسمه أو إلى عائلته، مع أنه ليس اسمها ولا عائلتها.

    نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بديننا، وأن يعرفنا بتشريعات ربنا، وأن يلزمنا هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    وقفات مع حال الزوجة الغربية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى حسن معاشرة الأزواج، والقيام بحقهن، وإعزازهن، وإكرامهن؛ لأن في ذلك أثراً في تربية الأبناء من بعد، وأقف وقفة مع قليل من بعض صور الحضارة الغربية المظلمة في هذا الشأن الذي يطعنون فيه على الإسلام، أو يدعون فيه وجود النقص في تشريعات الإسلام.

    وقفات مع حال الزوجة وقضية الضرب أو التسلط من الرجال على النساء.

    بحث أعد في جامعة كاليفورنيا الجنوبية في أمريكا في أوساط الطلبة الذين يمثلون النخبة المثقفة الجامعية، تقول هذه الدراسة: إن (79%) من الرجال يضربون النساء وخاصة الزوجات منهن.

    وفي دراسة أخرى فحصت ألفاً وثلاثمائة وستين سجلاً من سجلات النساء في المستشفيات قال صاحب الدراسة في أمريكا: إن ضرب النساء ربما كان أكثر الأسباب شيوعاً للجروح التي تصاب بها النساء.

    أما إحدى الباحثات واسمها آن فلت كرفت تقول: إن ضرب النساء هو إحدى حقائق المجتمع الأمريكي، ومشكلة اجتماعية واسعة الانتشار.

    ومن ثم وجدت عندهم المنظمات لصد العنف عن المرأة، ونحن لا نحتاج إلى هذا؛ لأنه ليس عندنا مثلما عندهم.

    وهناك منظمة اسمها: منظمة الائتلاف الوطني ضد العنف المنزلي، ومقرها واشنطن عاصمة أمريكا، تقول المنسقة في هذه المنظمة: الرجال يضربون نساءهم في سائر أنحاء الولايات المتحدة؛ مما يؤدي إلى دخول العشرات من الآلاف منهن إلى المستشفيات، وقارنوا مع ضرب السواك والمنديل الملفوف والتهديد الذي ذكرناه في تشريع الإسلام.

    وتقول عندما سئلت عن حجم هذه الضربات وتأثيراتها: إنها تتراوح ما بين اللكمات حول العينين، والكسور، والحروق، والجروح، والطعن بالسكاكين، وجروح الطلقات النارية، وضربات أخرى بالكراسي والسكاكين والقضبان المحماة.

    هذه هي المرأة في حضارة الغرب اليوم! وهذا هو الرجل المتحضر الأنيق الذي يلبس من الثياب ويأتي من الكلمات ما يتأثر به بعض أبناء المسلمين.

    ثم تقول في تقديراتها الإحصائية من خلال منظمتها الائتلافية الوطنية ضد العنف المنزلي: إننا نقدر عدد النساء اللائي يضربن في أمريكا كل عام بستة ملايين امرأة، وقد عقد في امستردام ندوة شارك فيها ممثلون من إحدى عشرة دولة في أوروبا وأمريكا عنوانها: إساءة معاملة المرأة في العالم أجمع.

    ثم في دول أوروبا، وليس الحال ببعيد عن هذا، بل هو مماثل وأكثر في بعض الأحوال، فهذه فرنسا تشكو من هذه الظاهرة، وتعطي إحصاءاتها التي تصدر عن مراكزها ومراكز بحوث دراساتها تقول: إن هناك مليوني امرأة يضربن في العام الواحد.

    وتقول أمينة سر الدولة الفرنسية لحقوق المرأة التي تعتبر بمثابة وزارة لرعاية حقوق المرأة: حتى الحيوانات تعامل أحياناً أحسن من النساء، فلو أن رجلاً ضرب كلباً في الشارع فسيتقدم شخص ما بشكوى إلى جمعيات الرفق بالحيوان، ولكن إذا ضرب رجل زوجته فلن يتحرك أحد.

    وتأتي هناك إحصاءات، وأرقام أخرى، وأمور كثيرة فيها صور من هذا الاضطراب والاختلال الذي يقع في غياب التشريع الإسلامي، وفي غياب الأمر بحسن العشرة، وفي غياب الأمر ببر الأم، وفي غياب الأمر بحسن الصلة مع الزوجة.. إلى غير ذلك مما هو مذكور في شرع الله سبحانه وتعالى.

    ولسنا بصدد أن نذكر ونسرد الكثير في هذا، وحسبنا أن نقول: إن هذه أمثلة تبرز بعض الحقائق وما خفي كان أعظم، والذي يطالع ما تنشره صحفهم، وما تخرج به مراكز أبحاثهم يرى العجب العجاب في هذا الشأن وفي غيره من الشئون.

    1.   

    مفهوم القوامة الشرعية ودفع الشبه حولها

    إن القوامة هي نوع من الإدارة، ولا يمكن أن تكون هناك مؤسسة أو شركة ليس فيها شخص مسئول يكون له بعد المشاورة والمداولة الكلمة النهائية والفصل، وإلا لكانت الأمور فوضى، ولكان هناك تنازع وشقاق، مدير المؤسسة له حق الطاعة على الموظفين، فإن قالوا: ولماذا يكون له هذا الحق؟ فلم يطيعوه لاضطرب حال المؤسسة كلها، وتضرر الجميع بلا استثناء.

    وكذلك شأن الأسرة إما أن تترك فوضى فلا رب لها، وهذا لا يمكن أن يكون أمراً صالحاً أو مصلحاً، وإما أن تكون القوامة للمرأة أو للرجل، وهم يعترضون أن تكون للرجل، فلو كانت للمرأة فما رأيكم ألا يتظلم الرجل أيضاً؟

    ثم انظر أيضاً إلى أمور أخرى، فإن المرأة تغلبها عاطفتها، وتفقد حسن تصرفها مع غضبها، فهذه لا تصلح للإدارة مطلقاً، لا لنقص فيها، ولكن: لأن طبيعتها تصلح لأمر آخر، وقلنا: إن الحقيقة الصحيحية للمساواة هي المراعاة وليست المساواة مع اختلاف وجود الأسباب.

    ثم المرأة يعتريها ما يعتري النساء من حيض وحمل ونفاس، وهذه أمور تضعفها في بدنها، وتضعفها في نفسيتها، وتضطرب حتى أحياناً في تفكيرها واهتماماتها، فماذا نصنع؟

    هل نعطي للأسرة إجازة لفترة الحمل أو لفترة النفاس أو غيرها وتضطرب الأمور والأحوال؟

    ثم أين خبرة المرأة في هذا الشأن الذي تتعرض فيه الأسرة لأمور كثيرة تحتاج فيها إلى خبرة بالمجتمع، ومزاولة لأعماله، ومعرفة ببعض المشكلات والمعضلات، مما لا يتوفر لها ولا يليق بها، ولا يصلح مع فطرتها وطبيعتها؟

    وإذا عرفنا ذلك وعرفنا أن القوامة للرجل ليست قوامة تسلط ولا تحكم، وإنما قوامة مسئولية، فهي تكليف لا مجرد تشريف، ففيها عليه النفقة والحماية، وعليه حسن الرعاية، وأن يلبي الطلبات لما هو لازم ومحتاج إليه في شئون الأسرة والمنزل والأبناء، فليس الأمر حينئذٍ إلا نوعاً من الأسلوب الذي تمضي به الحياة على أتم وأكمل وجه فيما تتحقق به المصلحة للرجل، والمرأة على حد سواء.

    ولذلك يأتون فيقولون: تشترطون على المرأة أن لا تسافر إلا بمحرم، كأنها قاصرة، كأنها لا قيمة لها، كأنها كما يقولون: لا شخصية لها تتبع الرجل.

    ونقول: هذا من جهلكم وحمقكم، فإن الناس يعرفون أن الذي لا قيمة له هو الذي يذهب ويجيء دون أن يكون معه أحد، ولا ينتبه أحد لرعايته ولا للاهتمام به، أما عكس ذلك فغير ذلك، نحن نعلم مثلاً: أن المدير إذا خرج من إدارته أو ذهب في مهمة فإن المرافقين له يكونون أكثر من الموظف العادي أو المراسل الذي يراسل بين مؤسسة وأخرى، لا، ليست له من الأهمية والقيمة ما يحتاج إليه من المرافقين الذين يقدمون له الخدمات، أو الذين يحرصون على حمايته ونحو ذلك مما قد يكون في شأن أصحاب الحكم والسلطان، فإنه إذا خرج أو سافر لابد أن يكون له من يقوم برعايته وحمايته.

    والمرأة لما كانت منزلتها عظيمة، وقدرها كبير، والحفاظ عليها أمر مهم في مجتمع المسلمين؛ حفظاً للأعراض، وحفظاً للأمن، وحفظاً للمجتمع والصحة والفطرة، كان شأنها أن يوظف الرجل المحرم لها ليرافقها إيناساً لها من وحشتها، وحفظاً على عرضها، وذوداً عنها، فإن السفر عرضة لأن تتعرض فيه المرأة لسرقة أو لعدوان، أو لاغتصاب، أو لغير ذلك، ونحن نعلم -والإحصاءات في ذلك كثيرة- أن نساء الغرب لا يستطعن لا أن يسافرن، بل لا يستطعن أن يسرن في الطرقات في المدن بعد دخول الليل خوفاً من الاغتصاب والاعتداء والسرقة وغير ذلك، فالله عز وجل قد أكرم المرأة ورعاها.

    ومن هنا نجد أن هذه الأمور التي يظنونها قيوداً إنما هي إكراماً وإعزازاً للمرأة.

    نسأل الله عز وجل أن يحفظ نساءنا، وبيوتنا، وعوراتنا، وأبناءنا، وبناتنا، اللهم إنا نسألك أن تجملنا بالتقوى، وأن تجعلنا من أهل البر والتقوى، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، ومن جندك المجاهدين، ومن ورثة جنة النعيم.

    اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك أعمارنا، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد.

    اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام نائمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، وردهم إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصيهم إلى طريق الحق والسداد، وألهمهم الرشد والصواب، وألزمهم كتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم ثبت خطوتهم، ووحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على سائر أعداء الدين، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار!

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وفرق كلمتهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء!

    اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى، اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، والنسوة الثكالى، والشيوخ الركع، والأطفال الرضع، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم اجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم عجل فرجهم، وفرج كربهم، ونفس همهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم يا رب العالمين!

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نسألك أن تدفع عن بلدنا هذا الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن، وعن سائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم اجعل عمل ولاتنا في هداك، ووفقهم لرضاك، وارزقهم بطانة صالحة تدلهم على الخير، وتحضهم عليه، وتحذرهم من المنكر وتنهاهم عنه يا سميع الدعاء!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر وذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.