إسلام ويب

الصيف ضيعت اللبنللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوقت رأس مال المسلم، وليس للمسلم راحة إلا في الجنة، لذا كان لزاماً عليه أن يستغل كل دقيقة وكل ثانية من عمره فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة؛ فإنه مسئول بين يدي الله عز وجل عن عمره وشبابه، فليعد للسؤال جواباً، وللجواب صواباً، ومن أعظم الأوقات التي ينبغي ألا تضيع من عمر المسلم: الإجازة الصيفية، فهناك كثير من الأعمال والفرص التي يستطيع المسلم الاستفادة منها في هذه الإجازة.

    1.   

    سبب قول المثل: الصيف ضيعت اللبن

    الحمد لله، الحمد لله العزيز الغفار، المنتقم الجبار، مكور الليل على النهار، ومكور النهار على الليل، نحمده سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! (الصيف ضيعت اللبن) مثل عربي شهير، يُضرب فيمن ضيع الفرصة، وفوت الغنيمة، وترك المجال الرحب الواسع، ولم يكن له من ذكاء عقله ومن شرف نفسه ومن قوة عمله ما يجعله محصلاً لمكاسب دنياه ومدخراً لمآثر أخراه.

    هذا المثل يُضرب لامرأة تزوجت رجلاً شهماً كريماً، فكان يغدق عليها طعاماً وشراباً ولبناً سائغاً للشاربين، مع حسن معاملة وإجلال وإكرام، لكنها لم تقابل ذلك باعترافها بالنعمة، وشكرها لها، وانتفاعها منها، وحرصها عليها، بل قابلت ذلك بإعراض وتضييع، وبجحود وإنكار، فكانت العاقبة أن طلقها، ثم تزوجها غيره، فلم تجد عنده يداً مبسوطة بالكرم، ولا وجهاً مشرقاً بالسرور، ولا معاملة محفوفة بالإعزاز والإكرام، فتندمت وتحسرت على ما فات عليها، وما ضاع منها، لكنها لم تنح باللائمة على غيرها، وإنما خاطبت نفسها تذكرها تفريطها، وتبين لها سوء تدبيرها، فقالت: (الصيف ضيعت اللبن)، ومضى مثلاً لكل من أضاع الفرصة، وفرط في الغنيمة.

    1.   

    تعريف العطلة ومنهجية الإسلام فيها

    وها نحن اليوم نبدأ موسم الصيف، وما أدراك ما موسم الصيف؟! وكم من ملايين الملايين من الأوقات التي تُحسب في خانة الفراغات، والتي تُصنف فيما يعرف بالعطلة! وهي اسم في لفظه ومعناه واشتقاقه اللغوي مأخوذ من العطالة والعطل، وهو: الخلو من الزينة في أصل اللغة.

    وهو هنا: خلو عن العمل الجاد، والانتفاع المثمر، والاستغلال الهادف للطاقات المختلفة المتنوعة كلها: من وقت ممتد، وعقل مفكر، وقوة وصحة، وعافية وفرص، وأبواب من الخير مشرقة.

    ثم قد ينتهي الزمان وينقضي الصيف بأيامه وأسابيعه وأشهره وسعته التي ليس فيها كثير من العمل المطلوب المكلف به، وحينئذ تعود مرة أخرى التسويفات: إذا جاء الصيف سأفعل، وإذا كانت الإجازة سأنجز، وإذا تخليت عن بعض الأعباء والمهمات سأفرغ لغيرها، ويمر الإنسان بذلك دون أن يدرك أن الذي يضيعه إنما هو جزء حقيقي مهم من عمره وحياته، وأنه يبدد من رصيده ويفني من كنوزه ما قد يكون أقل القليل منه موضع ندامة وحسرة شديدة وأكيدة وعظيمة في وقت لا ينفع فيه الندم.

    ولعلنا نذكر أمرين مهمين قبل حديثنا عن الصيف:

    الفراغ فرصة للعمل

    الأمر الأول في المنهج الإسلامي: الفراغ فرصة للعمل:

    ويخطئ من يظن غير ذلك، أو يعتقد أن الفراغ فرصة للنوم والكسل، ولعلنا نكتفي بالآية التي نتلوها كثيراً ونسمعها في صلواتنا كثيراً، وهي قوله تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:7-8].

    وقبل أن أذكر ما ذكره المفسرون من الصحابة والتابعين وغيرهم ندرك جميعاً بمعرفتنا للغة العرب أن المعنى العام: إذا فرغت وانتهيت وصارت عندك فسحة من الوقت وشيء من الراحة فانصب، وكلنا يعلم أن النصب هو التعب، والمقصود به الجد والعمل الذي يجدد مرة أخرى الإنجاز، ويحقق الخير بإذنه سبحانه وتعالى.

    ولنستمع أيها الإخوة! إلى القلوب المؤمنة، والأفهام المسلمة، والنفوس الحية، والهمم العالية، كيف فسرت وكيف فقهت هذه الآيات من كتاب الله سبحانه وتعالى:

    عن ابن مسعود : رضي الله عنه قال: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل.

    وعن ابن عباس قال: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء.

    وأما الحسن وزيد بن أسلم فروي عنهما قولهما: إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب إلى عبادة ربك.

    وعن مجاهد إمام التابعين من المفسرين قال: إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك.

    وعن الجنيد قال: إذا فرغت من أمر الخلق فانصب في عبادة الحق.

    فهل رأيتم في مجموع هذه الأقوال قولاً يقول: إذا فرغت فنم؟ أو إذا فرغت فاله والعب؟ أو إذا فرغت فضيع الأوقات، وانحر الساعات؟ هل سمعنا شيئاً من ذلك؟

    والذي نقلته لكم نقلته من نحو ثمانية أو تسعة تفاسير من أمهات كتب التفسير، ولو رجعتم إلى عشرات أخرى غيرها فلن تظفروا إلا بمثل هذه المعاني الشريفة العظيمة التي ترجمها القاسمي المفسر المتأخر المعاصر، فإنه جعل لها إطاراً واسعاً ومعنىً شاملاً حين قال: إذا فرغت من عمل من أعمالك النافعة لك ولأمتك فانصب إلى عمل وخذ في عمل آخر، واتعب فيه؛ فإن الراحة إنما تكون بعد التعب والنصب.

    هذا هو فقه الإيمان، وهذه دلالة القرآن، وهذه نفوس أسلافنا وأفكارهم وعقولهم، وهكذا ينبغي أن نفقه الأسس السليمة، لا أن نسمح للمفاهيم المغلوطة أن تروج، فمع آخر يوم من انتهاء الاختبارات تسمع الطلبة والطالبات وهم يتواعدون بالنوم الطويل، واللعب الكثير، والسهو واللهو والغفلة، ويرون ذلك هو الميدان الصحيح، وهو العمل المطلوب، ليس في يوم أو يومين بل في أشهر معدودات متواليات، وليس هم الذين يقولون ذلك، بل أسرهم وآباؤهم وأمهاتهم يوافقونهم في مثل هذا في الجملة! فهم يرون ألا يكلموهم، وألا يوقظوهم من نومهم وسباتهم، وألا يثربوا عليهم في لهوهم وفراغهم وغير ذلك، بل ليس هؤلاء فحسب، بل المجتمع في مجمله كأنما يقول لهم ذلك، وكأنما يؤكد لهم أن الرسالة المطلوبة هي مثل هذا اللغو واللهو والفراغ غير المجدي.

    المسئولية في المنهج الإسلامي

    وهناك قاعدة أخرى أيها الإخوة الأحبة! هي: المسئولية حقيقة كلية في المنهج الإسلامي، إذ ليست هناك مسئولية في زمان دون زمان، ولن يكون الحساب يوم القيامة على أيام الدراسة والعمل والقلم مرفوع عن أيام الإجازة أو العطل، فمن قال هذا أو توهمه فإنه لا شك على خطر عظيم.

    والمسئولية كذلك لا ترتفع عن مكان دون مكان، فليست هي في مكة المكرمة أو المدينة، فإذا كان في غيرها أو في خارج هذه البلاد أصبح الأمر أمراً آخر، وأصبح التصرف مختلفاً، وأصبح القول غير القول، وغير ذلك مما نعلم كثيراً منه، إنها قضية واضحة؛ قال عز وجل: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، وليست هناك حدود في الزمان أو المكان تخرج عن دائرة هذه المسئولية، قال عز وجل: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، وكلمة (قول) منكرة ومنونة فتدل على العموم في سائر الأوقات، وفي سائر الأحوال، ففي الرضا والغضب أنت مسئول عن قولك، وفي العمل والإجازة أنت مسئول عن فعلك، وفي بلادك وفي خارجها أنت محاسب على أفعالك.

    والأمر في ذلك يطول، والفقه الإيماني يدعو إلى أن يكون المرء المؤمن عاقلاً، وأن يعمل مثلما يعمل التاجر، فالتجار في مواسمهم يشمرون عن ساعد الجد، ويفتقون العقول عن الأفكار والحيل والأساليب المناسبة لمزيد من الأرباح في هذه المواسم، وتجدهم يزيدون في الأوقات، ويغتنمون الفرص في الإقبال وإتاحة الإمكانات والطاقات، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك).

    فانظروا إلى الأوائل كلها ستجدون أنها متعلقة بالزمن، وكلها مربوطة بما يتيسر من هذا الزمان الممتد.

    وهنا نستحضر الحديث العظيم الذي رواه الإمام البخاري في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ)، فامتداد في الزمن، وقوة في البدن، وتكاليف تنزلت بها الآيات، وشهدت بها ووجهت إليها الأحاديث، وأمة مهيضة الجناح، متأخرة عن ركب الأمم، يحدق بها الأعداء من كل مكان، وتحيط بها المكائد في كل وجه وصوب، ثم بعد ذلك ملايين من الأبناء والبنات والأسر من هنا وهناك ضائعون في فلك لا نهاية له، سائرون في طرق لا تفضي إلى خير ولا إلى علم ولا إلى عمل ولا إلى تقدم أو نحو ذلك.

    أيها الإخوة! إنها قضية خطيرة، إنهم يحسبون في مقاييس الإنجاز والعمل في الدول والشركات الدقائق والساعات، ويقولون: إذا حصل أمر من الأمور وتعطلت الأجهزة أو تعطل العمل لمدة ساعة فإن هذه الساعة من عدد كذا من الموظفين تشكل كذا من الساعات الإنتاجية، وتقدر بكذا من الملايين، وتقدر بكذا وكذا، وأما نحن فنضربها ونحسبها ثم نهبها للفراغ، ونهدرها في الهباء، وننحرها بلا نفع ولا فائدة!

    إنها المسئولية المناطة بنا جميعاً، أنا وأنت وهذا وذاك، إن الشباب والشابات والأبناء والبنات جزء عظيم من المسئولية مناط بآبائهم وأمهاتهم، وسبل التربية والتوجيه، وسبل اغتنام الأوقات وغير ذلك مما نعلمه، إضافة إلى مسئولية المجتمع في كل دوائره المختلفة.

    1.   

    أهمية استغلال الأوقات

    ولعلي أقف هنا وقفات سريعة فيما ينبغي عمله، أو فيما ننكره ونحذر منه، ولكنها ومضات مهمة.

    هناك أرباح وخسائر، وهناك رابحون وخاسرون، فمتى يتضح ذلك؟

    الجواب: يتضح ذلك بعد نهاية الموسم وفي آخره، لكن هل ننتظر حتى يأتي آخر الموسم ونرى هل ربحنا أم خسرنا؟ أم نتنبه في أوله وبدايته حتى نأخذ الأسباب، ونهيئ العدة، ونجتهد في أن نخرج من الموسم بأكبر ربح ممكن بدلاً من أن تكون الخسائر فادحة؟ وليتها خسائر في جانب المادة فحسب، بل إن فيها إهداراً للأوقات، وإهلاكاً للأموال وغير ذلك، بل كثيرة هي الخسائر الفادحة من الإيمان الذي يضعف، والحياء الذي يذبل، والهمم التي تخور، والعزائم التي تفتر، واللهو الذي يتمكن من النفوس، والعبث الذي يضيع العقول، والغفلة التي لا تنهض عزماً، ولا تقيم أملاً، ولا تحيي عملاً في هذه الأمة.

    استغلال الأوقات بحفظ القرآن وتلاوته

    وأبواب الخير المشروعة كثيرة، فاغتنموا لكم ولأبنائكم هذه الفرص من الوقت المتاح:

    أولاً: في ميدان القرآن الكريم، فالمساجد تمتلئ بحلق التحفيظ، وكثير من الطلاب وأسرهم يقولون: ليس هناك وقت متاح في أوقات الدراسة، وإذا ذهبوا إلى المساجد فستضيع الأوقات عليهم عن الدراسة، وسيتأخرون فيها، فلنقبل منهم ذلك في أوقات الدراسة، فماذا يقولون بعد انتهاء الدراسة؟!

    وإضافة إلى ذلك فإن الأبواب مشرعة في أنماط مختلفة متعلقة بالقرآن، فهناك الدورات القرآنية التي تتيح الفرص لتعلم القراءة والتجويد والتلاوة، ولحفظ الجديد، ولمراجعة المحفوظ القديم، ونحو ذلك من الأمور الخيرة، إضافة إلى المسابقات والمنافسات القرآنية العظيمة.

    ولو أننا أحسنا توجيه أبنائنا إليها ورغبناهم فيها لوجدنا تحقق موعود الله عز وجل في قوله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، إنه يسير، وإنه محبوب، فلا ينبغي أن نقول: إنها إجازة فكيف نثقل عليهم بذلك؟

    سبحان الله! هل في كتاب الله من ثقل على النفوس؟! وهل فيه من همٍّ أو غم على القلوب؟! أليس هو الذي تنشرح به الصدور؟ أليس هو الذي تطمئن به القلوب؟! أليس هو الذي تلتذ به الأسماع؟! أليس هو الذي تترطب به الألسنة؟! أليس هو الذي تعم به الخيرات والبركات؟! أليس هو الذي يبصر وينير العقول ويرشدها؟! أليس هو الذي يفتق الطاقات، ويجعل المقبل عليه ذكياً فطناً، فضلاً عن كونه زكياً نقياً طاهراً؟! فلماذا نحرم أبناءنا؟ ولماذا نقصر في حقهم ونفرط في توجيههم إلى الخير الذي لهم؟

    ولا نقول: ليرتبطوا بالحلق أو بالقرآن ليلهم ونهارهم، فلا يكون عندهم فرصة لشيء من راحة، ولو قضوا ذلك في كتاب الله لما كان قليلاً.

    استغلال الأوقات بالقراءة

    وباب آخر وهو باب القراءة:

    فالقراءة مجني عليها؛ حيث لا يعرف أبناؤنا كثيراً من كتاب ربهم، ولا من سنة نبيهم، ولا من سيرة مصطفاهم، ولا من صفحات تاريخهم، ولا من علوم شريعتهم، ولا من حقائق واقعهم، ولذلك تجد الطلاب وقد صاروا اليوم كأنما عقولهم ورءوسهم فارغة، حتى ما يقرءونه في مدارسهم يقرءونه ليفرغوه على أوراق الاختبارات، ثم يحاولون بكل جهد أن ينسخوه من عقولهم، وأن ينظفوها حتى لا يبقى فيها أي أثر من آثار تلك المعلومات والقراءات!

    فالفرصة سانحة، والوقت متسع، ولو أراد الآباء والأمهات ومؤسسات المجتمع والحكومة أن تبسط ذلك بدلاً من أن تبسط ميادين المنتزهات فحسب لفعلت، فأين هي المكتبات؟ وأين هي المسابقات؟ وأين هي القراءات؟ وأين هي المجالات التي ينبغي أن يأخذ بها أبناؤنا؟

    وأستحضر هنا خبراً تافهاً سخيفاً، لكنه أخذ حظاً وافراً في وسائل الإعلام كلها: ابتكرت امرأة إنجليزية قصة خرافية عن شخصية خيالية، وجعلت لها اسماً، ثم أصدرت لها كتاباً، فتلقاه القوم -وهم يقرءون ويحبون أي شيء- بالقبول العظيم، حتى توالت الأجزاء، وجنت هذه المرأة من هذه القصة ستمائة مليون جنيه إسترليني كما يقولون! وعندما نزل الجزء الأخير نُشر في الصحف أن المكتبات في بعض الدول الكبيرة المشهورة في بلاد الغرب سوف تداوم أربعاً وعشرين ساعة حتى تلبي احتياجات الناس من الإقبال على هذا الكتاب!

    قد نقول: سخافة، وقد نقول: ضياع، لكنهم يقرءون، وربما نجد سوق الكتاب وهو يشكو الحزن الأليم؛ حتى إنما يطبع باللغة العربية في العام الواحد لا يبلغ إلا خمس ما يطبع في بريطانيا وحدها فقط، ويصدق حينئذ فينا قول أعدائنا: إننا أمة لا نقرأ!

    فنحن معاشر الآباء فضلاً عن الشباب أليس في فرص الإجازات ميدان لنقرأ في السيرة، ولنقرأ في تاريخنا، ولنقرأ ما ينفعنا، ولنعرف ما يجري حولنا؟

    استغلال الأوقات بالترفيه المثمر النافع

    وهناك أيضاً ميدان الترفيه:

    وهو أيضاً يمكن أن يكون نافعاً ومفيداً، لقد كان لهو السابقين من أسلافنا اللهو بالخيل، وكان نور الدين زنكي القائد العادل المقاتل المجاهد العظيم كان لعبه بالكرة على الخيل، يعطفها يمنة ويسرة، ويقول: ما أريد بها إلا الاستعداد للجهاد، وكم هي فرص الترفيه التي يمكن أن تكون نافعة ومفيدة، والمراكز الصيفية -بحمد الله- تقدم كثيراً من هذا النافع المفيد المثمر الذي يدخل السرور، ويغير النفس، ومع ذلك يكسب المهارة الجديدة، والمعلومة الجديدة، والمعرفة الجديدة، إضافة إلى أجواء من الإخوة والتعاون وغير ذلك.

    استغلال الأوقات بالعمل

    والعمل ميدان أيضاً لاغتنام الوقت، والاستفادة من الطاقات، فالعمل للشباب والشابات في صور مختلفة ولو كان عملاً ذاتياً ربما لا يكون له العائد المالي، لكن يكون له عائد تربوي ونفسي.

    استغلال الأوقات بالسفر المباح

    والسفر وما أدراك ما السفر؟ له في جانب السلبيات باب واسع، لكنه كذلك يمكن أن يكون نافعاً ومفيداً إذا لم يكن في البلاد التي يعظم فسادها، ويكثر شرها، وهي بلاد أعدائنا التي ننفق فيها أموالنا، وغير ذلك من الأمور التي نعرفها.

    وأبواب الخير في هذا كثيرة مشرعة.

    المهم أن نعرف أن الفراغ فرصة للعمل، وأن المسئولية لا يُستثنى منها أحد، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المغتنمين لأوقاتهم، الجادين في أعمالهم، الحريصين على تحصيل الخير والنفع والفائدة.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    ذكر بعض سلبيات العطل

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ولا شك أيها الإخوة الأحبة أن هناك صوراً محزنة، ومظاهر مؤسفة، وأحوالاً مخزية نراها في هذه الفترة من الصيف، ولقد تحدث إليّ رجل غيور ظل يتابع الاتصال وهو يركز على وجوه النقد التي تصاحب كثيراً من ممارسات الصيف، فآثرت أن يكون حديثنا الأول هو حديث الإيجاب، وحديث القواعد المؤسسة، وحديث الآيات البينة الواضحة، وحديث هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان النموذج الأمثل في اغتنام الأوقات، والذي كان مضرب المثل الحقيقي في حياة كل مسلم ومؤمن.

    ولابد كذلك أن ننبه إلى هذه السلبيات تقع منا نحن، إما مباشرة، وإما بطرق غير مباشرة، وهذه مآسٍ كثيرة ومشكلات عديدة:

    أولها: مشكلات السهر والعبث:

    فأكثر الشباب والشابات بل وكثير من الأسر عندما يأتي هذا الصيف لا يذوقون النوم في ليله أبداً، ويسهرون الليل ينحرون أوقاته حتى الصباح، فإذا جاء الصباح قتلوه نوماً، وقتلوه كسلاً، وقتلوه سلبية! وهذا أمر ظاهر ومشاهد، ولو أردت أن تجرب فاتصل بأي بيت في صباح أي يوم فلن تجد لك مجيباً!

    ونرى ذلك بآثاره السلبية، فالشباب يصنعون التجمعات في الأماكن السكنية وفي أماكن المنتزهات، ويصنعون ما هو معلوم من الأذية والمعاكسات والمغازلات وغير ذلك من الأمور المعلومة، وتحصل مآسٍ أخرى في الأسواق والمنتزهات.

    ولعلنا هنا نتوجه إلى النساء والفتيات؛ فإن كثرة الخروج المتأخر إلى ما بعد منتصف الليل في هذه الأماكن مع قصد في التميع والتكسر وعدم مراعاة أحكام الحجاب وآداب الحياء ومراعاة الواقع الاجتماعي والأسري والتربوي، فإن هذا يترتب عليه الكثير من المآسي، وترى اليوم الأسواق وهي تعج بروادها وكأنما كانوا في مجاعة فخرجوا يتطلبون قوتهم، أو كانوا قد عريت أجسامهم فخرجوا يشترون أكسية وأحذية أو نحو ذلك!

    ولا حرمة في التسوق، ولا غضاضة في قضاء الحوائج، لكنها بهذه الصورة والهيئة التي تكثر عند الناس حتى تكون كأنها جدول أعمال له في كل يوم ساعات أو له في كل أسبوع أيام هو الذي لا ينبغي؛ والحاجة تنقضي في أوقات يسيرة لمن كان يطلب حاجته ويعرفها دون هذا العبث والنزهة التي تتدثر بدثار التسوق ونحو ذلك.

    وهناك مآسٍ أخرى في السياحة والأسفار، منها ما تصنعه كثير من النساء من نزع الحجاب مع أول درجات سلم الطائرة! وكأنما هناك مكان ليس فيه حكم لشرع الله، أو كأنما هناك مكان يخلو ويخرج عن علم الله المحيط الشامل، قال جل وعلا في وصف علمه وشموله: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19].

    وهذه صور كثيرة نحن مسئولون عنها، قد نكون من أهلها، وقد يكون بعض معارفنا أو جيراننا أو أقاربنا من أهلها، وقد يكون غيرهم من أهلها، ونحن نملك أن نقول كلمة ننصح بها، أو نقدم رسالة نذكر بها، وأن نحذر مما يستهدفنا، ونحن نمر في بلادنا وعلى مستوى أمتنا بأعظم هجمة شرسة تريد استئصال إسلامنا من جذوره، ونسخ تاريخنا من أصوله، وفوق ذلك كذلك نجد أننا نمر بأشد الظروف التي تكاد فيها أوضاع أمتنا في داخلها تموج بكثير من المتغيرات والاضطرابات، فهل يحسن بنا مع ذلك كله أن نبقى على غفلتنا، وأن نبقى على السر الأعظم في سبب بلائنا ونكباتنا ومصائبنا، والسبب الأساس في تسلط أعدائنا، وهو: مخالفتنا لأمر الله، وتنكبنا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال عز وجل: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:41].

    فالله الله في أبنائكم وبناتكم! والله الله في أوقاتكم وأيامكم ولياليكم وساعاتكم! والله الله في قلوبكم ونفوسكم، والله الله في الفرص العظيمة والأبواب المشرعة من الخير! لعل الله سبحانه وتعالى أن يعوضنا كثيراً مما فرطنا فيه، وأن يجعل هذه الأوقات المتاحة فرصة لننجز عملاً نخدم به أنفسنا، ونعلي به إيماننا، ونعظم به أجورنا، وننصر به أمتنا، ونقوي به مجتمعنا.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، وبهدي نبيه صلى الله عليه وسلم مستعصمين، وعلى آثار الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح سائرين.

    اللهم إنا نسألك أن تهدينا، وأن تهدي بنا، وأن تجعلنا هداة مهديين.

    اللهم إنا نسألك أن تستخدم جوارحنا في طاعتك، وأن تسخرنا لنصرة دينك، وأن تجعلنا ستاراً لقدرك في نصر أمة الإسلام والمسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعلنا عباداً لك مخلصين، وجنداً في سبيلك مجاهدين، واجعلنا اللهم من ورثة جنة النعيم.

    اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.

    اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واصرف عنا ما لا تحب ولا ترضى.

    اللهم اغفر لنا ما مضى وما هو آتٍ، ووفقنا اللهم للصالحات، وجنبنا اللهم الشرور والسيئات يا رب الأرض والسماوات!

    اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين.

    اللهم أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، واجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية.

    اللهم عجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين؛ برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    والحمد لله رب العالمين.