إسلام ويب

الغنائم أيها النائمللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله عز وجل للخير والفضائل واكتساب الحسنات أوقاتاً ومن تلك الأوقات آخر الليل والفجر، إذ يشمل هذان الوقتان صلاة قيام الليل التي هي أفضل صلاة النوافل، وصلاة الفجر التي هي من أهم صلاة الفرائض؛ ولهذا كان أجرهما عظيماً، والتفريط فيهما خسراناً مبيناً، ينال أجرهما القائمون، ويخسرهما النائمون الغافلون.

    1.   

    مثال يبين حرص الإنسان على متاع الدنيا

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، نحمده سبحانه وتعالى هو أهل الحمد والثناء، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    فعنوان هذا الدرس: (الغنائم أيها النائم)، وبمجرد إطلاق هذا العنوان لا شك أن الخواطر تدور فيها الأسئلة عن هذه الغنائم وما عسى أن تكون، وعن هذا النائم ومن عسى أن يكون؟ وليس في الموضوع صعوبة أو غرابة، وإنما أردت أن يكون في هذا العنوان ما يلفت النظر، ويسترعي الانتباه، ويشد العقول والأذهان؛ علَّ الله عز وجل أن يحقق ما نصبو إليه من موعظة وتذكرة تتعلق بهذا الموضوع المهم.

    وأبدأ الموضوع بمثال لعله أن يكون توطئة وتقريباً لما يأتي من هذا الموضوع:

    لو أن إنساناً كان يغط في نومه وقد استغرق في النوم استغراقاً عميقاً، كما هو حال كثير من الناس، وقد علا شخيره، وتمكن منه النوم تمكناً كاملاً، ثم جاءه من أهل بيته أو من أصدقائه من يوقظه على عجل، ويدعوه مباشرة إلى أن يقوم ليأخذ حظاً من أموال توزع أو غنائم تهدى أو شيء من ذلك، فإنه في الغالب ينتبه ويسارع ويبادر، وربما مع مبادرته يكون مرتبكاً وغير مستوعب لما يقال له، وكذلك ربما كان النوم قد تمكن منه فلم يلتفت إلى هذه الدعوة التي فيها مصلحة وفائدة أو فيها غنيمة باردة ليس فيها عناء ولا تعب، لكن لو أن هذا الإنسان لم يكن نائماً، وإنما كان مستيقظاً، وقلنا له: في هذه الليلة في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل نريد منك أن تستيقظ، وأن تأتي لنعطيك من المال أو من الجواهر أو من الذهب شيئاً ما. فهل تراه عندما ينام -إذا نام- سيستغرق في نومه؟ وإذا استغرق في نومه هل سيحتاط لاستيقاظه؟ أو ربما يفكر تفكيراً عملياً وتفكيراً استثمارياً فيقول: وما الذي سيحصل إذا لم أنم هذه الليلة؟ وسيرابط ويجاهد نفسه على أن لا تغفو عينه وأن لا ينام حتى يأتي الوقت المضروب والموعد المحدد وهو مستيقظ، فيمد يده إلى من يعطيه فيأخذ.

    فلو أردنا أن نحدد هذا المثال فإننا نكاد نجزم بأن الوعد نصر كان ممن يعرف بوفاء وعده وصدق قوله وقدرته على مطابقة فعله لقوله، فإن المردود العملي سيكون أنّ هذا الذي أُخبر بهذا الوعد سوف يكون مستيقظاً متأهباً مستعداً عند الوقت المحدد ليأخذ هذه الغنيمة أو الأموال الجزيلة، فإذا جئنا له بعد أن جرب في المرة الأولى واستيقظ في الوقت وأخذ ما أخذ مما قد يشقى لأجله غيره ولا يأخذ عشر معشاره ولا جزءاً يسيراً منه وقلنا له: في كل يوم عند الساعة الثانية والنصف ستستلم -على سبيل المثال- خمسة آلاف ريال فثق تماماً أنه سيلغي وظيفته، وينام في النهار، ويستيقظ في الليل، وسيسعى بكل ما يستطيع وبكل وسيلة من الوسائل حتى لا يتخلف عن هذا الموعد؛ لئلا تفوته هذه الغنيمة الجزيلة العظيمة.

    ولو تصورنا أنه أخذ هذه الأموال ليلة بعد ليلة، ثم في يوم من الأيام أخذته عينه ونام، فاستيقظ بعد فوات الوقت، ولم يحصل على المخصص الموعود في كل ليلة، فما عسى أن يكون؟ لا شك أنه سيتحسر ويندم، وربما لو كان من أهل الحب لهذه الأموال لبكى واستعبر، وربما شكا وعلا صوته بالشكوى.

    وهكذا لو أردنا أن نسترسل في هذا المثال لطال بنا الوقت، فالمهم هو أن النائم تظهر له حاسية إضافية إذا كان هناك أمر مهم أو نافع له يرتبط بموعد يتعارض مع نومه، وهذا أمر محسوس، فالمسافر الذي وقت سفره بعد منتصف الليل لا شك أنه يتأهب ويستعد، ولو نام لكان نومه خفيفاً، ولو نام واستغرق لكان انتباهه لمن يوقظه عظيماً، وهكذا في كل أمر من الأمور الحياتية التي يشهدها الناس كارتباطهم بأوقات العمل المبكر ونحو ذلك من الأمور.

    1.   

    الغنائم العظيمة في صلاة الفجر

    إن ذلك النائم –في الغالب- نعتقد أنه لا يفوت الغنائم، ولو كانت على حساب قليل من الراحة أو شيء من النوم، ونحن نقول: إن هناك غنائم أعظم، وإن هناك جوائز أكبر، وإن هناك مواصلة واستمراراً لهذه الغنائم، ولكن ذلك النائم هل ينتبه؟ وهل يستيقظ ويهتم ويعتني كما اعتنى في هذا الجانب وهذا المثال الذي ذكرناه؟ هذا هو الذي نأمله ونرجوه للنائم عن صلاة الفجر المضيع لغنائم الأجر.

    ولا شك أن هذا الموضوع عندما نطرقه ونذكره قد يقول القائل: ما الجديد فيه؟ وما الذي سيقال عنه؟ وهل ثمة من لا يعرف عظمة الأجر في صلاة الفجر؟ وهل ثمة من يحتاج إلى التنبيه والتذكير في هذا؟ أو بصورة أدق: هل ثمة نفع يرجى من هذا التذكير والتنبيه؟

    وأقول: لعل ما سيذكر في هذه الموعظة أحسب أنه بجمعه وتتابعه سيوقظ هذا النائم، ولعله أن يجعل اهتمامه أعظم ممن ضربنا به المثال، ولو أدى به الحال إلى أن يسهر ليله أو أن يجتهد بكل أنواع الاجتهاد لئلا تفوته هذه الغنائم.

    وأحب أن نبدأ مباشرة في ذكر هذه الغنائم دون عناية بترتيب أو تدرج في ذكرها؛ لأنا نريد أن نبين أنها كلها من كل وجه من الوجوه فيها أجر وثواب وفضل، وأثر دنيوي وأخروي، ومصلحة عملية، ونواحٍ نفسية وتربوية بلكل وجه من الوجوه، ثم بعد ذلك نعقب بمعالم رئيسة تتعلق بهذه الغنائم والفوائد والتشريعات في هذا الدين العظيم دين الإسلام، وسنمر بعد ذلك ببعض الأوهام والشبهات، وبعد ذلك أيضاً ببعض الأسباب والمسببات، ثم ببعض المقترحات والعلاجات؛ علَّ الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا جميعاً بأن نحوز هذا الفضل، ونغتنم ذلك الأجر.

    الطهارة المعنوية

    الغنيمة الأولى: الطهارة المعنوية، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)، رواه الخمسة إلا أبا داود، وهذا الحديث فيه غنيمة الطهارة المعنوية التي يغتسل بها العبد -بإذن الله عز وجل- من ذنوبه وخطاياه، كما ورد في الحديث الصحيح الآخر عند الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في شأن الوضوء، وأن المؤمن مع قطر الماء أو مع آخر قطر الماء إذا غسل وجهه وإذا غسل يديه وإذا غسل رجليه تتساقط ذنوبه... إلى آخر ما ورد في ذلك الحديث، فهذا المعنى هو من أجل المعاني، سيما في صلاة الفجر التي تأتي عقب نوم الإنسان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)، فالنوم مظنة وقوع اليد في مواضع النجاسة، وكذلك النائم قد يكون في عينيه وفي وجهه من أثر النوم ما يحتاج إلى هذه الطهارة الحسية والمعنوية معاً، فينشط ويكون -بإذن الله عز وجل- قد أخذ بشيء من هذه الغنائم العظيمة.

    وهذه الغنائم سأذكرها -كما قلت- بلا ترتيب ولا تبويب؛ لأن كلاً منها لها ومضة ولها فضل وأجر، ولها تعلق إيماني بقلب المسلم الذي يتفكر في أمر الله ويتذكر الآخرة بإذن الله عز وجل.

    شهادة الملائكة

    الغنيمة الثانية: الشهادة الملكية، قال الله سبحانه وتعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] وفي حديث أبي هريرة الذي يذكره العلماء في سياق تفسير هذه الآية قال رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الله وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) رواه البخاري ومسلم وغيرهما، فهذه شهادة من ملائكة الرحمن الذين يتنزلون من السماء كل يوم وليلة عند صلاة الفجر وصلاة العصر، فملائكة نازلون وملائكة صاعدون، والنازلون سيسألون، والصاعدون سيسألون عما يفعل عباد الله المؤمنون، ويأتي الجواب لمن كان من المستيقظين لا من النائمين فيقال عنه ويدرج ضمن الشهادة باسمه وبوصفه -والله عز وجل به عليم قبل سؤال ملائكته-: (تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون).

    قال الألوسي في تفسيره معلقاً على قوله جل وعلا في قرآن الفجر: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] قال: أخرج النسائي وابن ماجة والترمذي والحاكم -وصححاه- وجماعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسير هذه الآية: (تشهده- أي: قرآن الفجر- ملائكة الليل وملائكة النهار).

    قال الألوسي: وقيل: يشهده الكثير من المصلين في العادة. وقيل: من حقه -أي: هذا القرآن- في صلاة الفجر أن تشهده الجماعة الكثيرة. وقيل: تشهده وتحضر فيه شواهد القدرة. من تبدل الضياء بالظلمة، والانتباه بالنوم الذي هو أخو الموت. وهو احتمال أبداه بعض العلماء، وبسط الكلام فيه، ثم قال: وهذا هو المراد من قوله: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].

    وكما قال هنا: لا حصر للمدلول؛ لأن هناك أسباباً عديدة يمكن أن تكون من أسباب شهادة هذا القرآن وهذه الصلاة، ولا ينبغي أن يقال ذلك في غيره.

    ولا يخفى ما في هذه الجملة من الترغيب والحث على الاعتناء بأمر الفجر؛ لأن العبد في ذلك الوقت مشيع كراماً ومتلقٍ كراماً -أي: الملائكة- فينبغي أن يكون على أحسن حال يتحدث به الراحل، ويرتاح له النازل.

    وما أعظم أن تشهد لك ملائكة الرحمن التي جعلها الله سبحانه وتعالى من المخلوقات العابدة المسبحة له سبحانه جل وعلا: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]، والذين جعلهم الله سبحانه وتعالى لا يعصونه سبحانه وتعالى أبداً، فهؤلاء الملائكة يأتون بالأعداد العظيمة المتكاثرة وبالآلاف المؤلفة وبما لا يحصيه العد، فيشهدون المؤمنين وهم في صلاة الفجر وهم في صلاة العصر، فكيف يكون حال ذلك النائم الذي تفوته مثل هذه الغنائم؟!

    وهذه شهادة عظيمة عند ملك عظيم هو رب الأرباب وملك الملوك سبحانه وتعالى، وانظر كيف يسأل عنك رب العباد سبحانه وتعالى ملائكته، وتشهد ملائكته عنده جل وعلا بشهادة أنك فيها من العابدين ومن المصلين ومن المستيقظين ومن المبادرين ومن المسارعين ومن أصحاب الهمم العالية والمراتب الرفيعة، فهذا لا شك أنه من أعظم هذه الغنائم، كما قال صاحب الظلال في ظلاله: ولهذين الآنين -أي: آن الفجر وآن العصر- خاصيتهما، وهما إدبار الليل وإقبال النهار، ولهما تعلق، ولهما وقعهما العميق في النفس؛ فإن مقدم الليل وزحف الظلام كمطلع النور وانكشاف الظلمة؛ كلاهما يخشع فيه القلب، وكلاهما مجال للتأمل والتفكر في نواميس الكون التي لا تفتر لحظة، ولا تختل مرة، وللقرآن إيقاعه في الحس في مطلع الفجر ونداوته ونسماته الرخية، وهدوئه ونبضه بالحركة وتنفسه بالحياة، فما أجمل أن تكون في هذا الوقت مستيقظاً عابداً تالياً للقرآن ساجداً لله سبحانه وتعالى.

    أداء صلاة الفجر سبب من أسباب مغفرة الذنوب

    الغنيمة الثالثة: المغفرة الربانية، ففي حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه والترمذي في سننه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن، ما لم تغش الكبائر) فهذه مغفرة ربانية إلهية دائمة متكررة، فكلما وقع منك قول أو خاطر أو فعل عن غفلة أو زلة أو وسواس شيطان أو استزلال هوى أو داعي شهوة فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل في هذه الصلوات -ومنها الفجر- هذه المغفرة الربانية، وهي من أعظم هذه الغنائم التي ينبغي أن لا يفوتها العبد.

    البشارة لمن يخرج إلى المسجد في الظلمات بالنور التام يوم القيامة

    وانظر رعاك الله إلى ما هو أعظم في هذه الغنائم وأكثر وأهم، ومن هذه الغنائم -وهي الغنيمة الرابعة-: البشارة النورانية.

    ففي حديث أنس رضي الله عنه -ويروى هذا الحديث عن ستة عشر من الصحابة بروايات مختلفة- عند أبي داود والترمذي وابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، وما أعظم هذه البشارة بهذا النور في الوقت الذي تظلم فيه على الإنسان الظلمة الشديدة والكرب العصيب والهول العظيم، ويلتمس أهل النفاق النور فيضرب بينهم بسور قال الله تعالى عنه: لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13]، فيوم لا يختص بالنور إلا أهل الإيمان يأتي هذا الحديث بشارةً من النبي صلى الله عليه وسلم: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد...) ومن هذه الظلم المشي إلى المساجد في صلاة الفجر، قال صلى الله عليه وسلم: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، إنه نور تام في يوم القيامة، والعبد أحوج ما يكون إلى النور الذي ينور له طريقه ويهديه بإذن الله عز وجل سبيله، ويجعله بإذنه سبحانه وتعالى من أهل الرحمة والمغفرة والرضوان.

    فما أعظم هذه الغنيمة التي تأتي وتضيع على ذلك النائم وهو يغط في نومه ويعلو شخيره، وقد وقع به من الغفلة والركون إلى الدعة والراحة ما وقع، فهو أكثر خسارة من ذلك الذي فوت بعض أجر الدنيا أو بعض مالها أو بعض ذهبها وجواهرها، فجعل يعض أصابع الندم، فكم من نائم عن صلاة الفجر ولم يعبأ بها، ولم يكترث لها، ولم يحزن لعدم إتيانه بها، ولم يتندم على عدم صلاته إياها في وقتها! وكم يمر ببعض الناس يوم إثر يوم وهم لا يؤدون الصلاة في وقتها، بل ربما لا يؤدونها بالكلية إلا من رحم الله، نسأل الله عز وجل أن يعصمنا من أن نكون من أولئك الغافلين النائمين.

    الحيوية والنشاط في روح مصلي الفجر وبدنه

    الغنيمة الخامسة: الانطلاقة الحيوية، وهذه أيضاً غنيمة عملية دنيوية دينية وإيمانية في الوقت نفسه، وهذه أثرها واضح، وأمثلتها العملية بالكثرة التي لا تحصى، يشرحها لنا أيضاً حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة منها فيقول: عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ- أي: النائم- فذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان، فإذا صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) رواه مسلم .

    فمن صلى الفجر في جماعة واستيقظ في ذلك الوقت وتوضأ صرف الله عز وجل عنه عقد الشيطان وما ضرب عليه، فيصبح منشرح الصدر طيب النفس قوي العزم متجدد النشاط، فيه حيوية للعمل والانطلاق والتحرك، وفيه أيضاً أريحية، فتلقاه إذا لقيته يبتسم في وجهك، ويبش لمقدمك، ويهب لمساعدتك، وقد وجد في نفسه من برد الإيمان ومن الاستقامة ومن عظمة ما تلقاه النفس البشرية من أثر العبادة لله عز وجل من عظيم هذه الآثار ما يجعل في انطلاقته في أمر حياته وفي سائر شئونه ما الله سبحانه وتعالى به عليم.

    ومن نام عنها فحاله -كما ورد في الحديث-: (أصبح خبيث النفس كسلان) حيث تجد بعض الناس إذا لقيته في الصباح كأنما ركبه الشيطان، فإذا هو مقطب الجبين معبس الوجه، وحين تسلم عليه كأنما قد سببته أو شتمته، وتجده في أموره متعثراً، وتجد بعض القضايا اليسيرة التي تمر به فإذا به يضيق أشد الضيق، وكثيراً ما ترى بعض الناس ممن لا يشهدون الفجر في جماعة دائماً يشتبكون ويتعاركون ويختصمون في أول النهار؛ لأنهم قد حرموا من هذا الأثر لهذه النفس التي تتحرك وتنطلق، ولذلك انظر إلى ما يحصل -وهذا واقع ينبغي أن نربطه بمثل هذا الحديث- عند انطلاق الناس إلى الأعمال وإلى المدارس في الصباح، فكم ترى دائماً من المشاكسات والمعاكسات بالسيارات والاشتباكات بين السائقين!

    وذكر بعض الكتاب في هذا كلاماً جيداً فقال: من وقع له مثل هذا فإنه يستقبل يومه بخير، فإذا بزوجته تبش في وجهه، وإذا بأبنائه يستيقظون نشيطين، وإذا به إذا مر بسيارته يجد الإشارة خضراء، وإذا به يذهب إلى عمله فيجد أموره ميسرة، ونحو ذلك، أما غيره فلا يجد مثل هذا.

    وللأسف أن بعضاً منا لا يربط مثل هذا الربط، بل بعض الناس يستغربه، بل بعضهم يعترض عليه ويقول: ما دخل هذا بهذا؟ ونقول: إن الفقه الإيماني يجعل للطاعة أثرها المحسوس الملموس، ويجعل للمعصية أثرها المحسوس الملموس، وقد سئل الحسن رضي الله عنه: ما بال أهل الليل على وجوههم النور؟ فقال: خلوا بربهم فألبسهم من نوره.

    وهكذا ينبغي أن نوقن أن الطاعة لها أثر في التيسير وفي انشراح الصدر وطمأنينة القلب وسكينة النفس وكل هذه الأمور، فهذا الحديث -أيضاً- شاهد من هذه الشواهد، والشيطان يقول: (عليك ليل طويل فارقد) أي: ما زال في الليل طول. وإذا أذن المؤذن قال: ما زال هناك وقت طويل على الإقامة. فإذا أقيمت الصلاة قال: يمكن أن تدرك الركوع، وهذا الإمام يطول في قراءته وهكذا حتى يذهب الوقت.

    أما من لا يستيقظ فذاك نومه أصلاً طويل قد غفل عن طاعة الله عز وجل ونام عن العبادة، نسأل الله عز وجل السلامة.

    مصاحبة رعاية الله عز وجل لمصلي الفجر

    الغنيمة السادسة: الحصانة الإلهية، وهذه أيضاً تابعة للتي قبلها، وكم يحتاج الإنسان إلى أن يحصن نفسه! فإذا كانت هذه الحصانة من الله، وإذا كان هذا الحفظ من الله فانظر -رعاك الله- كيف يكون من صلى الفجر في جماعة في سلامة وأمن وطمأنينة لا يمكن أن يحوزها أي إنسان! لأن أي إنسان سيعتمد في هذا الحفظ أو في هذه الحصانة على جهود بشرية أو على قوىً أرضية، وأنت معتمد على رب الأرباب سبحانه وتعالى، كما في حديث جندب بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك الله في ذمته بشيء) أي: هو في حفظ الله ما دام على طاعة الله. ولهذا جاء تنبيه النبي عليه الصلاة والسلام على أن لا يطلبك الله عز وجل في ذمته بشيء، فإذا كنت الآن في حماية إنسان يحميك ويسترك ويدافع عنك، ثم في أثناء هذه الحماية تتكلم عليه أو تسيء إليه، أو يكون قد طلب منك أمراً فلم تستجب له فلا شك أنك حينئذٍ تخسر ذمته، وقد يرفع عنك حصانته، ويقطع عنك حمايته، فأنت في حماية الله وفي حفظ الله قد أخذت هذا العهد وهذه الذمة من الله منذ أول يومك عندما ينشق الفجر ويبزغ أول بصيص للنور وأنت قائم بالصلاة ساجد لله عز وجل، فإذا كنت في ذمة الله فاحفظ هذه الذمة بالطاعة لتكون في حفظ الله وذمته سائر يومك، وما أعظم هذه الغنيمة! فإنها غنيمة من الغنائم الكبرى.

    أداء صلاة الفجر سبب من أسباب دخول الجنة

    وأعظم من هذه الغنائم وأكبر أيضاً ما نعنون له بـ(الغنيمة السابعة) وهي غنيمة عظيمة، وهذه الغنيمة تشتمل على أمر من أعظم مقاصد العبد في هذه الحياة، فعند البخاري ومسلم حديث لا يتجاوز الكلمات الخمس، لكنه يشتمل على أعظم شيء في هذه الحياة مما يتعلق به العبد المؤمن وينشغل به فكره ويبذل فيه جهده وينفق فيه ماله، وهو دخول الجنة، يقول عليه الصلاة والسلام (من صلى البردين دخل الجنة)، وهذا كلام واضح، وعبارة موجزة، وشرط وجواب شرط، وقطع وجزم من النبي عليه الصلاة والسلام، فلا تردد ولا شك: (من صلى البردين) فالنتيجة: (دخل الجنة)، ولم يقل: يدخل الجنة. وإنما (دخل) بصيغة الماضي لتحقيق هذا الوعد وتأكيده والقطع والجزم به بلا أدنى شك ولا تردد.

    والبردان -كما ذكر أهل العلم والمحدثون- هما: صلاة الفجر وصلاة العصر. لوقوعهما وقت برد الهواء وطيبه، عندما تكون في نومك تهب عليك نسائم الفجر، وأنت قد نمت بعد تعب وعناء واجتهاد أو عمل، وتأتيك هذه النسائم، وتسمع ذلك النداء: (الصلاة خير من النوم)، فإذا تركت هذا الهواء العليل وهذا البرد الجميل وتلك الراحة اللذيذة والنومة العزيزة، وقمت لله عز وجل لتصلي الفجر فإن الثواب مقطوع به ووعد من النبي عليه الصلاة والسلام: (دخل الجنة).

    وحث عليهما لأنهما وقت اجتماع الحفظة، ولأن الصبح وقت التثاقل والكسل من النوم، والعصر وقت انهماك الناس.

    أداء صلاة الفجر سبب من أسباب رؤية الله عز وجل يوم القيامة

    وأعظم من تلك الغنيمة رؤية الله عز وجل، وهي الغنيمة الثامنة، ففي حديث النبي عليه الصلاة والسلام عند مسلم في تفسير قوله عز وجل: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26] قال: (الحسنى: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى).

    وفي حديث جرير رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إن إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا[طه:130]) رواه أصحاب السنن الأربع.

    وقوله: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر) التشبيه في صفة الرؤية لا في صفة المرئي. أي: سترونه بوضوح كوضوح رؤيتكم للقمر في ليلة البدر.

    وقوله: (لا تضامون في رؤيته) أي: ليس هناك زحام، وليس هناك صراع، بل ترون الله عز وجل رؤية عظيمة هي من أعظم الأجر، وهي كما قال الله عز وجل: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى أي: الجنة وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، وهي لذة النظر إلى وجه الله عز وجل.

    وحث النبي عليه الصلاة والسلام على نيل هذه الغنيمة العظيمة بقوله: (فإن استطعتم على أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) والمقصود صلاة الفجر وصلاة العصر، وقرأ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه:130].

    قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح الحديث: ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى.

    أداء صلاة الفجر سبب من أسباب البركة والنجاح

    ومن الغنائم -أيضاً- الغنيمة التاسعة، وهي غنيمة البركة والنجاح، في حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم! بارك لأمتي في بكورها) رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي : رجاله ثقات، إلا أن شيخ الطبراني لم أجد له ترجمة. ثم عقب عليه غيره فقال: وقد ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء، وابن عساكر في تاريخ دمشق.

    وفي رواية عن ابن عمر عند الطبراني في المعجم الكبير بمثل هذا اللفظ أيضاً، وفي بعض رواته اختلاف بين توثيق وتجريح من بعض أهل العلم.

    وفي حديث عائشة -وفي سنده ضعف- قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (باكروا طلب الرزق؛ فإن الغدو بركة ونجاح) فالحديث الأول عن جابر صححه أهل العلم وفيه: (اللهم! بارك لأمتي في بكورها) والبكور: أول النهار. ومصلي الفجر هو مقتنص ذلك البكور، وهو الذي ينال هذه البركة، وهذه البركة ينبغي أن نذهب ونبحث في واقعنا لنرى أثرها الملموس، فإن الذي يصلي الفجر ويباشر حياته فلا ينام يجد اتساع الوقت والقدرة على إنجاز الأعمال، إضافة إلى القدرة على الحفظ والاستحضار للمعلومات أو المقروءات، إضافة إلى قوة الاستيعاب والاستنباط؛ لأن العقل في ذلك الوقت يكون أنشط ما يكون بعد راحة الجسد، والقوة الذهنية التي يستأنف بها أول يومه وأول نهاره يبارك له فيها، فكيف إذا كان مع هذا البكور قد سبقه بالطاعة والعبادة لله سبحانه وتعالى؟

    صلاة الفجر سبب من أسباب صحة الجسم

    الغنيمة العاشرة: الصحة الجسدية، ولابد أن ندرك أن أمر العبادات والطاعات وأمور الفرائض والواجبات مع أمور المحرمات الواردة في التشريعات أنها كلها خير للإنسان، فلابد أن نعلم أن الصلاة وإن كانت عبادة إلا أن لها أثراً صحياً يطول ذكره، وفي ذلك كتاب كامل عن النواحي الصحية في الصلاة بدءاً من الوضوء وانتهاءً بحركات الصلاة، وما فيها من أثر على عضلات الإنسان ومفاصله إلى غير ذلك.

    لكننا نخص الفجر، فقد ذكر ذلك بعض أهل الطب فقال: أما الفوائد الصحية التي يجنيها الإنسان بيقظة الفجر فهي كثيرة، منها أنه في وقت الفجر تكون أعلى نسبة لغاز الأوزون في الجو عند الفجر، وتقل تدريجياً -وتأمل حكمة التشريع- حتى تضمحل عند طلوع الشمس -أي: بانتهاء وقت الفجر ينتهي هذا الأوزون- ولهذا الغاز تأثير مفيد للجسم، ومنشط للعمل الفكري والعضلي، بحيث يجعل الإنسان عندما يستنشق نسيم الفجر الجميل المسمى بريح الصبا يجد لذة ونشوة لا شبيه لها في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل. ذكر هذا الدكتور عبد الحميد زياد في كتابه (مع الطب في القرآن الكريم).

    فإذاً صلاة الفجر -أيضاً- صحة ونشاط وحيوية في أمور واضحة محسوسة، فهذه -كما قلت- بعض هذه الغنائم العظيمة والفوائد الجزيلة التي يفوتها ويضيعها ذلك النائم، وتأمل وتذكر أن هذه الغنائم ليست مرة واحدة في العمر، وليس عليها سحب كما في المسابقات السنوية أو الشهرية، وليس فيها مجال -أيضاً- للتخلف بأن يكون هناك وعد ثم يكون هناك تأخر، كلا، بل هذه غنائم يومية مستمرة ما دامت هذه الحياة الدنيا، وهي مقطوع بها لا يمكن أن تتخلف، ولا أن تتأخر، ولا أن تنقص؛ لأنها من عند الله سبحانه وتعالى، وشواهد الواقع العملي تدل على ذلك، وشواهد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم تدل على ذلك أيضاً.

    1.   

    خسارة من ضيع صلاة الفجر أو أخرها عن وقتها

    انتقل إلى نقطة مهمة تكمل حديثنا عن هذه الغنائم، وهي ما يقابل ذلك من تفويت هذه الغنائم، فمن فوتها ليست خسارته أنه أضاع الغنائم وفوت المكسب والمربح، وإنما خسر خسارة أخرى عظيمة، ونكب نكبة أخرى خطيرة، وهي التسلط الشيطاني عليه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام –كما في حديث أبي هريرة - قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة فيقول: عليك ليل طويل فارقد)، فالذي ينام ولا يستيقظ كأنما مكن الشيطان منه، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم -أيضاً- عن رجل نام فلم يستيقظ لصلاة الفجر حتى أيقظه حر الشمس، فقال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)، وفي حديث عمران بن حصين رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مسير له مع بعض أصحابه، فناموا عن صلاة الفجر) وفي بعض الروايات قال النبي عليه الصلاة والسلام لـبلال : (اكلأ لنا الفجر) يعني: أحرسنا وابق مستيقظاً حتى توقظنا للفجر. لأي شيء صنع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام؟ لأنهم كانوا في مسير لهم، وقد بلغ منهم التعب مبلغاً، وقد عملوا في هذا المسير جهداً كبيراً، فخشي إذا ناموا أن لا يستيقظوا، قال بلال : (فظللت مستيقظاً حتى إذا قرب الفجر وأنا مسند ظهري إلى ناقة فغلبني النوم، فلم يستيقظ أحد، حتى كان أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، استيقظ من حر الشمس، فقال عليه الصلاة والسلام: تنحوا عن هذا المكان –أي: ابتعدوا عنه- ثم أمر بلالاً -بعد أن ساروا قليلاً وابتعدوا- أن يؤذن فأذن، ثم توضئوا، ثم صلوا ركعتي الفجر، ثم أمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح)، رواه البخاري ومسلم.

    والشاهد من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم انتقل عن هذا المكان الذي نام فيه هو وأصحابه حتى فاتهم وقت الفجر، وذكر بعض أهل العلم أن هذا من الأسباب التي هي بقدر الله ولها تعلق بالشيطان، لذلك ابتعد النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المكان وتقدم عنه قليلاً، ثم صلى في غير هذا المكان.

    وحديث عبدالله بن عمرو بن العاص أيضاً يشهد لهذا المعنى، وفيه أن نوم النائم عن صلاة الفجر إلى طلوع الشمس هو بسبب تحكم الشيطان أو تسلطه عليه بقدرة الله سبحانه وتعالى، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلوات فقال: وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول) وفي الحديث الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان)، فالذي يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد طلوع الشمس يدرك هذه الخصيصة المتعلقة بالشيطان.

    وفي حديث عمرو بن عنبسة رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله! أي الليل أسمع -أي: ادعاء العبد عند الله عز وجل-؟ قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت؛ فإن الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى تصلي الصبح، ثم أقصر-أي: عن الصلاة- حتى تطلع الشمس فترتفع قيد رمح أو رمحين؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان ويصلي لها الكفار) فالذي ينام حتى يصليها وقت طلوع الشمس فإنه مع أولئك القوم، وإنه -والعياذ بالله- قد دخل فيما يتعلق بهذه الأحاديث من ذكر للشيطان.

    1.   

    التطبيق العملي لصلاة الفجر عند السلف الصالح رحمهم الله

    ننتقل إلى وقفة يسيرة للتطبيق العملي عند سلفنا الصالح وغنائم الأجر في صلاة الفجر.

    فقد ورد في صحيح ابن خزيمة من رواية بعض الصحابة قال: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن)؛ لأن ترك صلاة الفجر والعشاء من علامة المنافقين، كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الفجر والعشاء أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، لذلك كان الصحابة يقولون: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن) أي أنه ربما يكون من أهل النفاق، والعياذ بالله.

    وأنقل هنا عبارة فيها ذكر لبعض مواقف ومقالات السلف مع نوع عتاب وتحذير مما عليه حال كثير من الناس في التراخي والتهاون في شأن الصلوات عموماً والفجر خصوصاً.

    وهذا -وللأسف- لم يعد اليوم مخصوصاً بعامة الناس، بل بخاصتهم، بل بالصالحين منهم، فكثير من الشباب الصالحين يغلب عليهم أنهم يؤخرون الفجر عن وقتها، ولا يشهدونها في المساجد والجماعات، وهذا لا شك أنه من أعظم التقصير، فلعلي أورد هذه العبارة بما فيها من نقل عن السلف حتى نتنبه لما فيها، يقول قائلها: ولست أدري كيف يكون داعية –أي: إلى الله عز وجل- من يتخلف عن الصلوات في الجماعات، لاسيما في الفجر والعصر، مع ما ورد في أدائهما من عظيم الأجر، وما جاء في فواتهما من التحذير من الإثم والوزر، وقد ترخص كثيرون في ذلك، فلا يهمهم التذكير، ولا يعنيهم إدراك التكبير.

    ولست أدري ما يقول هؤلاء إذا سمعوا مقالة إبراهيم بن زيد التيمي حين قال: (إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يدك منه).

    والحقيقة أن الأمر في هذا يطول، والتفريط فيه من بعض الدعاة كثير وخطير، ونصوص الكتاب والسنة أشهر من أن تذكر.

    1.   

    كلام الصحابة رضي الله عنهم في تأخير الصلاة عن وقتها

    ولعلنا نشير إلى أن السلف الصالح من هؤلاء التابعين والصالحين إنما أخذوا ذلك عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وحسبي أن أذكر ما أورده البخاري في كتاب الصلاة تحت باب (تضييع الصلاة عن وقتها)، وروى بسنده عن أنس قال: (ما أعرف شيئاً مما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: غيرتم كل شيء- فقيل له: الصلاة- أي: الصلاة ما زالت كما هي عن النبي عليه الصلاة والسلام-؟ فقال: أليس صنعتم فيها ما صنعتم؟) أي: من تأخيرها عن وقتها أو إخراجها عن وقتها إلى صلاتها بعد أداء الوقت.

    وفي الباب نفسه روى البخاري عن الزهري قال: دخلت على أنس- وأنس في ذلك الوقت كان قد طعن في السن، فهو ممن تأخرت وفاته من الصحابة- وهو يبكي رضي الله عنه وأرضاه، قلت: ما يبكيك؟ قال: (لا أعرف شيئاً مما أدركت- أي: على عهد النبي صلى الله عليه وسلم- إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت)، فكان أنس يبكي في عهد التابعين.

    وهناك قول آخر وهو قول أم الدرداء : ما لك يا أبا الدرداء ؟قال: ما أنكرت من أمة محمد شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً وقد تغير الحال).

    وكانت عائشة رضي الله عنها وهي في عهدها وفي عهد التابعين وتوافر الصحابة الكثيرين تستشهد بقول القائل:

    ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في زمن كجلد الأجرب

    والحديث في هذا عن سير السلف رضوان الله عليهم يطول ويطول جداً.

    1.   

    الرد على من يتعلل ببعض الشبهات في تأخير الصلاة عن وقتها

    يأتي الحديث هنا عن الأوهام والشبهات التي يتعلل بها ذلك النائم، ويضيع بها تلك الغنائم، فبعض الناس يستشهدون بأحاديث وبنصوص أحب أن أوردها وأن أذكرها، وأن أبين أن ما يذكرونه أو ما يتوهمونه غير صحيح، فبعض الناس يجعل النوم على إطلاقه عذراً، وبعضهم يجعل التعب أو المشقة اليسيرة عذراً لتأخيرها عن وقتها وعدم شهودها في الجماعة، وقد كان الصحابة والسلف الصالح بعدهم يصاب أحدهم بالفالج –أي: بالشلل النصفي- فيؤتي به وهو يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ليصلي مع الجماعة، ولم تكن عندهم سيارات يركبونها، ولا طرق ممهدة يسيرون عليها، ولا فرش موطأة يصلون عليها، ولا مكيفات باردة تهب عليهم نسائمها، ومع ذلك كان الواحد منهم لا يتخلف عن الصلاة، وإذا تخلف عنها شعر بالخطر العظيم والكرب الجسيم، وبكى وندم واستغفر، وربما عزاه بعض أصحابه، ولم يكن الحال كما عليه حال الناس اليوم.

    وقد سأل بعض الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام عن نومهم عن الصلاة فقال: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة) رواه مسلم والترمذي وأبو داود .

    وفي حديث علي رضي الله عنه قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)، وبعض الناس يأخذون هذين الحديثين على إطلاقهما، ويرون أنه ليس في النوم تفريط، والمدلول اللفظي للحديث الأول هو أن النائم إذا فاتته الصلاة لا يعد ذلك تفريطاً منه؛ لأن النوم سلطان ليس بيده، وذلك إذا كان حريصاً على الصلاة ملتمساً الأسباب للاستيقاظ ولشهودها، آخذاً بكل الأسباب المعينة على ذلك، ثم غلبه النوم من غير اختيار منه على ندرة في ذلك، فمن رحمة الله عز وجل ولطفه وعظمة هذا التشريع في هذا الدين أنه رفع الحرج عن المسلمين، وبين أنه ليس على النائم في ذلك شيء، والنوم بالنسبة له ليس تفريطاً بيده، لكن الذي يسهر ويعلم أن السهر سيمنعه من الاستيقاظ، أو يعلم أن نومه ثقيل ولا يطلب من أحد أن يوقظه، أو يتعود ذلك فينام كل يوم ولا يستيقظ إلا في النادر لإدراك صلاة الفجر، ثم يقول: إنه ليس في النوم تفريط فهذا يضحك على نفسه ويخادع نفسه، وفي حديث أنس رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله جل وعلا يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14])، وهذا إذا كان ذلك في الأمر العارض والمرة النادرة الغريبة الشاذة، وليس الأمر المتكرر الذي يقع من الإنسان كثيراً، فإذا حصل مرة من المرات أنه رقد عن الصلاة أو غفل عنها (فليصلها إذا ذكرها)، فهذه النصوص ليست في هذا الشأن، وليست هي فيه من قريب ولا بعيد، وإنما هي بعض الشبهات وبعض الأوهام، وعندما نريد أن ندمغ هذا القائل بالحجة فإننا نسأله: لو كان هذا الوقت المضروب وقتاً للعمل والوظيفة، أو كان وقتاً لسفر ما، أو كان وقتاً لأمر يهمه أو يخصه هل سيسمح لنفسه أن يعتبر هذا النوم عذراً أو تفريطاً؟

    وأضيف إلى ذلك أن هذه التشريعات الإسلامية جاءت بكيفيات، ومن هذه الكيفيات الأوقات، قال عز وجل: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، وإن لليل عملاً لا يقبله الله في النهار، وإن للنهار عملاً لا يقبله الله في الليل، والمسلم منضبط، والصلوات وأوقاتها قد وردت فيها أحاديث كثيرة، وجاء فيها توقيت من جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم، كما ورد في الأحاديث أنه صلى به في أول وقت الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وصلى به في آخر أوقاتها، وقال: (الصلاة بين هذين الوقتين) وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ذلك كله، وإلا فلما كان هناك هذه الأهمية للوقت والأعمال، والنبي عليه الصلاة والسلام لما سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها)، وقدم ذلك -كما هو في هذا الحديث- على بر الوالدين وعلى الجهاد، وتطبيق النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة يدل على ذلك، كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس) أي: كان يصلي الصلاة في أول الوقت، وليس إذا أسفر النهار أو بعد أن تطلع الشمس كما يصنع بعض الناس حيث يستيقظ مرة واحدة للدوام أو للمدرسة وأيضاً للصلاة، فيقوم كأنه للدوام لا للصلاة، فيجعل الصلاة ملحقاً ويمضي إلى عمله، فلا يبارك له، وتمحق البركة في الأوقات والأموال، وفي كثير من الأحوال التي نراها من أثر هذا الأمر، نسأل الله عز وجل السلامة.

    1.   

    الأسباب المعوقة عن القيام لصلاة الفجر والأسباب المنشطة لها

    هنا نقطتان قصيرتان نختم بهما هذا الحديث، وهما: الأسباب التي تقعد الناس عن إدراك صلاة الفجر، ويقابلها الأسباب التي تعين على ذلك:

    من هذه الأسباب: طول السهر، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يكره الحديث بعد العشاء، وطول السهر مظنة غلبة النوم وعدم الاستيقاظ، وهذا أمر محسوس ملموس، ويقابله للاستعانة على صلاة الفجر أو القيام لصلاة الفجر ترك السهر والتبكير في النوم.

    والأمر الثاني: كثرة الطعام؛ فإن كثرة الطعام من أسباب كثرة المنام، ويحصل كثيراً أن بعض الناس يكون مدعواً إلى طعام العشاء، أو يأكل طعامه في آخر وقت من الليل، فيملأ معدته، فإذا نام كان اشتغال المعدة بالهضم، فلا يكون ذلك معيناً له على الاستيقاظ.

    الأمر الثالث: ترك القيلولة أو بعض الراحة في أثناء النهار؛ فإن هذا أيضاً يجعل الإنسان مرهقاً ومتعباً، فربما غلبه النوم فلم يستيقظ، ويقابله: أن يرتاح ولو قليلاً في أثناء النهار، علَّ ذلك على أن يكون معيناً له على قيام الليل وصلاة الفجر بإذن الله عز وجل.

    الأمر الرابع: عدم الأخذ بالأسباب، كأن لا يضبط الساعة المنبهة، أو أن لا يتواصى مع بعض جيرانه أو بعض أهله أن يوقظ بعضهم بعضاً، وأن يوقظ المتقدم منهم من تأخر، فهذا تفريط من الإنسان الذي يعلم أنه لا يستيقظ من نفسه، ثم لا يأخذ هذه الأسباب، فهو مفرط في هذا ويلحقه التقصير والإثم ولا شك؛ لأنه لم يأخذ الأسباب للاستيقاظ، ويقابله: أن يأخذ هذه الأسباب ويجتهد فيها.

    الأمر الخامس: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والنية الصادقة في الطاعة، فبعض الناس ينام وليس في نيته أصلاً.. ولم يخطر بباله ولم يطرأ في نيته أنه يريد أن يصلي الفجر، فهو ينام، والنوم بالنسبة له هو الذي في ذهنه، وفي ذهنه أنه سيذهب غداً إلى عمله، أو أنه غداً مرتبط بموعد ما، ولم تكن الصلاة في نيته ولا في خاطره، أما من أخلص النية لله وتعلق قلبه بأنه يبغي الصلاة ويبغي شهودها ويبغي أجرها فإن الله عز وجل يعينه، ويبلغه مراده، ويحقق نيته بإذنه عز وجل.

    الأمر السادس: ترك الأسباب المشروعة من السنن المأثورة، كالنوم على الطهارة، والنوم على الجنب الأيمن، وذكر دعاء النوم، فهذه سنن لها أثر -بإذن الله عز وجل- مع النية والدعاء في الاستيقاظ، فمن نام على غير طهارة، ومن لم يذكر الله عز وجل تسلط الشيطان عليه، وكان ذلك سبباً في عدم استيقاظه لشهود الفجر، وهذا -لا شك- أمر مهم، ويحتاج الإنسان إلى أن يتذكره. وأن يذكَّر به، وهناك أيضاً أحاديث في هذا، منها ما ورد في قراءة عشر آيات من سورة الكهف.

    فهذه أمور من الأسباب المعوقة ومن الأسباب المنشطة -بإذن الله عز وجل- لمن أراد ذلك، وأغلب ما يعين -إن شاء الله عز وجل- هو تذكر الآخرة، وتذكر عظيم الأجر وعظيم الوزر، وتذكر الفضل والثواب، وتذكر الإثم والعقاب، فهذا هو الذي يحرك المؤمن وينشطه لأن يبادر إلى الطاعات، وأن لا يكون مرتكباً للمعاصي، وهذه خصيصة ملازمة للعبد المؤمن، أي: حبه للخير ورغبته في الأجر، وخوفه من العذاب ومن سخط الله سبحانه وتعالى.

    وأخيراً أقول: إن صلاة الفجر على وجه الخصوص جعل لها ومعها من الأمور التابعة لها ما فيه -أيضاً- غنائم وأجر آخر غير ما في الفجر وحدها، فقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن ركعتي الفجر: (خير من الدنيا وما فيها) أي: ركعتي السنة التي قبل الفجر. فكيف بصلاة الفجر؟!

    وورد أيضاً فيما بعد الفجر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من صلى الفجر في جماعة، ثم مكث في مصلاه يذكر الله عز وجل حتى تطلع الشمس وصلى ركعتين كتبت له حجة تامة) أو كما ورد في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا أجر ما قبلها وما بعدها، والقرآن فيها -أيضاً- له خصوصية، كما مر بنا فيما ذكره العلماء في قوله عز وجل: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، فهذه أمور نسأل الله عز وجل أن تقوي عزائمنا وتنشطنا لأن ندرك الفجر، وأن لا يكون الحال كما هو في هذه الأوقات، حيث يصلي الناس في سائر الفروض خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك من الصفوف، فإذا جاء الفجر لم يكن في المسجد إلا نحو صفين أو ثلاثة، وكثير من الناس يصلونها في بيوتهم، وبعضهم يصلونها متأخرة عن وقتها، وبعضهم وقد طلعت الشمس، وبعضهم برنامجه اليومي الأساسي أن يصلي الفجر عند وقت خروجه للعمل.

    فنسأل الله عز وجل أن يعيننا على سائر الطاعات، وأن يجعلنا من المسابقين والمسارعين إلى الخيرات.

    فأهل الخير والصلاح أدعى إلى أن يكونوا أكثر حرصاً والتزاماً ومراعاة لهذه الفريضة.

    وهناك كتاب صغير حوى مواقف السلف الصالح في الحفاظ على الصلاة لـعبد الملك القاسم بعنوان: (والثمن الجنة)، وقد جمع فيه كثيراً من مواقف السلف في المحافظة على الصف الأول والتكبيرة الأولى.

    1.   

    الأسئلة

    حكم التشاؤم بالأماكن

    السؤال: بعض الناس إذا جلس في مكان يقول: حلت بنا المصائب ولم تزرنا السعادة. فما حكم هذا القول؟

    الجواب: هذا من التشاؤم المنهي عنه؛ فإن الأماكن والأشياء ليس فيها نفع ولا ضر بذاتها.

    وأما ما يتعلق بحديث النبي عليه الصلاة والسلام لما انتقل عن المكان الذي ناموا فيه عن صلاة الفجر فهذا ليس فيه شاهد؛ لأن هذه أمور عارضة، وأما ما له تعلق وارتباط بهذا الشأن فهو في عقد الشيطان وفي بول الشيطان في أذن النائم عن صلاة الفجر، وقد ورد أيضاً في الحديث: (إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، فإذا غفل عن ذكر الله عاد فالتقمه)، وهذه أمور لابد أن نؤمن بها، وهكذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام في الأذان: (يقبل الشيطان حتى يخطر بين العبد وبين نفسه، فإذا سمع الأذان ولى هارباً وله ضراط يسمع، فإذا انتهى الأذان عاد يخطر بين العبد وبين نفسه، فإذا سمع الإقامة ولى وله ضراط) وهذا الحديث أيضاً في الصحيح، فهذه الأحاديث نؤمن بها، ولا نعلم كيفيتها، لكننا لا نتعلق بالشؤم وبهذه الأمور التي لا تصح، ولا تثبت، ولا تتفق مع حسن اعتقاد المسلم.

    سبب عدم استشعار فضائل صلاة الفجر

    السؤال: في بعض الأحيان أقوم لصلاة الفجر ولكن لا أحس طعماً لهذه الغنائم، فما هو السبب؟

    الجواب: لعلك لم تتذكرها، والحشد الذي يذكر من النصوص والكلام في ذلك أحسب أنه لا يغيب عن الذهن، لكن جمعه والتذكير بكونه يتعلق بالصحة، ويتعلق بالعمل، ويتعلق بالنشاط، ويتعلق بالأجر، ويتعلق بالآخرة، ويتعلق بالجنة، ويتعلق بالرؤية، ويتعلق بما قبل الصلاة، ويتعلق بما بعد الصلاة هذا كله تذكير، فلعل في هذا التذكير ما يعينك على أن تشعر بهذا الأجر، وأن تحس طعماً، فهذا وعد من الكريم سبحانه وتعالى.

    ثم صل وواظب على الصلاة بنية التعبد الله عز وجل، فسينشرح لها صدرك، وترى البركة في الرزق وفي المال وفي الوقت، وترى التوفيق والسداد بإذن الله عز وجل، وهذا أمر لا شك فيه.

    كيفية قضاء المسلم ليومه

    السؤال: يغلب عليّ النوم بعد صلاة الفجر فيفوتني وقت المراجعة والحفظ، فما توجيهكم؟

    الجواب: الحقيقة أن أوضاعنا الاجتماعية أوجدت مثل هذا، ونحن قلبنا الأمر، ولو عدلناه مرة أخرى لعادت الأمور إلى نصابها.

    الأصل في اليوم أن يبدأ بالفجر، فلو بدأنا بالصلاة، وثنينا بالذكر والدعاء، وإذا أشرقت الشمس صلينا ثم انطلقنا بعد طعامنا إلى أعمالنا ومدارسنا لكان اليوم طويلاً، ولكان الوقت يكفي لهذا العمل، فإذا جاء وقت المساء أو بعد العصر أو بعد المغرب توقفت الأعمال، ويكون الناس بين المغرب والعشاء متفرغين لسماع العلم أو الذكر أو الموعظة، وبعد العشاء إن كانت لهم مصلحة أو سمر في طلب العلم فعلوا ذلك، كما ذكر البخاري وترجم في بعض أبوابه من كتاب العلم، ثم ناموا مبكرين، واستيقظوا قبل الفجر متهجدين، لكن عكسنا الأحوال، فسهرنا في الليل ونمنا في النهار، وإذا ذهبت لتشتري شيئاً من بعض الأسواق فكثير من الناس لا يفتحون متاجرهم إلا بعد التاسعة أو بعد العاشرة، فانقلبت الأمور، والذي يجتهد في هذا لا شك أنه يخالف الناس ويتعب، ولعله -إن شاء الله- يؤجر على قدر مشقته.

    أهمية المصابرة وترك النوم بعد صلاة الفجر

    السؤال: يلاحظ على كثير من الناس أنهم ما إن يسلم الإمام حتى يسلموا ويخرجوا سريعاً، خاصة في صلاة الفجر والعصر، فما نصيحتكم؟

    الجواب: كأن هذا الذي يخرج بسرعة يريد أن يرجع إلى النوم، وأقول: إن بعض الناس ينام -أيضاً- في التشهد قبل السلام، حتى إذا سلم الإمام فإنه يريد أن يواصل النوم، وعلى كل حال فالذي يؤدي الصلاة في الفجر في الجماعة أفضل من غيره، ولو نام بعد الفجر فلا شك أنه يفوت بعض الأجر، لكنه خير ممن يتأخر أو لا يشهدها في الجماعة، فهذا إن كان عنده عمل أو يستعين بذلك النوم على خير فلعله -إن شاء الله- يكون قد أخذ أجر الصلاة وشهودها في الجماعة، لكن إن أراد المزيد فليصابر وليصبر وليجتهد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

    أهمية أداء صلاة الفجر في المسجد

    السؤال: رجل يستيقظ في الفجر، وعندما ينتهي من الوضوء ربما يجد أن الصلاة قد انتهت، فيخجل من الخروج فيصلي في البيت، فما الحكم؟

    الجواب: هو يخجل من الخروج من جهة، والشيطان يكسله من جهة ويقول له: صل جماعة في الفروض الأخرى فالناس موجودون. وأقول: إن كان فيما بعد الصلاة مباشرة فليتحرك ليدرك أحد أمرين: إما أن يدرك مسجداً يعلم أنه يتأخر قليلاً في أداء الصلاة عن بعض المساجد فلعله يدرك الجماعة فيه، أو يبادر إلى مسجده القريب فلعله يدرك ولو واحداً من المصلين، أو واحداً قد صلى فيصلي معه، فيكتب الأجر والخطا إلى المسجد إن شاء الله، ويتعود على ذلك؛ لأنه لو تعود أول يوم تأخر وقال: لعلي إذا وصلت يكون قد سلم الإمام. أو أدركه قبل أن يسلم. إذاً أصلي في البيت فسيصير حاله هكذا في المرة الثانية والثالثة، لكن لو تعود أن يخرج فقد يدرك التشهد، وقد يدرك جماعة أخرى.

    حكم العيش مع قاطع الصلاة أو المتهاون بالجماعة

    السؤال: نحن أربعة زملاء في غرفة واحدة، وأحدنا لا يصلي الفجر معنا في المسجد، وقد نصحناه عدة مرات، ولكن دون جدوى، فما حكم العيش معه؟

    الجواب: إن كان يصليها ولو في سكنه فلا إشكال إن شاء الله، وإشكاله خفيف، لكن لابد أن تنصحوه ليلاً ونهاراً ومراراً وتكراراً، وأن تنوعوا، وأن تغيروا، وأن تشتدوا معه وأن تلينوا معه، وأن تنوعوا له الأساليب حتى يشرح الله عز وجل صدره ويكون من المصلين، واذكروا له مثل هذه الغنائم والفوائد العظيمة علَّ الله عز وجل أن يشرح صدره لأداء الصلاة.

    حكم الصلاة في البيت

    السؤال: بعض الناس يصلون الفجر والعصر في البيت وقت الصلاة، أي: قبل فوات الوقت. وفي بعض الأحيان يصلون العصر في جماعة في البيت، وعندما أقول لهم: الصلاة في المسجد يقولون: نحن نصلي في جماعة. فما حكم هؤلاء؟

    الجواب: أحيل الأخ السائل إلى الحديث الذي رواه البخاري وشرحه ابن حجر شرحاً مطولاً، وهو حديث: (هممت أن أمر بالصلاة فتقام...) فقد ذكر فيه ثمانية وجوه من الوجوه التي فيها تعظيم وتغليظ لأداء الصلاة في جماعة، والتحذير من ترك الجماعة، حتى قارب فيه أن يقول بما قاله بعض العلماء من وجوب صلاة الجماعة.

    حكم أداء ركعتي الفجر وقت الإقامة

    السؤال: بعض الناس يهم بركعتي الفجر حتى عند سماع الإقامة وتفوته تكبيرة الإحرام، وربما الركعة الأولى، فما الحكم؟

    الجواب: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، فإذا أقيمت الصلاة فينبغي أن ندرك الفريضة، والفريضة مقدمة على النافلة مهما عظم أجرها، فيصلي الفرض، ثم بعد الصلاة مباشرة أو بعد شروق الشمس يصلي ركعتين مكان الركعتين اللتين قبل الفجر، وإن شاء الله يكتب له أجرها، ولا يفوت تكبيرة الإحرام والركعة الأولى.

    والحمد لله رب العالمين، وصل -اللهم- وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.