إسلام ويب

جولة في المصادر التاريخيةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للتاريخ الإسلامي مكانة وأهمية عظمى، لا يدانيه أي تاريخ آخر للأمم غير المسلمة، فينبغي للمسلمين العناية به، ومعرفة الغاية من دراسته، فهو لا يدرس للتسلية وإنما للعظة والعبرة وأخذ الدروس والاستفادة من التجارب المذكورة فيه.

    1.   

    مقدمة عن أهمية دراسة المصادر التاريخية ومعرفتها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو جل وعلا أهلاً للحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال، وفي كل آن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً، وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    أما بعد:

    فأيها الإخوة الكرام الأحبة! هذا لقاؤنا يتجدد بكم في منتصف الشهر السادس من عام (1415هـ) مع الدرس الثامن بعد المائة الأولى، وعنوان درسنا لهذا اليوم: (جولة في المصادر التاريخية)، وهذا الموضوع متعدد الفروع، متشعب الموضوعات، وهو واسع جداً، ولذلك ربما نحتاج له إلى صلة لعلنا نلم بأصوله وببعض مصادره المهمة.

    وسيكون الحديث ابتداءً عن التاريخ، وتعريفه، وفوائده، ووجوده ضمن علوم المسلمين، والصورة العامة التي يؤرخ بها في المصنفات والمؤلفات، ثم نعرج على ذكر بعض المصادر الأكثر شهرة وأهمية في وقفات موجزة، نهدف من ورائها التعريف بها، وذكر بعض الملامح المنهجية لهذه المصادر.

    ولن يدخل في حديثنا موضوع التاريخ لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن السيرة سيكون لها -إن شاء الله- موضوع مستقل بذاته تحت عنوان: جولة في مصادر السيرة النبوية؛ لأن المصنفات المتعلقة بها تستحق أن تفرد، وأن يكثر الحديث حولها.

    كما أنه لن يدخل في حديثنا التاريخ المعاصر المتأخر المتعلق بأحداث أوائل هذا القرن على وجه الخصوص؛ لأنه متشعب ومختلف ومختلط، وكثيراً ما تستقر التواريخ بعد مضي أحداثها بفترة من الزمن.

    1.   

    تعريف التاريخ لغة واصطلاحاً

    نبدأ مستعينين بالله عز وجل بما يتعلق بتعريف التاريخ، ذكر أهل اللغة فيه معاني عدة: فمن قائل: إن التاريخ هو الإعلام بالوقت، أو التعريف بالوقت، يقال: أرخت المولود أو الحدث في يوم كذا، أو أرخت الحادثة الواقعة في بلد كذا، أي: عرفتها بالوقت أو حددتها بالوقت أو أعلمت بوقتها.

    ونقل صاحب كشف الظنون عن بعض أهل اللغة: أن التاريخ هو تعيين وقت ينسب إليه زمان يأتي عليه أو مطلق الزمان، سواءً كان ماضياً أو مستقبلاً.

    وقيل أيضاً فيه: إنه تعريف الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع، من ظهور ملة أو دولة أو أمر هائل مما يندر وقوعه.

    وهذا معنى واضح ومهم؛ لأن الأحداث مرتبطة بالزمن، إضافة إلى أن بعض الحوادث تجعل مقياساً تاريخياً، على سبيل المثال: حادثة الفيل، يقال فيها: ولد بعد عام الفيل بعامين، ولد قبل عام الفيل بكذا، أي: أن هذه الحادثة كانت عظيمة وهائلة وغير مألوفة ونادرة وليست متكررة؛ فعرفها الناس، وتناقلوا خبرها، وضبطوا وقتها، ثم جعلت مقياساً بعد ذلك. وكما أرخ المسلمون أيضاً في عهد عمر رضي الله عنه بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها كانت حدثاً عظيماً ترتب عليه بناء الدولة الإسلامية، والتحاق المسلمين بالنبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة، فجعل هذا الحدث العظيم -الذي هو حدث نادر غير متكرر- مقياساً تاريخياً، ولا يزال حتى هذا اليوم مقياس تاريخنا إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما تعريف التاريخ في الاصطلاح كعلم مستقل بذاته، فإن الأقوال فيه مسترسلة ومطردة، بمعنى: لم يأخذ العلماء فيه بما يقال في التعريفات: لابد أن تصان عن الإسهاب، وأن تكون جامعة مانعة، وإنما ذكر بعض المؤرخين تعريفات فيها إطلاق القول، وتكثير المترادفات، مما الأصل أن يصان عنه التعريف، فمن ذلك ما ذكره صاحب كشف الظنون في تعريف التاريخ حيث قال: إنه معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائع أشخاصهم وأنسابهم ووفياتهم.

    وهذا التعريف شامل للأبعاد الثلاثة التي هي: البعد المكاني، والبعد الزماني، والبعد الإنساني المتعلق بالأشخاص.

    قوله: معرفة أحوال الطوائف. أي: الأشخاص والقبائل.

    وقوله: وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم ووفياتهم. هذا من الناحية الاجتماعية.

    وقوله: وبلدانهم. هذا يتعلق بالناحية المكانية.

    أما ابن خلدون فيعرف التاريخ بقوله: هو إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول.

    ثم يستطرد في ذكر الأمور التي تحدث في هذه الأزمان، كظهور دولة، أو ظهور ملك، أو موت عالم، أو نحو ذلك.

    ثم أضاف إضافة مهمة تتعلق بتعريف التاريخ فقال: وفي باطنه -أي: في باطن علم التاريخ- نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة وعريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق.

    وهذه إضافة مهمة تدل على أن علم التاريخ يتعلق بالمعرفة الدقيقة للحوادث، والمنهجية التوثيقية للإخبار بها، كما أنه يرتبط بالنظر والتحليل والتعليل، وهي معرفة الأسباب وتحليلها، وهذا لا شك أنه أمر مهم كما سيأتي الحديث عنه.

    والسخاوي يعرف التاريخ على نحو ما ذكره ابن خلدون فيقول: هو التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة، ووفاتهم.

    ثم ذكر أشياء كثيرة مما يؤرخ له، قال: وما أشبه هذا مما مرجعه للفحص عن أحوالهم في ابتدائهم، وحالهم في استقبالهم.

    ثم أضاف إضافة مهمة فقال: ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة، من ظهور ملة أو كذا أو كذا.

    وربما يتوسع فيه من بدء الخليقة وقصص الأنبياء وغير ذلك من أمور الأمم، وأحوال القيامة ومقدماتها.

    وهذا قد صنعه بعض المؤرخين حيث أدخلوا في التاريخ ما وردت الأخبار به عن أحوال يوم القيامة، وإرهاصاتها ومقدماتها، وأدخلوه في التاريخ؛ لأنه كائن لا محالة.

    وبهذا نستطيع أن نقول: إن علم التاريخ في هذه التعريفات التي أشرت إليها، يتعلق بجمع المعلومات والأخبار عن البلدان، وعن الأشخاص من حيث النشاط البشري الإنساني عبر الزمان، وكذلك عن الزمن وما يتعلق به من هذه الأحداث والأشخاص، فنقول مثلاً: زمن قيام الدولة الأموية من عام (41هـ) حتى عام (132هـ) فهذا زمن أرخنا به.

    أو يقال في وفيات الأشخاص أو في مواليدهم: إن فلاناً ولد عام كذا، أو مات عام كذا، فهذا أيضاً تاريخ.

    أو يقال مثلاً عن البلدان: إن أول من خط أو بنى الفسطاط هو فلان، وكان ذلك في عام كذا.

    أو فتح المسلمون بلدة كذا في عام كذا.

    فهذا كله تاريخ من هذا الباب.

    1.   

    فائدة التاريخ وأهميته

    النقطة الثالثة المهمة: فائدة التاريخ وأهميته.

    وهذا الموضوع في غاية الأهمية؛ لأن كثيراً من الناس لا يفطن إلى أهمية التاريخ وفائدته، وأكثر ما عنده أن التاريخ أحداث مشوقة ومسلية، وفيها غرائب وطرائف، ولا شيء وراء ذلك.

    ولكن في الحقيقة للتاريخ فوائد عظيمة جداً، لو تأملنا فيها لكان ارتباطنا بتاريخنا واتصالنا به واطلاعنا عليه وقراءتنا له واستنباطنا منه أكثر بكثير مما هو حال كثير منا، وعلى وجه الخصوص حال كثير من شباب الأمة، الذين ربما كانت لهم مطالعات واجتهادات في تحصيل بعض العلوم، وبعض تخصصاتها أدنى أهمية من التاريخ، وأذكر بعضاً من هذه الفوائد:

    الفائدة الأولى: الفائدة التربوية من تاريخ الرسل والأنبياء والصحابة والأئمة

    إن الفائدة التربوية من أعظم الفوائد وأجلها، والله سبحانه وتعالى قد قص على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى أمته قصص الأنبياء والمرسلين، حيث قال جل وعلا: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [يوسف:111].

    والله جل وعلا خاطب النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90].

    وإنما قص علينا هذا لنأخذ العبرة والفائدة التربوية التقويمية التهذيبية، التي نقوم بها الأخطاء، ونكمل بها النقص.

    والله جل وعلا يخاطب الأمة بقوله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

    فالسيرة مهمة جداً، وهي جزء من التاريخ، وقد جعل الله عز وجل سيرة النبي عليه الصلاة والسلام قدوة وأسوة نقتدي بها ونستفيد منها ونتربى عليها.

    قال ابن عبد البر في كتابه: (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) متحدثاً عن الصحابة: يجب علينا الاهتداء بهديهم، فهم خير من سلك سبيله -أي: سبيل النبي صلى الله عليه وسلم- واقتدى به.

    وفي التاريخ أخبار الرسل والأنبياء والنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، وكذلك علماء الأمة، قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: فمن قرأ فضائل مالك وفضائل الشافعي وفضائل أبي حنيفة بعد فضائل الصحابة والتابعين، وعني بها، ووقف على كريم سيرهم وهديهم؛ كان ذلك له عملاً زاكياً.

    فالفائدة التربوية عظيمة جداً من كتب التاريخ، سيما عند المؤرخين الذين يشيرون إلى مثل هذه الفوائد، ولا بأس أن نذكر بعض الأمثلة السريعة، وإن كان سيأتي استعراض بعض هذه الكتب.

    الإمام الذهبي رحمة الله عليه كان من المكثرين في التعليقات والفوائد التربوية المتعلقة بتراجم الأعلام الذين ترجم لهم في كتب كثيرة، ومن أهم هذه الكتب كتاب (سير أعلام النبلاء)، وكتاب (تاريخ الإسلام)، وكان كثيراً ما يذكر المواقف ثم يقول: قلت، وعندما تجد للذهبي كلمة قلت؛ فعظ عليها بالنواجذ، وتأمل ما بعدها، فإنه استخلاص عالم، واستنباط فقيه، وتدقيق محدث، وعلم مؤرخ، فقد كان يكثر من ذلك، وأحيل على سبيل المثال إلى أول المجلد العاشر في ترجمة الإمام الشافعي فقد ذكر من التعليقات على مواقف الشافعي وأقواله كلاماً نفيساً يرجع إليه ويستفاد منه، وليس المقام مناسباً لنقله.

    وابن كثير رحمة الله عليه في البداية والنهاية له تعليقات موجزة مختصرة، لكنها في غاية النفع والفائدة، فإذا ذكر -على سبيل المثال- ما وقع لظالم من الظلمة أو لجبار من الجبابرة ونحو ذلك، فبعد أن ينتهي من القصة يعلق عليها تعليقاً يسيراً، لكنه في نفس الوقت تعليق مهم ومفيد، فيقول مثلاً: وهكذا من أعان ظالماً سلط عليه. فهذه الكلمات عبارة عن استنباط، وعن فائدة تربوية عظيمة، ونجد كثيراً من ذلك في كتب التاريخ.

    الفائدة الثانية: معرفة وإدراك السنن الإلهية

    إن معرفة وإدراك السنن الإلهية مهم جداً؛ فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل في الحياة البشرية سنناً، وهذه السنن هي التي تحكم حياة الناس وقيام الدول وزوالها، وفلاح الناس وخسرانهم، كل ذلك مضبوط بهذه السنن.

    والتاريخ يصدق هذه السنن التي جاءت في النصوص الشرعية، ومن هذه السنن قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11].

    فانظر على سبيل المثال كيف كان أواخر الدولة الإسلامية في الأندلس؟! كيف غير المسلمون حالهم فغير الله عز وجل حالهم؟!

    وتجد أيضاً قول الله سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] وترى كيف تزول الدول وكيف تقوم... إلى غير ذلك من الصور المتعلقة بهذا.

    والله جل وعلا قد وجه المسلمين إلى أن يتأملوا في التاريخ؛ لينظروا إلى هذه السنن، كما قال جل وعلا: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [آل عمران:137]، وقال جل وعلا: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر:43].

    فهذا أمر في غاية الأهمية، وهو مما يستنبط ويستفاد من علم التاريخ.

    الفائدة الثالثة: الفوائد العلمية

    إن الفوائد العلمية جديرة بأن يفرد الحديث عنها ويطول؛ لأن كتب التاريخ لا تشتمل على التاريخ وحده، بل تجد كثيراً من كتب التاريخ يضم في ثناياه معلومات ومسائل تتعلق بالحديث والفقه واللغة والاجتماع، ونحو ذلك من أمور يطول ذكرها، وحسبنا مثلاً أن نعرف أن مقدمة ابن خلدون الشهيرة التي فيها تاريخ للعلوم، وفيها أسس لعلم الاجتماع، وفيها بيان لأسس العمران والحضارة، هي مقدمة لكتابه التاريخ.

    فهذا يدلنا على أن كتب التاريخ ليست قصصاً وأخباراً فقط، وإنما في ثناياها كثير من هذه الفوائد، ولعل من أعظم فوائد العلوم المنشورة في كتب التاريخ -سيما كتب التاريخ المتقدمة- ما يتعلق بعلم الحديث وتراجم الرواة.

    يقول سفيان رحمه الله: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ؛ لأن التاريخ يكشف ويبين التدليس، ويبين الإرسال، ويبين الانقطاع.

    دخل بعض الناس إلى بلاد المشرق، وجعل يروي بعض الروايات، وقالوا لـابن المبارك : إن فلاناً يروي أحاديث ما ندري ما هي؟ فجاء فسأله فقال: متى ولدت؟ قال: ولدت عام كذا، قال: إن هذا يروي لكم عمن مات قبله بعشر سنوات. يعني: هو كاذب.

    إذاً: فالتاريخ من شأنه الحفاظ على الحديث والرواية، وهذا من أعظم الفوائد والمنافع، ولذلك اهتم كثير من العلماء بالتاريخ؛ لكونه يتعلق بالدرجة الأولى بالحفاظ على سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    الفائدة الرابعة: عرض المسائل النحوية والفقهية والتطرق إلى تاريخ واضعها

    هناك أيضاً فوائد عجيبة من دراسة التاريخ، على سبيل المثال: الذين يعرضون مسائل لغوية ونحوية وصرفية دقيقة جداً، كثير منهم يبدأ بذكر من هو أول من وضع علم النحو؟

    ويذكر ما روي عن الإمام علي رضي الله عنه أنه أمر أبا الأسود الدؤلي بوضع علم النحو، ثم يترجمون لـأبي الأسود ، وتاريخ نشأة هذا العلم.

    وهذه ليست فائدة تاريخية بحتة، وإنما هي أيضاً فائدة مستقلة، إضافة إلى ما هو منشور في هذه الكتب من مسائل نحوية.

    كذلك عندما يأتي الحديث عن علم آخر غير النحو، فهذه ليست فائدة تاريخية بحتة، وإنما هي أيضاً فائدة عن المترجم بالمسائل التي تفرد بها في الفقهيات، وما خالف فيه غيره، وما اعترض عليه بعض العلماء، ومناقشة هذه المسألة... إلى أمور ومفردات كثيرة فيها فوائد عظيمة.

    الفائدة الخامسة: معرفة الأحوال العامة في حياة الناس

    من هذه الفوائد أيضاً: ما يتعلق بالأحوال العامة في حياة الناس من معرفة أمور الناس وأحوالهم ومعاشاتهم واهتماماتهم، وكلما يرسم صورة واضحة عن طبيعة المجتمعات في تلك الفترات الزمنية أو التاريخية، وهذا باب طويل جداً.

    الفائدة السادسة: الاستفادة من التجارب والخبرات في الحياة

    ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، والتاريخ يقدم عصارة تجارب الأمم، وخلاصة الخبرات الإنسانية في أمور الحياة الدنيوية، مما لا يتعارض مع الأحكام الشرعية، بحيث يمكن للمسلمين إذا قرءوا تاريخ تلك الأمم كيف أسست بنيانها! كيف أقامت بعض معالم حياتها! كيف كونت أسس حضارتها في بعض الأمور الحياتية! فإن هذا الباب يمكن أن يضيف إلى المسلمين فوائد عظيمة جداً.

    الفائدة السابعة: حقيقة الأمم في ظلال الإسلام

    إن معرفة الحياة في ظلال الإسلام فائدة مهمة جداً؛ لأن هناك شبهات كثيرة تدور حول عدم صلاحية الإسلام لإقامة الدولة كما يقولون، والآن ينادي كثير من العلمانيين وغيرهم إلى الدولة المدنية، ويسمون الحكم الإسلامي أو الدولة الإسلامية: الإسلام السياسي ونحو ذلك، ويدعون أن هذا المعنى لا يمكن أن يتحقق، وقد جمعوا في ذلك لقطات وروايات شاذة، أو وقائع منفردة ليؤكدوا هذا، فأحدهم -وهو مؤلف كتاب: (ما قبل السقوط)- يجمع حوادث معينة من فترات معينة من التاريخ؛ ليستدل بها على أن الفترات التي كان فيها قيام دولة دينية لم تكن دولة مدنية، وإنما كانت فترات ظلم واضطهاد وكذب ومصادرة للحريات وغير هذه الكلمات المفترية.

    وآخر ينشر مقالات متعددة في إحدى المجلات ويقول فيها: وضربوا -أي: الحكام- الأئمة بالسياط، ويأتي بالمحن التي مرت بالإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وكلهم قد وقع له أذى أو سجن أو ضرب، أو نحو ذلك، ويقول: هذه هي الدولة الدينية أو الإسلامية التي تريدونها، وأعلامها وعلماؤها قد وقع لهم هذا؟!

    نقول: عندما نقرأ التاريخ نرى صوراً مشرقة غير هذا الذي يدس لنا، وغير هذه الوقفات واللقطات التي تنتقى لنا بخبث ومكر ودهاء؛ لنحتار أو نضطرب أو نتشكك أو نرفض حكم الإسلام، كما قد يقع في ذلك بعض المسلمين الذين يرفضون أن يكون حكم الإسلام هو الذي يعمهم ويشملهم.

    وهذا باب واسع، وأحياناً يردون علينا بأننا لا نستشهد إلا بعهد عمر بن الخطاب وعهد عمر بن عبد العزيز ثم ليس عندنا شيء وراء ذلك، فنقول: لو قرأنا التاريخ لوجدنا ليس عشرات وإنما مئات الأمثلة، ولا أستطرد في ذلك، ولكن أقول: اقرأ عهد عبد الرحمن الداخل في الأندلس، والناصر الذي جاء بعده، وانظر ما كان في عهدهما من استقرار ومن رخاء ومن توسع وعمران وحضارة.. إلى غير ذلك.

    وانظر إلى الممالك الشرقية، وما كان في عهد الملك مودود ومن قبله من آبائه، وكذا الغزنوي، واقرأ فتوحات بلاد الهند والسند، وتاريخ محمد بن القاسم.. إلى غير ذلك، وستجد أمثلة كثيرة جداً تؤيد هذا المعنى.

    الفائدة الثامنة: دحض الشبهات والرد على المفتريات والمقالات الباطلة

    إن التاريخ قائم بدحض الشبهات، والرد على المفتريات والمقالات الباطلة والزائغة والمنحرفة.

    على سبيل المثال: يشيع كتاب التاريخ من المستشرقين ومن وافقهم من بعض المؤرخين المعاصرين نظرية: تطور الديانات، ويزعمون أن الإنسان البدائي كان مثلاً يخاف من الحيوانات فعبدها، ثم بعد ذلك تطور فصار يخاف من الشمس والبرق فصار يعبدها، ثم تطور هذا الإنسان وجاءت الديانات في مرحلة من مراحل التطور.

    نقول: إن التاريخ الصحيح ينبئنا أن أصل الدين في هذه الحياة الدنيا هو دين التوحيد والإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى أن جاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام الخاتم، وعندما نقرأ التاريخ نستطيع أن ندحض هذه المفتريات وهذا الكذب.

    وهكذا نظرية داروين التي تقول: بأن أصل الإنسان قرد.

    لايوجد أي تاريخ من تواريخ البشر يروي لنا: أنه كان في بلد من البلاد أو في عصر من العصور من كان من البشر يشبه القرد، أو أن قرداً تحول إلى إنسان، التاريخ يدحض هذا، فعندما نقرأ في التاريخ نعرف كثيراً من الأمور التي تتعلق بالنواحي العقدية، بل حتى من النواحي الفكرية، ومن النواحي المتعلقة بالجهاد وما يثار حوله اليوم، فإنه يقال على سبيل المثال: إن الجهاد نوع من الإرهاب، ونوع من القسوة وعدم الإنسانية، ولو قرأنا تاريخ الأمة الإسلامية لرأينا كيف كان جهادها، وكيف ترفع المجاهدون عن كل هذه المعاني المغلوطة، وعن كل هذه المثالب، وعن كل الأمور التي يشوهون بها تاريخنا.

    لو قرأنا التاريخ لعرفنا أن هذا كله باطل، حتى ما يتعلق بأمور التنمية وأمور الحضارة، مثل قول بعض أبناء المسلمين: كنا قبل كذا قرن نعيش في تخلف وتأخر!!

    ويقصد بذلك عهد النبي عليه الصلاة والسلام وعهد الصحابة .

    فهذه الشبه التاريخ يدحضها دحضاً.

    ونقول لهؤلاء: هاتوا لنا من التاريخ ما يشهد لأقوالكم، فعندنا ما يشهد لأقوالنا.

    الفائدة التاسعة: معرفة الحركة العلمية في كل عصر ومصر

    إن معرفة الحركة العلمية في كل عصر ومصر من أعظم وأجل الفوائد التي يخرج بها المطَّلع على التاريخ؛ لأن في كل زمان يؤرخ لأعلامه العلماء والمذاهب التي وجدت فيه، والكتب التي صنفت، والمسائل التي بحثت، والمناظرات التي وقعت، وإذا بك تعرف نشأة العلوم والعلماء البارزين في كل علم من العلوم، والإضافات التي وجدت في هذه العلوم، حتى أرخوا أول من أدخل: سنن النسائي إلى بلاد المغرب، وأول من أدخل كتاب كذا إلى بلاد المشرق، من الذي كان يرصد مثل هذه الأمور؟

    إنها كتب التاريخ، فقد كانت ترصدها رصداً عجيباً، وتجد في التاريخ فوائد من أمتع وأنفع وأروع ما يمكن، وتجد كذلك أيضاً ما يتعلق بالتاريخ الفكري والعلمي للمذاهب، حتى المذاهب المنحرفة.

    فالتاريخ ذكر متى حصل التشيع، وما ظروفه وملابساته، ومن أول من قعَّد له، ومن أول من صنف فيه، وما الدول التي ناصرته، على سبيل المثال: دولة البويهيين لما استولت على الخلافة في بغداد في الثلث الأول من القرن الرابع ناصروا التشيع والرفض، حتى كتبت مسبة الصحابة على محاريب المساجد في بغداد وغيرها. وهكذا أيضاً: دولة الفاطميين العبيديين الرافضة الذين وصفهم الذهبي في سير أعلام النبلاء بقوله: الدولة الفاطمية الرافضية العبيدية اليهودية، وارجعوا إلى سير أعلام النبلاء؛ لتجدوا حقيقة هذه الدولة الرافضية الخبيثة.

    إذاً: نعرف بواسطة التاريخ هذه الحركات والمذاهب، وتاريخها، وكتبها، وأول ما بدأت مثل هذه الأمور، وهذه فوائد عديدة ومهمة جداً.

    الفائدة العاشرة: نقض البدع والخرافات والمحدثات المنحرفة

    إن نقض البدع والخرافات وكثير من المحدثات التي يريد أن يقررها بعض الناس، وكثير من الخرافات التي يعتقدها بعض الناس، يكون عن طريق البحث عن تاريخها.

    ولا بأس أن نروي هذه الطرفة التي تشيع عند الناس: وهي أن رجلين من العاطلين الباطلين، لم يكن عندهما عمل ولا مال، فعمدا إلى كلب فذبحاه ثم دفناه ثم أقاما عليه قبراً وجعلا له بناءً، ثم قالا: هذا قبر فلان الولي، ثم دَعَوَا الناس له، وصارا هما السادنان لهذا القبر المزعوم، فجاءتهما الوفود من الناس يهدون القرابين، ويدفعون الأموال، فلما اختلفا في قسمة الأموال قال أحدهما: وحق الشيخ فلان، يقسم بهذا الولي المزعوم، فقال الآخر: نحن ذبحناه معاً!

    فعندما تبحث في التاريخ تجد مثل هذه الأمور المتعلقة بتعظيم الأضرحة، هل كانت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؟

    الجواب: لا، ابحث في التاريخ هل كانت في عهد الصحابة؟ متى نشأت؟ في أي مكان؟

    فتستطيع بواسطة التاريخ أن تدحض مثل هذه الأمور، وأن تنقضها.

    وهكذا حتى في تاريخ الديانات، فالتثليث متى دخل إلى النصرانية؟

    التاريخ ينبئنا أن بولس هو الذي أنشأ التثليث في المؤتمر الذي كان بعد الألف الأولى من رفع عيسى عليه السلام، وهذا التثليث من دس اليهود الذين أفسدوا الديانة المسيحية بإدخال التثليث فيها.

    وهكذا تجد أمثلة كثيرة فيما يتعلق بالخرافات والبدع والمحدثات، فعندما تتتبع التاريخ تجد من أسسها، من أول من بدأها، وتجد كثيراً من هذه البدايات تشوبها شبهات، إما أن وراءها يهود أو زنادقة أو غيرهم كـميمون بن ديصان القداح الذي أدخل الباطنية، وغيره ممن أدخل الشعوبية في الأمة الإسلامية، ونحو ذلك، وهناك أمور يطول ذكرها.

    الفائدة الحادية عشرة: إظهار الحقائق وكشف المغالطات

    إن التاريخ لا يرحم عند إظهار الحقائق وكشف المغالطات؛ لأن التاريخ يسجل كل الوقائع، وكما يقولون في عبارة جميلة وشائعة: قد تخدع كل الناس بعض الوقت، وقد تخدع بعض الناس كل الوقت، لكن أن تخدع كل الناس كل الوقت فغير ممكن.

    قد تجد بعض السذج وتضحك عليهم وتخبرهم أخباراً وأحوالاً مكذوبة فيصدقونك ما شاء الله أن يصدقوك، لكن غيرهم سيكذبونك ويعرفون أنك لم تكن صادقاً في هذه الروايات، وقد تدلس على الناس كلهم فيصدقونك في بعض الأوقات، ثم يمر الزمن وتتكشف الحقائق كما يقولون.

    على سبيل المثال: من الأمور التي أشاعها بعض ذوي الأغراض في بعض الكتب التي لها صلة بالتاريخ ككتاب الأغاني والعقد الفريد وغيرهما، ما يذكر عن سيرة هارون الرشيد ومجالس منادمته وشربه الخمر ومجالس القيان وغير ذلك، فهذه الأمور شاعت حتى كاد بعض الناس أن يسلِّم بها، لكن إذا رجعت إلى ما أورده ابن خلدون في أول مقدمة التاريخ، ذكر ما أسماه الأوهام التي وقع فيها بعض المؤرخين، وذكر عن الإمام الطبري ما نقله عن هارون الرشيد أنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً، وأنه كان يصلي في اليوم والليلة مائة ركعة، فهل الذي يصلي في اليوم والليلة مائة ركعة يعقل أن يكون من أهل السكر والإدمان والخنا والفجور؟! إلى غير ذلك.

    وهكذا لما لبس على الناس في التاريخ المعاصر بشخصية أتاتورك الذي أشيع أنه منقذ المسلمين، وأنه كذا وكذا وكذا، ثم يكشف التاريخ أنه لا أصل لهذه الشائعات، وأنه ابن سفاح، وإذا له عروق وجذور يهودية، فهو ينسب إلى يهود (الدونمة) في تركيا، وظهر أنه أكبر متآمر على الإسلام والمسلمين، وأكبر مجرم في حق التاريخ الإسلامي المعاصر حيث نقض الخلافة الإسلامية.

    إذاً: عندما تقرأ التاريخ تكتشف هذه المغالطات الخطيرة التي تغير أفكار الناس.

    الفائدة الثانية عشرة: إعادة الأمل وبث الحماسة في نفوس المسلمين

    آخر الفوائد التي نذكرها على عجالة هي: إعادة الأمل وبث الحماسة في نفوس المسلمين، وذلك عندما يرتبطون بتاريخهم وأمجادهم وقادتهم وعلمائهم وأمرائهم وملوكهم، عندما يرون هذه الصفحات المشرقة، وعندما يقفون على هذا التراث العلمي الزاخر، وعندما يجدون هذه المؤلفات التي ربما لا يستطيعون حصر أسمائها فضلاً عن أن يقفوا عليها أو أن يقرءوها.

    هذا كله يجعلهم على أمل وعلى يقين -إن رجعوا إلى دين الله عز وجل- أن يجددوا هذا التاريخ، وأن يعيدوا تلك الأمجاد، وكما يقال في أمثال العرب: ما أشبه الليلة بالبارحة.

    وكما يقال عند غيرهم واستخدمه العرب أيضاً في الوقت المعاصر: التاريخ يعيد نفسه.

    إذاً: يمكن أن يعيد التاريخ نفسه إذا استجلبنا منه هذه الفوائد، وكما قيل: أمة لا تعرف ماضيها لا تستطيع أن تخطط لمستقبلها.

    اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ضاع قوم ليس يدرون الخبر

    فهذه وقفة موجزة مع بعض هذه الفوائد في التاريخ، وهذه الوقفة الموجزة لا تغني شيئاً، ولكنك لو قرأت كتاباً واحداً من كتب التاريخ المعتبرة عند الأئمة المشهورين؛ لوجدت أضعاف أضعاف هذه الفوائد التي أشرت إليها، وأوجزت القول فيها.

    1.   

    علم التاريخ عند المسلمين وأسسه ودوافعه

    كيف كان علم التاريخ عند المسلمين؟! وما هي أسسه؟ وما الأمور التي دفعت إليه، وجعلت تراث المسلمين في التاريخ لا يضاهى به تراث آخر، لا في كثرة الكتب ولا في أنواعها ولا في استقصائها ولا في منهاجها مطلقاً؟

    لا يمكن أن يقارن تاريخ المسلمين والعطاء الذي فيه بغيره من تاريخ الأمم التي لا تبلغ فيما أعرف حتى عشر معشار هذا العطاء في تاريخ الإسلام والمسلمين.

    الأساس الأول: القرآن الكريم

    القرآن الكريم وردت فيه أحداث تاريخية وقصص تاريخية، مثل: قصص الأنبياء والمرسلين والأمم السابقة، كقصة سبأ وغيرها من الأمم.

    وهذا كان له أثر عظيم على المسلمين، حيث جعلهم يقرءون، والعلماء يفسرون، وبدأ التفسير يجمع بدايات للمادة التاريخية التي تعلق وتشرح وتفسر هذه الآيات المتعلقة بالأحداث للأمم الماضية، والله عز وجل قد دعا المسلمين إلى التأمل والاعتبار بأحوال الغابرين، وإلى السير في الأرض والنظر فيها والتأمل فيها، وهذه الدعوة هي دعوة لمعرفة الأحداث ثم للاعتبار بها؛ لأن الاعتبار هو مرحلة ثانية بعد المعرفة.

    الأساس الثاني: السيرة النبوية

    السيرة النبوية عند المسلمين دين، يدينون الله بها، وأسوة يقتدون بها، وأحكام يتبعونها، وسنن يحرصون عليها، ولذلك كان أول بدايات تاريخ الإسلام المنفرد المستقل: هو ما يتعلق بمغازي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، وكان هذا معروفاً عند المسلمين، حتى قال قائلهم: كان آباؤنا يعلموننا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعلموننا السورة من القرآن.

    ومن هنا انتشر التصنيف والتأليف في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ومغازيه، وهي كثيرة جداً، وفريدة وعجيبة في دقتها وضبطها واستيعابها وشمولها في الحديث عن شخص النبي عليه الصلاة والسلام وعن تاريخه وسيرته.

    الأساس الثالث: التأصيل في علم الحديث

    صح عن ابن سيرين -كما في مقدمة صحيح مسلم- أنه قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، كان الصحابة يحدثوننا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا نأخذ منهم، فلما حدثت الفتنة وركب الناس الصعب والذلول قلنا: سموا لنا رجالكم، فمن كان من أهل السنة قبلنا، ومن كان من أهل البدعة رددنا.

    إذاً: بدأ العلماء من السلف يبحثون عن أحوال الرواة وتواريخهم وسيرهم، وصدقهم وكذبهم، ومواطن بلدانهم وأماكن رحلاتهم، ومعرفة شيوخهم وتلاميذهم.

    وتدوين التاريخ المتصل بعلم الحديث باب واسع مستقل في كتب كثيرة منها كتاب: التاريخ الكبير للبخاري والتاريخ لـابن معين والتاريخ لـخليفة بن خياط.

    وهناك تواريخ كثيرة دونوا فيها أسماء الرجال وأحوالهم إلى غير ذلك، وهذا عامل من عوامل نشوء علم التاريخ والاهتمام به، والاحتفاء به عند المسلمين، بل هو من أعظم العوامل وأكثرها أهمية.

    الأساس الرابع: منزلة الخلفاء الراشدين والصحابة رضوان الله عليهم

    يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) . هذا الحديث معناه: أن سنة الخلفاء الراشدين وفعلهم هدي تهتدي به الأمة، وسنة تستن بها.

    إذاً: هذا جعل الأمة تهتم بسيرة الخلفاء الراشدين وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وسيرة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم باب واسع كبير جداً، وفيه مؤلفات عظيمة وكثيرة جداً.

    ولا بأس أن أشير هنا إلى كتاب: (معجم ما ألف عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ذكر جامعه محمد الشيباني كتباً مطبوعة ومخطوطة وافرةً وكثيرة، مراعياً في ذلك التسلسل الزمني من بداية ما ألف في هذا الباب إلى أوقات متأخرة.

    وقد ألف قبله في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وكتاب: (معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) للمحقق العلامة صلاح الدين المنجد وهو كتاب عظيم النفع، جمع فيه مؤلفه مئات المصنفات في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام في مختلف العصور.

    إذاً: سنجد أن هناك كتباً خاصة فيما يتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه، وكتباً فيما يتعلق بأحوال الرجال والجرح والتعديل، وكتباً فيما يتعلق بسير الصحابة رضوان الله عليهم، وهذه كلها ضمن التاريخ، ولا نستطيع أن نعرج عليها في مثل هذا المقام.

    الأساس الخامس: الفتوحات الإسلامية

    عندما فتح المسلمون مصر، وبلاد الشام، وبلاد العراق، جاءوا إلى بلاد لها حضارة ولها تاريخ، وفيها رجال، فزاد ذلك من رصيد هذا التاريخ عند المسلمين، وعرّفوا بملوك هذه البلاد وتاريخها وما كان فيها من أحوال، وما كان أهلها عليه من ديانات، إضافة إلى أن الدولة الإسلامية احتاجت إلى تنظيم أمورها، وإلى إنشاء الدواوين كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دون ديوان الجند، وديوان العطاء، فاحتاج إلى أن يحدد وأن يدون قبائل المسلمين، وأسبقية الصحابة في الإسلام، حتى يجعل عطاء السابقين في الإسلام أكثر، ويجعل عطاء من دونهم أقل، وأبناء الصحابة أقل من الصحابة، وكذا التابعين أقل.

    وهذا أيضاً كان رافداً من روافد التاريخ، وفيه جمع للمادة التاريخية.

    الأساس السادس: خدمة المذاهب الفكرية والفقهية

    إن خدمة المذاهب الفكرية والفقهية كان أحد العوامل والروافد للتاريخ عند المسلمين، فالمذاهب الفقهية الأربعة على سبيل المثال، كل أهل مذهب خدموا مذهبهم، فجاءت حصيلة تاريخية في نشأة المذهب، وفي سيرة إمام المذهب، وفي سيرة علماء المذهب، وما يتعلق بالمواطن التي انتشر فيها المذهب إلى غير ذلك، فجمعت مادة تاريخية واسعة، وحتى على مستوى المذاهب الفكرية المنحرفة كالمعتزلة، فالمعتزلة عندما كانت لهم صولة وجولة دونوا طبقاتهم، وأشهروا أعلامهم، وأرخوا لرموزهم، وهكذا فعل الشيعة أيضاً.

    وهذا كان رافداً تاريخياً عظيماً عند المسلمين.

    الأساس السابع: خدمة العلوم المختلفة

    هذا ملحق بالذي قبله، لكنه على مرتبة أدنى وأقل، فالأدباء ألفوا في طبقات الأدباء، وجعلوا هناك مراحل أدبية، وأرخوا مثلاً لأدباء الأندلس على حدة، وأخروا لأدباء بلاد الشام على حدة، وبلاد اليمن على حدة، .. وهكذا وجمعوا هذه التراجم.

    كذلك النحاة واللغويون والأطباء والحكماء ما من أهل علم إلا وتوسعوا في تاريخ ذلك العلم وأعلامه، وهذه أيضاً كانت مادة عظمية جداً من مواد التاريخ.

    الأساس الثامن: خدمة البلاد وذكر فضائلها

    التآليف في خدمة البلاد، وذكر فضائلها كثيرة، مثل ما ألف عن مكة وفضائلها وتأسيسها، والمدينة المنورة، وبيت المقدس وغيرها من الدول، فيؤلف أهل كل بلد في محاسن بلادهم، فمثلاً: أهل الشام يذكرون فضائل الشام، وخطط الشام، ووصف بلاد الشام، إلى غير ذلك، ويترجمون لكل من دخل إليها، ومن مات فيها، ومن اشتهر بها، فاجتمعت مادة عظيمة.

    الأساس التاسع: رحلات المشاهير من العلماء المؤرخين

    رحلات المشاهير من العلماء الذين أرخوا في رحلاتهم أحوال البلاد وأهلها، وأرخوا ما مر بهم من الأمور التي وقعت.

    من هؤلاء العلماء الذين اشتهروا بالرحلات في البلدان: ابن بطوطة، واشتهرت رحلته باسمه: رحلة ابن بطوطة، وهناك رحلة ابن جبير، ورحلة ابن فضلان، وهذا الأخير رحل مبعوثاً من الخليفة في القرن العاشر إلى بلاد روسيا، وبلاد بلغاريا.

    وعندما تقرأ في كتب هؤلاء تجد أحوال تلك البلاد، ووصفاً لأمور عجيبة جداً يتعجب منها المرء كثيراً.

    فهذه أيضاً كانت رافداً عظيماً من الروافد التاريخية، وعندما ننظر إلى هذه الروافد، وإلى هذه الأسس، نجد أن المادة التاريخية في تاريخ المسلمين أصبحت مادة عظيمة جداً وغزيرة غزارة لا يدانيها غيرها.

    1.   

    المحاور الثلاثة للتصنيف في التاريخ

    هذه النقطعة هي التي سنجعل استعراضنا السريع حولها مدخلاً لما قد يسمح به الوقت من ذكر بعض المراجع التاريخية، هذه المحاور هي: الزمان، والمكان، والإنسان، إما أن نعنى بالتاريخ في فترة زمنية، أو نعنى بالتاريخ في صقع أو بلد بعينه، أو نعنى بالتاريخ لأشخاص بأعيانهم.

    المحور الأول للتصنيف في التاريخ: الزمان

    بالنسبة للزمان يأتينا نوع التصنيف بما يسمى التاريخ العام أو الحوليات الذي يبدأ بذكر السنوات: السنة الأولى، السنة الثانية، السنة الثانية بعد المائة الأولى... إلى آخره، وهذا فيه استعراض للسنوات.

    كذلك في نطاق هذه الوحدة الزمنية يذكر بلاداً مختلفة ويذكر أشخاصاً وأعلاماً مختلفين، لا يجمعهم إلا وجودهم في هذا الزمن.

    ومن أنواع التصنيف المتعلق باعتبار الوحدة الزمنية: التصنيف الذي عرف بتراجم القرون: القرن الثامن، القرن التاسع، القرن العاشر، فقد اعتبر فيها الوحدة الزمنية، ووجد في هذا التصنيف البعد الإنساني بتراجم الرجال، والحوادث التي تذكر في أثناء هذه التراجم.

    كذلك هناك نوع ثالث من التصنيف هو: التصنيف المتعلق بالدول، عندما يقال: تاريخ دولة بني أمية، أو تاريخ الدولة العثمانية، فهذا يشمل الزمن الذي كانت فيه هذه الدولة على وجه الخصوص.

    المحور الثاني للتصنيف في التاريخ: المكان

    بالنسبة لاعتبار المكان هناك أنواع منها: تاريخ المدن، كتاريخ بغداد، ودمشق، وطرابلس، وغيرها كما سنذكر بعضاً منها.

    النوع الثاني: تاريخ الفتوح، مثل: فتوح الشام للبلاذري، وفتوح مصر لـابن عبد الحكم.

    المحور الثالث للتصنيف في التاريخ: الإنسان

    أما بالنسبة للإنسان، فهناك التاريخ العام للأعلام، كما في (تاريخ الإسلام) للذهبي، أو في (سير أعلام النبلاء) له أيضاً، فهو لم يشترط زمناً معيناً، وإنما ذكر أعلاماً عبر زمن اختاره من أول زمن معين إلى آخر زمن معين. أو تاريخ الأعلام المرتبط بعلم معين: أو مذهب معين، مثل: أعلام المذاهب الفقهية، أعلام الفكر الفلاني، أو أعلام كذا، أعلام كذا... إلى آخره.

    فهذا يعطينا صورة إجمالية عامة عما يتعلق بأنواع التصنيف في التاريخ.

    هذه الخلاصات التي ذكرتها هي مقدمة؛ لأننا لم نذكر بعد شيئاً من المصادر التاريخية، لكن هذه المقدمة أحسب أن فيها عدداً من الفوائد منها:

    الفائدة الأولى: أن هذه المقدمة شوقت الكثير منكم إلى أن يعرفوا هذه المصادر، كما شوقت بعضاً منكم -فيما أظن- أن يبدءوا من يومهم هذا في مطالعة بعض كتب التاريخ، وقد يستمر بعضهم يوماً أو يومين ثم يفتر أو يكسل، لكن عموماً كتب التاريخ من مزاياها أنها ممتعة، تجد فيها تغيراً وتجديداً؛ لأنها ليست علماً جامداً، وليست تخصصاً مفرداً، وإنما هي أحداث ووقائع وغرائب وأشياء منوعة لا يمل القارئ منها.

    الفائدة الثانية: أنها مهدت لنا لندخل إلى المصادر التاريخية بعقلية منظمة، ولو بدأنا بأنواع التصنيف في التاريخ ودخلنا في بعض الكتب لوجدنا أن هناك صعوبة في الاستيعاب والتفاعل مع المادة المتعلقة بمصادر التاريخ.

    1.   

    ذكر المصادر المشهورة في التاريخ وفوائدها وملامحها وأنواعها

    هناك كتب التاريخ العام التي تسمى: كتب الحوليات التي وحدتها أو موضوعها هو الزمن، وهذه الكتب كثيرة، منها: ما ألفه اليعقوبي وابن قتيبة الدينوري ومن أشهرها وأبرزها وأكثرها فوائد في كتب المتقدمين كتاب: (تاريخ الأمم والملوك) لـأبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة (310هـ).

    ومن هذه الكتب أيضاً كتاب (الكامل في التاريخ) لـابن الأثير الجزري وهو أيضاً على هذا النسق، وقد ذكر في مقدمته أنه انتفع بكتاب الطبري ومن هذه النوعية أيضاً كتاب (البداية والنهاية) لـابن كثير .

    ولعل من المناسب أن نشير إلى بعض هذه الكتب وفوائدها وملامحها في هذا المقام، ونجعل السرد فيما تبقى من الوقت؛ لأننا نخشى ألا يبقى وقت لذكر ما يتعلق ببعض هذه الفوائد.

    الفوائد المتعلقة بتاريخ الطبري

    لقد بدأ الطبري فيما يتعلق بتاريخه من أول خلق العالم، وهذا سار عليه كثير من المؤرخين، حيث صنعوا كما صنع الطبري .

    بدأ الطبري بتعريف الزمان، ومتى بداية الزمان، وبعد ذلك ذكر الروايات التي وردت في أن أول ما خَلَقَ الله عز وجل القلم، فقال له: (اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) ثم ذكر بعد ذلك ما يتعلق بخلق السماوات والأرض، ثم خلق آدم، وقصة إبليس، والرسل والأنبياء من بعد ذلك.

    والطبري رحمة الله عليه كان إماماً مفسراً محدثاً ومؤرخاً، وكانت شهرته في التفسير والحديث أكثر من التاريخ.

    وهنا ملاحظة مهمة وهي: أن كثيراً من العلماء من المحدثين والمفسرين والفقهاء ممن لهم عناية بالتاريخ اشتهروا في مجالات علومهم التي عرفوا بها، وأهملت الناحية التاريخية في مؤلفاتهم وفي تراثهم وإنتاجهم، فجاء بعض المعتنين بالتاريخ من المتأخرين، وكتبوا في إبراز الناحية التاريخية عند هؤلاء، على سبيل المثال: (ابن عبد البر وجهوده التاريخية) (ابن حزم وجهوده في التاريخ) وغيرهما، فهؤلاء لم يشتهروا أساساً كمؤرخين، وإنما لهم شهرة في العلوم الأخرى، فأبرز بعض المتأخرين هذا الجانب عندهم.

    الطبري هو من أعيان علماء المسلمين، ومن المتقدمين في القرن الثالث الهجري، وتوفي في العقد الأول من القرن الرابع كما مر بنا، وقد ألف كتابه التاريخ بعد التفسير؛ لأنه أحال في التاريخ إلى بعض المواطن في التفسير، فلما جاء عند خلق آدم، قال: لقد أجملت ذلك في التفسير؛ لأنه ليس ذلك موضعه، ثم أفاض بعد ذلك في خلق آدم وقصة إبليس وكذا.

    كأنه يشير أنه لم يرد أن يفصل هذا التفصيل في التفسير؛ لأنه لا يليق به فجعله في التاريخ.

    وقد ظل الطبري يملي كتابه من سنة (290هـ) حتى سنة (302هـ) يعني: لمدة اثنتي عشرة سنة كما ذكر المؤرخون في ترجمته.

    ومن الملاحظات المهمة التي تلفت النظر: أن كثيراً من كتب التاريخ الإسلامي المتقدمة أول من عني بها ونشرها هم المستشرقون، فكتب التاريخ في طبعاتها الأولى من نتاج المستشرقين، ولعل سائلاً يسأل: لماذا؟!

    أقول: هناك أسباب بعضها جوهرية:

    أولاً: أن كثيراً من مخطوطات هذه الكتب هي في بلاد الغرب، سرقوها ونهبوها عندما دخلوا بلاد المسلمين، لاسيما لما دخلوا الأندلس، ولما دخلوا مصر، ولما دخلوا بلاد الشام.

    ثانياً: أن الطباعة بدأت عندهم قبلنا بكثير، ومعلوم أن الطباعة في العالم الإسلامي جاءت بعدهم بفترة لا بأس بها، وأن أول مطبعة دخلت إلى العالم الإسلامي هي التي دخلت إلى مصر على يد نابليون بونابرت في أواخر القرن التاسع عشر، فهذا سبب تأخر الطباعة عندنا، فوجود المطابع عندهم جعلهم يتقدمون علينا في هذا الباب.

    ثالثاً: أن المستشرقين في بداية هذا القرن لم تتأسس علومهم إلا على التراث الإسلامي الحضاري في بلاد الأندلس وغيرها، فكان كثير منهم قد تعلم العربية؛ ليقرءوا كتب المسلمين ككتب الطب وكتب التاريخ وغيرها من الكتب، فهم قد أسسوا ثقافتهم وعلومهم في كثير منها على كتب المسلمين، وبالتالي كانت عنايتهم بها، ومن هنا كانت أول طبعة لتاريخ الطبري عام (1876م) على يد المستشرق دي خويه.

    قال الطبري في مقدمته: وأنا ذاكر في كتابي هذا من ملوك كل زمان، من لدن ابتداء ربنا جل جلاله خلق خلقه إلى حال فنائهم من انتهى إلينا خبره ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه فشكر نعمه، من رسول له مرسل أو ملك مسلط، أو خليفة مستخلف فزاده إلى ما ابتدأه به من نعمه في العاجل نعماً... إلخ.

    ثم ذكر أنه أرخ بعد ذلك للسنوات، وبدأ بالقول في الزمان، وبدأ بذكر قصة آدم، وقصة نوح عليه السلام، وما ورد في هذه القصص.

    ثم أرخ بعد ذلك لتاريخ الفرس وبلاد المشرق التي كانت فيها حضارة قبل مولد النبي عليه الصلاة والسلام.

    ثم بدأ بعد ذلك بمولد النبي عليه الصلاة والسلام، وما ذكر من إرهاصات وقعت أثناء مولده عليه الصلاة والسلام في بلاد كسرى وفي بلاد قيصر، وبعد ذلك بدأ بسرد التاريخ الإسلامي.

    تميز الطبري كغيره ممن جاءوا في تلك الفترة أنهم رووا التاريخ بالأسانيد، وبالتحديث والرواية عمن سمعوا منه إلى منتهى أسانيدهم.

    الميزة الثانية: أنه كان يجمع كل الروايات في الحادثة الواحدة، وإن اختلفت هذه الروايات.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.