إسلام ويب

إذا لم تستح فاصنع ما شئتللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد نزع الحياء عن كثير من أبناء أمتنا، وانسلخوا منه حتى مارسوا الشهوات والقبائح، وصاروا يلهثون وراء المحرمات، ويجاهرون بالمعاصي والسيئات، وإذا نزع الحياء وفقد تغيرت الحياة، وفسد الناس والمجتمعات، وضاقت الأنفس العفيفة، وتفطرت الأكباد الطاهرة النظيفة، فإلى الله المشتكى!

    1.   

    منزلة الحياء في الدين

    الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، المنتقم الجبار، مكور النهار على الليل ومكور الليل على النهار، نحمده سبحانه وتعالى، كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، حمداً نكون به من الشاكرين الذاكرين، فهو سبحانه وتعالى أهل الحمد والثناء، فله الحمد في الأولى وفي الآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، اختاره الله جل وعلا على حين فترة من الرسل، وانطماس من السبل، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغواية، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده فجزاه الله خير ما جازى به نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم لاتباع سنته وحشرنا يوم القيامة في زمرته.

    أما بعد:

    الحياء والإيمان قرينان

    أيها الإخوة المؤمنون!

    حديثنا اليوم عن فقدان الحياء وآثاره في حياة الأمة، ذلك الحياء الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه أنه شعبة من شعب الإيمان، وروى الحاكم في مستدركه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الحياء والإيمان قرناء جميعاً، فإذا نزع أحدهما نزع الآخر)، كما أن الإيمان حلية يتحلى بها العبد المؤمن، وهو العاصم بإذن الله جل وعلا من الوقوع في المعاصي، ومن التعدي على حرمات الله، فللحياء هذه السمة: إذ هو يمنع صاحبه الذي تحلى به والذي تزين به من أن يأتي المحرمات، بل يمنعه من أن يأتي الأمور المستقبحة التي لا تليق بمقامه وإن كانت في بعض الأحوال مباحة لغيره، ذلكم الحياء الذي عرفه أهل العلم بأنه خلق يبعث على فعل الجميل، وترك القبيح، والتوقي من الأدناس وما يعاب عند الناس، الحياء الذي بوجوده يكون للمرء سورة حسنة، عفة في اللسان، وغض في البصر، ولين في المعاملة، وتوق من المعاصي، واجتناب لكل أمر مرذول حقير.

    هذا الحياء بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من حديث عمران بن حصين عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الحياء لا يأتي إلا بخير)، وفي بعض الروايات الأخرى: (الحياء خير كله)، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء)، قال بعض الشراح: أي: أنه كان يلومه على ما كان عنده من بعض الحياء الذي يمنعه من المشاركة أو ربما يجعله انطوائياً أو انزوائياً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (دعه، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير).

    الحياء من شعب الإيمان

    هذا الحياء قرين الإيمان، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه خصلة من خصال الإيمان، وخصه بالذكر من بين سائر الأخلاق حينما قال: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، ثم قال: (والحياء شعبة من الإيمان).

    لم يكن هذا التخصيص عبثاً منه صلى الله عليه وسلم، بل لأن حقيقة الإيمان مرتبطة بهذا الحياء، ولذلك كان النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أشد حياءً من العذراء في خدرها، رغم أنه عليه الصلاة والسلام كان يجيب السائل، ويعاتب المخطئ، ويقوم الذي يعتدي على حقوق الآخرين، إلا أن حياءه لم يكن يفارقه في لحظة ولا في حركة ولا في سكنة، فجمل حينئذ خلقه، وصدق وصف الله جل وعلا: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    فلما تحلى بزينة الإيمان، وتوج خلقه بتاج الحياء، أسر القلوب، واستمال النفوس، وصار الناس يتأثرون بهديه وسمته وفعله أكثر مما يتأثرون بقوله، فضلاً عما يتأثرون بزجره أو وعيده أو بعقابه الذي يمضيه في حكم الله سبحانه وتعالى عليه، وصبغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المجتمع الإيماني الرباني بصبغة الحياء، فإذا بك تعيش في عهد النبوة لا تسمع كلمة نابية، ولا ترى فعلاً يخدش الحياء، بل عند الحاجة الملحة يظل الحياء زينة ووقاراً.

    صورة من تطبيق الحياء

    فهذان هما التابعيان الجليلان: مسروق والأسود جاءا إلى عائشة رضي الله عنها ليسألاها عن المباشرة والقبلة للصائم، فلما جلسا إليها خجلا منها، ثم قاما من مجلسهما ومضيا، وانصرفا حياءً أن يسألا عائشة رضي الله عنها رغم أن المسألة علمية، فلما مضيا قليلاً رجع أحدهما إلى الآخر وقال: جئنا لنسأل عن أمر من أمر الدين ثم أرجعنا الحياء، فعادا مرة أخرى إلى عائشة رضي الله عنها وقالا لها: يا عائشة إنا أتينا نسألك عن شيء فاستحيينا منك، فقالت: سلوا، وفي رواية أن هذه الواقعة -كما هي في مسند الإمام أحمد - وقعت لـأبي موسى الأشعري فقالت له: (سل ما شئت فإنما أنا أمك) فسألوا حينئذٍ وأجيبوا.

    لكن انظروا إلى هذا الحياء الذي جمل الأئمة والعلماء! والذي صبغ الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.

    وأم سلمة رضي الله عنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من الأنصار لم يكن للمهاجرين بها عهد، كما ذكر بعض الصحابة، فقالت: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق؛ فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم إذا هي رأت الماء ، فقالت: أم سلمة رضي الله عنها: لقد فضحت النساء) أي: أنك جئت بسؤال واضح مباشر، كأنها رأت في نفسها أن مثل هذا قد لا يسأل عنه بمثل هذه المواجهة، وإن كان تقديم الصحابية أيضاً يدل على حيائها وأدبها، عندما قالت: (يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت).

    الحياء فضيلة في كل الشرائع

    لما تجمل القوم بلباس الحياء صحت لهم تلك الأخلاقيات، ولذلك لم يكن الحياء والأمر به في شريعة الإسلام وفي هدي محمد صلى الله عليه وسلم فحسب، بل أخبرنا عليه الصلاة والسلام بأن هذه الخصلة هي قرينة الإيمان، وكما أن الإيمان منذ أن خلق الله آدم وأتبعه بالرسل والأنبياء، فكذلك الحياء باق ممتد على مدى التاريخ، منذ أن وجد التوحيد والإيمان، ومنذ أن أنزلت الكتب وأقرت الشرائع؛ ولذلك كان أمراً ممتداً عبر تاريخ البشرية كلها في أوامر الله وشرائعه، كما صح عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، وأصح التفسيرات وأرجحها عند العلماء أن من فقد الحياء فإنه حينئذ لا يكون عنده عاصم من اقتراف المعاصي وارتكاب المحرمات، ومن التجرد من كل معنى من معاني الخلق والفضيلة، بل حقيقة الأمر أن الذي يفقد الحياء يقتل فطرته ويتجرد من اللباس والزينة، ويبدو الإنسان منه عارياً، فإذا نزع الحياء فإن العورة تبدو وتنكشف، وإن الزينة والستر والتجمل يذهب إلى غير رجعة، ولذلك:

    يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء

    أي: يبقى العود في الشجرة ما بقي الغطاء الذي يغطيه ويستره، والذي يزينه ويجمله، ولذلك يصدق قول القائل:

    إذا عدم الحياء بأرض قوم فكبر أربعاً وقل السلام

    فإنه إذا نزع الحياء فقد ضعف الإيمان في قلوبهم، وماتت الغيرة في نفوسهم، وانعدمت الفضيلة من قواميسهم، وأصبحوا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً.

    1.   

    انسلاخ كثير من المجتمعات المسلمة عن الحياء

    وتعالوا بنا في جولة تصدق حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن به مؤمنون مصدقون، ولكنها نبوءته عليه الصلاة والسلام.

    تصدقه من وراء هذه القرون والسنوات المتتابعات، يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).

    فانظروا إلى الذين يتجاوزون الحدود والحرمات، وانظروا إلى الذين يتجاوزون الأعراف والتقاليد، وانظروا إلى كل تجاوز فإنه لا يكون إلا بنزع للحياء أو بتقليل منه، ما بالنا لا نقول في مجتمعات أخرى، بل في مجتمعنا وبلادنا أرض التوحيد وبلاد الحرمين، في البلاد التي ترفع راية الشريعة وتطبيقها، ما بالنا نرى الحياء وقد آذن بالرحيل، وقل في سلوك الناس أقوالاً وأفعالاً وأحوالاً، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، حتى كأن هذه الكلمة وهذا المعنى لم يكن وارداً في دين الله سبحانه وتعالى، ولا في هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن وصية عبر التاريخ والقرون وعبر الشرائع التي أنزلها الله سبحانه وتعالى؟!

    المرأة تخرج متهتكة متبرجة متعطرة متزينة، قد داست حياءها قبل أن تخرج من بيتها، وقتلت أنوثتها قبل أن تتزين بهذه الزينة، وخالفت أمر الله سبحانه وتعالى، وضربت عرض الحائط بقول الحق جل وعلا: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]، ما بالها تمشي في الطرقات مشية يستحي أن يمشيها الرجال؟! ما بالها تخاطب الرجال في الأسواق، فيستحي الرجل ويطأطئ رأسه وتقول له: ما بالك تستحي كأنك امرأة؟!

    فقد الحياء تدريجياً

    ما هذه الصور التي قتلت كل معنى جميل، وكل خلق فاضل، وأماتت كل صورة مشرفة وضيئة في حياتنا؟!

    لما انسلخ الحياء انسلخ الإيمان وضعف توقير أمر الله سبحانه وتعالى، أليست هذه صورة نشهدها كل يوم ونراها قد كانت خطوة فخطوة فخطوة، ولا نعلم إلى أين تنتهي الخطوات؟

    (نظرة فسلام فكلام فموعد فلقاء) هذا هو الذي كان، ما كنا نرى ذلك قبل سنوات قلائل، ما كنا نرى هذه الصور وهذه المشاهد وهذه الأمور التي تجعل الحليم حيران، أين غيرة الرجال؟ أين إيمان أولياء أمور هؤلاء النساء؟!

    وأين ركنا المرأة التي تتميز بهما عن الرجل الحياء والأنوثة؟

    فقدت حيائها فتبرجت، وفقدت أنوثتها فاسترجلت، ولم يعد المرء يفرق اليوم بين رجل وامرأة، وأصبح كثير من الناس ينشرون الصور ويروجونها في أوساطهم ويلتمسون لها المعاذير، ويقولون: هذه حاجة وهذا لا بأس به، ونقول: اسمعوا لقول الله جل وعلا في خطاب خير نساء الأمة أزواج النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]، نهي لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهن من هن إيماناً وأدباً وحياءً وعلماً وخشية لله جل وعلا، والمخاطبون هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس حرصاً على الطاعة، وأبعد الناس عن المعصية، ومع ذلك يقول تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]، أي: لا تلن الكلام ولا تتكسرن فيه، ولا تملنه يمنة ويسرة، فضلاً عن الضحكات والحركات، فضلاً عن الإشارات والغمزات.

    لقد فقد الحياء في مثل هؤلاء النساء، وفقدت الغيرة من أولياء أمورهن، وصارت صورة تنذر بويل كبير، وخطر عظيم؛ لأنها لا تخص أصحابها بل تقتحم أنظار الناس رغم أنوفهم، وتقتحم قلوبهم رغم أنوفهم، وتغير في نفوسهم رغم أنوفهم.

    صور من قلة الحياء

    وانظروا إلى صور أخرى نراها وكم هي عجيبة لم تكن ترى في مجتمعاتنا، فإذا أنت ترى شاباً وهو رافع صوت ذلك المسجل بالأغاني الغربية الماجنة إلى أقصى حد، وإذا به يطوف الشوارع ويجوب الطرقات يزدهي ويفتخر بدلاً من أن يخجل من هذا الأمر ويستتر، وذلك لانقلاب الموازين، فإذا قال له إنسان: قلل من هذا الصوت على أقل تقدير، فإنك واجد سيلاً من الشتائم ينبئ عن سوء الباطن، وقلة الحياء، وانعدام الأدب.

    وربما تجد -وهذا من أعجب العجب- أن هناك من ينصره ويؤيده، ومن يدعو إلى الحفاظ على الحريات، وأن يكون لكل إنسان ما أراد! وكأنه ليس عندنا آيات قرآنية، ولا أحاديث نبوية، ولا عندنا شرع ودين، ولا حلال ولا حرام.

    وانظر كذلك إلى صور أخرى أقذع وأفظع فيمن يجترئون على حدود الله، ويستهزئون بدين الله، فهذا يسطر مقالاً يتهكم فيه بالمتدينين.. وذاك يكتب قصيدة يهزأ فيها ويسخر -عياذاً بالله- من رب العالمين، وكل ذلك مبعثه وأساسه موت الحياء وانعدامه، وترى من يكتب إلى هذا اليوم بعد أن عقل الجهلاء وبعد أن عقل حتى المجانين، ويقول لنا: إن الطبيعة تخلق، وإن الطبيعة رقمت اللوحة الجميلة، وإن الطبيعة فعلت كيت وكيت.. وتمر كتابته في الأوساط ولا يتحرك لأجله أحد.

    ومليئة هي الوسائل التي تصدح صباح مساء بكل رقيع من القول، وبكل اجتراء على دين الله عز وجل، وإنما هذا أيضاً هو من فقد الحياء، وصورة من صوره البغيضة النكدة التي استشرت في مجتمعات المسلمين نسأل الله السلامة.

    وهذه الفظاعة التي أذكر تدرجها إنما هي بحسب تأثيرها وانتشارها، فكاتب الصحيفة تأثيره أكثر من هذا الشاب الذي يجوب الطرقات، فلا يسمعه ولا يراه إلا بضعة نفر، وهذه الصور إنما هي نماذج وإلا فإننا نجد أكثر من ذلك وأكثر.

    صورة من قلة الحياء عند قادة الأمة

    وهذه صورة تتعلق ببعض الساسة والزعماء والقادة الذين يتكلمون باسم الإسلام وهم ألد أعدائه، ويدافعون عنه بالألسنة ويقتلونه بالأيدي، أولئك الذين تصدروا وكانوا سبة في جبين التاريخ، وكانوا هماً وغماً وبلاء على المؤمنين في كثير من ديار الإسلام، بل في كثير من ديار العرب، وما ذلك إلا لأنهم فقدوا الحياء، فهم يتكلمون ويعلمون أنهم كاذبون، ويعلمون أن الذين يسمعونهم يعلمون أنهم كاذبون، ولكن من فقد الحياء فإنه لا يعود عنده تمييز، ولا يعود عنده فرق بين حق وباطل، ولا بين أمر لائق وغير لائق، وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا بليتم فاستتروا)، ولكن الذي يفقد الحياء يجاهر ويعارض ويفضح ويكشف نفسه أمام الناس، وهذه صورة مرت بنا كثيراً ونراها، وهي يصدق عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).

    وصنعوا ما شاءوا وخرج الناس، ووجدت في ديار الإسلام نوادي للعراة، ووجد في ديار الإسلام نداء بالكفر، ووجد في كثير من بلاد الإسلام كل ما لا يخطر على عقل وبال، كل ذلك بسبب انعدام الإيمان وذهاب الحياء.

    اللهم إنا نسألك أن تجملنا بالحياء، وأن تسترنا وأن تعظم في قلوبنا الإيمان برحمتك يا أرحم الراحمين.

    أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الآثار الوخيمة المترتبة على فقدان الحياء

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

    أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون!

    فأوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى مراقبة الله جل وعلا، وإن خلاصة الحياء هي تلك المراقبة التي تجعل الإنسان دائماً يستشعر حياءه من الله، كيف أمده بالنعمة، وكيف أمره ونهاه ثم هو يتجاوز الأمر والنهي ويجحد النعمة ويرفض الشكر.

    قلة التعظيم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم

    ولننظر إلى الآثار الوخيمة والخطيرة، والمدمرة والقاتلة في فقدان الحياء في أي مجتمع، وخاصة في مجتمع المسلمين.

    الأثر الأول: قلة التعظيم لله ولرسوله، ولأمر الله ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم:

    إن هذه الصور إنما هي إغفال وتجاهل لآيات القرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وهي دليل على ضعف الإيمان، وذهاب الوازع الديني، وعدم الارتباط بالتشريع من قريب ولا من بعيد، وهذا هو الذي يجرئ الناس على اقتراف المنكرات، وعلى التعدي ليس على الحرمات، بل على رب الأرباب سبحانه وتعالى، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى الأخيار الصالحين من العلماء العاملين، والدعاة المخلصين، وتجد سيلاً من الشتائم والاعتداء الذي ليس فيه أدب ولا حياء على كل صاحب التزام وصاحب خلق، وصاحب حياء وإيمان، وسيحصل مزيد ومزيد من هذا الاجتراء والاستهانة بدين الله عز وجل، كلما زاد هذا التيار الذي يقتل الحياء ويئد الإيمان.

    المجاهرة بالمعاصي

    الأثر الثاني: المجاهرة بالمعاصي:

    وهذه المجاهرة وخيمة الآثار، وخطيرة العواقب؛ لأنها تجرئ الذي لم يكن جريئاً، وتشجع الذي كان متردداً، وتنزع الحياء عمن كانت عنده بقية من الحياء، كثير من الناس فيه بعض الخير، وفيه خير وإيمان، لكنه يرى هذا وقد اعتدى.. وذاك وقد أسرف، ويرى أولئك وهم يفتخرون بمعاصيهم، ويجاهرون بمحادة الله ورسوله، ولا يأبهون بأوامر الله عز وجل فضلاً عن أن يأبهوا للبشر ولأذواق الناس أو اعتراضهم يمنة أو يسرة.

    فساد الذوق العام وانقلاب الموازين

    الأثر الثالث: فساد الذوق العام وانقلاب الموازين:

    وهذا يحصل بالتدرج، فإذا أذواقنا الإيمانية وحسنا الإسلامي يختل وينعدم ويرتكس وينتكس، وإذا بك في هذه الأزمان والأعصر ترى صوراً لم تعد منكرة، بل صار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، وماتت الغيرة في النفوس، وفسدت الأذواق، وصرنا في أول الأمر نقول: الوجه، ثم الشعر، ثم النحر، ثم الذراع، ثم الساق، والله أعلم ما يأتي من بعد ذلك.

    وفي كل مرة نرى أن الذي مضى أمر هين والخطر فيما يأتي، ثم إذا بالذي أتى يصبح في خبر كان، ويصبح أمراً ماضياً، وإذا به يصبح لا بأس به، وإذا بالأذواق تختلف، وإذا بموازين الشرع وقيمه تتغير وتتبدل، وهذا من أخطر الأمر وأسوئه.

    فساد الحياة كلها

    الأثر الرابع: أن هذا لا يفسد الذوق العام فحسب، بل إن انعدام الحياء يفسد الحياة كلها:

    وذكر ابن القيم أن الحياء مشتق من الحياة، وكما قال الله سبحانه وتعالى: وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [البقرة:49] أي يتركونهن فلا يقتلونهن، فالاستحياء: هو الإبقاء والترك وعدم القتل، وإذاً: فمعنى الحياء هو ترك المعاصي، فإذا هزم الحياء فسدت الحياة كلها، فإذا بك لا ترى صغيراً يوقر كبيراً، ولا ترى ابناً يبر أباً، ولا ترى ابنة تسمع أماً، ولا ترى تلميذاً يوقر أستاذه، وإذا بالحياة كلها تفشل، وإذا بالأخلاق تتبدل، وإذا بالصورة تعافها النفس، وإذا بها ظلمات في القلب، وضيق في الصدر، وأسن في النفوس، وخلل في العقول، وظلمة في الأبصار والبصائر، وكل مناحي الحياة تفسد.

    ألسنا نرى اليوم آباء يصرخون من عقوق الأبناء؟ ما وقع ذلك إلا بسبب فقد الحياء.

    ألسنا نرى اليوم معلمين يشكون من طيش التلاميذ، ومن سوء أدبهم، ومن قلة حيائهم؟

    ألسنا نرى مدير الدائرة يشكو من لامبالاة موظفه؟

    ألسنا نرى الرعية يشكون من الحاكم والحاكم يشكو من عدم مبالاة الرعية؟

    1.   

    فقدان الحياء موت للمجتمع

    إذا عدم الحياء بأرض قوم فكبر أربعاً وقل السلام

    فإنه الموت الذي دونه كل صورة من صور الحياة الظاهرة، لكنها كما قال الله سبحانه وتعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7]، إنما يعيشون في بهرج من الحياة، يأكلون.. يشربون.. يركبون السيارات.. يبنون المباني والعمارات.. يتزينون بالزينة؛ ولكنهم مجردون عن حلية الإيمان، وعن زينة الحياء، فيصبحون كأنهم أموات في صورة أحياء.

    وما قيمة مجتمع تموت فيه الفضائل، وتقتل فيه الأخلاق، وتنعدم فيه الأذواق، وحينئذٍ لا يبقى هناك مقياس أبداً، تنعدم المقاييس فلا يصبح هناك شيء يسمى عيباً، ولا يعود هناك شيء يسمى مخالفة للأدب، ولا شيء يسمى مخالفة للذوق العام.

    ولذلك نرى اليوم في الصحف والمجلات أموراً عجيبة، يختلفون في بعض الأفلام - هذه الأفلام الماجنة- هل تجيزها الرقابة أو لا تجيزها، والذي يختلفون عليه من الفظائع والكبائر، بل من أنكر المنكرات الذي لا يقرها عقل ولا دين ولا فطرة، ومع ذلك تجد النزاع والحوار على صفحات هذه المجلات بصورة مقززة تدل على انعدام الحياء، وهذه الصور -كما أشرت- تفسد كل شيء في حياة الناس، فهذا أثر هذا الإفساد العام.

    وقد أخبر الله تعالى أنه جعل الحياة في الاستجابة لأمر الله ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]، حياة القلوب، حياة الأخلاق، حياة المبادئ، حياة النظافة، حياة الطهارة، حياة التعامل الرفيع، حياة الحضارة المؤدبة! كل ذلك لا يكون إلا بالإيمان وما في هذا الإيمان من خصال؛ ولذلك عندما سرت هذه المنكرات أصبح الأب لا يستحيي أن يشاهد في منزله أفلام الفيديو مع أبنائه وبناته، ويرون فيها المشاهد الفاضحة، لا يتغير وجهه ولا يتمعر، وحدث عندنا نوع من الانحلالية والإباحية التي تسري في المجتمع سرياناً خطيراً.

    ولعل قائلاً يقول: قد بالغت وأكثرت، وقد هولت فيما صورت، ولكنني أقول:

    معظم النار من مستصغر الشرر وأول الغيث قطر ثم ينهمر

    وأكرر فأقول:

    إذا عدم الحياء بأرض قوم فكبر أربعاً وقل السلام.

    الحياء الذي ذهب من صغارنا وكبارنا، ورجالنا ونسائنا، وتلاميذنا ومعلمينا، هذه الصورة تنذر بخطر عظيم، ولذلك نكرر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الحياء خير كله)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).

    وكم رأينا من الأمور التي صنعت وفعلت عندما فقد الحياء! شيء يشيب لهوله الولدان!

    فاللهم إنا نسألك أن لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم زينا بزينة الإيمان، وحلنا بحلية الحياء، اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وخلقاً فاضلاً، وعلماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وتوبة قبل الموت ومغفرة بعد الموت برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم مكن في مجتمعاتنا لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وأقم في الأمة علم الجهاد، اللهم من سعى في مجتمعنا بالفساد فاشغله بنفسه، واجعل دائرة السوء عليه، اللهم رد كيد أعدائنا في نحورهم، اللهم إنه من بني جلدتنا من يسعون لنشر الفساد، اللهم فقنا شرورهم، واجعل كيدهم في نحورهم، وأحبط مؤامراتهم، ودمر مخططاتهم، يا سميع الدعاء!

    اللهم إنا نسألك أن تحفظ علينا إيماننا، وأن تحفظ علينا إسلامنا، وأن تحفظ علينا أخلاقنا، وأن تحفظ علينا حياءنا، اللهم إنا نسألك أن تحفظنا بالإسلام قائمين، وأن تحفظنا بالإسلام قاعدين، وأن تحفظنا بالإسلام نائمين، اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.

    اللهم اجعلنا بكتابك مستمسكين، وعلى هدي نبيك محمد صلى الله عليه وسلم سائرين، ولآثار أصحابه مقتفين، اللهم إنا نسألك التقى والهدى، والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك الطهارة الظاهرة والباطنة، اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، وأن تجنبنا الفتنة والزلل، اللهم إنا نسألك أن تجنبنا سائر الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين، اللهم عليك بالطغاة والمتجبرين، اللهم عليك بالكفرة والملحدين، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً ، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، دمر قوتهم، واستأصل شأفتهم، ونكس رايتهم، اللهم أذل أعناقهم، وسود جباههم، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود قريباً، اللهم اجعل الدائرة عليهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم يا قوي يا عزيز، يا منتقم يا جبار، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، اللهم رحمتك بالفتية اليتامى، والنسوة الثكالى، اللهم رحمتك بالأطفال الرضع، والشيوخ الركع، اللهم رحمتك بعبادك المستضعفين، اللهم رحمتك بالمشردين والمعذبين، اللهم رحمتك بالمسلمين والمضطهدين، اللهم فك أسرهم وأطلق سراحهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، جياع فأطعمهم، خائفون فأمنهم، مشردون فسكنهم.

    اللهم سكن لوعتهم، وامسح عبرتهم، وأقل عثرتهم، اللهم اجمعهم على الحق، اللهم ثبتهم على الإيمان، اللهم صبرهم على قضائك، اللهم واجعل لهم فرجاً قريباً، اللهم يا أرحم الراحمين من عدى واعتدى على عبادك المؤمنين فأرنا فيه عجائب قدرتك يا رب العالمين.

    اللهم إنا نسألك أن تنصر إخواننا المجاهدين، اللهم ثبت خطوتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا بالذكر منهم ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.