إسلام ويب

الصفحات الأخيرة من حياة الصديقللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إنه أفضل مشير، وللحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم خير وزير، لقد كانت حياته حافلة بالعطاء والسخاء، والبذل والتضحية، والحزم والشدة في ذات الله، والحب والوفاء في حق المؤمنين .. إنه أبو بكر الصديق الذي ذاعت سيرته في الآفاق، وانتشر فضله بين الأحباب والأصحاب، ولم ينكر أحد منهم من ذلك شيئاً، وكان على رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي شهد له شهادة قطعت عنق كل منافق، وكانت غصة في حلق كل مبغض وفاسق.

    1.   

    شهادة علي بن أبي طالب لأبي بكر الصديق

    الحمد لله عالم السر والنجوى، كاشف الضر والبلوى، مقدر الأقدار، ومقسم الأرزاق، ، وكاتب الآجال، أحمده سبحانه وتعالى حمداً يليق بجلاله، وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، له الحمد جل وعلا كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله رحمةً للعالمين، وبعثه إلى الناس أجمعين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون!كنت أقلب بعض صفحات التاريخ أبحث فيها عما يفيد اتعاظاً واعتباراً، فوافيت حدثاً يوافق يومنا وتاريخه، صفحة قبله طويت في تاريخ أمة الإسلام، وفتحت فيه صفحة أخرى في سجلات العظمة الإيمانية، وصفحات القيادة الإنسانية، ذلكم الحدث كان وفاة رجل عظيم من هذه الأمة، وبعده في صباح اليوم الذي يليه كان استقبال الأمة لقائد عظيم آخر.

    ولا شك أن سير عظمائنا جليلة، غير أن عبر الوفاة كثيراً ما تكون أبلغ إذ مع آخر لحظات العمر، وفي آخر أنفاس الإنسان تتجلى خواطر نفسه، وتظهر حقيقته على وضوح وبينة من غير زخرفة أو بهرجة.

    ولعلي أبدأ حَدَثنا الذي كان في الثاني والعشرين من شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة بهذه الكلمات التي قالها أيضاً عظيم من عظماء أمتنا، يشهد فيها لفقيدنا العظيم بجلائل الخصال، وعظائم الفضائل فقال: (كنتَ أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم غناءاً، وأحفظهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحدبهم على الإسلام وأحناهم على أهله، وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم خلقاً وخُلقاً، وهدياً وسمتاً)، فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيراً، وجزاك الله عن رسول الله خيراً).

    ثم قال في شأنه وصفته: (كنتَ أقرب الناس إلى رسول الله، وأحبهم إليه، وصدقته حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صديقاً وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33] يريد محمداً صلى الله عليه وسلم ويريدك، وكنت والله للإسلام حصناً، وعلى الكافرين عذاباً، لم تقلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، كنت كالجبل الذي لا تزعزعه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله.

    ثم قال في شأنه: (وكنت في نفسك متواضعاً وعظيماً عند الله، جليلاً في الأرض وكبيراً عند المؤمنين، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، والضعيف قوي عندك حتى تأخذ الحق له، اعتدل بك الدين، وقوي بك الإيمان، وظهر أمر الله، ولقد سبقت سبقاً بعيداً، وأتعبت من بعدك إتعاباًً شديداً، وفزت بالخير فوزاً مبيناً، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله عز وجل قضاءه، وسلمنا له أمره، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك).

    أحسب أنكم قد عرفتم أن فقيدنا هو الصديق أبو بكر رضي الله عنه، غير أني أحسب أن كثيرين منكم لا يعلمون أن هذه الكلمات الصادقة الناصعة هي كلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ذلكم العظيم الذي يوجد في وفاته دروس عظيمة وجليلة؛ لأنه كان أعظم رجال مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، وأجل خريجيها، وأكثر الواردين إليها، والناهلين منها، والمنتفعين بها، والممثلين لها، والذين حملوا رايتها، وثبتوا على مبدئها حتى آخر نفس من الأنفاس.

    1.   

    قصة استخلاف أبي بكر لعمر بن الخطاب وما فيها من الدروس

    صفحات التاريخ تحكي لنا اللحظات الأخيرة التي انتهت فيها صفحة أبي بكر ، وأشرقت من بعدها صفحة الفاروق عمر رضي الله عنه.

    استشارة أبي بكر في استخلاف عمر

    لما ثقل على أبي بكر المرض واستبان له حال نفسه -أي: أنه موشك على الموت- جمع الناس إليه ثم قال لهم: (إنه قد نزل بي ما ترون، ولا أظنني إلا ميت، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمّرتم في حياتي كان أجدر ألا تختلفوا من بعدي، فقاموا عنه، ثم لم يلبثوا من بعد حتى رجعوا إليه فقالوا: إنا نرى رأيك) أي: فوضنا الأمر إليك، وجعلنا الاختيار والترجيح لك، لما نعلمه عنك من صفاء نيتك، وعظمة إخلاصك وصدقك.

    فأي شيء فعل أبو بكر رضي الله عنه؟ لقد بدأ بالمشاورة رغم أنه قد مال ميله، ورأى رأيه، فطلب إليهم أن يمهلوه وقال: (أمهلوني حتى أنظر لله، ولدينه، ولعباده).

    لم يكن ينظر لنفسه ولا لحظها، ولا لأهله أو ورثته، لم يكن ينظر إلا لدين الله، ومصلحة عباد الله، ثم بدأ بالمشاورات فاستدعى إليه عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم قال له: ما تقول في عمر؟ فقال عثمان رضي الله عنه: والله لا تسألني عن شيء من أمر عمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال: وإن كان كذلك! فأوجزها ذو النورين في كلمات؛ لتدلنا على عظمة أولئك الرجال، وصدقهم وإخلاصهم، وتجردهم من حظوظ أنفسهم، وترفعهم عن ميلهم إلى هواهم أو نظرهم إلى دنياهم، أوجزها كلمات خالدة فقال: (هو أفضل من رأيك فيه) وما أبلغ هذه الكلمات!

    ثم استدعى أبو بكر رضي الله عنه عبد الرحمن بن عوف وسأله ذلك السؤال، فقال: إنك أعلم به، فطلب منه الإفادة، فقال: (علمي أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا خيرٌ منه).

    تلك الكلمات الصادقة أعقبها أبو بكر باستشارة سيدٍ من سادات الأنصار أسيد بن الحضير رضي الله عنه فقال: (الله أعلم بالخيرة بعدك، فإنه يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خيراً من الذي يعلن، ولن يلي هذه الأمة أحدٌ أقوى منه).

    فكانت هذه الشهادات الصادقة المخلصة المترفعة قد عقدت عزم أبي بكر على المضي لما رآه من الاختيار لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فرغم ثقل مرضه وشدته، لم يكن له هم إلا في حال الأمة وحسن الاختيار لها.

    خطبة أبي بكر وعهده بالأمر إلى عمر

    ثم احتمل على نفسه رضي الله عنه، وطلب في شيء من خفة المرض عليه أن يحمل على المنبر؛ ليخطب الناس ويكلمهم، ويعهد إليهم ويوصيهم، فقام متثاقلاً مريضاً، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه في آخر خطبة له سمعت منه، فقال فيما قال رضي الله عنه وأرضاه:

    أما بعد:

    أيها الناس! احذروا الدنيا، ولا تثقوا بها، فإنها غدارة، وآثروا الآخرة على الدنيا وأحبوها، فحب كل واحدةٍ منهما تبغض الأخرى، وإن هذا الأمر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله، ولا يصلح له إلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه، وأشدكم في حال الشدة، وأسلسكم في حال اللين، وأعلمكم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن لما ينزل به، ولا يستحيي من التعلم، ولا يتحير عند البديهة، قوي على الأمور، لا يخور لشيء منها ضده بعدوان ولا تقصير، يرصد لما هو آتٍ عتاده من الحذر والعلم.

    أوجز الصديق تلك الخصال التي لابد منها في الرجال ليتسلموا مقاليد الأمور، ويحملوا هم الأمة، ويقوموا بأعباء الدين، ويحرصوا على سياسة الدنيا، إنهم الرجال الذين وصفهم الصديق أبو بكر رضي الله عنه بهذه الأوصاف، ثم أوجزها بأن قال: (إنها ممثلة في الفاروق عمر رضي الله عنه).

    ثم كتب كتابه ووصيته لئلا يختلف المسلمون من بعد قوله، سجله كتابة بخط عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، يملي عليه وهو في مرض موته: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وأول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم إلا خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت، ولا أعلم الغيب، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227]).

    دروس من قصة استخلاف أبي بكر لعمر

    هذه صفحتنا الأولى في عهد الصديق للفاروق رضي الله عنهما، ووقفاتنا فيها كثيرة.

    أولها: أن القادة العظام أول ما يشغل بالهم، وأعظم ما يقلق راحتهم هو مصلحة أمتهم، ورعاية شئون رعيتهم، لم يكن أبو بكر في مرض موته يفكر في أبنائه، ولا في أسرته، ولا في أمواله، ولا في ثروته، كان همه هذه الأمة.

    الأمر الثاني: الصدق التام، والإخلاص الكامل، والتجرد المطلق الذي يكون القصد الأعظم فيه رضوان الله، والهدف الأسمى فيه رعاية مصلحة عباد الله، ذلك أن أبا بكر جمع فكره، وأمضى استشاراته، لا يريد بذلك إلا وجه الله وخير أمة الإسلام.

    الأمر الثالث: الخبرة بالرجال، ومعرفة أقدارهم، لا بأحسابهم ولا بأنسابهم، لا بأموالهم ولا بثرواتهم، لا بحظوظهم الدنيوية، ولا بسمعتهم بين الناس إلا بما فيه تقوى الله، والقوة في الأخذ بدين الله، والتحمل للمسئولية، والأداء للأمانة، عجم الصديق الصحابة، نظر فيهم وهم أخيار أبرار، وأقمار مضيئة، ونجوم مشعة، فانتقى وانتخب وتخير وتدبر، فجاء بهذا الاختيار العظيم الذي بينه في خطبته لرجل شديد في وقت الشدة، لين في وقت اللين، عادل منصف حريص على أن يضع الأمور في مواضعها، وذلك أمر مهم، وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن من علامات آخر الزمان تضييع الأمانة، وعندما سئل عن معناها قال: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).

    ولقد كان الفاروق من بعد أبي بكر الرجل المميز في معرفة الرجال، وانتقائهم على أساس إيمانهم وإخلاصهم، وتقواهم وخوفهم من ربهم، وعلى أساس قوتهم وأهليتهم، وكفاءتهم في القيام بمهامهم.

    ومن بعد ذلك أيضاً درس رابع في المشورة مع وضوح القضية، فكيف إذا كان الأمر ملتبساً.

    فهذا الصديق كان قد مال إلى اختيار عمر ، ومع ذلك يستشير هذا وهذا وذاك، ويستطيب نفوس الناس، ويستخرج ما في عقولهم، ثم يعلن، ثم يكتب حتى يحكم الأمر من جميع جوانبه؛ رعايةً لمصلحة الأمة، وسداً لباب الفتنة، ومنعاً لأسباب الاختلاف، وقد كان فعله رضي الله عنه وأرضاه هو الفعل الذي عصم الله به الأمة، وزاد من قوتها وانطلاقتها، بعد أن أخمد حرب الردة، وبعد أن أمضى الجيوش إلى بلاد فارس والروم، استطاع عمر في لحظات من بعد وفاة الصديق رضي الله عنه أن يمضي الأمور دون نزاع، ولا خلاف ولا توقف.

    ومن بعد ذلك أمر خامس: وهو الصدق في أداء الأمانة والمشورة، كما فعل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكما قالوها في هذه الكلمات المشرقة المنيرة، ولا يستشار إلا المؤتمن، ولا يؤخذ الرأي إلا من الصادق المخلص، وتلك ومضات كثيرة من صفحةٍ واحدة.

    1.   

    أبو بكر يرد ما أخذه من بيت مال المسلمين مدة خلافته

    أنتقل إلى صفحةٍ أخرى، في وفاة الصديق رضي الله عنه، فقد تقدم أنه عُني بشأن الأمة، فأي شيء كان شأنه رضي الله عنه في حال نفسه وأهله؟!

    دخلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على أبيها في شدة مرضه، وهي ترى ثقل المرض عليه وشدته به، فتمثلت بقول الشاعر:

    لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

    تقول: إنه إذا نزل الأمر فلا صارف له، فماذا قال الصديق في مرضه؟ كيف علق المؤمن العظيم على هذه الكلمات؟ وتأملوا ما يقول الصديق لابنته: (ليس كذلك يا أم المؤمنين، وإنما هو كما قال الله جل وعلا: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]) ذلك المعنى أبلغ وأقوى، وأصدق وأجرى على لسان الصديق رضي الله عنه.

    ثم قال لها: (يا عائشة ! والله ليس أحد من أهلي أحب إلي منك، وكنت قد منحتك حائطاً وإن في نفسي شيئاً منه، فرديه على الميراث، قالت: نعم، فردته).

    ثم قال رضي الله عنه وأرضاه: (أما إنا لمنذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا أنا مت فاقصدي بها إلى عمر بن الخطاب وأبرأ منهن).

    هذه الأموال التي بقيت لـأبي بكر مما كان يصرف له من بيت مال المسلمين أجراً له على تفرغه لأحوال الأمة، فبقي من هذا المال عنده بصفته أميراً للمؤمنين عبد، وبعير، وجرد قطيفة لمسمى الوظيفة، فردها لـعمر رضي الله عنه.

    فلما جاءت بها عائشة بكى عمر رضي الله عنه، وقال: لقد أتعبت من بعدك يا أبا بكر ، ثم أخذها لبيت المال، فقال له عبد الرحمن بن عوف: (أتسلب عبداً حبشياً، وبعيراً ناضحاً، وجرد قطيفة لا تساوي خمسة آلاف درهم آل أبي بكر؟ قال: فما القول عندك؟ قال تردها عليهم، قال: والله لا يكون ذلك في ولايتي، ولا يبرأ منها أبو بكر قبل موته، وأردها عليه بعد موته)!

    وفي رواية أخرى أيضاً أن أبا بكر رضي الله عنه قال: (إن عمر رضي الله عنه لم يزل بي حتى أخذت من مال المسلمين) يعني بذلك أول ولايته، وذلك عندما أراد أبو بكر أن يمضي لعمله ليأكل قوت يومه، فقال له عمر: إلى أين؟ قال: إلى عملي، قال: وأمر المسلمين، ارجع ونكفيك من مال المسلمين بأن تأخذ قوت يومك وطعام أهلك، فيقول: (فإن عمر لم يزل بي حتى أخذت من مال المسلمين، وإنها ستة آلاف درهم -أي: في مدة خلافته- وإن بستاني وحائطي في مكان كذا يفي بها -يعني: يسدد قيمتها- فردوها على المسلمين، فلما جاءت لـعمر رضي الله عنه، بكى مرة أخرى وقال: أما هذه فأنا ولي أمر المسلمين، وأردها على عيال أبي بكر، فهي حق لهم)!

    1.   

    أبو بكر يودع الدنيا

    صحفة أخرى تبين لنا كيف يودع المرء دنياه، وكيف يستقبل أخراه، وكيف يجتهد على أن يخرج كفافاً من الدنيا، لا يحمل ما قد يكون فيه حساب أو عليه عقاب، بل يبرأ مما هو أقل من ذلك، ليكون أصدق في تبرئه من كل شبهة، أو من كل مال وعرض من الدنيا قد يكون بغير حق.

    ثم نرى كذلك ما سأل عنه أبو بكر رضي الله عنه في ذلك اليوم الذي قضى فيه نحبه: (أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الإثنين، قال: هو اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: كيف كفنتموه؟ ثم أوصى بكفنه في أثوابه، قالوا: إن عندك جديداً من الثياب! فقال: الحي أولى بالجديد).

    وقضى نحبه في يوم الإثنين، الثاني والعشرين من شهر جمادى الآخرة، عام ثلاث عشرة للهجرة وهو يعطي الدرس والعبرة في رجل عظيم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، نسأل الله عز وجل أن يجعله في عليين، وأن يلحقنا به مع المخلصين الصادقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أهمية النظر في سير السلف الصالح

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن.

    وإن من منابع التقوى النظر في سير أولئك الأصحاب المؤمنين الصادقين المخلصين، فإنها تزيد الإيمان، وتعرف بحقيقة الدنيا، وتربط بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتبين كيف يكون نظر المؤمن إلى ما بعد هذه الحياة الدنيا، فإن بعضاً من الصحابة عندما أراد الصديق أن يمضي الأمر لـعمر خافوا من شدته، أن يكون حازماً بما لا يتفق مع سياسة الأمة ضعيفها وقويها، وما قد يتغير من أحوالها، فقال بعضهم لـأبي بكر رضي الله عنهم: (ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر فينا مع غلظته؟!) وهو لون من الحديث واللغة من منطلق الإيمان، لم يقولوا له شيئاً يعترضون به على ترجيح عقله أو على نظره أو غير ذلك، قالوا: (ما أنت قائل لربك) أي: هل ترى في ذلك إبراءً لذمتك؟ هل ترى فيه أنك غير مقصر تقصيراً ينالك به شيء من حساب ربك أو عقابه؟

    فكان أبو بكر إذ ذاك مضطجعاً في مرضه فقال: (أجلسوني! فأجلسوه فقال: أبالله تخوفونني؟! ثم قال: خاب من تزود من أمركم بظلم، خاب من تزود من أمركم بظلم، لم أكن لأجعل آخر عهدي في أمركم ظلماً، ثم قال: أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك، اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك، ثم قال للحاضر: أبلغ من وراءك بما قلت) أي: أنه يعمل العمل وهو يوقن أنه إذا سئل عنه سيجيب بنفس الحال الذي هو عليه، يفكر في ذلك ويعد الجواب للسؤال.

    وهذه ومضات قليلة، من صفحات يسيرة، في آخر يوم من أيام الصديق أبي بكر رضي الله عنه، كيف إذا انتقلنا إلى الصديق وهو ينافح عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ويدفع عنه كفار قريش ويقول: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28] فيضربونه، ويحرفون النعال في وجهه حتى يسقط مغشياً عليه، لا يعرف أنفه من وجهه من شدة الورم!

    كيف بنا إذا كنا مع الصديق والرسول يستأنيه ويستأخره في الهجرة حتى قال له: (الصحبة يا رسول الله؟ قال: نعم يا أبا بكر)؟!

    كيف بنا والصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، والمصطفى يقول: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)!

    كيف بنا والصديق تتنزل الآيات في شأنه وشأن أهله وابنته!

    كيف بنا والصديق يقول عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الأحاديث العظيمة الجليلة في مناقبه، ومن أعظمها: (ما لأحد علينا خلة، إلا ما كان من أبي بكر فإن له يداً لا تنسى) أو كما قال صلى الله عليه وسلم!

    لم لا نفتح هذه الصفحات؟ لم لا نقرأ هذه السير؟ لم لا نعيش مع أولئك القوم؟، لا لنرجع إلى التاريخ لا نتغنى به، ولكن لننتفع منه ونغير به واقعنا.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يعظم الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يوفقنا لطاعته ومرضاته، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اجعلنا هداة مهديين، واهدنا واهد بنا، واجعلنا من عبادك الصالحين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا اللهم من ورثة جنتك يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، في الدين والدنيا والآخرة، أحسن اللهم ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا، وأن تبصرنا بعيوبنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.

    اللهم ول علينا خيارنا، ولا تول علينا شرارنا، اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، احفظ اللهم أمنها وأمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها وسعة رزقها يا رب العالمين.

    اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد الإسلام بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، يا قوي يا عزيز يا متين!

    اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! امسح اللهم عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناًً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم ووفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحةً تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابةً لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.