إسلام ويب

الحج إيمان وإسلام وإحسانللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج شعيرة عظيمة من شعائر الله عز وجل، وفي الحج تتجلى مراتب الدين كلها في أبهى صورها وأحسنها، ففيه تتجلى مظاهر الإسلام والإيمان، وتظهر فيه حقيقة الإحسان التي هي أعلى مرتبة في الدين.

    1.   

    عظمة الحج

    الحمد لله الذي جعل الإيمان أماناً وأمناً، وجعل البيت مثابةً للناس وأمناً، وجعل حجه فريضة، وتعظيمه شعيره، والصلاة فيه فضيلة، له الحمد سبحانه وتعالى على ما أفاض من الخيرات، وما ضاعف من الحسنات وما محا من السيئات، وعلى ما جعله لنا من أيام دهرنا من النفحات، وله الحمد سبحانه وتعالى ملء الأرض والسموات، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا جميعاً لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.

    وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن الحج إيمان وإسلام وإحسان، ونحن إذ نقترب من تلك الأيام المباركة والفضيلة الجليلة نذكر أنفسنا بجماع هذه الأمور العظيمة، وجماعها الدين كله، كما ورد بذلك حديث جبريل المشهور الذي سأل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان، فأجابه ثم قال: (ذلك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).

    موسم الحج موسم عظيم لتقوية الإيمان وزيادته، وموسم عظيم لتحقيق الإسلام واستسلامه، ومدرسة كبرى لتعلم الإحسان في معاملة الله عز وجل واستشعار مراقبته، وأي أمر أعظم عند المسلم من أن يقوى ويزيد إيمانه، وأن يتحقق إسلامه واستسلامه، وأن يكون في رتبة الإحسان في تعامله مع ربه سبحانه وتعالى؟ وكل ذلك يجده المسلم في هذه الفريضة العظيمة والشعيرة الجليلة.

    إن الحج إيمان؛ لأن هذا الإيمان بما اشتمل عليه من تصديق القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح يتجلي بوضوح في هذه الفريضة، بل وكل معاني الإيمان العظيمة من محبة الله، وخوفه، ورجائه، والتضرع إليه، والخضوع له، والاستكانة إليه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وغير ذلك من أعمال القلوب ومشاعر النفوس تتجلى في هذه الفريضة بدءاً من الانطلاق والتوجه إليها، بل بدءاً من معناها، فالحج في لغة العرب هو القصد، والحج في اصطلاح العلماء من أهل اللغة القصد إلى من يعظم. وهو في مصطلح الشرع: قصد مكة والمناسك في زمن مخصوص لأداء مناسك مخصوصة.

    فعندما ينوي الحاج حجه ويهيئ أمره تنبعث في نفسه وقلبه المشاعر، فقلبه معلق بالله، وغايته مرتبطة برضاه، ومشاعره متوجهة إلى بيته الحرام وإلى حماه سبحانه وتعالى، وذلك مبعث إيمان في قضية التوحيد والإخلاص لله عز وجل، قال عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، إنها كلمات موجزة من كلام الحق جل وعلا، فهذه شطر آية تشتمل على المعاني العظيمة إيماناً وإسلاماً وإحساناً، فقوله سبحانه: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ [البقرة:196] أي أنه ليس مجرد أداء، بل هو إتمام وإتقان وإتيان بأركان وواجبات وسنن، مع حضور القلب وتحرك المشاعر وبذل المال وجهد البدن وانتقال من حال إلى حال، كل ذلك ضرب أو لون أو صورة مجتمعة تؤدي معنىً من معاني الإتمام والإتقان المأمور به في قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، فإن اللام لام اختصاص، وهي تدل على أنه ليس من قصد، ولا من نية، ولا من توجه إلى الله سبحانه وتعالى إلا ابتغاء رضاه جل وعلا؛ إذ ليس هناك شيء في القلب ولا شعور في النفس يتوجه لغير الله، بل هو محض توحيد كامل، ونبع إخلاص صافً لا يشوبه شائبة رياء ولا توجه أو تعلق بغير الله سبحانه وتعالى.

    وفي الآية الأمر بالإخلاص في النسك، وإتقانه لله بكل شيء، بالمال لله، والجهد لله، والانتقال والتعب لله، والنية والقصد لله، والشعور والعاطفة لله، والدعاء والخضوع لله، والحركة والسكون لله، والدمعة والعبرة لله، كل ذلك لله.

    وفي قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] معنىً إيماني عظيم ينبغي أن يستشعره الحاج وغير الحاج؛ لأن المسلمين جميعاً في هذا الموسم يشاركون -وإن لم يحجوا- في الفضائل التي في العشر الأوائل، وما فيها من ذكر وتذكير ببعض أعمال الحجاج، وما في الموسم كله من هذه المعاني، وتأمل فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما ورد عنه من حديث أنس رضي الله عنه قال: (حج النبي صلى الله علي وسلم على رحل رث، وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي، ثم قال عند إهلاله: اللهم! حجةً لا رياء فيها ولا سمعة)، رواه الطبراني وسنده صحيح.

    ليست المظاهر ولا الأشكال، وليست الإمكانيات ولا الأموال هي الميزان، فقد حج سيد الخلق صلى الله عليه وسلم على رحل رث وقطيفة قد تساوي أربعة دارهم أو لا تساوي، ثم بين أن المقصد الأعظم هو تجريد القصد لله، وتحرير الإخلاص لله، فقال: (اللهم! حجةً لا رياء فيها ولا سمعة).

    1.   

    تحقق التوحيد في أعمال الحج

    يذكرنا بتحقيق هذا التوحيد كل عمل من أعمال الحج، فأنت في الحج تقصد بيت الله الواحد، وتطوف حول كعبته المعظمة التي تتوجه إليها، فأنت في الحج لا تدعو ولا تتضرع ولا تتوسل إلا لله الواحد، وأنت لا تنطق بلسانك إلا التوحيد، بل تصدع به وتجعله يتردد في أجواء الفضاء: لبيك اللهم لبيك، (لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)، فتأمل هذه التلبية وهي تؤكد نفي كل شريك. وتؤكد التعلق التام بالله عز وجل توحيداً وإخلاصاً وقصداً وتجرداً، وذلك أمر تتواطأ فيه مشاعر القلب مع كلمات اللسان مع حركات الجوارح في جموع الطائفين والساعين بين الصفا والمروة، والواقفين على صعيد عرفات، والمفيضين إلى مزدلفة، والمقيمين بمنىً، والناحرين والذابحين لهديهم، إذ كل حركاتهم تدل على هذا التوحيد، وتشير إلى هذا الإخلاص، وتحيي في القلب المعاني الإيمانية العظيمة، أليس من أعظم معاني الإيمان محبة الله؟ ألست قصدت بيته وتركت بيتك؟ أليس التوجه إليه وتخليص الدنيا وراءك فيه إعلان أن أمره وقصده أحب إلى نفسك وأعظم في قلبك من كل شيء آخر؟ أليس هذا تحقيقاً للمحبة بمعنىً قلبي يعضده سلوك عملي وتحرك جماعي وظهور لهذا على مستوى الأمة كلها؟ أليس من أعظم المعاني الإيمانية الخضوع والخشوع والتذلل والاستكانة؟ فهل يرى أحد أن مثل هذا يمكن أن يتحقق بأكثر من تحققه في يوم عرفة، يوم يقف الناس بلا رسوم ولا أشكال، بلا مظاهر وبلا مفاخر، يقفون حاسري الرءوس، رافعي الأيدي، ساكبي العبرات، مطأطي الأعناق خضوعاً لله عز وجل وطلباً لرضاه.

    1.   

    مظاهر الإيمان في الحج

    إن أعظم مشاعر الإيمان في التذلل والاستعانة والاستغاثة بالله عز وجل تحيا وتقوى وتعظم وتظهر وتتجلى في القلب في مواقف الحج العظيمة كلها، والتوحيد والإخلاص يتكرر، فعندما ترقى الصفا أو ترقى المروة يأتيك حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يكبر متوجهاً نحو البيت ويقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) يجلي هذا المعنى، ويرفع به صوته، ويكرره في ذكره.

    وجاء من حديث عائشة رضي الله عنها في يوم عرفات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير ما قلت أنا والنبيين من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير).

    وورد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه جده قال: (كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة: لا إله إلا الله)، إنه التوحيد والإخلاص والإيمان قولاً وحالاً وعملاً، ومظهراً فردياًً، وصورة جماعية على مستوى الأمة، وذلك ما نراه ونشهده ونتذكره ونعتبر به من هذه الفريضة.

    ومن دلائل الإيمان تعظيم الله عز وجل، وتعظيم قدره، وتعظيم ما له سبحانه وتعالى من الأسماء الحسنى والصفات العلى.

    ومن أعظم صور التعظيم الإيماني ما في هذه الفريضة العظيمة، ألست ترى التعظيم في هذا القصد والتوجه؟ فأنت تتوجه إلى مكان، ثم إذا بك محرماً لا تأتي محظورات الإحرام -وإن كانت مباحة قبل إحرامك- تعظيماً لهذه الفريضة، وتعظيماً لله جل وعلا، ثم أنت على صورة من مراعاة الأدب ومراعاة الحرمة في بيت الله عز وجل وفي الأماكن المقدسة، إنه تعظيم وأي تعظيم! حيث تعظم به الله عز وجل الذي أمرك بهذا التعظيم، كما في قوله سبحانه: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، وقوله سبحانه: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30]، ذلك التعظيم الذي نعظم فيه الله عز وجل في هذه الفريضة هو من أجلى وأعظم مواقف الإيمان، فأنت تعظمه وتستشعر عظمته حين ترى الخلائق والحجاج مجتمعين على صعيد عرفات كلهم بألسنة مختلفة، وبمطالب متعددة، يسألون الله عز وجل، فتستحضر الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه عن الرسول عليه الصلاة والسلام عن رب العزة والجلال، وفيه: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على صعيد واحد فسألني كل وحد مسألته فأعطيته إياها ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في اليم)، فأعظم بكرم الله عز وجل وجوده! وأعظم بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى!

    إنها عظمة متناهية تحيا في القلب وأنت تعيش في تلك الأماكن المقدسة، وفي تلك البقاع المطهرة، وفي تلك المناسك المعظمة التي أمر الله سبحانه وتعالى بتعظيمها، كما في قوله سبحانه: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25].

    إن الذي ينقض الحرمة معرض لعذاب الله عز وجل؛ لأنه يفسد حقيقةً إيمانية من مقاصد هذه العبادة العظيمة، وهي تعظيم الله عز وجل بتعظيم ما أمر بتعظيمه.

    1.   

    تعظيم الله عز وجل بتعظيم حرماته ومقدساته

    إن من تعظيم الله عز وجل مراعاة ما حرم الله عز وجل في هذه البلاد المحرمة في بيت الله الحرام من تنفير الصيد، وقطع الشجر، فلا يجوز أن يفسد في الأرض، أو يفسد في حرم الله، أو يفسد في البلاد التي فيها حرم الله عز وجل، أو ينقض أمن الحجاج، أو يثير رعبهم، أو يعتدي على أرواحهم أو أموالهم، أو يجعل شيئاً من ذلك في هذه الفريضة بصورة أو بأخرى، فمن فعل هذا أو شيئاً منه فإنه متعرض لهذا التهديد والوعيد الرباني في قوله سبحانه: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25].

    فالحفاظ على حرمة البيت والحرمين والحفاظ على بلاد الحرمين وحرمتها تعظيم لله عز وجل، وتعظيم لحرمات الله سبحانه وتعالى، وإشاعة للأمن الذي جعله الله عز وجل مزيةً للحرمين الشريفين، ومزيةً للبلاد المقدسة المحرمة، ومزية للشعائر والفرائض التي جعلها فيها، كما قال جل وعلا: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125]، حتى كان أهل الجاهلية يرى أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يعرض له بسوء تعظيماً لحرمة الزمان والمكان التي أكدها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع عندما سأل عن الزمان والمكان والوقت، ثم قال: (ألا إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)، إنها حرمة معظمة، يجب أن نعظمها لله عز وجل، وفاعل هذا محقق لمعنىً من معاني الإيمان.

    قال ابن القيم رحمه الله: لم يقدُر الله جل وعلا حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق عنده أولى من طاعة الله، فلله الفضلة من قلبه وعلمه وقوله وعمله وماله، وسواه مقدم عنده؛ لأنه المهم عنده.

    إن تعظيم الله عز وجل بتعظيم حرمة بيته، وتعظيم شعائره، وتعظيم المشاعر التي قدسها وأمر بتقديسها عز وجل وأمر أن نطهرها ونعظمها، ولذلك فمن كلام الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (يا أهل مكة! انظروا إلى بلدكم، ثم قال لهم: أتدرون من كان ساكناً في بلدكم هذه؟ ثم قال: كان فيها بنو فلان فأحلوا حرمتها فأُهلكوا، ثم كان فيها بنو فلان فأحلوا حرمتها فأُهلكوا. ثم عدد بطوناً من الناس، ثم قال: لأن أعمل بعشر خطايا في غيره أحب إلي من أعمل واحدة في مكة).

    وذلك من تعظيم حرمات الله، ومن استشعار وتحقيق معاني الإيمان، والأمر في ذلك ظاهر بين.

    1.   

    وجوب البراءة من الشرك والكفر والجاهلية

    ومن تحقيق الإيمان البراءة من الشرك قولاً وعملاً، وهذا القول والعمل جسده لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بعث أبا بكر والناس إلى الحج في العام التاسع ليبطلوا قبل حجة المصطفى صلى الله عليه وسلم كل مظاهر الكفر والشرك والجاهلية، وأمر أن ينادى في هذه الحجة: (لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان)، وكان صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة قبل ذلك بعام قد حطم الأصنام، وأزال رسومها، وأبطل كل صورها، وأنهى كل معالم الشرك والكفر، ثم جاء عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع وقد زالت كل تلك المعالم، وأكد بعد ذلك أن مقتضى التوحيد البراءة من الشرك والكفر والجاهلية، كما بين ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن دماء الجاهلية موضوعة تحت قدميْ، ألا وإن أول دم أضعه دمنا، دم ربيعة بن الحارث. ثم قال: ألا وإن كل ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي، وأول رباً أضعه ربا العباس بن عبد المطلب ، ألا وإن أمر الجاهلية موضوع)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من خطبة حجة الوداع، إنه إبطال لكل صورة من صور الشرك والتعلق بغير الله، أو التعظيم لغير الله، أو المحبة لغير الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تجلي حقائق الإيمان في مشاعر الحج

    وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم في حجته إلى الناس يوم عرفة من يقول لهم: (كونوا على مشاعركم؛ فإنكم على إرث من إرث إبراهيم)، وقد كان أهل قريش في الجاهلية يقفون بعرفة وحدهم في غير موقف الناس، ويفيضون في غير مفاض الناس، فأراد أن يبطل ذلك، وأبطله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنزلت به الآيات القرآنية، كما قال تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199]، ليعلن النبي صلى الله عليه وسلم حقائق الإيمان ومسلمات التوحيد فضلاً عن ذلك الفعل بالقول وبالمشاعر التي أشرنا إليها، والتضرع والمناجاة والخشوع والسكينة والتذلل من أجل صفات الإيمان، وهي منظورة ظاهرة في هذه الفريضة، بدءاً من الإهلال بالحج والتلبية بها، ومروراً بالدعاء الضارع الخاشع طوافاً وسعياً، وفي موقف عرفات، وفي ما كان عند الإفاضة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام دعا يوم عرفات حتى غربت الشمس، ودعا بعد فجر مزدلفة حتى أسفر النهار، ودعا بعد رمي الجمرة الأولى والثانية، وكان يدعو بقدر سورة البقرة، فكان يلازم الذكر والدعاء والتضرع ومعاني الخشية والخوف والرجاء والأمل في الله عز وجل، وهذه هي المعاني الإيمانية العظيمة التي تجدها متبسطةً متجليةً متزايدةً في هذه الفريضة، وفي هذه المواقف العظيمة.

    فلله ما أعظم هذه الفريضة التي تحيي الإيمان وتقويه! وتأمل هذا المشهد الوصفي في جزء من حديث جابر الطويل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، قال جابر رضي الله عنه في وصف طواف النبي عليه الصلاة والسلام عند وصوله إلى مكة: (فبدأ بالحجر الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه من البكاء) صلى الله عليه وسلم، إنها مشاعر الإيمان المتدفقة، إنه ليس عمل بدن وزحام وإرادة انتهاء من الفريضة أو من العمل والنسك، بل هو حضور القلوب، وإحياء معاني الإيمان، حتى إنه عليه الصلاة والسلام عند استلام الحجر فاضت عيناه، فكيف به وهو يطوف، وهو يدعو، وهو يقف في عرفات، وهو يمر عليه الصلاة والسلام بتلك الأماكن والعرصات؟!

    1.   

    تجلي حقيقة الإسلام في مناسك الحج

    إن في الحج موسماً عظيماً للتقوى، كما قال عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:197]، فالحج هو نبع الإيمان، وهو كذلك صورة الإسلام الحقيقية فالإسلام هو الاستسلام لله، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، بأن تخرج من هواك، وأن تخرج من راحتك، وأن تخرج من أمنياتك وشهواتك ورغباتك إلى أمر الله عز وجل وطاعته، وإلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).

    إن الإسلام استسلام لأمر الله، وإن كان فيه مشقة على البدن، أو فيه ثقل على النفس، أو فيه مغايرة ومخالفة لما في القلب من طبع، وكل ذلك يتجلى في حقيقة هذه الفريضة في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام في الموقفين العظيمين الجليلين: يوم جاء بزوجه وابنه الرضيع إلى الصحراء القاحلة الجرداء التي لا ظل فيها ولا ماء، ولا إنس ولا بشر، وتركهم وقفل عائداً، فكيف طاوعته نفسه؟ وكيف لم يخالفه قلبه؟ وكيف لم تدركه رحمته؟ وكيف لم تنازعه شفقته؟ إنه كان بشراً، وكان كذلك يحمل صفات البشر، لكن أمراً كان أعظم من ذلك كله في نفسه هو أمر الله، إنه استسلام ومضي مع هذا الأمر وإن خالف كل شيء في الحياة، فمضى عليه السلام، فاستوقفته زوجه قائلةً -وهي المؤمنة المسلمة-: آلله أمرك بذلك؟ فيهز رأسه دون أن يلتفت أن: نعم. فقالت: إذن لن يضيعنا. فمضى تاركاً أهله، إلا من قليل ماء وتمر، وتبقى المرأة ومعها رضيع، ليس لها حول ولا طول، لكن الإيمان العظيم، والإسلام التام، والاستسلام المحض جعل تلك القلوب تفيء إلى أمر الله، وتطيع أمر الله، ولا تلتفت إلى شيء سواه، فسعت بين الصفا والمروة، تبحث وتؤدي الواجب، وتأخذ بالأسباب، ويأتي الجواب في مكان آخر، وتأتي النعمة والفضيلة والفرج في مكان آخر، كانت تطوف بين الصفا والمروة وتفجرت زمزم من جهة أخرى، ثم بعد ذلك صار الناس والأفواج يأتون، وبهذا تحقق نداء الله تعالى لإبراهيم حين قال: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج:27]، وتحقق دعاء الخليل عليه السلام: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37]، كل ذلك تحقق لما كان الاستسلام لأمر الله.

    ولما بلغ إسماعيل السعي رأى الخليل أنه يذبحه، كما قال عز وجل حاكياً عنه: قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:102]، ولم يقل: أضربك. ولا: أهجرك. بل أذبحك فجاء الاستسلام والإسلام: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]، ومضى المؤمنان المسلمان لأمر الله: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:103-107]، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107]، كل هذه المعاني ينبغي أن تتجلى في هذه الفريضة.

    ونحن نقف في عرفات في اليوم التاسع لأن الله أمر، ونرجم الحصيات سبعاً وليست عشراً أو دون ذلك لأن الله أمر، ونبقى هذه الأيام على وجه الخصوص، ولا نخرج من عرفات إلا بعد الغروب لأن الله أمر، ولا نذهب إليها إلا في ذلك اليوم لأن الله أمر، وكل ذلك نقول: إننا فيه مستسلمون لأمر الله. إنه تدريب عملي على حقيقة الاستسلام وبذل كل شيء لتحقيق هذه العبودية، فالمال يُبذل، والأهل والأولاد يسخرون إن جيء بهم، أو يقطعون ويهجرون إن تركوا خلفه، وكل شيء لا يحول ولا يمنع من أن يمضي المسلم لتحقيق إسلامه واستسلامه ومضيه لأمر الله، وأمر آخر في ذلك، وهو المتابعة والموافقة الدقيقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: (خذوا عني مناسككم)، فالأقدام تلو الأقدام، والحركات خلف الحركات، والأوقات مراعية للأوقات، والصورة هي الصورة، حيث يحج الناس اليوم كما حج محمد صلى الله عليه وسلم من قبل أربعة عشر قرناً، دون اختلاف في شيء من الأمور مطلقاً، فأمة إسلام تسير وفق أمر الله، وتتابع هدي رسول الله، فما بالها في غير هذا الأمر من شئون الحياة، وفي غير هذه البقاع من بلد الله تخالف أمر الله، وتهجر أمر الله، وتتبع الأهواء، وتقدم الآراء، بل قد توافق الأعداء، وتسير على إثرهم مخلفةً وراءها حقيقة إسلامها في استسلامها لأمر الله واتباعها لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    1.   

    حقيقة الإحسان في الحج

    في الحج يوجد الإحسان، وهو مراقبة الله، فلا يكاد المرء يجد صورة يتحقق فيها المسلم المؤمن باستشعار مراقبة الله والحياء منه كما يكون في هذه الفريضة.

    فما أجلى وما أظهر هذه المعاني المهمة التي هي قوام الدين! إنه إيمان وإسلام وإحسان في هذه الفريضة لمن حجها ولمن أداها، ولمن تدبر فيها وفي معانيها.

    نسأل الله عز وجل أن يعظم إيماننا، وأن يحقق إسلامنا، وأن يرفعنا إلى درجة الإحسان، وأن يجعلنا نعبده كأننا نراه، فإن لم نكن نراه فإنه يرانا.

    اللهم! ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم! خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب.

    اللهم! ألهمنا ذكرك، وأعنا على شكرك، ووفقنا لطاعتك، واستخدمنا في نصرة دينك، واجعلنا -اللهم- ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين.

    اللهم! اجعل طاعتك أقوى عندنا وأعظم من أهوائنا، ومن شهواتنا، ومما نحتاج إليه في دنيانا.

    نسألك -اللهم- أن تعظم أمرك ونهيك في قلوبنا، ونسألك -اللهم- أن تجعلنا لهدي نبيك صلى الله عليه وسلم متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين.

    اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.

    اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم! إنهم قد طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا وأذلوا عبادك المؤمنين وانتهكوا حرمات المسلمين، اللهم! فأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، أحصهم -اللهم- عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وزلزل -اللهم- الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين!

    اللهم! لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم! رد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم! اشف فيهم صدور قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.

    اللهم! أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين في أرض العراق وفي فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين.

    اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.

    اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين، وثبت -اللهم- أقدامهم، ووحد رايتهم، وقو شوكتهم، وسدد رميتهم، ووحد كلمتهم، وأخلص نيتهم، وانصرهم -اللهم- على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.

    اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم! احفظ على بلاد الحرمين أمنها وأمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها ورغد عيشها يا رب العالمين.

    اللهم! لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا، اللهم! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

    اللهم! يسر للحجاج حجهم، اللهم! بلغهم مقاصدهم في يسر وأمن وأمان وسلام يا رب العالمين.

    اللهم! إنا نسألك أن تيسر لنا أمورنا، وأن تقضي حوائجنا، وأن تحسن ختامنا، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين.

    اللهم! أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

    اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

    والحمد لله رب العالمين.