إسلام ويب

بين يدي الحملة الوطنيةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الحملات الدعائية والإعلامية والثقافية ضد الإسلام وأهله قد بلغت مبلغها، فحاربت الفضيلة، ونشرت الرذيلة، ولا مخرج من هذا كله إلا بالالتزام بشرع الله، والتأدب بآداب الشرع الإسلامي الحنيف، وعلاج الأمراض والمشاكل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يتم ذلك إلا بالإخلاص والتعاون والالتزام بالشرع.

    1.   

    وقفات في معالجة الأمراض وحل المشاكل

    الحمد لله جل جلاله، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعم نواله، وظهرت حكمته، واتسعت رحمته، له الحمد سبحانه وتعالى، لا رادّ لقضائه، ولا مانع لعطائه، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، نحمده جل وعلا حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، له الحمد جل وعلا ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! كلنا يسمع في هذه الأيام عن حملة عامة ومؤتمر كبير حول قضية الإرهاب، وأعلم أن كثيرين من الناس يقولون: قد سمعنا كثيراً، وكان مما سمعنا مبالغات وخلط في بعض الأمور، وإن ثمة حاجات أخرى كثيرة نحتاج فيها إلى العلم والبصيرة، وهذه وقفات بين يدي هذه الحملة.

    ولا شك أن رسالة المسجد أوسع وأشمل، بحيث تعنى بكل ما تحتاجه الأمة، وما يجد في واقعها، وما يكون مسبباً لأي عارض أو مشكلة فيها، وكما أسلفت من قبل فإن لسان المنبر أصدق قولاً، وأخلص قصداً، وهو من جهة أخرى أنأى عن مغالطات إعلامية، أو مزايدات سياسية، أو ضغوطات اقتصادية، أو غير ذلك.

    ولعلنا -ونحن ندلي بهذه الوقفات- نسأل الله عز وجل أن تكون خالصة لوجهه الكريم من جهة، ونافعة لنا جميعاً ولأمتنا من جهة أخرى، فإن ما سأذكره يصلح أن يكون نبراساً لنا ولكل فرد منا في حياته العامة، وفي معالجته لمشكلاته ونظرته إليها.

    المصارحة والمناصحة لا المزايدة والمبالغة

    وأول ما أبدأ به: المصارحة والمناصحة لا المزايدة والمبالغة:

    فإننا في أوقات المحن، وفي ظروف الفتن نحتاج إلى مصارحة ليس فيها مغالطة، وإلى مناصحة ليست مغطاة بالمجاملة، إذ في مثل هذا يتجلى موقف الإخلاص، ويظهر موقف الثبات، وتتجلى أحياناً صور غير مرغوب فيها، وليست بنافعة في واقع الحال من المزايدة والمنافقة والمجاملة في غير موضعها؛ لأن المسلم في أول الأمر وآخره إنما ينطلق من إخلاصه لله، وابتغائه لرضوان الله، وموافقته لنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصده للمصلحة العامة للمسلمين، وذلك ما ينبغي أن يكون، وذلك ما نعلمه من ديننا، وما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه العظيم الذي يحفظه أكثر الناس: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم).

    سمت دائم، وصفة غالبة، وخصيصة ظاهرة لمجتمع الأمة الإسلامية، قوم يتناصحون بالحق والصدق والعدل، وبالأسلوب الذي فيه الحكمة، ومراعاة الظروف والأحوال، لا يغشون كما قال الحسن: المؤمنون بعضهم لبعض نصحة، والمنافقون بعضهم لبعض غششة، يغشون ولو بنفاق، ويغشون ولو بمغالطات ومزايدات ومبالغات، وذلك ما لا يكون من المسلم.

    ولعل لنا وقفة مع حديث جليل عظيم رواه غير واحد من أهل السنن من رواية ابن مسعود رضي الله عنه، ومن رواية أبي الدرداء، ومن رواية زيد بن ثابت وغيرهم من الصحابة بألفاظ مختلفة متقاربة: عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن الدعوة تحيط من ورائهم) وفي رواية أخرى: (لا يغل عليهن صدر مسلم، مناصحة أولي الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تكون من ورائهم) وفي رواية الدارمي : (والنصيحة لكل مسلم).

    وهذا حديث عظيم في علاج كل قضية تعرض لك حتى ولو كانت فردية في دائرتك أو أسرتك: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم) أي: إذا وجدت لديه لم يدخل إلى قلبه حقد ولا خيانة، فلا يكون حينئذٍ منتصراً لنفسه، ولا معتدياً على غيره، ولا خائناً لدينه أو أمته، ما هي هذه الثلاثة يا رسول الهدى؟

    قال: (إخلاص العمل لله) وذلك هو سبب النجاة، فإن الإخلاص طريق الخلاص، وإن التجرد مطية التقرب، وإن أحداً يشرك في عمله غير الله يحرم من التوفيق شيئاً كثيراً، وقد ورد حديث قدسي عن رب العزة والجلال أنه قال: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) فمن أراد غير وجه الله عز وجل من ظهور إعلامي، أو لفت نظر لبروز شخصي، أو منافقة ومداهنة لمصلحة يقصدها، فذاك لا يوفق لعلاج وحل أشكال، كما أنه في غالب الأحوال يحرم من التوفيق والهدى والبصيرة؛ لأن الإخلاص هو المؤشر والقائد الذي يسدد الأعمال، ويصوب الأقوال، ويسدد الآراء بإذن الله عز وجل، وهو الذي يجرد الإنسان من هوى نفسه وحظها؛ ليكون حينئذ أقرب إلى إصابة الحق، وإدراك الصواب بإذنه جل وعلا.

    والنصح لولاة أمر المسلمين، وذلك لأن هذا معقداً من معاقد الخير والصلاح في الأمة، وتلك المناصحة بأساليبها الشرعية، وبطرائقها التي سرى وجرى عليها أئمة المسلمين، ومن خلال من يحسن ذلك ويتقنه من أهل العلم، ومن أهل الحل والعقد، لكنها قضية مهمة، حتى من تسلم منبراً كهذا أو غيره من المنابر عبر الصحافة أو الشاشات أو الإذاعات يجب عليه أن يخلص في قوله، وأن يسدي النصح كاملاً بأسلوبه الصحيح، ومنهجيته الشرعية المنضبطة، فإن أحداً سيما في أوقات يكون فيها بعض الإشكال أو الفتن أو المحن لا يحتاج إلى مزيد من المغالطات أو المجاملات بقدر حاجته إلى وضع النقاط على الحروف، وإلى بيان الحق بالأسلوب المعتدل المتوسط، الذي كان يقول به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يعرض في وقت يحسن فيه التعريض، ويصرح في وقت يصلح فيه التصريح، ويعالج الأمر بكل ما يؤدي إلى حصول المقصود ومنع المفاسد.

    ونلحظ كذلك من بعد ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم: (ولزوم جماعتهم) وهنا لا نقول همسة، بل صرخة لكل من يرى اعوجاجاً ويريد تقويمه، أو خطأً ويريد تصويبه، فليدرك أنه لا ينبغي أن يخرجه نقده ولا نصحه ولا ظنه بأنه يأمر بمعروف أو ينكر منكراً، وأن ذلك ينبغي أن يكون منضبطاً بلزوم جماعة المسلمين، وعدم الخروج عنها، وعدم شق صفها، وعدم إثارة البلبلة والفتن فيها، فإن رأى أن منكراً ينكره، أو قولاً يقوله قد يحصل به مثل ذلك، وتعظم به الفتنة، وتكبر به الشقة، ويستعدى به أعداء الإسلام على أهل الإسلام، فإن إمساكه عن ذلك النهي عن المنكر هو الواجب الشرعي في حقه، لأنه إذا عظمت المفاسد وقلت المصالح يجب الإمساك عن ذلك الفعل.

    وإن المؤمن لا يندفع مع دوافع طبعه، ولا مع ردود فعله، ولا مع عواطف نفسه، إن أخذته الحمية أو الغيرة الإيمانية والإسلامية فليعلم أنه منضبط بضابط الشريعة الإسلامية، وكم كان من مواقف الصحابة والسلف رضوان الله عليهم ما أمسكوا به عن أمور كانوا يرون أن إنفاذها موافق للشرع، لكنه في وقت وحال معين قد يكون مترتباً عليها أعظم مما يراد من المصالح فتركوه، بل إن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم قد سن ذلك وشرعه، وبينه كما في الصحيح عند البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: (لولا أن قومك حديثو عهدهم بإسلام لنقضت الكعبة، وأعدت بناءها على بناء إبراهيم، وجعلت لها بابين) وقد بوب البخاري على هذا الحديث: باب ترك الأمر مخافة أن يؤدي إلى ما هو أعظم منه، واستنبط ذلك ابن حجر وغيره من العلماء، فإن الرسول ترك ذلك لأنه سيؤدي إلى أمر أعظم من تحقيق تلك المصلحة.

    وغير ذلك قد قال به أهل العلم كالإمام أحمد في أحاديث الأئمة، وكالإمام مالك في أحاديث الصفات، وكالإمام محمد بن الحسن في الغرائب، أمسك بعضهم حتى عن رواية الأحاديث لعامة الناس إذا كان الوقت يسبق فيه إلى الأذهان أفهام خاطئة، وقد ذكر الشاطبي رحمه الله: أن ذكر القول في غير موضعه مما يترتب عليه الفهوم والأعمال الخاطئة ضرب من ضروب البدع، واستشهد بقول علي رضي الله عنه في الصحيح: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!)، وقول ابن مسعود رضي الله عنه عند مسلم في الصحيح: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة).

    وهذه كما قلت صرخة لا همسة لكل من تحمله الغيرة والحمية على الإسلام وأهله أن يعرف أن الأمر ليس باختياره، وأنه لا بد أن ينضبط بهذا الضابط، وهذا الضابط يجمع الأمة ولا يفرقها، ويوحدها ولا يضعفها، ويجعل الإصلاح من داخلها وليس من خارجها، ومن شق عصا الطاعة وفرق الجماعة فإن الخلل في فعله والضرر من إصلاحه أعظم، وتترتب عليه من المفاسد ما الله سبحانه وتعالى به عليم.

    الرفق والحكمة لا العنف والشدة

    الثاني: الرفق والحكمة لا العنف والشدة:

    فإن معالجة الأمور تقتضي ذلك، وإنه ليس ينفعنا أن نعظم الصراخ، وأن نجدد الهجوم على من نرى خطأه، وإنما كيف نتأتى للأمور من طرقها السليمة والصحيحة، فإن الرفق مظنة الحكمة، وإن الحكمة مع الرفق يمكن أن تكشف نوراً تكون به البصيرة، وتعرف به الحقائق، وتلتمس وتكتشف به الأسباب، وأما الفورة والحماسة مع السرعة والشدة غالباً ما تفوت كثيراً من هذه المصالح، وكثيراً مما نحتاج إليه في مثل هذه المواقف، والله جل وعلا قال: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43]، وذلك بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى أنه من ظلم فله الحق أن ينتصر لنفسه، لكن الآية ختمت بذلك، وقال السعدي في تفسيره معلقاً: صبر على ما ينال من أذى الخلق، وغفر لهم بأن سمح لهم عما يصدر عنهم.

    إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43] أي: من الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزم والهمم وذوي الألباب والبصائر، فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل من أشق شيء عليها، والصبر على الأذى، والصفح عنه ومغفرته، ومقابلته بالإحسان أشق وأشق، ولكنه أنفع في الوقت نفسه.

    وهذا المعلم الأعظم الذي هو قدوتنا المثلى عليه الصلاة والسلام يدخل عليه بعض اليهود ويسلمون عليه سلاماً مغموساً فيه حقدهم، فيقولون: (السام عليك -بدلاً من السلام عليك، ويقصدون: الموت لك- فيرد المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: وعليكم، ثم إذا بـعائشة بعد خروجهم تبدي غيظها وتتكلم، فيطالبها الرسول عليه الصلاة والسلام بالهدوء والرفق، فتقول: يا رسول الله! ألم تسمع ما يقولون لك؟! فيقول: يا عائشة ! أما سمعت ما قلت لهم؟ قلت لهم: وعليكم) وكان هذا من هدوئه وحكمته صلى الله عليه وسلم، ثم قال في هذا الحديث لـعائشة : (إن الله يحب الرفق في الأمر كله).

    وفي رواية البخاري أيضاً من حديث عائشة : (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) ، وعند مسلم من رواية عائشة أيضاً: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه) ، والحديث عند الترمذي أيضاً من رواية أبي الدرداء : أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير)، وذلك يدلنا على أن الرفق والأناة مفضية إلى القدرة على التركيز والإدراك والتفكير الصائب المتزن الذي يقع به بإذن الله عز وجل الوصول إلى الحق والصواب.

    وجاء من حديث عائشة عند مسلم أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)، كأمر المدرس مع تلاميذه إن أخطئوا وأراد تقويمهم، فإن أخذ بالرفق والحكمة كان ذلك زيناً له، وسمة تزيده إجلالاً واحتراماً عندهم، فإذا طاش واندفع مع دواعي طبعه فإن ذلك يظهره في صورة غير محمودة لمعلم ومربٍ لتلاميذه، ومثل ذلك في الأب مع أبنائه، ومثل ذلك في المسئول مع مسئوليه، ومثل ذلك في الراعي مع الرعية، فإن الرفق عظيم يعالج الأمور ويحسمها.

    ولا يعني الرفق ترك العقوبات لمن استحقها واستوجبها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قدوتنا جمع بين هذا وهذا، فكان يرفق، ولكن إذا بلغت الحدود وأقيمت الشهادات أنفذ حكم الله سبحانه وتعالى، وقبل ذلك كان يقول: (ادرءوا الحدود فيما بينكم، فأيما حد بلغني فقد وجب)، قبل أن تصل إلى الحاكم الشرعي في أمور من المعاصي ربما لا تعظم بها المفاسد، يمكن أن يكون الوعظ والتذكير والتوبة كافية في ذلك، أما إذا بلغ الأمر إلى الحاكم فإنه لابد أن يقيم الحكم، وأن ينفذه؛ لأن حكم الله لا بد من إنفاذه، وذلكم أمره ظاهر وبين.

    المرجعية والواقعية لا الفوضوية والمزاجية

    ومسألة ثالثة مهمة: المرجعية والواقعية لا الفوضوية والمزاجية:

    إننا عندما نتناول أي شأن من الشئون ونحن أمة إسلام، ونحن في بلد فيه منبع الإسلام ومهبطه، ونحن في بلاد الحرمين على وجه الخصوص؛ لا ننطلق إلا من مرجعية ثابتة، وهي مرجعية إسلامنا وديننا، كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ودستورنا ينص على ذلك ويقدمه، فلسنا معنيين بأن نوافق من في شرق الأرض وغربها إذا كان قولهم يخالف صراحةً كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فإذا أردنا أن نتحدث عن الإرهاب ونعرفه فلن نعرفه من مصادر شرقية أو غربية، بل ننظر إلى ما بين أيدينا من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وننظر إلى تاريخ أمتنا لنعرف كل شيء من خلال هذا المنطلق الصحيح، وأن ننظر إلى الواقع كما هو، دون أن نتأثر بالمبالغات والمغالطات، وحينئذ يتوفر لنا ما لا يمكن أن يتوفر لغيرنا، تتوفر لنا العصمة في أمرين اثنين: عصمة النصوص الشرعية في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعصمة إجماع الأمة إذا اجتمعت على أمر تستنبطه من كتاب ربها وسنة نبيها، فإن أمة محمد لا تجتمع على ضلالة، ولكننا إن أخذنا من هنا وهناك، ويأتينا كاتب ليقرر علينا شيئاً تقرره دوائر غربية أو شرقية فإن ذلك لا يكون مظنة إصابة الحق ومعرفته، بل كثيراً ما يختلط بما يختلط به من أمرين اثنين واضحين:

    أن القوم لهم منطلقات ومرجعيات ليست مثل التي لنا من جهة.

    وأن لهم أهواء وأغراضاً ومقاصد تخالف وتعارض مصالحنا من جهة أخرى.

    وذلك ما ينبغي أن نفطن إليه، وأن نحرص عليه، ولا يأتينا أحياناً من يبعد به الأمر فنجده وهو يعارض ويخالف أموراً قد ثبتت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يدرك أنه قد أتى أمراً عظيماً، وارتكب خطراً كبيراً؛ لأننا إذا وصلنا إلى ألا نلتفت إلى هذه المرجعية العاصمة، فإن أمراً خطيراً يقع في خلالنا، ويجوس في ديارنا.

    وبعد العصمة الكمال، فإن الكمال في شرع الله عز وجل، كما قال الحق جل وعلا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً [المائدة:3]، فنحن بحمد الله لدينا في كل أمر أسس وأصول وقواعد وضوابط تجعلنا من خلال نظرنا فيها، ومن خلال اجتهاد أهل العلم فيها على قدرة وبصيرة أن نصل إلى الحق في كل جانب من الجوانب.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يخرجنا من الظلمات إلى النور، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    التعاون والتكامل لا التناقض والتآكل

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن.

    وإن من الأمور التي نذكر بها أيضاً في هذا المقام: أمر التعاون والتكامل لا التناقض والتآكل؛ فإننا في هذه المسألة نحتاج إلى المدرس في مدرسته، وأستاذ الجامعة في جامعته، وخطيب المنبر في مسجده، وكاتب الصحافة في صحيفته، ومقدم البرنامج في إذاعته أو قناته.

    فإذا حصل التكامل وشيء من تبادل الأدوار في ذلك حصل بذلك خير كثير، وإذا كان التراشق بالتهم متبادلاً، أو هذا يبني وذاك يهدم أو العكس، فإن أموراً من الخير كثيرة تفوتنا، وإنه ينبغي لنا في حقيقة الأمر أن نتبصر ونستبصر، وأن نتبادل الرأي والفكر، والمعلومة الصحيحة، بعيداً عن مناهج قد تؤدي إلى شيء من الاختلاف والخلاف فيما بيننا، وإننا دائماً وأبداً نحتاج في ذلك إلى ما ذكرناه في الحديث الأول: إخلاص النية لله، والصدق والمناصحة، والحرص على الألفة والوحدة والجماعة، فإن وجد ذلك وجدنا أننا يمد بعضنا يده إلى الآخر، ويمكن أن يتنازل عن شيء مما قد يكون في ذهنه أو رأيه إذا رأى أن غيره أرجح، أو ربما يكون أصوب، أو ربما يكون مثله أو أدنى منه لكن في تقديمه مصلحة، أو ربما يكون الرأي عندي صحيحاً لكن الناس لا يقبلونه مني وقد يقبلونه من ذاك، فليقل به غيري؛ فإن إصابة الحق وإرادته هي الأولى والأكمل.

    ونحن نعلم أننا بحمد الله عز وجل في مجتمع إسلامي، والناس فيه يصغون بقلوبهم قبل آذانهم لمن يتحدث إليهم بلسان الدين، وبآيات الله، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا مزج مع ذلك بما هو منشور وشائع من أقوال وحكم وآراء مختلفة فإن ذلك يزيد إلى الخير خيراً، ونحن نعلم أن لسان المتحدث باسم العلم والدعوة والخطابة لسان تصغي إليه القلوب والآذان، فمن هنا ينبغي لنا أن نخلص في ذلك، وأن نجتهد في إصابة الحق في البحث وتحريه، والنظر في الأدلة ومراميها ودلالاتها، ومعرفة الواقع وإشكالاته وحقيقته، وذلك ما نهدف إليه بإذن الله عز وجل.

    الدقة والتخصيص بعيداً عن الفوضى والتعميم

    وثمة نقطة أخرى أيضاً تتعلق بأمر الدقة والتخصيص بعيداً عن الفوضى والتعميم، فإنه إن وجد خطأ من أستاذ واحد أو معلم، فهل من الحكمة أن نقول: إن المعلمين فاسدون أو مخطئون؟ وإن وجد سطر في كتاب واحد فيه ملاحظة فهل من الحكمة أن نقول: إن الكتاب كله خاطئ؟

    إن بعض ما ينشر في وسائل الإعلام من التعميم يفسد ولا يصلح، ويضر ولا ينفع، وهو مخالف للطريقة الصحيحة، والمنهجية الصائبة، وإن الله سبحانه وتعالى في كتابه عندما ذكر الكفرة والفجرة كان يستثني, وذلك الاستثناء منهج يدل على أن الحكم لا يعمم في كل أحد، فإن الناس يختلف بعضهم عن بعض، فإذا وجد خطيب أخطأ في طريقة عرضه لموضوع ما وجدنا من يشن الهجوم على الخطباء، ويطالب بأن يكفوا عن الحديث في هذه الموضوعات، وألا يخوضوا فيها، سبحان الله! فأي خوض إذاً يكون؟ وبماذا يتحدثون؟ ومن يخطب في الناس؟ ألا يتحدث الخطيب عن أمورهم وشئونهم وهمومهم وحاجاتهم؟ ألا يتحدث عن واقعهم ومشكلاتهم وما يحصل في مجتمعهم؟! وذلك كذلك كما أخبرت به من قبل في غير ما حديث.

    ثم إننا في هذا التعميم يحصل لنا استعداء وشيء من المواجهات، ومن ثم فإن كل خطيب رأى خللاً لا ينبغي أن يشن الحملة على كل أحد من منبره، إننا في وقت نحتاج فيه إلى التروي، وإلى الرفق الذي ذكرناه، وإلى التكامل والتعاون، وإلى أن نكون مخلصين لله أولاً، ومناصحين لأمتنا جميعاً من حكامها إلى محكوميها، وإلى كل فرد منا فيما بيننا، ومحتاجين أيضاً إلى اللحمة والوحدة والألفة؛ لأننا في وقت نعرف وندرك يقيناً أن أعداء الإسلام يتربصون الدوائر بالمسلمين عموماً، وبهذه البلاد خصوصاً، ويريدون أن يجوسوا خلال الديار بواسطة الإصلاح المزعوم، من خلال إصلاح اقتصادي يحول بين الناس وبين الالتزام بشرع الله عز وجل، أو إصلاح اجتماعي يراد به تحلل المرأة واختلاطها بالرجال على أي وجه من الوجوه.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يلزمنا كتابه، وأن يثبتنا على نهج رسوله صلى الله عليه وسلم.

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا اللهم لما اختلف فيه من الحق بإذنك، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.

    اللهم أحسن ختامنا، وتجاوز عن سيئاتنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وهذب أخلاقنا، وحسن أقوالنا، وأخلص نياتنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وامح أوزارنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أفض علينا الخيرات، وأنزل علينا الرحمات، وضاعف لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات، وامح عنا السيئات، برحمتك يا رب العالمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنهم طغوا وبغوا، وتجبروا وتكبروا، وأذلوا عبادك المؤمنين، واغتصبوا بلاد المسلمين، وانتهكوا حرماتهم يا رب العالمين، اللهم فأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وخذهم اللهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم اشف فيهم صدور قوم مسلمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.

    اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين والمضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وآمن روعتهم، وفرج كربتهم، اللهم فرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين.

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله، استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.