إسلام ويب

قصص عن الإسلام في إفريقياللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جميلة هي تلك القصص التي تحكي انتشار الإسلام في أصقاع الأرض، وبها نستشعر عظمة نعمة الله عز وجل علينا، وفي الاتجاه الآخر يتضح مدى تفريط أهل الإسلام في الدعوة إليه بأبسط أمور الدعوة وأيسرها، فضلاً عن أعلاها وأفضلها مما هو في الإمكان.

    1.   

    جهود التنصير في إفريقيا

    الحمد لله، الحمد لله الكبير المتعال؛ ذي العزة والجلال؛ المتفرد بصفات الكمال؛ المنزه عن كل نقص وإخلال، منه المبتدى، وإليه المرجع والمآل؛ نحمده سبحانه وتعالى شرح الصدور بالإسلام، ونور القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد؛ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير؛ خلق فسوى، وقدر فهدى، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله؛ اصطفاه الله عز وجل من خلقه، وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد الأولين والآخرين، أرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً عمياً، وأسمع به آذاناً صماً، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته؛ فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! هذه قصص عن الإسلام في أفريقيا نستشعر بها عظمة نعمة الله عز وجل علينا، ويتضح من خلالها مدى تفريطنا وتقصيرنا في القيام بواجبنا تجاه ديننا؛ هذه القارة السوداء -كما تسمى- رصدت المسيحية النصرانية ليس عشرات ولا مئات بل آلافاً من الملايين لتنصيرها، وجعلت لذلك إمكانات هائلة ضخمة، ويكفي أن نعلم أن الإنجيل مترجم إلى نحو ستمائة لغة ولهجة من لغات دارجة لا يعرفها إلا أصحابها من أهل القبائل والقرى البعيدة النائية، وقد رأيت بعيني نسخاً من الإنجيل مطبوعة بالحروف اللاتينية على اللغات واللهجات المحلية، وإذا أضفنا إلى ذلك الجهود الإعلامية الضخمة في عموم التنصير، لوجدنا أن هناك أكثر من أربعة آلاف وستمائة قناة تلفزيونية وإذاعية خاصة لنشر المسيحية والتنصير، وإذا أضفنا إلى ذلك فإنا نجد آلافاً من الدعاة إلى النصرانية يشرقون ويغربون، وتكاتفت وتعاظمت جهودهم في هذه القارة الإفريقية السوداء، وإذا مضينا سنرى مصداق قول الله جل وعلا: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8]، وسنرى تصديق قوله جل وعلا: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53]، وسنرى نور الإسلام يبدد الظلمات مع تقصير المسلمين وتفريطهم، ومع ندرة وقلة دعاتهم، ومع تبدد وضعف جهودهم!

    1.   

    قصص مبشرة بانتشار الإسلام

    أشرع في ذكر بعض قصص عرفتها أو لامستها من خلال زيارات ميدانية، جوزيف رجل نصراني نشأ في ظلال الكنيسة التي تعطي طعاماً لبطون جائعة فارغة، وكساء لأجساد ناحلة عارية، ودواء لأجساد سقيمة بالية، وخدمات تجعلهم لا يملكون إلا أن تخفق قلوبهم بالشكر والحمد لمن يقدم لهم ذلك، ثم بالموافقة والمتابعة له؛ وقد تقدم هذا الرجل في النصرانية، وبلغ شأواً عظيماً حتى بعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليحصل -وقد حصل- على درجة الماجستير في علوم اللاهوت والكنيسة، وفي أثناء دراسته تلك وبحكم التخصص كان يمر على موضوعات فيها مقارنة بين الأديان، ويقرأ من الكتب ما لا يجد فيه سطراً أو كلمة تذكر الإسلام بخير مطلقاً؛ وغريزة البحث ومعرفة بعض أسباب التناقض في تلك الديانات المحرفة قادته إلى أن يبحث أكثر عن الإسلام بنفسه، وبتوفيق من الله جل وعلا لم يكن ثمة من تقدم له بدعوة، ولا من أهداه كتاباً، ولا من ناظره في مسألة، وإذا بنور الحق يبدد ظلمات الظلم، وإذا به يدخل الإسلام ويعلن إسلامه ويشهره؛ لتسلب منه سيارته، ويقطع راتبه، وتلغى امتيازاته، ويصبح اليوم لا يملك مالاً يدرس به أبناءه، وله الآن ولدان في بيته لا يخرجان للدراسة والتعلم، أي شيء صنع هذا الرجل؟!

    ورغم كل هذه الظروف قد نذر نفسه أن يدعو في داخل الصفوف المسيحية الكنسية من أبناء جلدته وبلدته، وإذا به يدخل في الإسلام المدير العام للمناهج في الكنيسة، المسئول الأول عن التعليم المنهجي للكنائس المختلفة يدخل في الإسلام بدعوة قسيس سابق حائز على درجات علمية عالية في تخصص اللاهوت الكنسي، ويمضي وراء ذلك وإذا به يكتسب من هؤلاء واحداً إثر واحد، وهو إلى اليوم هذا لا يملك ما يدرس به أبناءه بعد أن كانت عنده من الامتيازات والحظوة ما عنده!! وأحسب أنني في غنىً عن التعليق، وسأزيدكم من ذلك الكثير والكثير.

    وهذا جونماريبوبو قسيس نصراني أفريقي، وصل إلى مرتبة رئيس الأساقفة في بلد أفريقي، يقول: من خلال المقارنة في بعض الأبحاث العلمية، ورؤيته للمظاهر التي يؤديها المسلمون في صلاتهم وبعض عباداتهم ومناسباتهم قال: وجدت أن عقلي يدعوني، وقلبي يوافقني، ونفسي تطاوعني أن هذا الإسلام هو الحق؛ فأسلم وأشهر إسلامه، ومنذ إسلامه إلى يوم الناس هذا أسلم على يديه نحو خمسة آلاف إنسان من أولئك الذين اجتالتهم عن الحنيفية السمحة وأصل الفطرة تلك الجهود التنصيرية التبشيرية العظيمة، ما الذي جرى له بعد أن كان رئيساً للأساقفة؟!

    حيكت حوله المؤامرات، ونفذت الكنيسة في أثناء سفره خارج بلاده حرق منزله، ومات في هذا الحريق توءمان من أبنائه، ثم بعد فترة أعيد إحراق منزله، وتعرض للقتل ثلاث مرات، وهو يقول في آخر كل هذه المعاناة: أنا أشعر براحة واطمئنان لأنني أستشعر الآن أن الله معي.

    ألا يدلنا ذلك على الحقيقة العظيمة في قوة هذا الدين، وأنه الحق والفطرة والعقل والرشد والهداية؟ ألا يكشف لنا ذلك كم من أمثال هؤلاء من لم تتيسر له الأسباب، وقصرت جهود المسلمين وعجزت عن أن تقول لهم كلمات، أو أن تقدم لهم صفحات، أو أن تسمعهم بعض الآيات؛ ليكون هذا القدر اليسير كافياً في بيان الحق لهم، وإنارة الطريق أمامهم!

    ونزيد قصة أخرى من بلد أفريقي ثالث، يقول هذا الرجل: خدمت المسيحية بكل ما أستطيع، وتدرجت في السلم الكنسي حتى وصلت إلى المراتب العليا في الكنيسة، وكنت محباً للقراءة والاطلاع، ولا يقع في يدي كتاب متعلق بالإنجيل إلا قرأته، ثم قرأت في كتاب إنجيلي محاربة للإسلام، ووجدت فيه: هل الإسلام دين سماوي أم لا؟ إنهم يشككون في أن الإسلام دين من عند الله أو لا، فينكرون كتابه، وينكرون رسوله، وينكرون وحيه، قال: فقادني ذلك إلى البحث، وبدأت أنقب: هل الإسلام دين سماوي أو لا؟ حتى أسلمت وكتبت دراستي عن إسلامي وأسبابها، وكشفت التناقضات التي وقفت عليها من خلال البحث العلمي في التوراة والإنجيل، وما يدور في تلك الكنائس، وأخرجت دراستي هذه ونشرتها، وبينت حقيقة المعلومات الخاطئة المحرفة في الكتب الإنجيلية عن الإسلام، وحينئذ وقعت له ما وقعت من الأمور، وقد دعا إلى الإسلام، وأدخل في دين الله الحق نحواً من مائتي نفس.

    وهكذا سنجد العجائب ونرى الآثار، ولو مضينا لوجدنا أكثر من هذا، لكننا نقول: إذا كان الحق بذاته يقنع، وإذا كان النور بطبيعته يضيء، فما بالنا لا نقدم الحق، ولا نأخذ النور لنوصله إلى الناس؟!

    خذوا هذه القصة العجيبة، وقد رأيت أصحابها الذين لامسوها وعايشوها.

    مدرسة إسلامية أقامها بعض الغيورين من الدعاة في بعض المناطق التي بيوتها من الطين، وأهلها في غاية الفقر، ولهم أصول مسلمة، لكنهم مضيعون لإسلامهم، هذه المدرسة تضم مائتين وخمسين طفلاً في المرحلة الابتدائية، عندما بدأت المدرسة كانوا يسألون الطلاب في أول الدوام في الساعة الثامنة: هل صليتم الفجر؟ فلم يكن أحدهم يعرف الفجر، ولا يعرف أن أهله أو أسرته تصلي، فكانوا يعلمونهم الوضوء، ويصلون بهم جماعة في هذا الوقت المتأخر كل يوم، فكانت المدرسة برنامجها يبدأ كل يوم صباحي بالوضوء وأداء صلاة الفجر؛ لغرض التعليم والتنبيه، وبعد ذلك وبأيام وأسابيع يسألون: من أدى الفجر؟ فإذا بخمسة أو عشرة قد بدءوا يصلون ويعرفون من التعليم، ليست هذه هي القصة، كان بجوار هذه المدرسة سكن رجل رأى هذه المدرسة، وبعد فترة من الزمن وهو مجاور لها يراقبها ذهب بابنه وقال: أريد أن يكون ابني طالباً في مدرستكم، لماذا؟ قال: لأني رأيتكم تحرصون على النظافة والناحية الصحية، وتقومون بأمور رياضية تليق وتصح أبدان الأطفال، ثم رأيت انتظام المدرسة وجوها التربوي العام؛ وهو لا يعرف شيئاً عن هذا، وعندما أرادوا تسجيل ابنه وسألوه عن اسمه واسم ابنه، وجدوا أنه قسيس نصراني، وعندما قالوا له: هذه مدرسة إسلامية! قال: أريد ابني أن يتعلم فيها؛ لأني أرى فيها من الخير ومن النظام والانتظام ما أشعر أن فيه الخير، وسجل ابنه -وهو مسيحي نصراني- في مدرسة إسلامية؛ لأن النصرانية لا تعني لهم شيئاً في حقيقة الأمر، ولا تعني اعتقاداً راسخاً ولا يقيناً جازماً، وإنما هي بعض الضلال وبعض الأعمال التي أساسها الخدمات والإعانات، ونحو ذلك.

    1.   

    قصص مثيرة حول اضمحلال الإسلام في قلوب أهله

    أنتقل بكم إلى جانب آخر لعله يصيبنا بالحزن والأسى، ولكنه يواجهنا بالحقيقة المرة، أقوام ربما كانت في كثير من الأحوال أصولهم إسلامية، وهم في هذه البلاد ناطقون بالعربية، يفعلون أموراً أعلم أن بعضكم قد لا يصدقها ولكنها حقيقة واقعة:

    في بعض تلك المناطق النائية والقرى البعيدة أقام أحدهم حفلاً ومأدبة بقدر جهودهم وطاقاتهم وأحوالهم؛ فلما سأل الدعاة عن المناسبة؟ قيل: هذا يوم سابع لمولود، فهي بما نفهمه نحن كأنما هي وليمة العقيقة، وعندما سألوا وجدوا أن أم هذا الوليد لا زوج لها، وهذا معروف عند أبيها، وعند كل قبيلتها، ولا يجدون في ذلك غضاضة ولا إثماً ولا حرجاً ولا شيئاً يعتبرونه عيباً على أقل تقدير، ثم بعد السؤال وجدوا أن هذا المولود هو الخامس من هذه المرأة، ويعملون له الوليمة في اليوم السابع على سنن من آثار قديمة للعقيقة، ولا يرون في ذلك شيئاً!

    ولقيت رجلاً مرت به حادثة مشابهة، دعي إلى وليمة فلم يجب، ثم لقي والد الفتاة في اليوم التالي فسألهم عن الوليمة، فأجابه بالحقيقة، قال له: ألا تعرف أن هذا يعد زنا؟! قال: بلى! قال: فكيف تصنع هذا؟! قال: كلنا كذلك؛ ولا أحد منا يعيب ذلك، ونحن سائرون على ذلك!

    بل وهذه قصة رأيت من شهدها، وسمعت منه مباشرة: أحدهم مقر عمله في مدينة، وأهله في مدينة أخرى، يكتسب رزقه وعيشه، وله أكثر من عامين لم يرجع إلى بلده وإلى أهله، وفي يوم جاء يوزع بعض الحلوى على زملائه في العمل، وعندما سألوه عن السبب أو المناسبة؟ قال: رزقت بمولود! وهو غائب منذ عامين عن أهله، ويعرف أن هذا المولود ليس منه، ويفرح به ويوزع ويعلن، وهو في عاصمة بلاد إسلامية عربية أفريقية!!

    إن هذه الأحوال تقودنا إلى أن نفكر: هل نحن غير معنيين بذلك؟ هل لا تلحقنا المسئولية عن هذه الأحوال وعن بلد أو منطقة مثل جنوب السودان فيها نحو خمسة وستين في المائة من الوثنيين الذين لا يعرفون ديناً سماوياً، وبعضهم يعبد الشمس، وبعضهم يعبد القمر؟

    يقول رجل من أوغندا أسلم ويحكي قصته: إننا في أوغندا لا دين لنا -أي: في مناطقهم وثنيون-، هناك من يعبد الشمس، وهناك من يعبد القمر، ولقد كنت أفكر في أن هذه الأمور غير صحيحة، وأعتقد أن هناك إلهاً أكبر من الشمس والقمر، زار عاصمة لبلد عربي إسلامي، وسأل عن الإسلام وأسلم، وهو يقول بكلمات جميلة مشرقة: كأنني ولدت من جديد، رأيت النور لأول مرة في حياتي، كنت أعيش في ظلم وضلال وكفر، وأصبحت أعيش في نور وهداية وطمأنينة وسلام بعد أن نطقت بالشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    كم من مثل هذا لم يتسن له ذلك، وما زال يعيش الصفة التي وصف بها حياته في ظلم وكفر وجهل وبعد عن الدين، والحق أننا مسئولون عن تبليغ دين الله.

    1.   

    واجبنا تجاه القارة الأفريقية

    علينا أن نعظم المسئولية تجاه أنفسنا؛ لأنني أعلم أن كثيرين سيقولون: وماذا عسى أن نفعل؟ وربما يقول البعض: لسنا علماء أو لسنا دعاة، فأقول: ألا تعرف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ ألا تعرف أن تتكلم عن الإسلام الذي تمارسه؟ ألا تعرف أن قراءة الفاتحة ونحوها لا يعفيك من هذا الباب؟

    وأذكر هنا بعضاً من الأرقام حتى نقارن ونرى أن بإمكاننا فعل شيء: كفالة داعية مسلم يذهب إلى بعض تلك المناطق، وقطعاً بعون الله وتوفيقه يكون له من الأثر في إسلام الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور ما لا يمكن تصوره في كثير من الأحوال، كم يحتاج هذا الداعية في البلاد النائية والظروف الصعبة: سبعمائة وخمسون ريالاً في الشهر.

    تكاليف مدرسة كالتي ذكرت لكم خبرها بما فيها من إطعام الطلاب؛ لأنهم لا يجدون طعاماً، ولا يملكون مالاً، وتوفير أوراق ودفاتر وأقلام ومراسم ونحو ذلك في العام الكامل لمائتين وخمسين طالباً: ثلاثة وعشرون ألفاً وشيئاً، أليس هذا المبلغ يدفع في هذه الأيام وضعفه في ليلة واحدة في عرس من الأعراس، ويتلف من الطعام ما قد يكون به هداية أقوام وفئام من الناس وتعليم أجيال من هؤلاء الأطفال المحرومين من هداية القرآن ونور الإسلام؟!

    لقد دخل النصارى إلى هذه الفئات بالتعليم، وأخذوا أبناءهم وعلموهم وهم جهال، وجعلوهم يدرسون إلى المراحل الثانوية بل الجامعية بل والعالية في البلاد وفي خارجها.

    تكلفة كفالة تعليم طالب في المرحلة الثانوية لعام كامل: ثمانمائة وخمسة وستون ريالاً، أظنكم تعلمون أن أية مدرسة ابتدائية خاصة في أدنى مستوىً في بلادنا لا يستطيع الطالب أن يدرس فيها إلا بألفين أو ثلاثة آلاف على أقل تقدير، وهذه رسوم مع الإعاشة والكفالة الشاملة.

    والطالب الجامعي كفالته ألفان ومائتان وخمسون ريالاً.

    لا أقول هذا لنذكر الأرقام ولكن لندرك أن مثل هذا المال نحن قادرون على بذله من جيوبنا أو ممن حولنا، وأننا نستطيع أن نقدم شيئاً منه، ويكون له من الأثر العظيم ما لعله على أقل تقدير يخفف عنا المسئولية والأمانة التي هي منوطة بأعناقنا وواقعة على كواهلنا.

    نسأل الله عز وجل أن يبرم لهذا الدين أنصاراً يرفعون رايته، ودعاة يحملون أنواره، وأن يسخرنا لنصرة دينه وإعلاء رايته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    بشائر من بلاد الغرب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه؛ وإن من تقوى الله أن نسعى ونبذل في الدعوة إلى الله، وأن نشارك فيها ونسهم ولو بألسنتنا وأقوالنا، ولو بأموالنا وجهودنا، ولو بأوقاتنا وأفكارنا؛ فإن الله عز وجل سائلنا عن ذلك، وإن نعم الله عز وجل علينا التي يجب علينا شكرها عظيمة، فقد منَّ الله علينا بإيمان وإسلام وعلم ومعرفة ومساجد كثيرة يذكر فيها اسم الله، وأحوال مادية أقل ما يقال فيها: إن فيها الكفاف، وفوق ذلك بين أيدينا من الوسائل والكتب والأشرطة والإذاعات ما نستطيع أن نستفيد به وننتفع منه كثيراً، ثم نحن لا نفكر مجرد تفكير في دورنا في خدمة ديننا وفي واجبنا في شكر نعم الله سبحانه وتعالى علينا، وليست هذه القصص والأنوار التي تشرق في القلوب في أفريقيا بل في أعماق أوروبا المتحضرة، وفي أعماق أمريكا وغيرها وهي شهادات ناطقة حية على قوة هذا الدين، وعلى صلاحيته وفطريته وقوة حجته، وعلى انطباعه وانطباقه على ظروف الحياة المختلفة والمستجدة، فلئن كان البعض قد يقول: إن الأفارقة في أحوال تعليمية ومادية ومعيشية يمكن أن تكون جالبة لهم إلى الإسلام فما نقول في الأوروبيين والأمريكيين وعندهم تعليم كامل ومادة كثيرة ورزق ورغد عيش وافر فما بالهم أيضاً يدخلون في الإسلام؟

    قصة واحدة أذكرها من فنلندا رأيت صاحبها ولقيته وتحدثت إليه:

    شاب دون العشرين من عمره مسلم اسمه: ميكائيل، مقبل على الخير، وحضر معنا دورة علمية فيها محاضرات إسلامية, وكان يترجم له؛ فسألته عن قصة إسلامه؛ فأخبرني أنها قصة امتدت سبع سنوات، كان له زميل في المدرسة صومالي مهاجر إلى تلك البلاد، وانظروا كيف يسوق الله الخير؟ وكيف تجري أقداره؟ قال: وكان زميلاً لي في فصل المدرسة، وكان بحكم أنه جديد ضعيف في الدراسة يحتاج إلى مساعدة، فكنت معه على مدى سبع سنوات أساعده في الرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغة وغير ذلك، وتوطدت بيننا أواصر الصلة والصداقة والصحبة، وكانت نقاشات تدور بيننا عن الدين وعن الإسلام، وإذا به يذكر أنه يصلي ويتوضأ وأنه يتطهر ونتناقش في ذلك، وزدت بعد ذلك قراءة في ترجمات معاني القرآن حتى أسلمت على مدى سبع سنوات.

    شاب في عمر العشرين والشباب هناك غارقون حتى آذانهم في الشهوات والملذات؛ فسألته عن ذلك وقلت له: كيف كان تأثير تحول الإسلام في حياتك، وربما كانت لك حياة سابقة فيها وفيها؟

    فعجبت حينما ذكر لي أن له أسرة فيها شيء من المحافظة الأخلاقية، وقال: كنت لا أشرب الخمر، ولا أحضر الحفلات المختلطة مطلقاً، وبقيت بفضل الله له فطرة سوية، وهكذا ستجد في كل مكان ما يدل على عظمة هذا الدين، ولكنه كذلك من جهة أخرى يكشف عن تفريط وتقصير المسلمين، وأنهم يستطيعون لو خدموا دينهم أن يفعلوا الكثير بدلاً من أن يتراشقوا بالتهم ويختصموا فيما بينهم، أو يبددوا أموالهم في السرف والسفه فيما ليس وراءه طائل، بل مما قد يكون عليهم فيه مغبة ومذمة.

    وأذكر معلومة مهمة إحصائية من الأمم المتحدة قبل نحو ست سنوات على وجه التحديد تقول فيها: إن أعلى الديانات التي تكتسب أشخاصاً جدداً هي ديانة الإسلام، وليس هذا في كل عام تقريباً لكن تلك الإحصائية تقول: إن الدين الذي يليه هو المسيحية، والفارق بينهما ستة أضعاف، أي: أنه إذا دخل في المسيحية ألف فالداخلون في الإسلام ستة آلاف مع تقصير وتفريط في المسلمين، ومع اجتهاد وجهد وبذل كبير في النصارى كما ذكره بعض من أسلم ممن بلغ مراتب عالية في الكنيسة.

    وأختم مقالنا بقول الأسقف السابق جوهن سبرت من جنوب أفريقيا وقد أسلم يقول: من المؤسف حقاً أن الجهود التنصيرية لا تشكو أي نقص تنظيمي أو حركي أو مالي أو معنوي، وهذا ما نفتقده عند دعاة الإسلام فضلاً عن المصاعب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذا لا بد أن نتحمل مسئوليتنا، وأن نخدم ديننا، وأن نبذل لدعوتنا.

    نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لذلك، وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وألا يجعلنا من المقصرين.

    ونسألك اللهم أن تجعلنا دعاة لدينك، وجنداً في سبيلك، ونسألك اللهم أن تحسن ختامنا في الأمور كلها، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المخلصين، ومن جندك المجاهدين، وأن تكتبنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا رب العالمين!

    اللهم وفقنا للصالحات، واصرف اللهم عنا الشرور والسيئات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آت، برحمتك يا رب الأرض والسماوات، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

    اللهم رد كيدهم في نحرهم، وأشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، وفرق كلمتهم، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار أنزل بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك لطفك ورحمتك ورعايتك وعونك لعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى والجوعى في كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم.

    اللهم اجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء!

    اللهم اختم لنا بخير، واجعل عاقبتنا إلى خير، وابعثنا على خير يا رب العالمين!

    اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين!

    واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذو القدر العلي، والمقام الجلي؛ أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].