إسلام ويب

قضية فلسطين بعد العراقللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • منذ عقود والمسلمون يبكون ليلهم ونهارهم، ولم يستطيعوا الخروج بنتيجة ولو يسيرة في قضية فلسطين، فأروقة السياسة ودهاليز المباحثات ميعت القضية وضيعت المصطلحات، وما زالت كذلك مع الأيام في ازدياد، ولا ندري إلى أي مدى ستصل، وها هي قضية العراق تفتح أبوابها لتكون قضية أخرى كسابقتها.. كل هذا من أجل ضمان أمن دولة المسخ المصطنعة على أرض الإسلام، دولة إسرائيل المزعومة.

    1.   

    قضية فلسطين في عقيدة الأمة الإسلامية

    الحمد لله، الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، ومنزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، له الحمد سبحانه وتعالى؛ خلق فسوى وقدر فهدى، وجعل العاقبة للمتقين ولو بعد حين، وجعل الدائرة على الكافرين؛ له الحمد سبحانه وتعالى كما يحب ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله؛ أرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها الإخوة المؤمنون! الجراح كثيرة، ولكننا نعلم أن بعضاً أخطر من بعض، وجرح القدم ليس مثل جرح في البطن، وليس هذا مثل جرح في الرأس، ولا يمكن أن تقاس هذه الجراحات كلها بجرح في القلب يوشك أن يكون سبباً للوفاة، قال ابن القيم رحمه الله: (الذنوب جراحات، ورب جرح وقع في مقتل)، نشرق ونغرب، نتحدث عن جرح نازف هنا أو هناك، نتحدث عن مأساة في العراق أو عن مشكلة وقضية في الشيشان، ونذهب يمنة ويسرة لكن قضية القلب، قضية الأثافي، ومحور الصراع، وقطب الرحى، وملتقى المعارضة والمواجهة الدينية العقدية، والصراعات الحضارية الثقافية لابد لنا دائماً وأبداً أن نعيد القول فيها ونزيد، ولابد أن ندرك عظمة أهميتها.

    والقضية الأكثر خطراً، والأعظم أهمية: قضية فلسطين وبيت المقدس ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى الذي فتحه الصحابة ورووه بدمائهم في سبيل الله، هذه القضية الفلسطينية التي ما يجري شيء في واقعنا المعاصر إلا وله صلة بها، وهي أساس فيه؛ حتى مأساتنا القريبة التي تحدثنا عنها وزدنا القول فيها إنما هي حدث ضخم كبير طريقه وجسره إلى قلب الأمة في أرض فلسطين.

    ولعل كل عاقل يدرك بجلاء ووضوح ما هو جلي رأي العين، ودويه ملء الآذان فيما يجري الآن؛ فقضية فلسطين مرتبطة دون فاصل زمني ودون تباعد سياسي، ودون مغالطات أو مداورات بين ذلك الحدث العظيم وما يدبر ويضغط على تحقيقه في أرض فلسطين، ودعك من هذه الأسماء التي تدور هنا وهناك، ولسنا في مقام هذا المنبر نتحدث عن الأحداث كنشرة إخبارية ولا عن الوقائع كتحليلات سياسية؛ فمنطقنا عقيدة إيمانية، وحديثنا آيات قرآنية، وأخبارنا أحاديث نبوية، وتقريرنا وقائع تاريخية، وشواهدنا حقائق واقعية.

    ينبغي أن ندرك تلك الحقائق أولاً، وأن نعيها، وقد قلناها من قبل ولكنه لابد من إعادتها وتكرارها، لأننا لا ينبغي أن ننصرف إلى بنيات الطريق، ولا ينبغي أن ننشغل بالجراح الجانبية مهما عظمت وننسى الجرح الأكبر؛ إنه ليس من العقل أن نفرغ جهودنا لعلاج الأقدام وجروحها، أو البطون وشقوقها أو غير ذلك وننسى علاج القلب الذي إن وقف نبضه فلن يجدي شيء بعد ذلك.

    قضيتنا الأولى قضية إيمان وعقيدة، إنها ليست قضية أرض وطين ومفاوضات سياسية، ولا قضية دول وسلطة ذاتية وغير ذاتية؛ إنها قضية آيات قرآنية؛ قبلة المسلمين الأولى التي توجه إليها النبي صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام نحو ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة:143]، فخاض في ذلك اليهود -عليهم لعائن الله- منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إما أن قبلتك الأولى صحيحة فانصرفت إلى باطل، وإما أنها ليست صحيحة فكنت على ضلال، فأنزل الله سبحانه وتعالى ما يرد مقالتهم، ويبطل إرجافهم، وثبت أهل الإيمان على أمره سبحانه وتعالى.

    ومن بعد ذلك كانت تلك البلاد مسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وأسري به من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى ليصلي بالأنبياء إماماً، ثم يكون عروجه إلى السماء منها عليه الصلاة والسلام، ليدل ذلك على وراثة الإسلام لكل الرسالة والأديان، وعلى إمامة المصطفى صلى الله عليه وسلم لسائر الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وليظهر أن الإسلام هو الدين الأحق بأرض النبوات، وتاريخ العقائد والديانات الربانية الإلهية بعد أن تنكر لها وجحد رسلها، وحرف كتبها اليهود -عليهم لعائن الله- وضل في الضلال من كان كذلك من النصارى.

    ثم من بعد ذلك الفضيلة الثابتة الدائمة التي لم ترتبط بتاريخ ولا بوقت بعينه: (لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى)، إنها استثناءات قالها سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، إنه تعبد شرعه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، إنه دين لا يملك أحد تغييره ولا تبديله، وفي حديث أبي ذر في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أول بيت بني لله عز وجل؟ فقال: البيت الحرام، قيل: ثم أي؟ قال: بيت المقدس)، فنحن عندما ننظر إلى هذه الأصول، نعرف أن هذه هي الأرض التي باركها الله عز وجل، وجاءت الآيات تترا في كتاب الله تبين ذلك: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، وهي الأرض المباركة التي يبقى ويظل لها صلتها وارتباطها بالإسلام إلى آخر الزمان وإلى قرب قيام الساعة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد مسند أبيه، والطبراني بسند رجاله ثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأوى -أي: من أذىً وضر في تلك المواجهات- قالوا: أين هم يا رسول الله؟ قال: ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس). وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في أحاديث شتى، وأخبر أن: (عمود الكتاب رفع، قيل: أين ذهب به يا رسول الله؟ قال: إلى بلاد الشام).

    مرة أخرى أيها الإخوة! تلك آيات تتلى، وأحاديث تروى هل تنسخها السياسية القذرة؟ هل تنسخها المفاوضات الدنيئة؟ هل ينسخها الرجال الأقزام؟

    إن رضينا بذلك فإننا نرضى لأن ننسخ جزءاً من إيماننا وعقيدتنا، وأن نلغي حقائق مذخورة مكتوبة محفورة في كتاب ربنا وسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فلننتبه لذلك ولننظر اليوم إلى صفحات التاريخ المشرقة ونحن نعرفها، لكننا نريد أن نقول: إن هذا القرآن والسنة كانت ملء قلوب أسلافنا؛ فعرفوا كيف يتوجهون على مراد الله، وعلى منهج الإسلام، وعلى درب الجهاد، وعلى طريق العزة، وعلى إقامة الحق ورفع رايته.

    يوم فتحها عمر رضي الله عنه فتحاً عظيماً ليس في التاريخ له مثيل، فتح قوة الإيمان أمام أباطيل الكفر وانحرافاته، فتح قوة الحق أمام أراجيف الباطل وظلماته، فتح قوة الحضارة أمام الهمجية، وفتح نور الإسلام أمام تلك الظلمات العظيمة، فتح العدالة التي ألغت الظلم، فتح السلم الذي عم بخيره الناس جميعاً، وكانت معاهدة عمر التي أثبتت سماحة الإسلام، وأظهرت ترجمته العملية في واقع الأمة الإسلامية، وكانت تلك الصورة الحضارية العظيمة لأمة الإسلام يوم كانت على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن بعد ذلك جاء تحرير صلاح الدين بعد عقود وقرون متتالية فجدد ذلك العهد الأول، وأثبت أن منهج الإسلام لا يتغير، وأن الحقائق فيه لا تتبدل، وأن أراجيف اليوم إنما هي كذب وافتراء روجته وسائل الإعلام الصهيونية، ورددته -وللأسف- وراءها وسائل الإعلام العربية والإسلامية، وراجت تلك الفتن والأباطيل، وأصبحت اليوم من المسلمات، حتى نظرنا اليوم فإذا بنا نرى العقد ينفرط حبة حبة، ويوشك -إلا من رحمه الله- ألا يبقى فيه حبة.

    منذ سنة 48 ضيعوا وضيعت الأمة شطراً من القدس، ولحقها الباقي في 67، وتوالى من بعد ذلك ما يراد له أن يضيع في دهاليز السياسية والمفاوضات عبر تلك الألاعيب والأحاييل التي تضيع حق الإسلام والمسلمين في أرضهم وديارهم، بل في عقيدتهم ودينهم.

    1.   

    مفارقات بين ساسة الإسلام وساسة اليهود

    نرى المفارقة العجيبة بين الذين يتصدرون لهذه القضية باسم العروبة والإسلام، وبين اليهود -عليهم لعائن الله-، إنهم في كل حركة وسكنة، وفي كل تصريح وكلمة، وفي كل جولة ومفاوضة يعلنون حقائقهم الدينية، ويعلنون واقعهم المفروض، ولا يفرطون بشيء، والآخرون يتراجعون خطوة بعد خطوة بعد خطوة، حتى لم يعد لهم شيء إلا الهاوية التي في حقيقة الأمر قد وقعوا فيها وتدنسوا بوحلها شاءوا أم أبوا، انظروا إلى الفروق العجيبة بين تلك التراجعات والتنازلات وبين ما كان يصر عليه اليهود ليس عندما قامت دولتهم الغاصبة بل قبل ذلك.

    زعيم الصهيونية هرتزل في عام 1902 تقدم بطلب للسلطان عبد الحميد العثماني رحمه الله آخر الرجال والحكام الشرفاء الأطهار الذين وقفوا بقامة الإسلام وعزة الإيمان، وثبتوا على مواجهة مطامع اليهود وتدنيسهم، تقدم اليهودي الصهيوني الأكبر طالباً إنشاء جامعة في القدس، وقال في طلبه: إنها ستنشر العلم بين أبناء بلاد الشام بدلاً من أن يسافروا إلى بلاد أخرى، ويتعرضوا لتأثيرات الثورات والأفكار وغير ذلك، فأبى الخليفة المسلم المؤمن الغيور.

    وما إن جاء الانتداب البريطاني وقبل أن يستتم، وقبل أن يبدأ في حقيقة الأمر، وقبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية جاءت هذه الجامعة عام 1918 وأسسها اليهود، وافتتحها وأصر على حضورها بلفور ؛ صاحب الوعد المشهور؛ الذي أعطى فيه ما لا يملك لمن لا يستحق، وجاء ليقول في ذلك الزمان قبل أن تقوم الدولة الغاصبة بعقود من الزمان: (إنه يأمل أن تصبح هذه الجامعة مركز إشعاع سياسي وقومي للحركة الصهيونية في جميع منطقة الشرق الأوسط من سيناء إلى سوريا إلى شرق بغداد إلى مدى أوسع من ذلك)، قاله ذلك الصهيوني اليهودي قبل أن نسمع ونعي ما يدور اليوم من هذه الأحداث، وتشابك الأرض والبقاع، وما وراء ذلك عظيم!

    ثم انظروا إلى سياسة اليهود التي قبلها: الضعفاء أو الأذلاء، أو الخونة يوم جعلوا قضية القدس في كل جولة من الجولات تؤجل وتؤجل دون أن يطالبوا بتأجيل أي تغيير في واقعها، حتى أصبحت اليوم وقد امتلأت بالمستوطنات اليهودية، وقد منعوا وخربوا كل أملاك المسلمين والعرب، وأغلقوا أكثر المؤسسات، حتى صارت أو أرادوا ويريدون أن تصير يهودية صرفة ليس فيها للعرب والمسلمين إلا نسبة قليلة، ويكون الحل في آخر الأمر هو الاستفتاء على انضمامها لتلك الدولة أو تلك الدويلة، وينتهي الأمر إلى أن تكون نصوص القرآن والسنة وتاريخ الأمة ومصيرها مرتبط بألسنة اليهود ليقولوا: نعم أو لا، وذلك مسلسل واضح معروف.

    وللأسف الشديد نرى أن أعداءنا يبذلون له، لا ينسونه أبداً، منذ أول رئيس لدولة الكيان الصهيوني الغاصب، وهو يقول: (إن قضية القدس قضية إرادة عسكرية)، ويوم جاء المندوب السامي أو مندوب المفاوضات في ذلك الوقت ليعرض خطوة من خطوات السلام -التي لم نكن نسمع عنها إذاك- وقال: ينبغي أن يكون للعرب في القدس نصيب، فجاءه الجواب من وزير الخارجية: إن حكومة إسرائيل -اللعينة- شعرت بالامتهان البالغ بسبب اقتراحكم الخاص بمستقبل القدس، ذلك الاقتراح الذي نرى فيه شراً مستطيراً، ففكرة تسليم القدس للعرب يمكن أن تساعد على تسوية سلمية لا تزول بالخاطر إلا إذا تجاهل المرء تاريخ المشكلة وحقائقها، وهي الروابط التي تربط اليهود بالمدينة المقدسة، والدور الفريد الذي قامت به القدس في ماضي اليهود وحاضرهم، وهم يعلنونها عاصمة أبدية لدولتهم لا تقبل المفاوضات، وفي كل انتخابات لابد أن يعلن من يتصدر فيها مثل هذا الإعلان، ومع ذلك ما زالوا يقولون هذه الأسماء المختلفة.

    1.   

    وقفة مع أبناء المقاومة

    إن الجهاد الذي يجري ماض في طريقه لن يوقفه أو يؤثر فيه دهاقنة السياسة مهما أوتوا من الذكاء، ولا أرباب الفنادق والمؤتمرات، إنما الذي أربك خطط الأعداء، وأقض مضاجعهم، وجعلهم يحركون الآلة العسكرية الضخمة في هذه الحروب الهائلة ليصلوا إلى تركيع الجميع، وليفرضوا على الجميع قضية واحدة هي همهم الأكبر اليوم كيف توقف المقاومة الجهادية المسلحة في وجه اليهود عليهم لعائن الله؟ كيف يسخر الجميع لهذا الغرض؟ كيف توظف جميع القوى والتجمعات والمجتمعان والدول والمؤسسات لتحقيق هذا الهدف؟ كيف يركع الجميع ليؤمن الرمز الوحيد والعمل الوحيد الذي صارت وأصبحت تخشاه قوى الصهيونية ومن يحالفها من الصليبيين؟

    إنه وقد ثبت هذا بالواقع المعاش في الحدث القريب في العراق -وفيما قبله- لم تعد هناك خشية من دول ولا من جيوش، ولا من مقاومة اقتصادية، ولا مواجهة إعلامية، ولا مجابهة حضارية، ولكن العملة الصعبة، والرقم الذي خرج عن المعادلة، والصوت الذي شذ ونشز عن هذه الفرقة كلها هو: صوت المقاومة الإسلامية الجهادية الباسلة، فهل نسيناها؟ وهل نظن أن طي صفحتها سيحقق ما يزعمونه من السلام؟ وهل يكون فيه أثر ونفع وفائدة لأمة الإسلام أو للعرب أو للشرق الأوسط كما هو المسمى الجديد؟

    يريدون الدولة اليهودية أن تدخل في هذا النسيج بلا تمييز في الدين، ولتدخل في هذا النسيج الشرق أوسطي بلا تمييز في اللغة، ولتدخل في هذا النسيج بلا أي صلة بالتاريخ، وذلك أمره خطير!

    وهنا لابد أن نذكر أمرين مهمين لكي يكون الوعي بهذه الأمور عظيماً وكاملاً:

    أولهما: وقف المقاومة: إن وقف المقاومة كما قال أبناؤها وأبطالها: أمر مستحيل بالنسبة لهم، إنه أمر موتهم أو حياتهم، إنه أمر وجودهم أو عدمهم، إنهم قد قرءوا القرآن وعرفوا حقائقه، وقرءوا التاريخ وعرفوا سننه وقضاياه، ثم عرفوا واقع اليهود اليوم الذين كذبوا كما كذب أسلافهم، وغدروا كما غدر أسلافهم، وما زالوا يمارسون أبشع أنواع الجرائم على سمع الزمان والدول والمجتمع كله دون أن يتحرك ساكن، ودون أن يجف حبر ما يقال من هذه القرارات الدولية التي تطبق -كما هو معروف- بمكيالين، بل أقول بمكيال واحد؛ لأنه لا مكيال آخر غيره.

    القضية الثانية الخطيرة هي: قضية التطبيع؛ التطبيع الذي هو رفيق السلام، أو عربونه، أو شرطه الأول؛ إنه الاختراق الثقافي العقدي الديني، إنه كما وقع فيما سبق مما لم يكن مخفياً، ومما لم يكن بعيداً في زماننا هذا، قد وقع وأزيلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وغيرت الخرائط الجغرافية؛ لتكون المناهج وفق النظرة الصهيوينة الصليبية الاستعمارية، وذلك قد وقع فيمن وقع وطبع، فهل يراد لذلك أن يعم؟

    تلك هي النظرة الخطيرة التي ينبغي الالتفات إليها.

    وأمر آخر وهو: التدمير الاقتصادي والهيمنة المالية التي يتقنها اليهود، والتي قد فعلوا بموجب تلك القرارات والاتفاقيات ما هو ظاهر للعيان مما يدل على عظمة خطورته.

    أضف إلى ذلك ما وراء ذلك من الاختراقات الأمنية، ومعرفة ما في داخل المجتمعات العربية والإسلامية؛ لئلا يكون هناك من بعد أي قدرة على أي عمل أو فعل، وهي تلك الأهداف التي يرمي إليها ذلك التطبيع.

    وأخيراً: التوطين لأبناء الأرض الذين شردوا ليستقروا في تلك البلاد التي هم فيها، أو ليهجروا إلى بلد واسع شاسع فيه ثروة نفطية، وفيه اليوم هيمنة استعمارية لتلف القضية، ولأن يكثر الصراخ وتصدع الرءوس بهؤلاء فليأكلوا وليشربوا، ولتنفق الدول عليهم، وليس هذا اليوم أيضاً؛ بل منذ أكثر من نحو عقد من الزمان عقد مؤتمر لشباب الشرق الأوسط -كما هو إعلانه- يجتمع فيه شباب من أرض فلسطين وغير فلسطين من بلاد العرب مع غيرهم من اليهود، مع بعض المجتمعات من بلاد الغرب؛ ليعطوا توصية للشباب وآمالهم وطموحاتهم المستقبلية، إنه على المجتمع الدولي أن يقوم بمهماته ومسئولياته الإنسانية تجاه هؤلاء المشردين في الأرض، وينبغي أن يخيروا في الاستيطان، وأن ينقلوا من تلك المخيمات غير الإنسانية لتوفر لهم أسباب الحياة المادية، ولتطوى الصفحة بعيداً عن الأرض التي انتزعها اليهود غصباً بالقوة العسكرية، وحيلة بالشراء والممارسات الاقتصادية، وهذه القضية اليوم هي قضية المسلمين الأولى كما كانت من قبل، فلعلنا نعي وننتبه إلى ذلك.

    نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بحقائق ديننا، وأن يعرفنا بالمخاطر التي تحدق بأمتنا، ونسأله جل وعلا أن يصرف عنا وعن أهل الإسلام في كل مكان الشر والضر؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    دور المسلمين في قضية فلسطين

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد: أيها الإخوة المؤمنين! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، ولعل قائلاً -أيها الأحبة- يقول: ولم مثل هذا الحديث مرة أخرى؟

    أقول: أولاً: حتى لا ننسى الحقائق والثوابت الإيمانية والعقدية الإسلامية.

    ثانياً: حتى لا ننشغل ببنيات الطريق وحدها، وحتى لا ننصرف كل مرة إلى جهة يوجهنا إليها الأعداء بجرح نازف جديد، ولا نقيم على الجرح الأكبر في مقامنا ومرابطتنا.

    ثالثاً: أن قضية اليوم وحادث الساعة وحديث الوقت لم يعد العراق على الحقيقة، وإنما هو هذه القضية، وما يحاك لها، وما يضغط به على جميع الدول والمجتمعات والشعوب، وتأتلف عليه الدول كلها، وتجتمع عليه الاتحادات والمؤسسات الدولية التي ليس فيها -وللأسف الشديد- للعرب ولا للمسلمين ذكر ولا دور، وكأن تلك البلاد ليست بلادهم، والقضية ليست قضيتهم، والشعب والأمة ليس لهم به صلة ولا سبب ولا نسب، فهل رأيتم في تلك اللجان دولة عربية أو إسلامية؟

    إنها من الشرق والغرب واليهود، وممن يصنعون ما يشاءون ويدبرون، وعلى الآخرين أن ينفذوا!

    رابعاً -وهو المهم-: ما هو دورنا وواجبنا؟

    وكثيراً ما نؤكد على هذا، وكثيراً ما قد زدت وعدت في أمر مهم وهو دور الحكام والأمراء، ودور الدعاة والعلماء، دورهم عظيم، وواجبهم مهم، وعليهم ما عليهم، وفي تقصيرهم ما فيه، لكنني أقول: ما دوري ودورك؟ وهل سيعفو الله سبحانه وتعالى عنا أو لا يسألنا إذا فرط أولئك أو قصر هؤلاء؟

    إننا مسئولون كل بحسبه، وأول هذه الواجبات: الوعي الصحيح، والإدراك التام، والمعرفة الحقة لهذه القضايا.

    الثاني: التوعية بها ونشرها وجعلها حديث المجالس والالتفات إلى ذلك دائماً وأبداً.

    الثالث والمهم: المقاومة السلبية، وأعني بها أن نكون صخوراً صلبة عصية على كل هذه المؤامرات، وألا نكون متقبلين لها، أو راضين بها، أو مروجين لها أو مسهمين في تحقيقها، ولو بغض الطرف، ولو بالإشاحة عنها، أو البعد عنها؛ إن الأمة الإسلامية اليوم في حالة عظيمة من حالات الوعي بخطورة أعدائها واستهدافهم لدينها، ولقوتها الاقتصادية، ومقوماتها الحضارية، بل ولوجودها كله، وقضية العراق كانت نموذجاً لفت الأنظار إلى ذلك، وكثر الحديث فيه على جميع المستويات السياسة والإعلامية والشعبية، ثم كاد أو عاد الحديث مرة أخرى ليخفت ونرجع إلى الانشغال بالطب والجراح والمساعدات على أهميتها.

    ثم أيضاً هذه المقاومة السلبية تعني ألا نكون سبباً في تقوية أعدائنا بأي وجه من الوجوه.. ألا نكون سبباً في تقويتهم اقتصادياً أو سياسياً أو إعلامياً، ونستطيع أن نفعل في ذلك الكثير، وبأيدينا أن نقاطع ونمانع، وأن نوجه ونوعي ونكشف ونفضح هذه الأمور بكل ما نؤتى من أسلوب وقدرة وحكمة حتى نشعر بذلك الانتماء.

    الأمر الرابع والأخير: المقاومة الإيجابية، ونعني بها العمل، والعمل تتنوع أساليبه بدءً من الدعاء والتعاون والتعاطف مع إخواننا في أرض فلسطين، ومروراً بدعمهم الاقتصادي والمالي لتثبيتهم، وإعانتهم على الثبات في وجوه أعدائهم؛ يكفي أيها الإخوة أن أشير إشارة واحدة إلى أن المقيمين في القدس لا يسمح لهم بأن يرمموا بيوتهم، ولا أن يصلحوها، ولا أن يغيروا فيها شيئاً، ومن أراد أن يبيع بيته يعطى أضعافاً مضاعفة من المال، ومن أراد أن يخرج يساعد على ذلك؛ فإن الأوضاع الاقتصادية التي تحيط بهم عصيبة جداً؛ فكيف لا نثبت هؤلاء مجرد تثبيت ليبقوا في أماكنهم، وأن يأكلوا ويشربوا ويعيشوا هناك في تلك المواقع ليكونوا على أقل تقدير شوكة في حلوق اليهود -عليهم لعائن الله- وهذا من أقل القليل؛ فضلاً عما يمكن أن يكون وراء ذلك، والحديث ذو شجون وذو حزن أليم، ولكنه من قدر الله الذي يوقظنا وينبهنا؛ لأن قضية القدس وفلسطين والمسجد الأقصى فيها خير كثير، وما ازدياد التآمر -بإذن الله- إلا مزيداً من اليقظة والوعي في الأمة، إنها قضية توحد الأمة وتمنع فرقتها، إنها تجمع قواها في اتجاه صحيح تجاه أعدائها بدلاً من أن توجه القوى فيما بينها، وإنها وراء ذلك تحيي من معاني الإيمان والإسلام والوحدة الإيمانية والإسلامية ما هو كفيل بأن يكون فيه خير كثير.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصرف عنا السوء والبلاء، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرد كيد الأعداء؛ نسألك اللهم أن تجعل إيماننا في قلوبنا عظيماً، ويقيننا في نفوسنا راسخاً، اللهم اجعلنا أوثق بما عندك من كل شيء في أيدينا، اللهم اجعلنا أغنى الأغنياء بك وأفقر الفقراء إليك، ولا تجعل اللهم لنا إلى سواك حاجة، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم وفقنا للاستمساك بكتابك ولاتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم اجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك متبعين، ولآثار الصحابة والسلف الصالح مقتفين، وللجهاد في سبيلك عاملين، وللبذل في نصرة دينك باذلين يا رب العالمين!

    اللهم استخدم جوارحنا في طاعتك، وسخرنا لنصرة دينك، واجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين، اللهم اجعلنا عباداً لك مخلصين، وجنداً في سبيلك مجاهدين، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم واجعلنا من ورثة جنة النعيم يا أرحم الراحمين!

    اللهم إنا نسألك أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!

    اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء!

    اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك باليهود ومن حالفهم يا رب العالمين، اللهم عليك بهم أجمعين، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين.

    اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، يا قوي يا عزيز يا متين، أنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

    اللهم إنا نسألك لطفك ورحمتك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين وفي الشيشان وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم ثبت خطوتهم، ووحد كلمتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تجعلنا لنصرة الإسلام والمسلمين من العاملين، وأن تحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين!

    اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!

    اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء!

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا بالذكر ذو القدر العلي، والمقام الجلي؛ أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وأقم الصلاة وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].