إسلام ويب

فاطمة الزهراءللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فاطمة رضي الله عنها هي بنت رسولنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان يحبها حباً شديداً، ويؤثرها على كثير من أحبابه، وهي سيدة نساء أهل الجنة، وهي زوجة علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين، وأم الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وفي سيرتها من صبرها واحتمالها وفضلها ومكانتها ما يدعو المسلمين جميعاً -خاصة النساء- إلى الاقتداء بها والتأسي بشخصيتها رضي الله عنها وأرضاها.

    1.   

    فوائد الحديث عن سير الأعلام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، أكرمنا بالإيمان وأعزنا بالإسلام، وهدانا بالقرآن، والصلاة والسلام على نبي الإسلام خير الأنام، أفضل من صلى وصام، وعلى آله وصحابته الذين عرفوا بسلامة القلوب وصحة الأفهام، واشتهروا بالنجدة والإقدام، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا في مستقر رحمته ودار كرامته في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

    هذا موضوع نفتتح به سلسلة مواضيع، وعنوان هذه السلسلة (شباب كانوا أئمة الهدى)، وفاتحتها الخيرة -إن شاء الله- هذا الموضوع: (فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة).

    ولا شك أن الحديث في سير الأعلام له فوائد عظيمة، وهذه مقدمتنا الوجيزة تختصر هذه الفوائد في ثلاثة جوانب:

    الأول: إبراز القدوات السامية الصحيحة التي يجدر بنا أن نجعلها خطوات نتأسى بها، ونترسم خطاها بدلاً من القدوات الزائفة الزائغة.

    ثانياً: شحذ الهمم العالية؛ فإن في السير سبقاً عظيماً، وتنافساً شريفاً، وقدوات بلغت مراتب عالية، فمتى ما قرأنا هذه السير، ووقفنا عندها؛ شحذت منا هممنا الضعيفة، ورفعت معنوياتنا التي يعتريها كثير من الوهن أو الخلل.

    الثالث: الإلمام بالمعارف المتنوعة؛ فإن السير تتضمن علوماً مختلفة، فقد تمر فيها ومضات من الحكمة، وقد يمر فيها صور من الجرأة، وقد تتجلى فيها ملامح من الحياء، وقد تمر فيها فوائد من تفسير أو فقه أو أصول أو غير ذلك، فهذه فوائد عظيمة جدير بنا أن نعنى حينئذ بمطالعة السير، وليس أعظم ولا أنفع من سير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    فاطمة رضي الله عنها وجوانب الحديث عنها

    حديثنا عن فاطمة رضي الله عنها حديث عذب، يرقق القلوب، ويذكر بالمعاني الإيمانية اللازمة لنا، ونحن نمر هاهنا مروراً وجيزاً بقدر ما يتسع له المقام، ونبدأ بمحطات مختلفة:

    أولها: الحسيبة النسيبة.

    وثانيها: الوليدة الجديدة.

    وثالثها: الزوجة الأثيرة.

    ورابعها: الشبيهة الحبيبة.

    وخامسها: الصابرة العظيمة.

    ثم نقف وقفات لابد منها مع الأفهام الخاطئة والأفكار الزائغة التي تفسد علينا كثيراً من هذه المعاني الفاضلة والآثار الحميدة.

    حسب فاطمة ونسبها

    أولاً: الحسيبة النسيبة.

    عمن نتحدث؟ من هذه الشخصية التي نتجاسر على أن نذكرها، ونمر على سيرتها، ونشنف الآذان بذكرها، ونعطر الأنوف بعبق ريحها الطيب الأخاذ، ونملأ القلوب بمعاني الإيمان في مواقفها العظيمة ومآثرها الجليلة؟! من هذه الشخصية والناس يبحثون عن الأحساب والأنساب؟!

    فهل ثمة حسب أو نسب يمكن أن يضاهي ما لـفاطمة رضي الله عنها؟ فمن أبوها؟!

    إنه محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، حسب الشرف، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله نظر إلى بقايا العرب والعجم فمقتهم جميعاً إلا بقايا من أهل الكتاب)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (فاصطفى العرب، واصطفى كنانة من العرب، ثم اصطفى قريشاً من كنانة، ثم اصطفى بني هاشم من قريش، ثم اصطفاني من قريش، فأنا خيار من خيار من خيار) ذلك هو صلى الله عليه وسلم.

    وأما حسب الدين فمن مثله عليه الصلاة والسلام؟ قال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29].

    وأما حسب الخلق فحسبك قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، فمن مثل أبيها صلى الله عليه وسلم؟!

    وإن جنحنا إلى أمها فـخديجة بنت خويلد ، وما أدراك ما خديجة بنت خويلد ؟!

    أم المؤمنين، وأول أزواج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لم يجمع معها غيرها، ولم يتزوج إلا بعد وفاتها، ومن هي في حسبها وشرفها ديناً وخلقاً ونسباً؟

    هي الشريفة المعروفة في حسبها ونسبها رضي الله عنها، وأما حسب الدين فهي أول من آمن بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، هي أول من تلقى خبر الوحي، هي أول من كان المثبت المعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جاء يرجف فؤاده فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

    جاء جبريل عليه السلام إلى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يقول له: (إذا أتتك خديجة فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) رواه البخاري والترمذي .

    هي واحدة من قلائل النساء الكمّل في هذه الدنيا؛ لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا خديجة ومريم بنت عمران وآسية زوج فرعون).

    وفضائلها كثيرة جداً، قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد).

    وروى البزار والطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين).

    ولننظر إلى زوج فاطمة فارس الفرسان، أول المسلمين من الفتيان، ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب الفارس المغوار الشجاع البطل الهمام الكمي رضي الله عنه وأرضاه، قال أبو رافع (أول من أسلم من الرجال علي ، وأول من أسلم من النساء خديجة) رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).

    قال الذهبي رحمه الله في مقدمة ترجمة فاطمة رضي الله عنها: سيدة نساء العالمين في زمانها، البضعة النبوية، والجهة المصطفوية، بنت سيد الخلق رسول الله أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشية الهاشمية، أم الحسنين رضي الله عنها وأرضاها.

    ونعيش هذه المعاني وقد خفق بها قلب إقبال الشاعر الكبير فقال:

    نسب المسيح بنى لمريم سيرة بقيت على طول المدى ذكراها

    والمجد يشرق من ثلاث مطالع في مهد فاطمة فما أعلاها

    هي بنت من هي زوج من هي أم من من ذا يداني في الفخار أباها

    هي ومضة من نور عين المصطفى هادي الشعوب إذا تروم هداها

    ولزوج فاطمة بسورة هل أتى تاج يفوق الشمس عند ضحاها

    أسد بحصن الله يرمي المشكلات بصيقل يمحو سطور دجاها

    في روض فاطمة نما غصنان لم ينجبهما في النيرات سواها

    فأمير قافلة الجهاد وقطب دائرة الوئام والاتحاد ابناها

    هي أسوة للأمهات وقدوة يترسم الفجر المنير خطاها

    لما شكا المحتاج خلف رحابها رقت لتلك النفس في شكواها

    جادت لتنقذه برهن خمارها يا سحب أين نداك من جدواها

    فمها يرتل آي ربك بينما يدها تدير على الشعير رحاها

    رضي الله عنه وأرضاها.

    ولادتها ولقبها

    ثانياً: الوليدة الجديدة.

    ولدت رضي الله عنها -كما ذكر ابن سعد في الطبقات- وقريش تبني البيت، وذلك قبل نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم بخمس سنين، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: والذي تسكن إليه النفس على ما تواترت به الأخبار في ترتيب بنات النبي صلى الله عليه وسلم أن زينب الأولى، ثم الثانية رقية ، ثم الثالثة أم كلثوم ، ثم الرابعة فاطمة الزهراء رضي الله عنها.

    وقال ابن حجر في الإصابة: ولدت فاطمة والكعبة تبنى، والنبي ابن خمس وثلاثين سنة، وبهذا جزم المدائني . قال ابن حجر : وهي أسن من عائشة بخمس سنين.

    وأما الزهراء فهو وصف لم يذكر في شيء من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، لكنه ذكر في تراجمها غلبة لهذا المعنى الذي هي أشبه به رضي الله عنها، قال صاحب التاج: والزهراء: المرأة المشرقة الوجه، والبيضاء المستنيرة المشربة بحمرة، والزهراء: البقرة الوحشية. ومعلوم أنهم يضربون بها المثل في الجمال، كما قال قيس بن الحظيم:

    تمشي كمشي الزهراء في دمث الـ ـرمل إلى السهل دونه الجرف

    قال: الزهراء كذلك السحابة البيضاء التي تبرق وتستنير بذلك البرق. فهذه ولادتها رضي الله عنها، فهي أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأحبهن إليه كما سيأتي ذكره.

    خطبتها رضي الله عنها

    ونمضي إلى صورة واسعة هي أوسع الصور فيما ورد من ترجمة فاطمة رضي الله عنها الزوجة الأثيرة ليكون درساً للآباء والأمهات والبنات وللأمة كلها كيف يكون الزواج، وكيف يكون المهر، وكيف تكون الحياة، وكيف يكون تدبير الأمور، ونحن اليوم نعاني ما نعاني من هذه المشكلات التي أورثت خللاً في المجتمعات، والتي ساعدت على شيوع المعاصي وكثرة السيئات، وقللت من الحصانة والعفة وغير ذلك مما نعلمه.

    أما خطبتها فقد كانت -على ما رواه ابن سعد في الطبقات- بتدرج وببيان لمكانها ومقامها رضي الله عنها، فقد روي أن أبا بكر خطب فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أبا بكر ! انتظر بها القضاء) وخطبها عمر فقال له: (انتظر بها القضاء) ثم قال بعضهم لـعلي : اخطب فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: بعد أبي بكر وعمر ؟! فذكروا له قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطبها فزوجه النبي إياها.

    وروى الطبراني بسند رجاله ثقات عن حجر بن عنبس قال: (خطب أبو بكر وعمر فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي: هي لك يا علي ؛ لست بدجال) أي: لست بكذاب. قال الشراح: وذلك أنه قد وعد علياً بها قبل خطبة أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين.

    والنبي صلى الله عليه وسلم شاورها واختار لها علياً ربيبه الذي تربى في حجره وعلى نظره، وكان علي يقول: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع سنين لا أصلي إلا أنا وهو. يعني: قبل أن يفشو الإسلام، وقبل أن تظهر الجماعة، وقبل أن يكون دار الأرقم وغير ذلك.

    يقول ابن سعد في الطبقات: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـفاطمة : (إن علياً يذكرك -يعني: يخطبك- فسكتت؛ فزوجها النبي صلى الله عليه وسلم) .

    وفيما جاء أيضاً في خطبة علي رضي الله عنه ما رواه بريدة أن نفراً من الأنصار قالوا لـعلي رضي الله عنه: اذكر فاطمة واخطبها، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن حرضه نفر من الأنصار، فقال له عليه الصلاة والسلام: (ما حاجة ابن أبي طالب ؟ قال: ذكرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مرحباً وأهلاً، لم يزده عليهما، فقال: ورجع، فقال له الرهط: ما قال لك؟ قال: ما زاد أن قال: مرحباً وأهلاً. قالوا: يكفيك من رسول الله إحداهما، أعطاك الأهل وأعطاك المرحب، فلما كان بعد أن زوجه قال: يا علي! إنه لابد للعروس من وليمة).

    زواجها رضي الله عنها وأرضاها

    تلك كانت خطبتها رضي الله عنها وأرضاها، وعندما تزوجها علي -كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب- كان عمرها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، وكان عمر علي واحداً وعشرين عاماً على الصحيح في هذه الروايات، وكان هذا الزواج في رجب بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقدمه المدينة بنحو خمسة أشهر، ثم بنى بها -أي: دخل بها- بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر، وأخطأ من قال: إن البناء كان بعد يوم أحد؛ لأن القصة فيها أن حمزة رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم نحر شارفين في وليمة عرس علي رضي الله عنهما.

    فهذه قصة زواج فاطمة رضي الله عنها، فكيف جهزت؟ وما كان مهرها؟ وكيف كانت وليمتها؟ وكيف كان بيتها وجهازها؟ ثم كيف كانت عيشتها ومسيرتها في حياتها؟

    أما المهر فالروايات متكاثرة في أنه عندما خطب علي رضي الله عنه وتقدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والله ما لي من شيء. فقال: وكيف؟ قال: فذكرت صلته وعائدته علي -يعني: فضل النبي عليه الصلاة والسلام عليه- فتجرأت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما تصدقها؟) أي: ما تعطيها من المهر؟ فمن هذه الممهورة؟ ومن هذه المخطوبة؟ هي بنت محمد صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! ما عندي ما أصدقها) ليس عند علي مهر، قال: (ولم يكن يومئذ صفراء ولا بيضاء)، لا ذهب ولا فضة عند علي ولا عند غيره إذ ذاك في أول الهجرة وفي مطلع الشدة حين كان المسلمون في شدة كبيرة.

    فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أين درعك الحطمية؟)، وهي درع أعطاها له رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر، و(الحطمية): نسبة إلى بطن حطم بن محارب كانوا مشتهرين بصناعة الدروع، وقيل: الحطمية التي تحطم السيوف، وقيل: الثقيلة الحصينة.

    قال: (أين درعك الحطمية؟ قال: هي عندي يا رسول الله، قال: أصدقها إياها، فباعها بأربعة وثمانين درهماً فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاها بلالاً وقال: اجعلوا ثلثيها في الطيب، وثلثاً في المتاع)، وهذا من فقه النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بطبائع النساء، أمرهم أن يجعلوا ثلثيها في الطيب وثلثاً في المتاع واللباس وغير ذلك، فهذا كان مهر سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها وأرضاها، فما بال من يغالون في مهور بناتهم؟ أيظنون ذلك منقبة وشرفاً؟! أيظنونه تعظيماً لمقام بناتهم؟! لو كان ذلك كذلك لكان الأحق به بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد توليت عقد نكاح فذهبت أكتب هذا العقد لأصحابه، فرأيت عقداً قبله والمهر مسطور فيه بمائة ألف، فقلت: يا للعجب! وما ينفع ذلك أو يفيد؟! ونرى أننا بهذا نسد كثيراً من أبواب الحلال ونفتح أبواباً ونيسر طرقاً للحرام، وقد نكون بذلك آثمين، وقد يكون الآباء في هذا ممن يعضلون بناتهم، وممن يكون عليهم وزر في هذا إذا فاتها قطارها، وتأخر عنها حظها من بعد، فهذه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا مهرها.

    جهازها وأثاث بيتها رضي الله عنها

    أما جهازها فقالت أم أيمن: وليت جهازها، فكان فيما جهزتها به مرفقة من أدم -من جلد- حشوها ليف، وبطحاء مفروشة في بيتها. هذا هو الفراش الوثير الذي كان في بيت فاطمة رضي الله عنها.

    وقد وردت روايات كثيرة في هذا المعنى، وقد جاءوا بهذا التراب والحصى ليفرش في هذا البيت كأنما هو توطئة، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث مع فاطمة بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف ورحائين وسقاء وجرتين، فكم هي هذه الثروة عظيمة؟ وكم هي موجودة في هذا البيت الذي كأنما هو قصر عامر؟ وهو كذلك عامر بالإيمان والتقوى، وما كان حشو فراشهما ووسائدهما إلا الليف، بل قد ورد في صداقها أنه كان لهم جلد لخروف، إذا ناموا جعلوه على جهة الصوف، وإذا احتاجوه لفوه من جهة الجلد، وهذا يدلنا على البساطة. ورواية أم أيمن المذكورة رواها الطبراني وإسناده رجال الصحيح.

    لننظر إلى هذه المعاني، فمن كانت هذه مقدمتها في خطبتها وفي مهرها وفي جهازها فأي شيء تكون عيشتها؟ وعلى أي صورة تكون حياتها؟ هل فيها مثلما عند نسائنا حيث لابد أن يكون المسكن فيه كذا من الغرف، ولابد أن يكون فيه غرفة للنوم، وأخرى للطعام، وثالثة للجلوس، ورابعة لكذا وكذا، وخامسة لكذا؟ وكأنما يريد أن يسكن في جنة قبل جنة الآخرة، ولا نقول هذا -ونحن نعرف أوضاع الحياة الاجتماعية- تحريماً له، لكن إذا وجد ما يقتضي التنازل عنه مما هو خير في جمع بين زوجين صالحين فالعاقل من يصنع ذلك، ويتأسى بخير خلق الله عليه الصلاة والسلام، ولتكن ابنته في شرفها وفخرها أنها كان لها أثر من فاطمة أو غير فاطمة من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فأين كان سكنها وكيف عاشت؟

    في رواية ابن سعد في الطبقات عن أبي جعفر لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل منزلاً، فطلب علي منزلاً حتى يسكن فاطمة فيه، فأصابه مستأخراً عن النبي صلى الله عليه وسلم بعيداً عنه، والنبي لم يكن يحب بعد فاطمة عنه أبداً، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت فاطمة فقال: (إني أريد أن أحولك إلي تكونين قريبة مني. فقالت: كلم حارثة بن النعمان أن يتحول) وكان بيته قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم، فأرادت أن يتحول لتأتي مكانه، فقال عليه الصلاة والسلام: (قد كلمت حارثة وقد تحول عنا حتى استحييت منه) يعني: أكثر من واحد يريد الجوار وهذا ينتقل. فسمع حارثة رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! إنه بلغني أنك تحول فاطمة إليك، وهذه منازلي وهي ألصق بيوت بني النجار بك -أي: أقربها- وإنما أنا ومالي لله ولرسوله، والله -يا رسول الله- للمال الذي تأخذ أحب إلي من الذي تدع، هكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فتحولت إلى جوار أبيها عليه الصلاة والسلام.

    فاطمة وعلي رضي الله عنهما ومكابدة الحياة

    خذ هذه اللوحة المعبرة المؤثرة في هذه الحياة الزوجية: أقبل علي ذات يوم على فاطمة ودخل وهو منهك متعب مجهد من طبيعة الحياة وشدتها وكسب العيش وكده، فقال: والله! لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، والسانية: البعير الذي يستقى به الماء، كان علي يسقي الماء عن طريق الناقة وأحياناً بنفسه، قال: قد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه. انتصر المسلمون في معركة، وكان عند الرسول صلى الله عليه وسلم سبي، فقال: اطلبي منه خادماً؛ فأنت ابنته أقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه. فذهبت فاطمة إلى أبيها عليه الصلاة والسلام، فقال: (ما جاء بك يا بنية؟) قالت: جئت لأسلم عليك. واستحيت أن تذكر حاجتها، وقد قالت عندما قال علي ذلك: وأنا قد طحنت في الرحى حتى مجلت يداي. والمجل: هو ثخن الجلد ووجود البثور فيه، وذلك من كثرة ما كانت تطحن الشعير رضي الله عنها وأرضاها، فلما ذهبت إلى أبيها استحيت أن تذكر حاجتها فرجعت، فقال علي : كلمتيه؟ قالت: لا. فأخذها علي وذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي : والله -يا رسول الله- لقد سنوت حتى اشتكيت صدري. وقالت فاطمة : قد طحنت حتى مجلت يداي، قال: وقد أتى الله بسبي وسعة فأخدمنا.

    فماذا قال القدوة العظمى صلى الله عليه وسلم؟ قال: (والله! لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانها)، فهناك أولويات، فهذان يريدان خادماً، وفي المسلمين من أهل الصفوة من لا يجد طعاماً، قال: (والله! لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم).

    لكن هل قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم لا تغمره الرحمة والشفقة على ابنته وفلذة كبده؟ بلى كان ذلك في نهار ذلك اليوم، وإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم في مسائه وليله يأتي إليهما، ويطرق عليهما بابهما، وقد دخلا في كسائهما، وعليهما غطاء إن غطيا الرأس بدت الأقدام، وإن غطيا الأقدام بدا الرأس.

    فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فأرادا أن يقوما فقال: (مكانكما. ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ فقالا: بلى يا رسول الله! فقال: كلمات علمنيهن جبريل : تسبحان في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدان عشراً، وتكبران عشراً، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا ثلاثاً وثلاثين، فذلك خير لكما من خادم).

    قال علي : فما تركتها منذ سمعتها، فقال ابن الكواء : ولا ليلة صفين؟! قال: ولا ليلة صفين يا أهل الطرق! أي: أهل الفتن.

    فذكر علي ذلك في محافظته على ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم.

    وانظر إلى هذه الصورة: علي يشقى، وفاطمة تتعب، والسبي موجود، والأمر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه يريد لأحب أحبابه وأقرب المقربين إليه ما هو الأفضل والأكمل، لا يريد خادماً في الدنيا، وإنما خداماً في الجنة، يريد عمران الدار الآخرة قبل عمران هذه الدار، ولذلك صرفهما إلى عبادة، لكن في قلبه من الشفقة والرحمة ما جعله لا ينسى طلبهما، ولا ينسى أنما قاله لهما ربما أدخل إلى نفوسهما شيئاً من هم أو غم، فمسح ذلك بقدومه عليهما، وإيناسه لهما، وتقديمه الخير لهما عليه الصلاة والسلام.

    وهناك صورة أخرى لنرى ما يدور في بيوتنا من المشكلات بين الزوجات وأمهات الأزواج، حتى أصبح هذا الباب باباً تسطر فيه الأقلام، وتمثل فيه التمثيليات والمشاهد كما نسمع، بل وتضرب فيه الأمثال.

    فهذه رواية ابن عبد البر يذكرها في الاستيعاب عن ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري قال: قال علي لأمه: اكفي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخدمة خارجاً وسقاية الماء والحطب، وتكفيك العمل في البيت والعجن والخبز والطحن.

    وهذه صورة من بر الأم ورحمة الزوجة وألفة الأسرة الواحدة بعيداً عن الخصومات والنزاعات والمكائد التي تحفل بها كثير من البيوت من خلال ما يتسرب إلينا من الأفكار الدخيلة، والمضامين التي تبث عبر كثير من الوسائل والطرق مكتوبة ومرئية ومسموعة ونحو ذلك.

    هذه ومضات من الحياة الزوجية لتلك الزوجة الأثيرة رضي الله عنها وأرضاها، وأحسب أن فيما نذكره من العبرة ما يغني عن كثير من التعليق والتفريع من كلامنا وقولنا، فحسبنا بهذه العظيمة الشريفة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كان مهرها درعاً، وأن كان فراشها أدماً حشوه ليف، وأن كان تجهيز بيتها سقاءين ورحائين، وأن كانت معيشتها أن تخدم بنفسها وأن تقوم بحق زوجها رضي الله عنها وأرضاها.

    1.   

    شبهها بالنبي صلى الله عليه وسلم ومكانتها في قلبه

    كانت فاطمة شبيهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكانت إذا دخل عليها قامت إليه وأخذت بيده وقبلته وأجلسته في مجلسها) رواه أبو داود في السنن.

    وفي رواية عند البخاري في الصحيح تخبر فيها عائشة بما كان من آخر أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: (إنا كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده جميعاً لم تغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رحب بها وقال: مرحباً بابنتي) .

    وفي حديث مسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني) رواه البخاري في الصحيح، والبضعة: القطعة من اللحم. وفي رواية من هذا الحديث في الصحيح أيضاً: (مضغة مني) ، وفي رواية حذيفة : (شدنة مني) أي: قطعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عليه الصلاة والسلام ينص على ذلك ويذكره، وكانت عائشة رضي الله عنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبصر الشبه وتدرك المقام وتعرف الصلة وتعرف وتدرك خفقات قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته الحبيبة الأثيرة رضي الله عنها.

    وهذا ابن عباس رضي الله عنه يروي أن المصطفى عليه الصلاة والسلام دخل على علي وفاطمة رضي الله عنهما وهما يضحكان، فلما رأيا النبي عليه الصلاة والسلام سكتا، فقال لهما عليه الصلاة والسلام: (ما لكما كنتما تضحكان فلما رأيتماني سكتما؟! فبادرت فاطمة فقالت: بأبي أنت يا رسول الله، قال هذا -تعني علياً -: أنا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فقلت: بل أنا أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك. فتبسم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال: يا بنية! لك رقة الولد، وعلي أعز علي منك)، وهذا من بديع قوله وفصيحه ومن حسن مأخذه عليه الصلاة والسلام، (لك رقة الولد وعلي أعز علي منك)، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

    وفي رواية مسور الأخرى: (فاطمة شدنة مني يبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما يقبضها، وإنه تنقطع يوم القيامة الأنساب إلا نسبي وحسبي) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والحديث رجاله ثقات كما ذكره الهيثمي في المجمع.

    وعن عمران بن حصين قال عمران : (إني لجالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت فاطمة فقامت بحذاء النبي صلى الله عليه وسلم -يعني: مقابلة له- فقال: ادني يا فاطمة فدنت دنوة، ثم قال: ادني يا فاطمة . فدنت دنوة، فقال: ادني يا فاطمة . فدنت دنوة حتى قامت بين يديه، قال عمران : فرأيت صفرة قد ظهرت على وجهها، وذهب الدم من شدة الجوع وشظف العيش. قال: فبسط النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه ثم وضع كفه بين ترائبها -أي: عظام صدرها- فرفع رأسه وقال: اللهم! مشبع الجوعة، وقاضي الحاجة، ورافع الوضعة، لا تجع فاطمة بنت محمد. قال عمران : فرأيت صفرة الجوع قد ذهبت عن وجهها وظهر الدم، ثم سألتها بعد ذلك فقالت: ما جعت بعد ذلك يا عمران) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عتبة بن حميد وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات.

    وهذا يدلنا على مكانتها ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم لها، وحسبنا بذلك منقبة وفضيلة وشرفاً وعزاً وكرماً لا يدانيها فيها غيرها كما سيأتي في تعليل ذلك، وفي حديث أبي ثعلبة الخشني -وقد رواه ابن عبد البر في الاستيعاب- قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يأتي فاطمة ، ثم يأتي أزواجه) لم؟ لأنها وحيدة بناته التي بقيت رضي الله عنها وأرضاها.

    وهذا ابن سعد في الطبقات يروي عن ابن أبي ثابت قال: كان بين علي وفاطمة كلام -أي: شيء من الخلاف- فدخل النبي عليه الصلاة والسلام فألقوا له شيئاً فاضطجع عليه، فجاءت فاطمة فاضطجعت من جنب، جاء وعلي فاضطجع من جنب، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ويدها فوضعها على سرته ثم أصلح بينهما، وخرج عليه الصلاة والسلام، فقيل: دخلت وأنت على حال وخرجت ونحن نرى البشر في وجهك! قال: (وما يمنعني وقد أصلحت بين أحب اثنين إلي) رضي الله عنهما وأرضاهما.

    هكذا كانت فاطمة رضي الله عنها شبيهة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبيبة إلى قلبه، وكانت مضرب مثله، ومضرب المثل لا يكون إلا في العزيز القريب الأثير، ألم يقل عليه الصلاة والسلام: (يا فاطمة بنت محمد! اعملي لا أغني عنك من الله شيئاً)؟ لم يخصها بالذكر؟ لقربها وحبها.

    ألم يقل عليه الصلاة والسلام يوم قصة المخزومية : (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)؟ إنه يدل على تعظيمه ومحبته لها عليه الصلاة والسلام.

    وذكر ابن حجر في الإصابة عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال: كانت فاطمة أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأحبهن إليه، سئلت عائشة رضي الله عنها -كما روى الترمذي في سننه بسند حسنه- فقيل لها: (أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: فاطمة. قيل: فمن الرجال؟ قالت: زوجها. إن كان كما علمت صواماً قواما). وتكلم الذهبي في السير على صحة هذا الحديث، وإن كان قد حسنه الترمذي ورواه الحاكم وصححه.

    وفي حديث بريدة: كان أحب النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة ومن الرجال علي . قال إبراهيم النخعي : يعني: من أهل بيته. ورواه الترمذي كذلك.

    1.   

    أسباب فضل فاطمة وخصوصيتها التي امتازت بها رضي الله عنها

    ولعلنا نتساءل هنا: لماذا كانت لـفاطمة هذه الخصوصية التي حظيت بها رضي الله عنها وأرضاها؟

    هناك إجابة طويلة، لكن لابد من ذكرها مع الإيجاز.

    معنى كنيتها الفريدة رضي الله عنها وأرضاها

    الأمر الأول: لأن لها كنية فريدة، وليس المقصود الكنية وإنما معناها، فكنيتها التي ذكرها الذهبي وابن حجر وغيرهما من العلماء هي (أم أبيها)، ولا أعرف أحداً من النساء كنيتها أم أبيها، فهي ابنته ولكنها تكنى بأنها أم أبيها، فلم كان ذلك كذلك؟ لأسباب كثيرة.

    فـفاطمة رضي الله عنها أصغر بناته، وكان بعض بناته قد تزوجن، فبنتاه الأوليان كانتا متزوجتين من ابني أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، تزوجا بهما في الجاهلية قبل الإسلام، وزينب مزوجة من أبي العاص بن الربيع ، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا فاطمة ، فكانت تشهد ما يلقى النبي عليه الصلاة والسلام من الأذى والصد والإعراض من قريش، وكانت معه عليه الصلاة والسلام في هذه المواقف كما سيأتي معنا، وبعد هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة لم يكن قد دخل بـعائشة فمن كان يخدمه؟ ومن كان في بيته يقوم بشأنه؟ ومن كان يعد طعامه؟ ومن كان يهيئ له أحواله؟

    إنها ابنته أم أبيها رضي الله عنها وأرضاها، ولذلك كانت قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفت بهذه الكنية الفريدة.

    امتداد نسل النبي صلى الله عليه وسلم عن طريقها رضي الله عنها

    الأمر الثاني: الذرية الحبيبة، فإنه قد قضت حكمة الله عز وجل أن ينقطع نسل بنات النبي صلى الله عليه وسلم الأخريات، وألا يبقى أبناؤهن، فلم يبق نسل متصل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، ونعلم كيف كان النبي يحب الحسن والحسين ، وكيف كان يحني ظهره فيرتحله الحسن والحسين فيقول: (نعم الراكبان أنتما، ونعم الجمل جملكما)، وعندما جاء الحسن والنبي يخطب في المسجد فعثر في مرطه نزل النبي عليه الصلاة والسلام من منبره وأخذه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعو الحسن والحسين إلا بـ(ابني)، وكانا يدعوانه: (يا أبتي)، فـفاطمة رضي الله عنها أبقت لنبي الله عليه الصلاة والسلام بفضل الله جل وعلا من يقول له: أب، ومن يقول هو لهم: أبناؤه.

    صحبتها الطويلة لأبيها صلى الله عليه وسلم

    الأمر الثالث: الصحبة الطويلة؛ فإن أخواتها من بنات رسول الله عليه الصلاة والسلام تتابعت وفاتهن وتقدمت، وبقيت هي مع النبي صلى الله عليه وسلم دهراً طويلاً، رقية ماتت وشغل بها عثمان في يوم بدر، وأم كلثوم توفيت بعد ذلك في العام الثامن أو التاسع من الهجرة، ولم يبق إلا فاطمة رضي الله عنها، فصحبت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتوفي ولفظ أنفاسه الأخيرة إلى الرفيق الأعلى وهي في هذه الحياة رضي الله عنها وأرضاها، فهذه صفحة من صفحات حياتها في شبهها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه إياها.

    1.   

    صبرها رضي الله تعالى عنها على البلاء

    يوجد الكثير من المناقب لـفاطمة رضي الله عنها، لنرى قدوة للنساء، فالمرأة اليوم من أدنى عارض تجزع وتصيح وتتراجع ولا تكاد تحتمل شيئاً، أما فاطمة فهذه محطات من الابتلاء مرت فيها بنجاح منقطع النظير.

    كلنا يعرف القصة الشهيرة المروية في السيرة لما ائتمر أبو جهل ومن معه من سفهاء قريش في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إذا سجد فضعوا سلا الجزور على رأسه وهو ساجد، وقام أشقى القوم عقبة بن أبي معيط ففعل ذلك، فلما نمى إلى فاطمة الخبر -وهي التي كانت في بيته عليه الصلاة والسلام- تحركت -وكانت صغيرة في السن- فذهبت فألقت ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ونظفته وطيبته، فما رفع رأسه من السجود إلا بعد أن فعلت ذلك.

    لقد كانت ترى صناديد قريش وهم يتعرضون له عليه الصلاة والسلام بالأذى القولي والفعلي وتحتمل ذلك، وترى في صبر النبي عليه الصلاة والسلام قدوتها وأسوتها رضي الله عنها وأرضاها.

    ثم بعد ذلك كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حصار الشعب الظلوم، عاشت ثلاث سنوات من أشد وأقسى السنوات التي مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والمسلمين الذين معه حتى أكلوا ورق الشجر، وحتى قرحت أشداقهم، ولقد روى سعد رضي الله عنه أنه ذهب يتبول قال: فإذا أنا أسمع قعقعة فأخذتها فإذا هي شنٌ -يعني: قطعة من جلد- فأخذتها فغسلتها فدققتها فسففتها فكانت قوتي أياماً.

    هكذا كانوا وكانت فاطمة البنت الرقيقة الصغيرة الفتية في عمرها، وإذا كان قد تزوج بها علي وهي بنت خمس عشرة سنة في المدينة فكم كان عمرها إذ ذاك؟!

    كانت صغيرة رضي الله عنها وأرضاها، فصبرت واحتملت ومرت بهذه الظروف العصيبة وشظف العيش وشدته تتأسى بأبيها عليه الصلاة والسلام.

    ثم من بعد ذلك كان فقد الأم العظيمة في عام سماه أهل السير (عام الحزن)، فقد كان من أشد ما مر برسول الله صلى الله عليه وسلم أن فقد زوجته خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها الحبيبة إلى قلبه المواسية له المؤازرة والمساندة له عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك عظيماً على أصغر البنات التي لم تكن تزوجت بعد وهي فاطمة رضي الله عنها، فصبرت واحتسبت ومضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم من بعد كانت هناك محطة رابعة في معاناة الهجرة الحزينة، فيوم هاجر رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يصحب معه بناته، ثم من بعد أرسل أبا رافع مولاه فأخذ زينب وفاطمة رضي الله عنهما، فلحق بهم الحويرث الأشقى فنخز بعيرهما وآذاهما فسقطتا من عليه وقد وهت أجسادهما، وكانتا ضعيفتين، وهذا هو الذي أعلن النبي عليه الصلاة والسلام عنه وعن نفر معه يوم فتح مكة أن يقتلوا ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، وذلك لما فعل هذا الشقي ببنات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومضت هذه الفتاة في ريعان شبابها تحتمل كل هذه الصعاب بإيمان عظيم وصبر جليل واحتساب للأجر عند الله سبحانه وتعالى، ومواصلة على الطريق دون جزع ولا تراجع ولا تضعضع ولا ضعف بحال من الأحوال.

    ثم ماذا بعد ذلك؟

    لقد كان موت الأخوة والأخوات، فإخوانها جميعاً ماتوا إبراهيم والقاسم أبناء النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أخواتها واحدة إثر الأخرى وهي تشيع وتدفن رضي الله عنها وأرضاها، والحزن يملأ قلبها فينصب على يقينها وإيمانها، فإذا بها ترضى بقضاء الله وقدره، لكن ذلك أمره عظيم.

    وقد ورد في بعض الروايات أنها شهدت أحداً، وكان لها شيء من المشاركة، ورأت ما رأت مما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم شج رأسه ودميت قدماه ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه، وقال عليه الصلاة والسلام: (اللهم! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).

    ثم كان المصاب الأعظم الذي لم تتماسك بعده حتى أدركتها منيتها وحانت وفاتها، ذلك الحدث هو فقد الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، يوم قالت فاطمة رضي الله عنها عندما زارت النبي صلى الله عليه وسلم: واكرباه! فقال عليه الصلاة والسلام: (لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة).

    ثم لما قضى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: واكرب أبتاه، إلى جبريل ننعاه، جنة الخلد مأواه. ثم لما دفن عليه الصلاة والسلام قالت لـأنس -كما في الصحيح-: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟! وفي بعض الروايات أنها ما رئيت مبتسمة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.

    وسنذكر الآن بعض فضائلها وما جاء في هذه القصص العظيمة، فكانت صابرة رضي الله عنها صبراً عظيماً يدلنا على ما ينبغي أن تتحلى به النساء المؤمنات من الصبر والاحتمال فيما يتعرضن له في طاعة الله سبحانه وتعالى والثبات على هذا الدين، لا أن يكون ذلك برقة وضعف وخور كما نرى، نسأل الله عز وجل السلامة.

    1.   

    فضائلها رضي الله عنها وأرضاها

    فضائل فاطمة رضي الله عنها كثيرة، ففي الصحيح من رواية عائشة : (كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها رحب بها وقال: مرحباً بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن يساره، ثم سارها -أي: أسر إليها كلاماً- فبكت -رضي الله عنها- ثم سارها مرة أخرى فضحكت، فقالت عائشة: خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين؟! ما قال لك؟ قالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت لها عائشة : عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أما الآن فنعم، أما حين سارني المرة الأولى فأخبرني أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري؛ فإنه نعم السلف أنا لك. قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني ثانية فقال: يا فاطمة ! أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت).

    وفي رواية في لفظ آخر: (لما رآها استبشر وتهلل، فسارها فبكت ثم ضحكت، فقالت عائشة : ما رأيت كاليوم أقرب فرحاً من بكاء) ثم سألتها.

    وفي رواية ثالثة: أن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كنت لأرى هذه -تعني فاطمة - لأعقل نسائنا فإذا هي امرأة من النساء، أي: أنها كانت تظنها ذات جلد، فلما رأتها تضحك وتبكي قالت: هذه امرأة من النساء ليس عندها شيء مختلف، فلما علمت بذلك عرفت.

    وفي رواية: (فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة وأنك أول أهلي لحوقاً بي؟! فضحكت) وهذا عند البخاري ومسلم ، وكان الأمر كذلك كما سيأتي في وفاة فاطمة رضي الله عنها.

    وهذا الحديث روي بروايات كثيرة، منها رواية الترمذي وفيها: (أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت).

    وفي رواية حذيفة عند الترمذي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (هذا ملك نزل من السماء لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي وأن يبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) أخرجه الترمذي وحسنه.

    وعندنا رواية في الفضائل -وسيأتي ذكرها باختصار فيما هو من الشبهات والأخطاء- هي رواية عند البخاري ومسلم ، وكذلك عند أبي داود والترمذي من حديث مسور بن مخرمة في قصة علي بن أبي طالب حين خطب بنت أبي جهل يريد أن يتزوجها على فاطمة ، قال: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال: (إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها. ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس ، ثم قال: وإني لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً، ولكن -والله- لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبداً).

    وفي الرواية الأخرى قال: (فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني، يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها). وهذا الحديث أيضاً من فضائلها رضي الله عنها وأرضاها.

    ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وفاطمة سيدة نسائهم إلا ما كان من مريم بنت عمران).

    والروايات كثيرة في فضائلها رضي الله عنها، ومما ذكره الترمذي أنه قال عليه الصلاة والسلام في شأن قصة إرادة علي خطبة بنت أبي جهل : (إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب ، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم؛ فإنها بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها) قال الترمذي : حديث حسن صحيح.

    1.   

    وقفات من شبهات المغرضين

    وقفة مع شبهة هجرها لأبي بكر رضي الله عنه في قضية الميراث

    وقفة مع الأوهام الخاطئة ومع الأفكار الزائغة التي تشوه علينا هذه الصورة المشرقة الوضاءة في سيرة وتعامل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهناك بعض الأوهام التي أخذها بعض الناس مآخذ تبعد عن فهم حقيقة إيمان الصحابة وفضيلتهم رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن ذلك ما هو مشهور في الحديث الصحيح عند البخاري أن عائشة روت أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبيها سألت أبا بكر ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا نورث، ما تركنا صدقة) فغضبت فاطمة وعاشت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، والحديث عند البخاري في الصحيح، وقد أورده بألفاظ مختلفة كثيرة، وبعض الناس أخذوا هذا مآخذ شتى، وجعلوا ذلك خصومة بين أبي بكر رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها، وبين عائشة رضي الله عنها وعمر رضي الله عنهم أجمعين، وما فقهوا فقه الإيمان، وما عرفوا كيف كان أولئك النفر من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونحن قد عرفنا ما روت عائشة في فضائل فاطمة وما كانت تلمحه وتدركه من شبهها برسول الله عليه الصلاة والسلام ومحبته لها عليه الصلاة والسلام.

    وأما هذا فقد ذكر العلماء فيه -بإيجاز- أنه أخذ فيه أبو بكر بسنة وحكم النبي صلى الله عليه وسلم، وأن فاطمة كانت متأولة، فقد كانت تظن أن هذا الحديث لا يدخل فيما أفاء الله عليه من الأراضي كأرض فدك وخيبر وغيرها، ولم يكن من فاطمة رضي الله عنها إلا ما كان من حزنها على أبيها؛ فإنها لم تمتنع عن أبي بكر فحسب، بل كانت بعيدة عن الناس وعن مؤانستهم بسبب حزنها الشديد على فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كانت أول أهله لحوقاً به كما ذكر عليه الصلاة والسلام.

    والروايات يذكرها ابن حجر ويبين معانيها في الفتح، فقد ذكر أن فيما رواه أحمد وأبو داود أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر : أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله؟ قال: بل أهله. قالت: فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله إذا أطعم نبياً طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده)، فرأيت أن أرده على المسلمين. قالت: فأنت وما سمعته. قال: فهذا لا يعارض ما في الصحيح من صريح الهجران، ولا يدل على الرضا، ثم ذلك فيه لفظة منكرة، وبعد ذلك ذكر رواية الشعبي عند البيهقي أن أبا بكر عاد فاطمة -أي: زارها- فقال لها علي : هذا أبو بكر يستأذن عليك. قالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم. فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت.

    قال ابن حجر : وهو وإن كان مرسلاً فإسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة في هجر أبي بكر ، وقال بعض الأئمة: إنما كان هجرها انقباضاً عن لقائه والاجتماع به، وليس ذلك من الهجران المحرم، فإن شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا ويعرض هذا، وكأن فاطمة لما خرجت رضي الله عنها من عند أبي بكر رضي الله عنها تمادت في اشتغالها بحزنها ثم بمرضها، وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر ، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: (لا نورث)، ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم رضي الله عنه.

    فهل في مثل هذا الفقه ما يثيره أولئك القوم من هذه الفتن والمحن التي يجترءون بها على مقام صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذمون من ثبت في القرآن مدحهم والثناء عليهم.

    ونحن نعرف في هذا أقوالاً كثيرة، حتى إن ابن حجر رحمه الله أفاض فيها وذكرها، ومن ذلك في هذا السياق ما ذكر في الصحيح -أيضاً- أنه لما ماتت فاطمة رضي الله عنها دفنها علي ليلاً لم يؤذن بها أبا بكر.

    فقالوا: ذلك خصومة، وذلك لئلا يصلي عليها أبو بكر وغير ذلك. لكن ماذا قال أهل العلم؟ قالوا: كان ذلك بوصية منها لإرادة الزيادة في التستر، ولعله لم يعلم علي أبا بكر بموتها لأنه ظن أن ذلك لا يخفى عليه، وليس في الخبر ما يدل على أن أبا بكر لم يعلم بموتها ولا صلى عليها.

    وعلي بايع أبا بكر وكان الناس قريباً منه، ورجع إلى المعروف رضي الله عنه وأرضاه بعد موت فاطمة وأعلن بيعته، ولم يكن في تركه للبيعة قبل موتها شق عصا ولا مخالفة، ولا إبطال لهذه البيعة، لكنه احترم شعور فاطمة وحزنها، وانشغل بها حتى قضى الله ذلك الأمر، قال المازري رحمه الله: العذر لـعلي في تخلفه مع ما اعتذر هو به أنه يكفي في بيعة الإمام أن يقع من أهل الحل والعقد، ولا يجب الاستيعاب.

    ولا يلزم كل أحد أن يحضر عنده ويضع يده في يده، بل يكفي التزام طاعته والانقياد له بألا يخالفه ولا يشق العصا عليه، وهذا كان حال علي ، فلم يقع منه إلا التأخر عن الحضور عند أبي بكر ، وقد ذكر سبب ذلك.

    وأما رواية البخاري أن ذلك كان كراهية حضور عمر ، قالوا: لأن عمر كان رجلاً صلباً شديداً، فخشوا من أن تكون المعاتبة وشدة القول في الأخذ والرد، وهم كانوا يريدون المصافاة، حتى إنه لما أراد أن يذهب قيل له: لا تذهب إليهم. فقال: وما عساهم أن يفعلوا بي! وقال علي رضي الله عنه في سياق هذا الحديث كلاماً نفسياً رضي الله عنه وأرضاه، وقال أبو بكر كلاماً نفيساً كذلك، فتشهد علي -أي: قال: أشهد ألا إله إلا الله- واستفتح الكلام فقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر. وفي شرح ذلك قالوا: إن علياً كان يرى أن بعض الأمور كان ينبغي أن يشهدها ويستشار فيها، وأبو بكر رضي الله عنه كان يرى جزم الأمر والإسراع فيه؛ لئلا لا ينفرط الحبل، وعلي شغل برسول الله عليه الصلاة والسلام وبـفاطمة من بعده، فلم يكن إلا ذلك.

    قال علي رضي الله تعالى عنه: وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيباً. قال الراوي -كما في البخاري -: حتى فاضت عينا أبي بكر بكاءً رضي الله عنه، فلما تكلم قال: والذي نفسي بيده! لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيه عن الخير، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه إلا صنعته. فقال علي لـأبي بكر : موعدك العشية للبيعة. فلما صلى أبو بكر الظهر رقي على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر، ثم تشهد علي فعظم حق أبي بكر وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكاراً للذي فضله الله به، ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيباً فاستبد علينا فوجدنا في أنفسنا. فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت. وكان المسلمون إلى علي قريباً حين راجع المعروف.

    فهل في هذا النص ما يقوله القائلون وما يرجف به المرجفون وما يقوله الذين أفسدوا على الناس مقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينبغي أن يكون عليه حالهم؟!

    إن كان الناس يبرءون أنفسهم من مثل هذه الشحناء فكيف بأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! بل كيف بالصفوة المباركة من المقربين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    وقفة مع شبهة منع النبي صلى الله عليه وسلم علياً عن زواج ابنة أبي جهل

    وقفة ثانية في هذه الأوهام والأخطاء، ففيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم).

    قال النووي رحمه الله: قال العلماء: في هذا الحديث تحريم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بكل حال وعلى كل وجه، وإن تولد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحاً وهو حي عليه الصلاة والسلام، وهذا بخلاف غيره، فلما كان ذلك يؤدي إلى إيذاء فاطمة وذلك يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم حرم من هذا الوجه.

    أو لم يكن ممكناً الجمع بينهما من هذا الوجه، قال النووي : وقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بإباحة نكاح بنت أبي جهل لـعلي بقوله: (لست أحرم حلالاً، ولا أحل حراماً) ولكنه نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين: إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة فيتأذى حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيهلك من آذاه، فنهى عن ذلك لتمام شفقته على علي وعلى فاطمة .

    والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة.

    وقيل: هذا كان بسبب الغيرة، وهو مذكور أيضاً، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (إني أخشى أن تفتن في دينها) أي: بسبب غيرتها؛ لأنها ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي ابن عمها رضي الله عنهما، ولذلك أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين هذا، فترك علي خطبتها لئلا يؤذي رسول الله عليه الصلاة والسلام، وثبت أن علياً لم يتزوج معها غيرها، بل ولم يتسر بغيرها من السراري أو الإماء حتى توفيت رضي الله عنها وأرضاها.

    هذا موجز ما ذكره النووي ، وقد أفاض -أيضاً- القرطبي في شرح مسلم والمازري والقاضي عياض في هذه المعاني بنفس هذا المعنى أو قريباً منه.

    وهذه المسائل عند أهل السنة والجماعة وأهل الإيمان والتقوى واضحة لا تلتبس، إلا عند الزائغين والمنحرفين الذين نسأل الله عز وجل أن يسلمنا من طرقهم، وأن يجنبنا مسالكهم، وأن يهديهم إلى سواء السبيل والصراط المستقيم؛ فإن الثلم والذم لأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام معارضة لكتاب الله عز وجل ولما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو ذم لهم حتى ولو لم يكن ذلك في النصوص، فلئن كان ذلك كذلك فأي قوم كان هؤلاء؟ وكيف عن لهم أن يكونوا من أصحاب النبي وحملة الدين ثم يكونوا على هذا الذي يصور من فرقتهم وخلافهم وكيد بعضهم لبعض ونحو ذلك؟

    وكيف يمكن أن نفهم وندرك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تزوج أم كلثوم بنت علي رضي الله عنه؟!

    وكيف ندرك هذه العلاقات العظيمة والمآثر الكريمة والأقوال الجليلة في مدح بعضهم بعضاً، وثناء بعضهم على بعض، ومعرفة بعضهم حق بعض، حتى قال سعد -وهو حديث مشهور- ثلاث لـعلي تمنيت لو أن لي واحدة منها، وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم له: (أما أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) وذكر كذلك قوله صلى الله عليه وسلم في يوم خيبر : (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) فهذا كله معروف شائع بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومقامهم وحالهم يدلنا على أنهم أليق بذلك وأجدر به، وإن كنا اليوم نعيب الإنسان إذا كانت له خصومة مع صديق أو حبيب أو قريب، ونرى في ذلك جفاء في طبعه، ونرى في ذلك سوءاً في خلقه؛ فكيف ينسب ذلك إلى صفوة الخلق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وكيف ينسب إلى أبي بكر وهو الذي يبكي عندما يذكر أبناء وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهو الذي جعل نفسه قائماً بأمر الأمة كلها عموماً وأمر أهله صلى الله عليه وسلم خصوصاً! وكيف بـعمر رضي الله عنه الذي كان يعطي أمهات المؤمنين أكثر ما يعطي من العطاء الذي يوزعه للمسلمين، وغير ذلك مما هو مشهور معلوم ثابت في الصحيح.

    فلاشك أن هذا من زيغ الفكر، ومن ظلمة القلب، ومن انحراف النهج والقصد، ومن الفتنة التي ينبغي لكل مسلم أن يبرأ منها، وأن يجتنبها، وأن يحذر الناس منها، وأن يدعو إلى غيرها، وأن ينبه الواقعين فيها، ونحن -بحمد الله عز وجل- في قلوبنا من الإيمان واليقين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والتعظيم والإجلال لأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يكون وقاية لنا من ذلك.

    1.   

    وفاة فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها

    وقفتنا الأخيرة في وفاة فاطمة رضي الله عنها، وما أدراك ما وفاتها؟!

    توفت -على الصحيح- بعد ستة أشهر من وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي يوم وفاتها نادت مولاتها أم رافع ، وجاءت بماء فاغتسلت أحسن اغتسال، ثم لبست أحسن ثيابها، ثم طلبت أن يكون فراشها في وسط بيتها، ثم اضطجعت واستقبلت قبلتها وقالت: كأني مقبوضة. فما لبثت أن قبضت روحها إلى خالقها وبارئها رضي الله عنها وأرضاها، وكان ذلك وهي ابنة ثلاثين سنة على الصحيح، كما روى ذلك عبد الله بن محمد بن الحسن.

    وقد صلى عليها العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل في قبرها علي والفضل رضي الله عنهم أجمعين، وكانت فاطمة رضي الله عنها هي أول من وضع له القباء من نساء المسلمين؛ لأنها كانت رضي الله عنها حيية تحب الستر، فكانت في حديث مع أسماء تقول لها: هؤلاء النساء عندما يكفن يكون الثوب فوقهن فكأنه يصف أجسادهن! فقالت: لقد رأيت شيئاً عند أهل الحبشة. وذكرت لها أنهم يضعون جريداً فيرفعون به عن جسم المرأة، فلما ماتت فاطمة رضي الله عنها صنع بها ذلك، فكانت أول امرأة في الإسلام فعل بها ذلك.

    ومضت إلى الله سبحانه وتعالى بهذا الصبر والاحتمال والقرب من رسول الله عليه الصلاة والسلام، والنموذج المثالي للمرأة المسلمة الصابرة المحتسبة، والزوجة الوفية العاملة البارة بزوجها الوفية لعشرتها، وكان لها أعظم الفضل فيما أكرمها الله عز وجل به من الأبناء الذين كان لهم أثر عظيم وبر كبير ومنفعة، حتى ذكر النبي عليه الصلاة والسلام من مناقب الحسن والحسين ما هو معلوم.

    فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبلها في عباده الصالحين، وأن يجعلها في أعلى عليين، وأن يجعلها قدوة لنساء المسلمين، وأن يلحقنا بها وبأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على خير ما يحب ويرضى سبحانه وتعالى من الإيمان والتقى والهدى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    الوقعة التي أعطي فيها علي الدرع الحطمية

    السؤال: هل أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الدرع الحطمية لـعلي رضي الله عنه في غزوة أحد؟

    الجواب: القول بأنه صلى الله عليه وسلم أعطاها لـعلي رضي الله عنه بعد غزوة أحد غير صحيح، بل أعطاه إياها بعد غزوة بدر؛ ولذلك استشكل بعض الناس: كيف نحر حمزة شارفين في وليمة عرس علي رضي الله عنه؟

    حكم القول للعروس: جمع الله بينكما كما جمع بين علي وفاطمة

    السؤال: ما حكم القول للعروس: جمع الله بينكما كما جمع بين علي وفاطمة ؟

    الجواب: لا أعرف لذلك أصلاً، والذي ذكر في الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعلي : (إذا أخذت زوجك فلا تصنع شيئاً حتى آتيك)، وأم أيمن هي التي تولت الجهاز، فجاء صلى الله عليه وسلم فسلم فردت أم أيمن فقال: (أين أخي؟) قالت: كيف أخوك وزوجته ابنتك؟! (قال: ذلك يكون) يعني: هو أخي في الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين علي يوم آخى بين المهاجرين والأنصار، فلم يكن لـعلي أخ من الأنصار، بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو أخاه.

    ثم لما جاء دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء، قيل: توضأ فيه، وقيل: مج فيه. ثم سكب منه على علي وفاطمة ودعا لهما وبرك عليهما -أي: دعا لهما بالبركة-، ثم قال لـعلي : (خذ أهلك وزوجك).

    التخفيف في نفقات الزواج لسد حاجة الأمة

    السؤال: هل من باب الأولويات التوفير والتخفيف في نفقات الزواج لنسد الثغرات الكثيرة في جراحات الأمة؟

    الجواب: هو كذلك، فلم يسرف الناس في هذا والمسلمون اليوم في كرب وضنك وحاجة شديدة؟! وكثير من المال الذي يصرف في غير مكانه قد يكون في كثير من الأحوال إثماً يسجل على صاحبه، وبعض الناس يقولون: هي ليلة العمر، وبعض الناس يقولون غير ذلك، فنقول: ما جاوز حد الاعتدال فهو سرف، وما كان فيه إثم أو حرمة فهو حرام في ذلك اليوم وفي غيره، في تلك الليلة وفي غيرها.

    الاقتداء ببيت علي رضي الله عنه

    السؤال: أيكون بيت علي رضي الله عنه أنموذجاً لبيوت المسلمين؟

    الجواب: نعم، هو أنموذج ينبغي أن يقتدى به.

    حكمة عدم مجيء الأولاد للنبي صلى الله عليه وسلم من غير خديجة من الزوجات

    السؤال: هل ورد بيان لحكمة عدم مجيء الأولاد للنبي صلى الله عليه وسلم من غير خديجة رضي الله عنها؟

    الجواب: كذا قدر الله عز وجل.

    حكم اختصاص فاطمة رضي الله عنها بمكانتها العالية عند أبيها

    السؤال: لم خصت فاطمة بتلك المحبة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم من بين أخواتها، وهل كان ذلك قبل موتهن أو بعده؟

    الجواب: الغالب أنه بعده، والغالب أنه لقربها منه، ولكونها امتدت في حياتها معه ذلك الوقت كله، فكان من هذا ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام من فضائلها، ولأخواتها أيضاً من الفضائل ما قد ذكر في نصوص أخرى، لكن فضل فاطمة قد اشتهر؛ لأنها بقيت إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي أبقى الله عز وجل ذريتها ليكون امتداد نسب النبي عليه الصلاة والسلام من فاطمة رضي الله عنها.

    الحل العملي لطالب الزواج وحكم الزواج المبكر

    السؤال: هناك من يطلب الدعاء بأن ييسر الله له الزواج؛ وما حكم الزواج المبكر؟

    الجواب: الدعاء مبذول، ولكن نقول: على الناس جميعاً أن يسعوا في ذلك سعياً عملياً صحيحاً، وأن يكونوا بالفعل قائمين بهذا، وأما الزواج المبكر فنقول: هو خير كله، وابحث في سير الأصحاب وفي سير الأئمة والعلماء فإنك ستجد ذلك ظاهراً وواضحاً لا يحتاج إلى دليل.

    شبهة بناء النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة وهي ابنة ست سنين

    السؤال: بعض الناس عندهم شيء من الشبهات المعاصرة حيث يقولون: كيف نقول للناس: إن النبي عليه الصلاة والسلام عقد على عائشة وهي ابنة ست، وبنى بها وهي ابنة تسع؟

    الجواب: كيف لا يصلح أن نقوله لغير المسلمين وهم يصنعونه سفاحاً، ويصنعونه جريمة، ولا يقبلون أن يكون نكاحاً! وقد كان ذلك مشهوراً في بيئة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد يكون مستغرباً الآن، لكنه في وقته لو كان مطعناً أو كان سبباً للذنب لما تأخر المشركون والكافرون الذين يتربصون برسول الله عليه الصلاة والسلام الدوائر في ذمه وفي التشنيع عليه، وما نقل لنا عنهم في ذلك مقالة.

    الجمع بين قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ) وإخباره صلى الله عليه وسلم ببقاء نسبه يوم القيامة

    السؤال: ما معنى قوله تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ [المؤمنون:101] مع إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنساب يوم القيامة ستنقطع إلا نسبه صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: قال عليه الصلاة والسلام: (يا فاطمة بنت محمد! لا أغني عنك من الله شيئاً)، ولكنه عندما قال: (إلا نسبي)؛ فإنه يخبر عما أخبره الله سبحانه وتعالى به من غيب في شأن من اتصل به نسبه، وهي فاطمة رضي الله عنها، وقد بشرها النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، والنبي يخبر بالوحي عليه الصلاة والسلام، فليس لأحد أن يقول كيف ذلك أو لم ذلك؟

    فهو عليه الصلاة والسلام يبلغ أمر الله سبحانه وتعالى ووحيه.

    حكم قول: (فاطمة صلى الله عليها وسلم)

    السؤال: أحد الأعلام عندما يذكر فاطمة بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام أو أحد أبنائها يقول: صلى الله عليها وسلم فما حكم ذلك؟

    الجواب: ما أعرف هذا، ولا يصح أن يقال هذا، فالصلاة والسلام لا يجوزان استقلالاً إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز لغيره بالتبع، فيقال: اللهم صل وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ومن اتبعهم وعلينا معهم. فلا بأس بذلك، وأما الصلاة استقلالاً فهي من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، وقوله: (اللهم صل على آل أبي أوفى) قالوا: هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، قال شيخ الإسلام أبو زكريا الأنصاري: ويمنع منه استقلالاً لئلا يكون تشبهاً بأهل البدع. فلا يقول: عن فلان من الصحابة أو فلانة من الصحابيات عليه الصلاة والسلام أو عليها السلام استقلالاً؛ لأنه صار شعاراً لأهل البدع، فيجتنب ذلك.

    مجموع ما روته فاطمة رضي الله عنها من أحاديث

    السؤال: كم روت فاطمة رضي الله عنها من حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: روت ثمانية عشر حديثاً، وروى عنها ابناها، وروى عنها علي رضي الله عنه، وروت عنها عائشة رضي الله عنها، وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم.

    موقف زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من تقديمه فاطمة وحبه لها

    السؤال: هل كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يشعرن بالغيرة حين يقدم فاطمة عليهن؟

    الجواب: لما نزل قول الله سبحانه وتعالى في شأن أهل البيت: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33] دعا النبي صلى الله عليه وسلم بمرط مرحل -أي: كساء- ثم دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين ، ثم بسط عليهم الكساء وقال: (اللهم! هؤلاء أهل بيتي، فأحب من أحبهم، وأبغض من أبغضهم). رواه مسلم.

    والمقصود به من كان معه، فقالت أم سلمة : يا رسول الله! وأنا منهم. قال: (إنك على خير كثير) فالنبي عليه الصلاة والسلام يعطي كل أحد حقه، ويؤنس النفوس، ويذكر الفضائل، ولا ينبغي أن يشتغل الناس بقولهم: لماذا لم يكن هذا كذلك؟

    فهل نحن الذين نعرف أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي كان يبلغ الوحي وما ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام؟!

    والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقول من ذلك شيئاً لميل نفس أو لهوى في نفسه عليه الصلاة والسلام، بل هو المعصوم صلى الله عليه وسلم من كل ذلك، وهو يبلغ عن الله سبحانه وتعالى، ولذلك ينبغي لنا أن نبقى مع النصوص، فإنه لا عصمة إلا بما هو من كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما أشكل من ذلك فمن كان يعرف الحقائق والقواعد الكلية قاده ذلك إلى بصيرة تجعله مصيباً للحق غير مجانب له أو ذاهب إلى إفراط أو إلى تفريط، فإن كلا طرفي قصد الأمور ذميم، وخير الأمور أوسطها، ولو كان مثل هذا مما يجتنب لما أورده البخاري في صحيحه، ولما أورده مسلم في صحيحه، ولو كان الحال كما يقول أولئك القوم: إن أهل السنة لا يحبون آل البيت فلم ذكر أهل السنة مثل هذه النصوص؟ ولم ذكروا هذه الفضائل؟ ولم ذكروا هذه القصص التي فيها بعض ما قد يكون شبهة؟

    إنما نقلوا وأثبتوا وبينوا ما كان عليه أولئك النفر الأخيار الأبرار الأطهار من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين نبرئهم مما نبرئ منه أنفسنا، فهم من باب أولى في ذلك الأمر.

    موقف فتيان الصحابة من تقديمه صلى الله عليه وسلم للحسن والحسين وحبه لهما

    السؤال: هل كان الفتيان يشعرون بالغيرة عندما كان صلى الله عليه وسلم يقدم الحسن والحسين ؟

    الجواب: إن أوضاعنا وأحوالنا وخلل نفوسنا وطبيعة حياتنا أصبحت تسيطر علينا، وننظر إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وكأنه لا يدرك أنه نبي الأمة كلها، وكأنه لا يفيض على أمته كلها مما عنده من الخير.

    لكنه جد الحسن والحسين، وليس جد ذلك ولا ذاك، ألم يكن الناس غير النبي عليه الصلاة والسلام يحبون أحفادهم حباً أكثر من غيرهم من أبناء الناس؟ أفليس الرسول صلى الله عليه وسلم بشراً في هذا؟ ثم عندما يخبر بهذا فهو معصوم يخبر عن وحي الله سبحانه وتعالى.

    وإنما ما كان من حياتنا أو ما هو من طبيعة أحوالنا وتغيراتها قد يجعلنا نضطرب في مثل هذا الأمر، ونسأل مثل هذه الأسئلة!

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحب ونرضى.

    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل القول حجة لنا لا علينا، وأن يملأ قلوبنا بالإيمان، وأن يجعلنا مقتفين لآثار الرسول صلى الله عليه وسلم مستمسكين بسنته متبعين لآثار أصحابه رضوان الله عليهم.

    ونسأله سبحانه وتعالى أن يحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن يجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.