إسلام ويب

في صحبة الإمام أحمدللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المقصد من عرض سير العلماء والدعاة والمصلحين هو أخذ العظة والعبرة، والاستفادة من مواقفهم عند حلول الفتن، وكيف صبروا وثبتوا على الحق، وإن قتلوا وحبسوا وعذبوا. وعندما يطالع المسلم تلك النماذج لا يسعه إلا أن يقتدي بأولئك الرجال الأفذاذ، ويصبر كما صبروا، ويرجو الثواب والأجر من الله.

    1.   

    جولات وقبسات من مواقف وسيرة الإمام أحمد بن حنبل

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فهذا موعدنا مع الدرس السابع والأربعين، وهو بعنوان: في صحبة الإمام أحمد ، وهي صحبة كريمة مع إمام جليل، وغرض الصحبة أن ننظر في حاله، وأن نستمع إلى أقواله، وأن نقتبس من أفعاله، غير أنا جزماً لا نزعم أنا نحيط بسيرته، ولا نجمع جميع دروس وعبر مواقفه وأقواله وأفعاله، فإن المدعي لذلك كمن يدعي قدرته على أن يجمع ماء البحر في قارورة، فلو ادعى ذلك فلن يحظى إلا بقدر ملء هذه القارورة من ماء البحر، وحسبنا أن نغترف من بحر علمه وفضله وجوده وكرمه وجميع خلاله الحميدة، فإن في ذلك ما ينفع ويهدي بإذن الله عز وجل، في زمن قل فيه الثقات، وصعد فيه النكرات، واختلطت فيه الأولويات، وقل من الناس من عاد يميز بين الغث والسمين، ومن يفقه فقه أولئك الأئمة رحمة الله عليهم ورضوان الله عنهم، وكما قال القائل أقول:

    من أين أبدأ قولي أيها البطل وأنت أبعد مما تخطب الجُمَلُ

    كل القوافي التي استنصرتها وقفت مبهورة وبدا في وجهها الوجل

    ماذا نقول وصرح العلم شامخة أركانه وبناء المجد مكتمل

    ماذا تقول قوافي الشعر عن رجل كل يقول له هذا هو الرجل

    ولذلك حسبنا ومضات وقبسات من مواقف وسيرة الإمام الجليل أحمد رحمة الله عليه؛ وسنمضي بصحبة متنوعة، غرضنا منها أن نرى التمايز والبون الشاسع بينما كانوا عليه وما صرنا إليه، عل ذلك يقوي العزم على اقتفاء آثار السلف، وأن نفقه فقههم الإيماني، وأن نسلك سلوكهم القرآني، فنبدأ مع الإمام أحمد بعيداً عما تستلهمه التراجم من ذكر المولد والشيوخ والتلاميذ، وما يتعلق بالرحلة في طلب العلم ونحو ذلك؛ لأنا نريد أن نخلص إلى ما هو أكثر تأثيراً فينا واحتياجاً لنا بإذن الله عز وجل.

    الجولة الأولى: قبسات ومواقف من ورع الإمام أحمد

    نمضي في جولة مع الصبي الورع، إذ كان رحمة الله عليه صفحةً بيضاء مشرقة، كتب الله له أن يكون على حظ وافر من النجابة والذكاء، ومن العلم والفطنة ومن الصفاء والطهارة منذ نعومة أظفاره؛ فهذه الروايات في ترجمته تذكر أنه كان في الكتاب كما يروي أبو عفيف أحد أقرانه يقول: كان معنا في الكُتّاب وهو غليم نعرف فضله، وكان الناس الرجال والنساء تأتيهم الكتابات والمراسلات ممن لا يعرفون الكتابة ربما أرسلوا إلى المعلم يقولون له: ابعث لنا أحمد بن حنبل حتى يكتب لنا، فكان يبعث لهم بـأحمد بن حنبل وكان يذهب إليهم وهو مطأطئ الرأس من حيائه وغض بصره مع كونه صبياً صغيراً، فيكتب جواب كتبهم! فربما أملوا عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه لهم، فهذا وهو صغير يأبى أن يكتب ما فيه منكر، بل كان يعف ويتورع عن ذلك.

    وكان إبراهيم بن شماس يقول: كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام صغير وهو يحيي الليل منذ نعومة أظفاره.

    ومن القصص المؤثرة والدالة على حسن سمته وعظيم رعاية الله له سبحانه وتعالى ما ذكره داود بن بسطام حيث يقول: أبطأت علي أخبار بغداد أي: الأخبار والأحوال التي كانوا يتناقلونها ويكتبونها عبر البريد إلى الولايات وإلى المسئولين أو إلى الخليفة، قال: فوجهت إلى عم أبي عبد الله أحمد بن حنبل ؛ لأن عمه هو الذي كان يبعث بالأخبار.

    فقلت له: لم تصل إلينا الأخبار اليوم وكنت أريد أن أحررها وأوصلها إلى الخليفة، فقال لي: قد بعثت بها مع ابن أخي أحمد ؛ ثم بحث عن أحمد وجاء به وقال له: أليس قد بعثت معك بالأخبار؟ قال: نعم، قال: فلأي شيء لم توصلها؟ قال: أنا أرفع هذه الأخبار قد رميت بها في الماء؛ لأن فيها من المنكر ومن الظلم فلا أرفع مثل تلك الأخبار.

    رمى بها في الماء ولم ينتظر مشاورة ولا مراجعة، إنه يتورع وهو في سن الطفولة، قال ابن بسطام : هذا غلام يتورع فكيف نحن؟! فهذه القصة تدلنا على عظيم أثر التربية في الصغر، مع أنا نعلم أن الإمام أحمد ولد في بغداد سنة (164هـ) ومات والده وهو صغير ابن ثلاث سنوات، لكنه تربى تربية إيمانية صبغته بهذا النهج القوي منذ صغره.

    وكما ذكر أبو بكر بن الأثرم قال: أخبرني من كان يطلب الحديث مع أحمد بن حنبل قال: ما زال أبو عبد الله بائناً من أصحابه؛ منذ صغره وهو متميز، وهذه الوقفة تدلنا على ما للتربية الإيمانية في الصغر من أثر ومن استقرار، وإذا ربي الصغير على هذه المعاني الإيمانية فإنها تصبح ملكةً ذاتية وطبيعةً نفسية وسلوكاً دائماً لا يخشى عليه بإذن الله أن يتغير؛ لأنه كما قيل: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، ومن شب على شيء شاب عليه.

    فلذلك الإسلام أمر بتربية الصغير والعناية به من الصغر؛ لما لذلك من أثر في استقرار الكلمات والأفعال والصور في ذهن الصغير وإن لم يكن عاقلاً مدركاً، فإن من السنن عندما يستهل الوليد صارخاً أن يؤذن في أذنه اليمنى وأن يقام في أذنه الأخرى؛ حتى يكون أول شيء يسمعه في هذه الدنيا شهادة التوحيد والدعوة إلى الصلاة والفلاح، ثم يحنك، ثم تكون هناك من الأمور والدلائل في التربية ما يدل على أثرها وإن لم يكن الصغير يعقل معناها، كأن لا يكذب عليه كذبة -كما يقولون- صغيرة أو بيضاء أو نحو ذلك.

    الجولة الثانية: قبسات ومواقف من طلب الإمام أحمد للعلم

    فنمضي مع الطالب المؤدب في جولة أخرى مع طلبه للعلم، لقد كان للإمام أحمد سمت فريد وصفة عجيبة في كمال التوقير لأهل العلم من مشايخه؛ ومن ذلك ما رواه عمرو الناقد قال: كنا عند وكيع وجاء الإمام أحمد بن حنبل ، فجعل وكيع يصف من تواضعه ويثني عليه ويكرمه إكراماً عجيباً؛ لما له من منزلة ونجابة كان يعرفها الناس فيه وهو صغير، قال: فقلنا له: يا أبا عبد الله! إن الشيخ يكرمك فما لك لا تتكلم؟ فقال: وإن كان يكرمني فينبغي أن أجله.

    أي: أن هذا الإكرام جعل عليه من الحياء ما ألجم لسانه، حتى يجل شيخه ولا يجاريه ويصبح مثله في المنزلة، وإن كان قد أفاض في مدحه وثنائه.

    وقد قال قتيبة بن سعيد وهو من شيوخ الإمام أحمد ، وإن كان قد روى عن الإمام أحمد ، فـابن الجوزي رحمة الله عليه في كتابه (مناقب الإمام أحمد) عقد فصلاً لشيوخ الإمام أحمد الذين رووا عنه؛ لأنه قد بلغ منزلة عالية من العلم واحتاج الناس إلى علمه، فروى بعض شيوخه عنه، ومنهم: قتيبة بن سعيد وهو من شيوخ البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من أهل العلم.

    يقول قتيبة : قدمت إلى بغداد وما كانت لي همة إلا أن أرى أحمد بن حنبل ، فإذا هو قد جاءني مع يحيى بن معين فتذاكرنا، فقام أحمد بن حنبل وجلس بين يدي، فقلت: يا أبا عبد الله! اجلس مكانك، فقال: لا تشتغل بي إنما أريد أن آخذ العلم على وجهه.

    انظروا كيف جلس بين يديه جلسة الطالب مع أستاذه، وبعضنا في هذه الأزمان التي قل فيها مراعاة الأدب إذا أثنى عليه أستاذه أو كذا فأعطاه كلمة رد عليه بكلمة، وإذا وضع يده على ظهره مكرماً أو مبجلاً ربما فعل مثل فعل شيخه أو أستاذه، وهذا مما يدل على أن قضية الأدب والتوقير ليست على الصورة المطلوبة، وهذه دروس نقتبسها من الإمام أحمد رحمة الله عليه.

    وهذه قصة تجمع كثيراً من أهل العلم مع الإمام أحمد قال إسحاق الشهيدي : كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند إلى منارة المسجد، فيقف بين يديه علي بن المديني إمام أهل الجرح والتعديل، والشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم يستمعون الحديث وهم قيام على أرجلهم حتى تحين صلاة المغرب لا يقول لأحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبةً له ولا يطلبون منه ذلك.

    قد يقول القائل: في ذلك مبالغة! ولكن أقول: لا يجتمع أمثال هؤلاء على مثل هذه المبالغات تنطعاً أو تكلفاً؛ ولكنها سجية التوقير غرست في نفوسهم، والتعظيم للعلم ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: أحمد بن سعيد الرازي : ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل .

    وتأمل هنا! قال: (ما رأيت أحفظ ولا أعلم بفقهه ومعانيه) أي أن العلم السلوكي والتربية الإيمانية قد اقتبسها الإمام أحمد مع الحفظ رحمة الله عليه.

    الجولة الثالثة: حسن تعامل الإمام أحمد مع أصدقائه

    نمضي مع الجولة الثالثة: كيف كانت علاقته وحسن تعامله ولين جانبه مع أصدقائه ولطافته في المعاملة! فإن بعض الناس يظن أن العلم والوقار يقتضي التجهم وعبوس الوجه وتقطيب الجبين أو نحو ذلك وما ثمة شيء، بل ينبغي أن يكون لكل مقام مقال ولكل موضع حال؛ فهذا الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام وهو من أئمة أهل العلم ومن أئمة الإسلام يقول: زرت أحمد بن حنبل فأجلسني في صدر داره وجلس دوني، قال: فقلت: يا أبا عبد الله أليس يقال: صاحب البيت أحق بصدر بيته؟

    كما قد يحتج بعض الناس دائماً ببعض النصوص في كل موضع، ولا يعرف الحال الذي قد لا تكون معارضة للنص.

    فقال الإمام أحمد مباشرة: نعم، يقعد ويقعد فيه من يريد؛ إكراماً له وإجلالاً واستضافة، قال: فقلت في نفسي: خذ إليك يا أبا عبيدة فائدة.

    إذاً: كان الواحد من السلف يأتي للزيارة لا لمجرد المتعة والفكاهة والكلام والمزاح، وإنما كان يأتي لغرض المذاكرة والانتفاع، فقال في نفسه: خذ إليك فائدة.

    قال: ثم قلت: يا أبا عبد الله ! لو كنت آتيك على نحو ما تستحق لأتيتك كل يوم.

    أي: لو أنني أزورك على قدر مرتبتك وحقك لكان واجباً علي أن أزورك كل يوم، كأنه يعتذر من قلة زيارته على عظيم قدره.

    فقال له أيضاً على البديهة: لا تقل هذا، إن لي إخواناً لا ألقاهم إلا في كل سنة مرة، وأنا أوثق بمودتهم ممن ألقى كل يوم.

    أي المهم أن تعرف صدق المحبة وصدق التعامل وحسنه، وليس الغرض هو كثرة الزيارة ودوامها؛ فإن ذلك ليس بالضرورة.

    فقال: أبو عبيد : فقلت في نفسي: خذ أخرى يا أبا عبيد ، هذه الثانية، قال: فلما أردت القيام قام معي، فقلت: لا تفعل يا أبا عبد الله .

    كما يفعل بعض الناس الآن عندما يودع ضيفه يقول: في أمان الله، كأنه يطرده من بيته.

    قال: فقام معي، فقلت: لا تفعل يا أبا عبد الله ، فقال الإمام أحمد : قال الشعبي : من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه؛ قال: قلت: يا أبا عبيد هذه ثالثة.

    فاستفاد أبو عبيد هذه الثلاث من الإمام أحمد ؛ بسبب حسن التعامل مع الزائر والتودد له وهذا من أسباب توطيد عرى المحبة والمودة بين القلوب.

    الجولة الرابعة: مواقف من خوف الإمام أحمد من الله عز وجل

    نمضي مع الخائف الوجل الإمام أحمد رحمة الله عليه، يقول عبد الله : سمعت أبي يقول: وددت أني نجوت من هذا الأمر كفافاً لا لي ولا علي.

    هذا الذي كان طاهر الذيل نقي النشأة حافظاً لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، كان يعلم ويوقن عظمة المهمة والواجب الملقى على عاتقه، ويعلم قصور العبد وقلة حيلته، ويعلم عظمة الرب وعدم القدرة على إيفاء حقه سبحانه وتعالى، فيقول: وددت أني نجوت كفافاً لا لي ولا علي.

    وكان إذا دعا له رجل يقول: الأعمال بخواتيمها.

    وكثيراً ما كان يسمع منه قول: اللهم سلم سلم؛ لأن القلوب الخائفة الوجلة مهما عملت فإنها تبقى على وجل من عدم القبول، أو على وجل من أن تكون الأعمال دون الصور المطلوبة ودون المنزلة المرجوة، ولذلك كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] حين نزلت هذه الآية قالت عائشة : (يا رسول الله! الرجل يشرب الخمر ويزني ثم يخاف؟ قال: لا يا ابنة الصديق ، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخشى ألا يقبل منه) هذا حال أهل الإيمان، يقول الحسن البصري رحمة الله عليه: لقد لقيت أقواماً هم أخوف منكم ألا تقبل حسناتهم من خوفكم أن تحاسبوا على سيئاتكم.

    فهم في خوف عظيم أكثر من خوفنا من سيئاتنا، خوفهم أعظم ليس من السيئات لكن من عدم قبول الحسنات، وهذا لا يكون إلا مع استحضار عظمة الله عز وجل، وفهم الحق الواجب له سبحانه وتعالى، ولذلك لما سئل الإمام أحمد : كيف أصبحت؟ قال مقالة عجيبة فريدة تدل على عظيم ما كان يفقه من دين الله وما يحمل من أمر الله؛ قال: كيف أصبح مَنْ ربه يطالبه بأداء الفرائض، ورسوله يطالبه بأداء السنة، والملكان يطالبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يطالبه بقبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة؟!

    كلها أمور يحتاج الإنسان فيها إلى مجاهدة واستقامة على أمر الله، واتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحر للإخلاص وصدق التوجه لله عز وجل، وبراءة من شهوات النفس ومجاهدة لها، محاربة لإغواء الشيطان وتزيينه. وفوق ذلك كله انتظر الموت على وجل وخوف؛ ولذلك كان رحمة الله عليه مع ما له من قدم سابقة في العلم والعمل كان دائماً يستحضر عظمة الله عز وجل، والواجب الذي ينبغي أن يكون له، فيرى أن على الإنسان المسلم ألا يكون مطمئناً ولا واثقاً ولا آمناً من مكر الله وعذاب الله سبحانه وتعالى.

    الجولة الخامسة: مواقف من وقار وهيبة الإمام أحمد

    نمضي في جولة مع الرجل الوقور، فقد كان رحمة الله عليه مع خوفه لله عز وجل ومع حسن تعامله مع الناس وقوراً يهابه الناس، فحتى إن شيوخه وأهل العلم والتقوى وأهل الإمامة في الدين كانوا يراعون الإمام أحمد ويهابونه ويوقرونه.

    فهذا يزيد بن هارون وهو من أعظم شيوخه ومن كبار أهل العلم، قال أحد التلاميذ: كنا في مجلس يزيد بن هارون فمزح يزيد مع مستمليه الذي يملي عليه الحديث فتنحنح أحمد بن حنبل ، فضرب يزيد على خده كالمتأسف وقال: ألا أعلمتموني أن أحمد هاهنا حتى لا أمزح.

    لقد كان الإمام رحمة الله عليه أعظم وأشد توقيراً لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وللعلم.

    وعن أحمد بن شيبان قال: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيماً منه لـأحمد بن حنبل ، ولا رأيته أكرم أحداً إكرامه لـأحمد بن حنبل ، وكان يوقر الإمام أحمد ولا يمازحه أبداً.

    وقال أحدهم: كنا عند إسماعيل بن علية فتكلم إنسان فضحك بعضنا وثم أحمد بن حنبل -أي: جالس معهم- فأتينا إسماعيل بعد ذلك فوجدناه غضبان فقال: أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل .

    من شدة هيبته ووقاره رحمة الله عليه.

    وهناك قصة لطيفة تدل أيضاً على سمت الإمام رحمة الله عليه: يقول أحمد بن منصور : صحبت الإمام أحمد ويحيى بن معين وكنت خادماً لهما في رحلتهما لطلب الحديث عند عبد الرزاق ، ولما رجعا ذهبا إلى أبي نعيم ، قال ابن معين : أريد أن أختبر أبا نعيم وحفظه، فقال له الإمام أحمد : لا تفعل فإنه حافظ ثقة، فقال: لا بد لي من ذلك، فعمد إلى ثلاثين حديثاً وجعل في كل عشرة منها حديثاً ليس من حديث أبي نعيم ، ثم ذهب ثلاثتهم إليه، فخرج إليهم وجلس معهم على دكة طين عند باب بيته أو قريباً من بيته، فجعل يقرأ عليه أول أحاديثه، فلما جاء إلى الحديث المغلوط قال: هذا ليس من حديثي؛ ثم الثاني قال: هذا ليس من حديثي؛ ثم الثالث فقال: هذا ليس من حديثي، ثم بعد ذلك التفت إلى الثلاثة وقال موجهاً حديثه إلى الإمام أحمد : أما هذا -أي: الإمام أحمد - فأورع من أن يفعل هذا، وأما هذا -يعني: أحمد بن منصور - فأقل من أن يفعل هذا يعني: لا يعرف مثل هذه الأمور.

    ثم قال: ما فعلها غيرك يا فاعل، قال: ثم رفسه حتى أسقطه من الدكة، فقال الإمام أحمد لما انصرفوا لـيحيى: ألم أمنعك من الرجل وأقل لك: إنه ثبت؟ قال: والله لرفسته أحب إلي من سفري.

    وهذه القصة من كتيب لطيف اسمه (من لطائف المحدثين).

    الجولة السادسة: مواقف من تعظيم الأئمة للإمام أحمد

    نمضي بعد ذلك عندما تحقق للإمام أحمد هذه الجوانب كلها من ورع في الصبا، وأدب في العلم، ووقار في الرجولة، وحسن تعامل مع الأصدقاء والقرناء، صار حينئذ إماماً وقدوة، فنمضي معه وهو قدوة الأئمة فنرى أن المقتدى بهم يقتدون بالإمام أحمد ، وأن المعظَمين لعلمهم وفضلهم يعظمون الإمام أحمد رحمة الله عليه.

    فهذا علي بن عبد الله بن جعفر يقول: أعرف أبا عبد الله منذ خمسين سنة في كل يوم وهو يزداد خيراً.

    لو أن شخصاً خلال خمسين يوماً فقط يزيد في كل يوم عملاً من أعمال الخير لا شك أنه سيأتي بعد هذه الأيام الخمسين وقد تحول تحولاً كبيراً في حياته.

    ويقول يحيى بن معاذ : أراد الناس أن أكون مثل أحمد بن حنبل ، لا والله لا أكون مثل أحمد أبداً. يعني: أنه لا يطيق؛ لأن الإمام أحمد قد بلغ منزلة عظيمة في كل باب من أبواب الخير، حتى انقطعت دون اللحاق به الرقاب.

    وكان بشر بن الحارث من قرناء الإمام أحمد ، وقد ذكر عنه كثير من الأقوال التي تبين تبجيله وتوقيره للإمام أحمد وإبراز إمامته على الأئمة، فها هو يقول عندما ابتلي الإمام أحمد وثبت : إن هذا الرجل قام اليوم بأمر عجز عنه الخلق، أرجو أن يكون ممن نفعه الله بالعلم. وقال أيضاً: أحمد إمام من أئمة المسلمين.

    ثم لما جاءوا إليه قالوا له: أنت تقول بقول أحمد فلماذا لا تعلن قولك وتقف موقفه؟ فقال: أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء، إن أحمد قام مقام الأنبياء.

    ولما بلغه أن الإمام أحمد ضرب بالسياط مد بشر رجله وخاطب ساقه قائلاً: ما أقبح هذه الساق ألا يكون فيها القيد نصرة لهذا الرجل، ولكنه قال: هذا مقام النبيين لا أستطيع أن أقومه.

    هذا مما يدل على أن الإمام أحمد وقف وقفة لم يقفها مثله من العلماء والأئمة، وإن كان ذلك ليس جرحاً فيهم ولكنه علو في منزلة الإمام رحمة الله عليه.

    وهذا أبو زرعة جمع لنا هذا كله في كلمات وجيزة حيث قال: ما رأت عيني مثل الإمام أحمد ، فقال له السائل: في العلم؟ فقال: في العلم والزهد والفقه والمعرفة وكل شيء.

    وهذا الإمام البويطي رحمة الله عليه من تلامذة الشافعي سجن في المحنة وكتب من سجنه وقال في كتابه: إني لأرجو أن يجزي الله عز وجل أجر كل ممتنع في هذه المحنة لسيدنا الذي ببغداد.

    يعني: الإمام أحمد ؛ لأنه هو السيد المبجل المقدم في هذا الأمر، وكل من وقف وقفة في هذه المحنة فإنما كان يقتدي بالإمام أحمد ؛ فهو الذي كان مقدماً في هذه المحنة.

    وقال بشر عن الإمام أحمد : أحمد امتحن بالسراء والضراء، وتداولته أربعة خلفاء بعضهم بالضراء وبعضهم بالسراء، فكان فيها مستعصماً بالله عز وجل، تداوله المأمون والمعتصم والواثق بعضهم بالضرب والحبس، وبعضهم بالإخافة والترهيب، فما كان في هذه الحال إلا سليم الدين غير تارك له من أجل ضرب ولا حبس، ثم تداوله المتوكل بالتكريم والتعظيم، وبسطت الدنيا عليه فما ركن إليها، ولا انتقل عن حاله الأولى رغبة في الدنيا ولا رغبة في الذكر، وهذا هو الثبات العظيم الذي تميز به الإمام أحمد رحمة الله عليه.

    من لطائف توقير وتعظيم الأئمة له أن حجاج الشاعر وهو كان من المحدثين وكان يقول: كنت أكون عند الإمام أحمد بن حنبل فأنصرف في الليل -أي: من بيته- فأذكره في الطريق فأبكي؛ شوقاً إلى لقاء الإمام أحمد والانتفاع به.

    فهذا كلام الأئمة في هذا الإمام الجليل.

    الجولة السابعة: مواقف من متابعة الإمام أحمد للرسول صلى الله عليه وسلم

    نمضي أيضاً في جولة أخرى مع السلفي الأصيل الإمام أحمد ، كيف كان حريصاً على أن يكون متبعاً للسلف، مع فقه أصيل ومع متابعة دقيقة!

    سئل الإمام أحمد عن الوساوس والخطرات، فقال: ما تكلم فيها الصحابة والتابعون.

    فكان يرى أن ما لم يتكلموا فيه من المسائل ولا يحتاج إليه في رد شبهة ونحو ذلك أنه لا يفتح على الناس به، وإلا كان ذلك نوعاً من عدم الفقه بمنهج السلف، إذ لو كان في مثل هذه المسائل من نفع لذكروه، ولذلك كان رحمة الله عليه يحرص على تعلم السنة وفقهها، وكان لا يخوض في أمر إلا إذا علم أن الصحابة خاضوا فيه؛ فإن علم بذلك اتبع رأيهم ونفى غيره، وإن لم يعلم أن الصحابة خاضوا في ذلك الأمر كف عنه واستعصم؛ لأنه يعتقد أن الخروج عن تلك الجادة زيغ عن منهاج السلف وإلحاد في دين الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم لم يكونوا يتكلفون التعمق في المسائل العقلية التي كثرت في وقت الإمام رحمة الله عليه، وضل بها كثير من الناس، ولذلك لما سئل عن علم الكلام، كتب إلى السائل قائلاً له: أحسن الله عاقبتك! الذي كنا نسمع عنه وأدركنا عليه من أدركنا أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمر في التسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله لا تعد ذلك.

    يعني: لا تزد عليه ولا تبحث عن شيء وراءه.

    ولم يزل الناس يكرهون الجلوس مع المبتدع ليردوا عليه، إلا إذا احتيج إليه في رد ما شبه على الناس ولبس عليهم في دينهم.

    يقول الإمام أحمد عن نفسه: ما كتبت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد عملت به.

    ومسنده فيه نحو من أربعين ألف حديث، وحتى لو كان بالمكرر فكونه يعمل بكل حديث كتبه فهذا أمر عجيب! وقد ذكر في ترجمته أمور عجيبة من حرصه على المتابعة للمصطفى عليه الصلاة والسلام، فقد احتجم وما به من علة وأعطى الحجام ديناراً كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولما أمر بالاختفاء ذهب إلى بيت بعض أصحابه ومكث فيه ثلاثة أيام ثم قال له: التمس لي طريقاً أخرج، قال: لا آمن عليك، قال: التمس لي وأعطيك فائدة، وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختفى في غار حراء ثلاثة أيام ثم خرج فسهل الله أمره.

    وقال عنه بعض أهل العلم: إنه سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب عنها كلها وفي كل جواب يقول: أخبرنا أو حدثنا؛ ينسب ذلك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وإلى الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانت المسألة امتثالاً يشمل كل ما بلغه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وكل ما أثر عن الصحابة رضوان الله عليهم.

    ونحن اليوم نحتاج إلى مثل هذا الأمر، أن يكون أخذنا بما يبلغنا عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن الصحابة أخذاً جاداً عازماً شاملاً كاملاً، لا أن يكون تقويمنا ونظرنا إلى أمور دون أمور، أو إلى حالات دون حالات، بل كما كان عليه الإمام أحمد رحمة الله عليه.

    يقول عنه عبد الملك الميموني : ما رأت عيني أفضل من الإمام أحمد ؛ ما رأيت أحداً من المحدثين أشد تعظيماً لحرمات الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إذا صحت عنده ولا أشد اتباعاً منه رحمه الله تعالى.

    فهذه جملة تبين لنا كيف كان الإمام أحمد حريصاً على اتباع السلف، وقطع ما لم يكن في عهدهم من المقالات والمسائل التي شققها الناس وفرعوها وخرجوا بها عن نهج السلف، ولبسوا فيها على الناس دينهم، وكثر فيها القيل والقال، ولم يقفوا فيها عند ما أثر عن المصطفى عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام، وقد رويت عن الإمام أحمد في مسائل الفقه أقوال متعددة؛ لأنه لم يكن رحمة الله عليه يرى أن يخرج عن مجموع النصوص، بل كان يرى أنه يفتي بموجب هذه النصوص الواردة، وإن كان ليس بينها تعارض ربما قال بالقولين في المسألة الواحدة ليجري الأثرين أو الحديثين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان من فقهه في سجود السهو على سبيل المثال أنه قال: يتبع في كل حالة ما كان من فعله صلى الله عليه وسلم، فما روي في النقص من سجود السهو فيتبعه، وما روي في الزيادة من سجود السهو فيتبعه، حذو القذة بالقذة، وهكذا كان رحمة الله عليه إمام أهل السنة في وقته، لحرصه على هذا الاتباع.

    الجولة الثامنة: مواقف من تواضع الإمام أحمد وهيبته

    نأتي إلى جولة أخرى مع المتواضع المخلص الذي كان إماماً للأئمة والذي كان متبعاً للسنة، كان رحمة الله عليه متواضعاً يحب خمول الذكر ويبعد عما يحفه به الناس ويزيدون فيه، وهذا لا شك أنه من أعظم مراحل الإيمان والتقوى، وهو ألا يغتر الإنسان وألا يفتن عندما يوفق إلى بعض الخير، سيما والناس يحفون به، فقد كان أحمد رحمة الله عليه لا يحب أن يتبعه أحد قال ابنه: وربما خرج الجمعة فيتبعه بعض الناس فيقف حتى ينصرفوا عنه؛ لئلا يتبعه أحد؛ يأخذ ذلك من تواضع الصحابة، كما ذكر ابن القيم في الفوائد: (أن ابن مسعود خرج فتبعه بعض الناس، قال: ألكم حاجة؟ قالوا: لا وإنما نتبعك، قال: لا تفعلوا؛ فإنه ذلة للمتبوع، فتنة للتابع) هكذا كان أولئك القوم يحرصون على براءة نفوسهم وطهارة قلوبهم، والحذر من الرياء أو من الكبرياء ونحو ذلك.

    وهذا ابن معين رحمة الله عليه وهو من أصحاب أحمد والمقربين إليه يقول: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان عليه من الخير والصلاح.

    أي: لم يذكر يوماً أنه أعلم منهم أو أن عنده فقهاً أكثر منهم، أو أن عنده عبادة أكثر منهم، أو أن عنده أصلاً أو شرفاً أو كذا مطلقاً، مما يدل على أنه لم يكن يرى لنفسه شيئاً، بل كان يرى منزلته بين يدي الله عز وجل فلا يجد نفسه شيئاً مذكوراً، وكان ينظر إلى الصحابة رضوان الله عليهم فيقيس نفسه إليهم فيرى أنه قزم صغير عند عمالقة عظام رحمة الله عليهم أجمعين.

    وهو كما هو معروف أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني من قبائل العرب الصحيحة الأصيلة الأقحاح، فهذا محمد بن الفضل الملقب بـعارم يتردد على أحمد فقال مرة: يا أبا عبد الله ؛ بلغني أنك من العرب، فمن أي العرب أنت؟ فقال الإمام أحمد : يا أبا النعمان نحن قوم مساكين.

    ما أجابه على السؤال.

    وقيل له مرة: جزاك الله عن الإسلام خيراً.

    وكم نسمع هذه الكلمة لمن لا يبلغون عشر معشار الإمام أحمد ، وإن كانوا على خير وفضل وصلاح؛ قال له رجل مرة: جزاك الله عن الإسلام خيراً؛ فقال له: لا، بل جزى الله الإسلام عني خيراً؛ ثم قال: من أنا وما أنا؟ من هذا الذي يكون له فضل على الإسلام؛ الإسلام هو الذي بصرني بالنهج، وهو الذي رزقني الله به الإيمان، وهو الذي عرفت به الحلال من الحرام، وهو الذي شرفت به في الدنيا وأنجو به في الآخرة بإذن الله عز وجل.

    وهذا يدلنا على أن النفس قد تطهرت من هذه الأوضار والأمراض التي تفتك بالنفوس، نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة، وقيل له مرة: ما أكثر الداعين إليك؟ فاغرورقت عيناه بالدمع وقال: أخشى أن يكون استدراجاً، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجعلني خيراً مما يظنون وأن تغفر لي ما لا يعلمون.

    مثل ما روي من قول الصديق رضي الله عنه.

    وهكذا كان رحمة الله عليه ولذلك كان الناس يسمعون عن الإمام أحمد بن حنبل ، ويسمعون عن تعظيمه وتوقيره وعلمه وصلاحه وموقفه الذي كان شائعاً في الأمة كلها، فكان بعض الناس يظنونه شيئاً غير البشر، حتى إن الذهبي ذكر: أن رجلاً جاء من خراسان ورأى الإمام أحمد بن حنبل فقال: الحمد لله الذي رأيته هكذا؛ فقال له الإمام أحمد : اقعد أي شيء ذا؟ ومن أنا؟ وكان موصوفاً بهذه الهيبة مع كونه على هذا التواضع.

    إذا رمى بصراً في مجلس هدأت ضوضاؤه واستقر الناس واعتدلوا

    يشير في هيبة الإيمان تحرسه رعاية الله لا جند ولا خول

    وليس في كفه سيف يذل به من لا يطيع ولا في ثوبه بلل

    ولكنها طاعة الرحمن عز بها عزاً له في حياة المصطفى مثل

    كأنما هو والهامات خاضعة شدا إليها جبال التهم ترتحل

    الجولة التاسعة: مواقف من عدل وإنصاف الإمام أحمد لغيره

    من عظيم مواقفه ومآثره ودروسه ما نمضي فيه مع المنصف العادل، الذي ينصف الناس ويعدل معهم ويعذرهم ويحسن بهم الظن، وفي ذلك مقالات فريدة جديرة بأن تكون موضع اعتبار وادكار، فهذا الإمام أحمد لما جاءت المحنة التي قد نذكرها وقد نرجئ ذكرها في درس مع محن الأئمة لأن فيها دروساً كثيرة.

    هذا الإمام أحمد كان معه جمع ممن حملوا إلى الحبس منهم: محمد بن نوح وعبيد الله القواريري وسجادة فبعضهم لما حبس أجاب في أول يوم، وبعضهم في اليوم الثاني، وأما محمد بن نوح لما حمل مع الإمام أحمد مات في الطريق وصلى عليه الإمام أحمد ، فكان الإمام أحمد يسأل عمن كانوا معه وأجابوا والتمسوا لأنفسهم تأويلاً يعذرون به عند الله وهم أهل علم وخير، يقول الراوي: سمعت الإمام أحمد وقد ذكر الذين حملوا إلى الرقة إلى المأمون وأجابوا إلى ما طلب منهم من خلق القرآن تورية أو تأولاً؛ قال أبو عبد الله : هؤلاء لو كانوا صبروا وأقاموا لله لكان الأمر قد انقطع وحذرهم الرجل -يعني: المأمون -، ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم.

    يعني: هؤلاء كانوا أعيان الناس لو أنهم ثبتوا لما اجترأ على غيرهم ولتراجع المأمون .

    وقد كان المأمون أراد أن يعلن الفتنة في العام الثاني عشر بعد المائة الثانية، قال المأمون : كنت أريد أن أعلن بخلق القرآن لولا خوفي من يزيد بن هارون شيخ الإمام أحمد ، فقالوا له: من يزيد بن هارون ؟ قال: أخشى أن أقول فيقول بغير قولي فيبطل.

    كان يحسب حساب العلماء والأئمة؛ لأن كلمتهم هي المسموعة، لكن لما جاء العام الثامن عشر بعد المائتين أعلن المأمون ودعا بخلق القرآن وامتحن الناس، فكان الإمام أحمد يقول: لو أنهم ثبتوا في ذلك الموقف لكان الأمر قد انقطع.

    كان أبو عبد الله رحمة الله عليه يعذر القواريري وسجادة ويقول: قد أعذرا وحبسا وقيدا، وقال الله عز وجل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] ثم قال: القيد كره والحبس كره.

    التمس لهما العذر ولم يقل: ضَعُفا وجَبُنا ولا انتقدهما ولا قدح فيهما ولا ازدراهما ليعلو بنفسه عليهما، وإنما التمس لهما العذر وأثنى على ما علم من حالهما وأحسن الظن بهما، ولذلك فهذا الموقف درس عظيم فيما ينبغي أن يكون من حسن الظن والتماس العذر وعدم التشنيع، وإن كان ثمة خطأ فينبغي أن يكون النصح بالحسنى وبالسر، حتى يقوم الإنسان أخاه بما يحصل به النفع دون الضرر، وبما يحصل به الخير دون الشر؛ لأن كثيراً من الناس ربما تغلبهم نفوسهم فيلتمسون علوها وشرفها بنقد الآخرين وجرحهم، وعندما تكون ثمة مواقف أو مقالات أو نحو ذلك ترى الناس يكثرون القول واللغط فيقولون: فلان كان جريئاً، وفلان كان خائفاً جباناً وغير ذلك، وهذا التقويم ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً، فإنما اجترأ من اجترأ حمية لدين الله عز وجل، وإنما سكت من سكت ربما فطنة أو حكمة أو مداراة ومراعاة لمصلحة.

    وهذا أحمد بن نصر الخزاعي في أمر المحنة رأى رأياً حتى قتل، فأثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل، وغيره تأول فالتمس له العذر؛ فكل على خير ما دامت المقاصد بإذن الله عز وجل صحيحة، ولم يبلغ الناس خطأ متعمد، فإن هذا ينبغي ألا يشاع عنه قالة سوء، ولذلك يقول أحمد بن حفص السعدي : سمعت الإمام أحمد يقول: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل: إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء؛ فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً.

    ابتدأ هذا القول بالثناء على إسحاق وإن كان يخالفه في المسائل أو يخالفه في الاجتهادات، لكن هذا الخلاف لم يمنعه من أن ينصفه، ولم يكن هذا الخلاف مؤدياً إلى الاختلاف ولا إلى نفرة القلوب، بل كان من فقه الإمام رحمة الله عليه وإيمانه وورعه وتقواه أن أثنى على إسحاق ، وأبلغ من هذا وأكثر منه ما رواه عبد الله بن محمد الوراق -وهذا درس عظيم- يقول: كنت في مجلس الإمام أحمد فأقبل عليه قوم فسألهم: من أين أقبلتم؟ فقالوا: من مجلس أبي كريب محدث من المحدثين فقال: اكتبوا عنه فإنه شيخ صالح، والمتوقع أن يكون هذا صديقاً حميماً للإمام أحمد ، قال: فقلنا له: إنه يطعن فيك -يعني: يذكرك بسوء ويذمك- فقال الإمام أحمد : فأي شيء حيلتي فيه؟ شيخ صالح قد بلي بي.

    انظروا إلى عدل الإمام أحمد وإنصافه، فإنه لم يمنعه ذلك أن ينصفه وأن يذكر فضله وأن يكف عن الرد عليه بما قد يسوء ويشوه ويبلبل الناس، ولذلك فإن من أعظم ما ينبغي أن نفقهه وأن نعلمه وأن نستفيده من دروس الأئمة هو تجردهم لله عز وجل، وعدم انتصارهم لأنفسهم؛ لأن قصدهم المصلحة العامة دون المصلحة الشخصية، ولأن دورانهم مع الحق دون دورانهم مع أنفسهم ولا آرائهم، ولذلك هذه المواقف من هذا الإمام العظيم إمام أهل السنة تبين لنا منهج السنة في إحسان الظن والتماس العذر، وعدم الرد على من يخالف لغرض الرد عليه وإنما لإظهار الحق إن كان ولا بد منه، على ما كان من رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ما بال أقوام يقولون كذا، ما بال أقوام يفعلون كذا) وهذه جولة من الجولات المهمة التي ينبغي أن نستفيد منها كما ينبغي، علينا أن نستفيد من فقه الأئمة كلهم في هذا الباب، فإن المأثور عنهم في هذا يطول ذكره، وهو من الأمور التي يفتقر إليها ويحتاج إليها كثيراً في هذه الأيام، التي إذا خالف فيها امرؤ شخصاً آخر ربما صرح بهذه المخالفة، وجعل توكيد نهجه وصحة رأيه لا تبنى إلا على نقد الآخر وتجريحه، أو الإكثار من ذكر فساد قوله على ما يعتقده هو، دون أن يكون هناك تبادل بالحب والمودة والتماس للعذر وثناء على الخير مثل ما يقع اليوم من اضطراب، فإذا الناس متحيرون وإذا بهم يتشككون في كثير من الخير وأهله؛ لأنهم يسمعون من هذا قدحاً في هذا ومن ذاك لمزاً في الآخر، فيسقط عندئذ هذا وذاك، ولا يبقى عند الناس حرمة لأهل العلم ولا للدعاة، فضلاً عن العلماء، وهذه الأمور هي لكل مسلم يوصف بالإسلام، فكيف إن كان عالماً أو داعية أو مجاهداً في سبيل الله، أو كان قائماً بأمر من أمور الخير والدين لا يقوم بها مثله، فإنه ينبغي أن تكون المراعاة لحاله وشأنه والثناء عليه والتوصية به وإرشاد الناس للاقتداء به أكثر مما ينبغي أن يذكر مخالفته لغيره في رأي أو اجتهاد.

    الجولة العاشرة: مواقف من عبادة الإمام أحمد وصلته بربه عز وجل:

    نمضي مع الإمام أحمد في صلته بالله عز وجل وإذا به العابد الذي وصفه ابنه فقال: كان أبي يصلي في كل يوم ثلاثمائة ركعة، فلما ضرب بالسياط في المحنة وسجن ثمانية وعشرين شهراً ضعف فكان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة وقد بلغ الثمانين؛ فأي أحد في هذه العصر إلا من رحم الله يستطيع أن يفعل مثل هذا الفعل؟! فلذلك لا يكون أهل العلم علماء حقيقيين إلا أن يجمعوا مع العلم العبادة والصلة بالله سبحانه وتعالى.

    يقول أحد طلاب العلم: إنه جاء إلى الإمام أحمد مسافراً فنزل ضيفاً عليه قال: فأعد لي ماءً ثم ذهب فجاء في الصباح فرأى الماء لم أمسه فقال: طالب حديث لا يقوم الليل! قال: فقلت: أنا مسافر؛ قال: وإن كنت مسافراً فإن مسروقاً حج ولم ينم إلا ساجداً.

    أي: من كثرة ما كان يصلي يغلبه النوم في سجوده؛ فهذا يدلنا على ما كان عليه أهل الإيمان من الصلة بالله التي نفتقر إليها اليوم كثيراً، قد نكثر من الكلام وقد نكثر من الخطب والمواعظ وقد نكثر من القراءة في الكتب وقد نكثر من سماع الدروس، لكننا إلا من رحم الله نقل ونقل ونقل كثيراً من الصلة والطاعة والعبادة والصلاة والقيام والذكر والتلاوة، ويقول أيضاً عبد الله في وصف أبيه: كان أبي يقرأ كل يوم سبعاً، يعني: يختم القرآن في سبعة أيام، وكان ينام نومة خفيفة بعد العشاء، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو.

    ويقول: ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم وكان يكثر الدعاء ويخفيه، وكانت قراءته خفيفة وربما لم أفهم بعضها، وكان يصوم ويدمن الصوم ثم يفطر ما شاء الله، ولا يترك صوم الإثنين والخميس وأيام البيض، فلما رجع من العسكر أدمن الصوم إلى أن مات، فهذا كان حاله في العبادة والصلة بالله سبحانه وتعالى على أمر فريد عجيب.

    الجولة الحادية عشرة: نماذج من أدعية الإمام أحمد

    نمضي مع دعوات الإمام أحمد ، وقد كانت له دعوات جليلة عظيمة، حتى إن ابن الجوزي أفرد فصلاً في دعوات الإمام أحمد ، لنرى كيف كان دعاء أولئك الصالحين، من دعائه رحمة الله عليه أنه كان يقول دبر كل صلاة: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن المسألة لغيرك.

    وكم من الناس من يقع في المسألة لغير الله عز وجل من غير أن يشعروا، ويقعون في شيء من الرجاء أو الخوف لغير الله سبحانه وتعالى.

    ينبغي أن يكون المسلم محباً للخير عند الآخرين؛ لأن هذا من علامة كمال الإيمان كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فهذه النفسية إن وجدت في قلب المؤمن نظر إلى الطائع، فإذا به ينظر إليه نظرة محبة وإجلال واقتداء، وإذا نظر إلى العاصي لم ينظر إليه نظرة ازدراء واحتقار، بل نظرة شفقة ورحمة ورغبة في الإصلاح والإرشاد مع النصح واللطف، وهذا هو الذي يفارق فيه المسلم الفطن الحكيم في دعوته من ينظر إلى الناس شزراً ولا يرى فيهم إلا شراً ولا يتوقع منهم إلا نكراً، فكأنه يفرح بخطيئة الرجل ويفرح بزلته في القول، وإذا به يريد أن يجرم الناس أو يفسقهم أو يبدعهم أو يكفرهم، هذه نفس مريضة مظلمة ليست نفساً مشرقة بالإيمان محبة للخير، فكان من دعاء الإمام أحمد رحمة الله عليه حين كثرت الأهواء والفتن والبلايا وانحرافات العقيدة في عهده فكان يقول: اللهم من كان على هوىً أو على رأي وهو يظن أنه على حق وليس هو على حق فرده إلى الحق، حتى لا يضل من هذه الأمة أحداً.

    انظروا إلى القلب الشفيق الرحيم، وقد رأى الفتن تغتال العقول وتفسد القلوب، وأشفق على هذه الأمة مما جاءها من هذا البلاء، ومن هذه الفتنة العمياء، ومن هذه المقالات الفلسفية والانحرافات العقلية فكان يدعو بهذا الدعاء.

    وكان يقول في دعائه: اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، ولا ترنا حيث نهيتنا، ولا تفقدنا من حيث أمرتنا؛ أعزنا بالطاعة ولا تذلنا بالمعصية.

    ومن دعائه أيضاً يقول: اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك، اللهم لا تكثر علينا فنطغى، ولا تقلل علينا فننسى، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغاً لنا، وأغننا بفضلك يا رب العالمين.

    هذه الدعوات تبين لنا فقه الإمام أحمد وبصره بهذا الأمر.

    1.   

    موقف الإمام أحمد من فتنة خلق القرآن وثباته

    إن أمر الفتنة والمحنة التي وقعت للإمام أحمد هي أبرز صورة ومرحلة من مراحل حياته، بدأت في العام الثامن عشر بعد المائتين واستمرت إلى العام الرابع والثلاثين بعد المائتين، وابتلي فيها الإمام أحمد بصور شتى، كان منها: السجن، والضرب ومنها: أن يعلق من رجليه فيدلى رحمة الله عليه، وكان منها: أن يلف في بساط ويداس وهو في داخل البساط حتى يدمى رحمة الله عليه، وكان كالطود الشامخ؛ لأن عنده حجة مفحمة وبرهاناً قاطعاً أعيا به العقول وأخرس به الألسنة، ووقف الجميع أمامه لا يملكون إلا حجة الضعيف، وحجة الضعيف هي القوة والبطش، تلك الحجة التي أظهرها فرعون مع موسى، فإنه لما انقطعت حجته وحيلته قال: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] وهي الحجة التي قالها النمرود لما أعيته الحجة مع إبراهيم الخليل عليه السلام فلذلك أذكر أولاً بعض المواقف والرؤى التي كانت قبل المحنة ذكرت في كتاب كامل عن محنة الإمام أحمد بن حنبل يقول أحدهم: رأى الإمام أحمد في المنام: كأن عليه بردة مخططة وكأنه بالرجل يريد المسير إلى الجامع يوم الجمعة، فاستعبرت بعض أهل التعبير؛ فقال: هذا يشتهر بالخير؛ قال: فما أتى عليه إلا قريب حتى ورد ما ورد من المحنة.

    ويروى عن الإمام أحمد أنه قال: رأيت في المنام علي بن عاصم فأولت علياً بالعلو، وعاصماً عصمة من الله عز وجل فالحمد لله على ذلك، فعلا بين الناس ذكره، وعصمه الله عز وجل من الفتنة والمحنة، ومن عجيب ما كان عنده من الحجة مثل هذه المواقف، كان إذا أرادوه على شيء قال: ائتوني بشيء من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان بعضهم ربما جاء ببعض الآيات التي يستشهدون بها مثل قوله: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62] أليس القرآن شيئاً؟ إذاً: فيكون مخلوقاً، هذه هي أصل فتنة خلق القرآن، فيقول لهم: يقول الله عز وجل: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:25] فدمرت كل شيء إلا ما أراد الله عز وجل فلا يكون هذا عموماً مطلقاً، بل فيه ما هو مستثنىً بأمر الله سبحانه وتعالى، ويحتجون عليه باحتجاجات أخرى فإذا به يرد عليهم هذه المقالات كما احتجوا بقوله سبحانه وتعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3] فقالوا: أليس القرآن مجعولاً فإذاً هو مخلوق؛ فقال لهم: يقول الله سبحانه وتعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:5] فهل معناها خلقهم كعصف مأكول، أو أن الجعل ما يصير إليه الشيء وينتهي إليه.

    وذكروا له قوله تعالى: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [الأنبياء:2] والمحدث مخلوق، فقال لهم: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص:1] فقال هنا: القرآن ذي الذكر هو القرآن، فهو معرف بأل، وأما (ذكر) غير المعرف فلا يراد به القرآن، فكلما جاءوه بحجة ألجمهم حجة أخرى، فما استطاعوا أن يظهروا عليه بالحجة، فأرادوا أن يكون ظهورهم عليه بالقوة والفتنة والمحنة.

    الدروس المستفادة من فتنة خلق القرآن ووقت نشوئها

    في هذه المحنة دروس كثيرة منها: كيف نشأت هذه الفتنة العظيمة؟! كان في آخر عهد الرشيد بداية لانتشار المقالات الفلسفية التي وردت إلى المسلمين من أولئك الفرس وغيرهم ممن فتحت بلادهم، وكان المأمون ممن تتلمذ على العلاف وهو شيخ من شيوخ المعتزلة، ثم قرب إليه هؤلاء الناس فألقوا في عقله ونفسه الشبه فاقتنع بها، ولذلك من أهم الأمور التي يجب أن تتوافر في الحاكم والخليفة أن تكون له بطانة صالحة من أهل الخير والصلاح، فيحسن حينئذ حاله وتحسن حال الأمة من ورائه، لكن لما كان هؤلاء المبتدعة بطانة المأمون حدثت منه هذه المحن التي ابتلى بها الناس.

    وخلاصة هذه الفتنة أن القرآن مخلوق وهذا هو قول المعتزلة؛ لأنهم أنكروا بعض الصفات ومنها صفة الكلام، قالوا: ننكرها لأنا نقع في التشبيه ووصف الله عز وجل بما لا يليق من الأوصاف، فجعلوا القرآن مخلوقاً، وكونه مخلوقاً يقتضي أموراً كثيرةً من الفساد، منها: أن المخلوق يخطئ ويصيب، وبالتالي تزول حرمة القرآن وقدسيته، التي يتلقى بموجبها المسلمون كل شيء وارد في القرآن على أنه حكم مقطوع مجزوم به، فلما أراد أن يقول بهذه الفتنة وبهذه المقولة خشي من بعض العلماء من أهل السنة، فزين له أهل الباطل أن يعلن هذه الفتنة، فهذا يدلنا على أثر أولئك القوم وأثر البطانة، فلما قال: أخشى يزيد بن هارون قالوا: ومن يزيد بن هارون هذا؟ فلما أججوه أعلن هذه الفتنة في سنة (212هـ) لكنه لم يدع الناس إليها حتى جاء عام (218هـ) فأعلن فيها هذه المقالة وحمل علماء الأمة عليها، وبدأ يمتحن الناس عليها فأخذ عشرين من كبار العلماء والأئمة في بغداد منهم: الإمام أحمد يريد أن يمتحنهم بهذا القول، وممن حمل إلى الخليفة: محمد بن نوح والقواريري وسجادة كما ذكرنا.

    يروى أن أبا جعفر الأنباري عبر النهر ليلقى الإمام أحمد فلقيه وسلم عليه فقال: يا هذا! إنك وافد الناس فلا تكن شؤماً عليهم وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبون، فتحمل أوزارهم إلى يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميداً، قال أحمد : فكان كلامه مما قوى عزمي وثبتني.

    هذا مما يدلنا على أن المرء يثبت بإخوانه ويعان بإذن الله عز وجل.

    نذكر بعض المواقف في هذه المحنة ومن أعظمها: أنهم لما قدموا على المأمون كان محمد بن نوح قد مات في الطريق، فجاء إلى الإمام أحمد خادم الخليفة وهو يمسح دموعه ويقول: يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفاً لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف، قال: فجثا الإمام أحمد على ركبته ورمق بطرفه إلى السماء وقال: سيدي! غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أولئك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته؛ قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، قال أحمد : ففرحنا، وفي بعض الروايات: أن الإمام أحمد قال: اللهم إني أسألك أن لا أراه ولا يراني، فكان الأمر كما كان.

    وفي هذه الفترة رجع الإمام أحمد مع محمد بن نوح لمقابلة المعتصم ، وكان مرض ابن نوح وموته في الطريق قبل أن يصل إلى المعتصم .

    صور من تعذيب الإمام أحمد في الفتنة

    من الصور التي مرت بهم في هذه المحنة أنه قال رحمة الله عليه: ضربت بالأسواط أول يوم فطفقت أعد سبعة عشر سوطاً، ثم أغمي علي ولم أدر ما كان.

    يقول الذين غسلوا الإمام أحمد عند موته وكانت وفاته سنة واحد وأربعين ومائتين يقول: رأيت أثر السياط في ظهره ما زال ظاهراً.

    ويقول أيضاً عن نفسه: علقت من رجلي وبيني وبين الأرض مسافة ذراع، فكانوا يضربونني بالسياط حتى انقطع الحبل بي ودقت عنقي بالأرض وأغمي علي ولم أدر ما وراء ذلك. وما أشبه الليلة بالبارحة، نسمع عن مثل هذا في هذه الأيام، بل نسمع عما هو أفظع وأشد؛ لأن القوم ممن مضوا كانوا على اجتهاد وإن انحرفوا، أما من يعذبون دعاة الإسلام وأولياء الله عز وجل اليوم، فإنهم قد نقموا على الإسلام كله ونقموا على أهله، وأبوا أن يكون لهذا الإسلام دولة يطبق فيها شرعه، ويحكم فيها بحكمه سبحانه وتعالى.

    ويقول أيضاً فيما وقع له من البلاء: إنه جيء بحصيرة ولفوه فيها، وظلوا يدوسونه بأرجلهم حتى أغمي عليه، وفي كل ذلك يقولون له: قل كما نقول بخلق القرآن، فيأبى.

    موقف الإمام أحمد ممن يريد أن يثنيه عن موقفه من فتنة خلق القرآن

    في فترة سجنه جاء بعض تلامذته يترخصون، وكان معهم ابن أبي زهير فقال له: أيها الإمام! ما عليك أن تجيب؟ لك عيال ولك كذا ولك كذا فنظر إليه الإمام وقال: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت.

    أي: إن كنت تفكر بنفسك بهذه النظرة الضيقة والمصلحة الشخصية والعيال والأولاد فقد استرحت؛ لأنك لا تحمل هم الأمة، ولا هم الدعوة، ولا تحمل هم الحماية لهذا الدين والذود عن هذه العقيدة، فإذاً: أنت مما عنى به القائل توبيخاً وهجاءً:

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    هل يفكر مثل الإمام أحمد في طعامه وشرابه وأهله وعياله ودوره وما فيها؟! إن صاحب الهمة العالية وصاحب العقل الذي يفكر في هموم المسلمين وفي مصالح الأمة لا يستريح بل يبقى منشغلاً ويبقى حاملاً للهم، ولذلك قال الله عز وجل في وصف رسوله صلى الله عليه وسلم: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6] كان يحمل هماً ويديم التفكير ويواصل العمل والتدبير لا لشيء يعود عليه بالنفع؛ وإنما ليستنقذ الناس من الكفر إلى الإيمان ومن الظلمة إلى النور، ليخرج الناس من هذا الموات إلى الحياة؛ لأن بالإيمان يحيا الناس وتكون نجاتهم في الآخرة بإذن الله عز وجل.

    موقف الإمام أحمد ممن آذاه

    أخرج الإمام أحمد من السجن ورجع إلى منزله، ولما جاءه الطبيب جعل يقطع من جسمه لحماً ميتاً من أثر السياط، وكان قد مكث في السجن ثمانية وعشرين شهراً.

    ومن عظمة نفسه رحمة الله عليه أنه كان قد أحل من آذاه، إلا من كان صاحب بدعة حتى يرجع عن بدعته، أما المساكين الذين كانوا يجلدونه بالسياط فقد عفا عنهم، ولم يحمل في قلبه حقداً ولا غلاً؛ لأنه لم يحتمل ذلك لأجلهم، وإنما كان يرى في ذلك ثباتاً على أمر الله عز وجل، والتماساً لثواب الله سبحانه وتعالى.

    وكان يقول: ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك، تريد أن تقتص منه مرة أخرى، أو أن تقول: هذا الذي فعل كذا وكذا، وأن تغري به حتى يقع به الضر، ما هذه نفوس المؤمنين ولا النفوس الكبيرة التي تتعب الجسد معها وهي أعظم من هذه الأجساد.

    ثم أيضاً قيل له: ادع على ظالمك، فقال: ليس بصابر من دعا على ظالمه.

    هذه مراتب عالية عند الأنبياء فسؤالهم لله عز وجل لم يكن سؤالاً مباشراً؛ لأنهم كانوا يستعظمون بعد نعمة الله عز وجل أن يسرعوا في الجزع وأن يلحوا في الدعاء، كما في قصة أيوب عليه السلام، وكما في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام، ولذلك الإمام أحمد كان عندما يذكر ما حصل له كان يتلو: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40].

    أثر الوشاة والمنافقين في إيذاء العلماء والدعاة والمصلحين

    ومن القصص: أنه عندما كان يضربه السياط كان الخليفة يشهد هذا الضرب ويقول للضارب: شد عليه قطع الله يدك.

    يعني: هذا ضرب خفيف.

    ثم تأتي القالة السيئة عندما بالغوا في ضربه ولم يرجع عن قوله، فقال أحدهم: يا أمير المؤمنين! دمه في عنقي اقتله.

    هؤلاء الذين لم يكونوا يرعون حرمة لمسلم ولا كرامة لعالم ولا منزلة لإمام من الأئمة.

    وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين! أنت صائم وأنت في الشمس قائم، فقال لي: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أقول به؛ فرجع وجلس وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك، فجعلوا يضربونه وهكذا، ثم جاء دور بعض الأشرار فقال: لا تقتله فيقولون: مات في مجلسك صبراً فيعظم عند الناس ويكون إماماً، ولكن أرسله حتى إذا مات في بيته لم يكن له مثل ذلك؛ فكانوا يعرفون ارتباط الناس وأثرهم في مثل هذه الأمور.

    وبعد المعتصم جاء الواثق واستمرت المحنة أيضاً ولكنه في فترة من الفترات منعه من مجالسة الناس ومن شهود الجماعات إلى غير ذلك من الأمور.

    أثر مناظرة الشيخ الشامي لابن أبي دؤاد على الخليفة الواثق

    ذكر بعضهم مناظرة وقعت لأحد الأشياخ من أهل الشام، جاء فناظر أحمد بن أبي دؤاد الذي كان قاضي القضاة وشيخ المعتزلة، وهو صاحب هذه الفتنة التي خفض فيها ووضع، هذه المناظرة ذكرها الذهبي وغيره وفي سندها مقال، لكن فيها حكمة وحجة، فجاء هذا الشيخ وأدخل ليناظره ابن أبي دؤاد فقال الشيخ: يا ابن أبي دؤاد أخبرني عن مقالتك هذه أهي داخلة في عقد الدين فلا يكون الدين كاملاً حتى يقال فيه ما قلت؟ قال: نعم، قال أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ستر شيئاً مما أمر به؟ قال: لا؛ قال: فدعا إلى مقالتك هذه؟ فسكت، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين واحدة.

    ثم قال الشيخ: أخبرني عن الله حين قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] أكان هو صادقاً في إكمال دينه أم أنت صادق في نقصانه حتى قلت هذا القول؟ فسكت ابن أبي دؤاد ، فقال: الثانية؛ قال: أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المقالة أم جهلها؟ فقال: علمها؛ فقال: هل دعا إليها؛ قال: لا، قال: فأمر اتسع له علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبلغه ولم يطالب أمته به، ووسع الخلفاء من بعده وسكتوا عنه أما يسعك أنت أن تسكت عنه؟ فأطرق الواثق يفكر فقال: بل يسعني، فكوا قيود هذا الشيخ.

    لما طال الأمد وقويت حجة الإمام مع صبره وثباته، العجيب الذي جعله إماماً للممتحنين حينئذ قضى الله عز وجل بعد وفاة الواثق وقد بدأ بعض تراجعه أن هيأ الله المتوكل بعده فهداه الله إلى السنة، فرفع المحنة عن الإمام أحمد وعظمه ووقره، وجعل له أمر تولية القضاة وأمر تغيير أحوال الدولة.

    ثبات الإمام أحمد في الفتنة وثباته أمام الشيطان عند الوفاة

    الإمام أحمد ابتلي بالضراء فصبر، وابتلي بالسراء فشكر، وجاءته الدنيا صاغرة تحت قدميه فلم يخفض رأسه لينظر إليها، بل ظل شامخ الرأس ووطئها بأقدامه ماضٍ على طريق الله سبحانه وتعالى، وكانت وفاته أيضاً درساً وعبرة، فإنه رحمة الله عليه مرض نحو تسعة أيام، وجعل يطلب أبناءه وأحفادهم وجعل يشمهم ويودعهم، وكان في وقت مرضه إذا اشتد عليه يقول: لا بعد، لا بعد، لا بعد، ثم يغمى عليه، فسأله ابنه؟ فقال: إن الشيطان كان يقول: فتني يا أحمد ، يعني: لم أستطع أن أبلغ منك مبلغاً؛ يقول: فكنت أقول: لا بعد، لا بعد، حتى مات.

    كان يخشى على نفسه الفتنة حتى في مثل هذه اللحظات، قيل: إن الإمام أحمد سمع حديثاً عن ترك الأنين فلم يئن، حتى لا يدخل في الجزع من قضاء الله سبحانه وتعالى، ولما مات الإمام أحمد خرجت بغداد كلها في جنازته، حتى قالوا: لم يصلوا العصر ذلك اليوم؛ لأن وفاته في صبيحة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول عام (241هـ) وكانت ولادته أيضاً في الثاني عشر من ربيع الأول عام (164هـ).

    يقول الذهبي : فأحصي من حضر جنازته فكانوا: ألف ألف نفس، وظل الناس يصلون على قبره وقتاً طويلاً.

    وفرح الناس بموكب جنازته لما أظهرت من نصرة السنة، وإن كانوا قد حزنوا لموت الإمام رحمة الله عليه.

    فهذه وقفات سريعة أمضيناها مع الإمام أحمد ، وإن كانت كل واحدة منها جديرة بأن تكون موضعاً للاقتداء، ورؤية للواقع الذي نحن فيه، لما بيننا وبين الإمام وغيره من الأئمة من بون شاسع، خاصة فيما يتعلق بالصلة بالله عز وجل، والتقوى والورع مع العلم والفقه في الدين، وفيما يتعلق بالنفوس وتهذيبها والإخلاص وتحريره لله سبحانه وتعالى، ورعاية مصلحة الأمة والجهاد في سبيل نشر دعوة الله عز وجل والثبات على ذلك.

    نسأل الله أن يرزقنا حسن الاقتداء والتأسي بأمثال هؤلاء الأئمة رحمة الله عليهم.

    1.   

    الأسئلة

    الآثار المترتبة على القول بخلق القرآن

    السؤال: ما سبب فتنة خلق القرآن وما يترتب عليها من آثار؟

    الجواب: من أهم الآثار أن القائلين بخلق القرآن أنكروا صفة من صفات الله سبحانه وتعالى وهي صفة الكلام، وهذا إبطال وتعطيل للصفات، وهو من مقالات الكفر التي تؤدي إلى إنكار ما ثبت في القرآن والسنة، ومن ذلك أيضاً زوال القطعية في كتاب الله عز وجل من حكم، وأنه حق لا يسع الإنسان إلا اتباعه؛ وغير ذلك أيضاً من المقالات الفلسفية العقلية التي تصرف الناس عن التسليم لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    موقف الإمام أحمد من خلق القرآن والخروج على الحاكم

    السؤال: لقد كان موقف الإمام أحمد من مسألة خلق القرآن موقفاً عظيماً، ولكن بعض الناس يظن هذا الموقف لو حدث مثله اليوم لكان يعد خروجاً على الحاكم؟

    الجواب: لا، ذكر ابن حجر رحمة الله عليه: أن بعض الأئمة كانوا يكرهون رواية بعض الأحاديث مخافة ما قد يسبق إلى الأفهام من سوء فهم لها، ومن ذلك أن الإمام مالك كان يكره رواية حديث الصفات، ومحمد بن الحسن كان يكره الغرائب، والإمام أحمد كان يكره رواية الأحاديث في الفتنة والخروج على الأئمة؛ لئلا يسبق إلى الناس فهم خاطئ فيها، وهو الذي استجاب لأمر أمير المؤمنين لما أمره أن يحتجب عن الناس ولا يوافقهم في مجالسهم، ولا يأتون إليه أيضاً في مجلسه، التزم ذلك ولم يكن ذلك إعلاناً منه للخروج؛ لأن للخروج ضوابط كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) فهذه المقالة هي مقالة كفرية، لكن القائل بها ليس بالضرورة أن يكفر؛ لأنه كان يظن ذلك صدقاً وحقاً ولبس عليه وفتن في مثل هذا الأمر؛ ولذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة أثراً عن الإمام أحمد : أنه دعا لبعض من خاضوا في هذه الفتنة قال: لأنهم لم يكونوا يعلمون أنهم على باطل، فهذا ينبغي أن يعلم من مثل هذا الأمر.

    العلاقة بين الإمام أحمد وأحمد بن نصر الخزاعي

    السؤال: ما علاقة أحمد بن حنبل بـأحمد بن نصر الخزاعي ؟

    الجواب: كلاهما من أئمة الحديث الكبار ومن أهل السنة العظام، وكان الإمام أحمد بن نصر الخزاعي أيضاً ممن ثبت في هذه المحنة والتمس لها تغييراً واقعياً جذرياً، حتى إنه كان يعلم الناس السنة ويعلم الناس المعتقد الصحيح، ويبين فساد هذا القول وما يترتب عليه من الآثار ووجوب إزالة هذا المنكر، حتى رأى أن يثب على الخليفة ليغيره ويغير هذا المنكر الذي فشا في الأمة دهراً طويلاً، لكن نبأ علمه إلى الخليفة وقتل ونصب رأسه في سر من رأى وجسمه في بغداد أو العكس، وظل كذلك منصوباً نحو سبع سنوات، وكان الإمام أحمد رحمة الله عليه يثني عليه ويقول: ذاك رجل جاد بروحه في سبيل الله عز وجل، وهذا تنبيه لطيف في مواقف الإمام أحمد ، يقول: إن سبب هذه الفتنة أن المأمون تتلمذ على المعتزلة.

    نقول: واليوم في هذه الأعصر يتتلمذ بعض كبار القوم وأبناء الحكام والسلاطين في بلاد الكفر فوقع لهم مثل ما وقع لأولئك، نقول: نعم قد حرص المستخربون أن يأخذوا أبناء أكابر القوم وأبناء أهل الحكم ليغرسوا في عقولهم الشبهات والشهوات، وليجعلوهم تابعين لملل الكفر وموالين لأعداء الله عز وجل، حتى إذا كانت في أيديهم سلطة أو حكم أو قدرة على فعل أمر من الأمور فعلوا فيه فعلاً يناقض الإسلام ويضر بأهله، ولذلك جعلوا التولية في أمور كثيرة من الإعلام أو التعليم أو غيرها من المجالات لمن صنع على أعينهم وربي في ديارهم وتغذى بأفكارهم، وخفق قلبه بحبهم وتعظيمهم والولاء لهم، وهذا أمر شائع معروف.

    ذكر مراجع سيرة الإمام أحمد وما حصل له

    السؤال: هذه المرويات تحتاج إلى ذكر المراجع؟

    الجواب: أخشى من الإطالة وإلا كلها مراجع معروفة، ولعلنا نشير إلى بعض هذه على الإجمال، هناك كتاب (مناقب الإمام أحمد لـابن الجوزي ) ساق فيه كثيراً من الروايات بالأسانيد وذكر فيه تفصيلات كثيرة، ومن هذه أيضاً مصادر ترجمة الإمام أحمد في سير أعلام النبلاء، وكذلك كتاب عن الإمام أحمد للشيخ محمد أبي زهرة ، وكذلك كتاب عن إمام الصابرين، يتعلق فقط بالمحنة لـعبد العزيز المسند وغيرها، أيضاً كتاب عن الإمام أحمد إمام أهل السنة لـعبد الغني الدقر ، وهناك كتب كثيرة أفاضت في مثل هذه الروايات، ولا شك أن تصحيح هذه الروايات وتوثيقها ليس بالضرورة أن تكون كلها صحيحة على مثل هذا، فإن ما يروى في التاريخ غير ما يروى في السنن، وما يروى في التراجم أدنى من ذلك وأقل، لكن كثيراً من هذه الروايات تطابقت عليها الكتب، وذكرها من ترجم للإمام أحمد .

    طلب الرد على من يطعن في المناهج الدراسية وغيرها

    السؤال: هنا في الأسبوع الماضي ذكر أن أحدهم كتب عن المناهج الدراسية كتابة غير جيدة، وأن الكاتب نفسه كتب عن البث المباشر في هذا الأسبوع بأسلوب يفهم منه أن الغرب أفضل من المسلمين وبطريقة لم يذكر فيها الأسلوب الأمثل للتصدي لمثل هذه الأفكار الهدامة ما هو دورنا نحو هذا؟

    الجواب: اكتب للجريدة فإنها تنشر، وقد ذكر الكاتب أنه يريد من يرد عليه أو من يخالفه في الرأي؛ واكتب لمن ترى أن بيده أمراً حتى يصلح؛ لأن هذا الفساد ليس بالضرورة أن يكون لمجرد رأي راءٍ أو لقول قائل أو لكتابة كاتب أن يقر، وأن يسكت عنه؛ بل الناس ينبغي أن يقولوا الحق وأن يلهجوا به ويبلغوه، ودين الله عز وجل هو الأحق أن يتبع؛ لأنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ومعلوم أن أكثر ما ينبغي أن نحرص عليه هو أن نعرف أن هذه البلاد بما فيها من الحرمين قائمة بإذن الله عز وجل على شرع الله سبحانه وتعالى، وينبغي ألا يقبل أي شيء مما يخالف هذا الشرع، والأنظمة المنصوص عليها سواء في التعليم أو في الإعلام أو في غيرها مبنية ومصاغة صياغة تراعي أحكام الشرع، فبموجب الشرع وبموجب النظام مثل هذا القول ومثل هذه المطالبة مخالفة للشرع أولاً، ومخالفة للنظام ثانياً؛ فالمعترض عليها صاحب حجة قوية.

    فالله أسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.