إسلام ويب

دماء وأشلاءللشيخ : إبراهيم الفارس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للأمة الإسلامية أعداء في القديم والحديث، وهذا العداء ناتج من حقد دفين للمنهج الذي تسير عليه الأمة الإسلامية، فالمسلمون يتعرضون لإذابة أو مسخ أو انصهار أو احتواء شمولي أو اندماج مع أخلاقيات الغرب الفاسدة، كل ذلك بجهود كبيرة من أعداء الإسلام، والإبادة الحسية أعظم وسيلة لمحاربة المسلمين، والتاريخ يشهد بذلك.

    1.   

    ما تعرض له المسلمون من مذابح في الماضي والحاضر

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فمسألة الحديث عن دماء المسلمين وأشلائهم مسألة ذات شجون، الدخول فيها متعب ومرهق وممل ومحزن ومبك.

    إن المطالع في تاريخ الأمة الإسلامية منذ بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى هذا الزمن وإلى أزمنة تالية، عندما يطالع ذلك ويقرؤه، سواءً كان ذلك في الفتن والملاحم بما يرتبط بالمستقبل، أو فيما مضى في تاريخ السابقين، فإنه يتألم ويحزن، وفي نفس الوقت يفرح ويأمل؛ لأن المسلم في هذه الحياة وجد لكي يدعو ويبذل ويضحي، فالبذل والدعوة تقترن بالنجاح أحياناً وتقترن بالفشل أحياناً أو في مراحل أخرى، والفشل والنجاح هو ديدن الحياة؛ لأن الفرق بين الآخرة والدنيا في هذه الناحية، فالآخرة إما نجاح كامل وإما فشل متواصل، فالذين يدخلون الجنة سيكونون ممن ظفروا بالنجاح الدائم الأبدي، والذين سيخلدون في النار سيكون الفشل هو قرينهم إلى أبد الآباد، أما في هذه الحياة الدنيا فيجتمع للإنسان في ذلك فشل ونجاح.

    الملاحظات المطروحة من أجل هذا الموضوع

    إن الحديث عن هذه القضية حديث ذو شجون، ولعلي أنبه على بعض الملاحظات اليسيرة قبل أن أدخل في لب الموضوع.

    أولى هذه الملاحظات: أن ما ذكر في العنوان بأنه عرض تاريخي لمذابح المسلمين ليس على إطلاقه؛ لأن العرض التاريخي يتطلب وقتاً طويلاً، لكي يستعرض الإنسان كل ما تعرض له المسلمون من ابتلاءات وامتحانات ومذابح وخلاف ذلك.

    النقطة الثانية في هذه القضية: أن القضية قضية عرض لنماذج لا غير، وهي نماذج منتقاة.

    النقطة الثالثة: هي أنني سأستعرض بعضاً من النماذج التي أحس أن الماضي مرتبط بالحاضر فيها، وأن التاريخ يعيد نفسه، وأن ما يحصل الآن قد حصل فيما سبق، وأن التفريط الذي حصل في الماضي وأثمر هذه المذبحة هو نفسه التفريط الذي حصل في الحاضر وأثمر هذه المذبحة، والمسلم يدرك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، ولكننا وللأسف الشديد نلدغ مراراً وتكراراً؛ لأننا لا نتعظ ولا ننتبه.

    هناك وقفات موجزة، ثم تمهيد، ثم لب الموضوع، ثم ختام اللقاء.

    عداء أهل الباطل لأهل الحق

    أما المقدمات الموجزة: فأحب أن أنبه الإخوة الكرام إلى أن جميع ما تعرض له المسلمون من مذابح كان الهدف الأول والأخير فيها واحد، سواء كانت هذه المذابح في القرن الأول، أو في القرن الذي نعيشه الآن.

    استعرض أي مذبحة واقرأ تفاصيل هذه المذبحة واقرأ الأسباب، ثم اقرأ النتائج، ثم قارن، ثم ستعلم صدق كلامي من كذبه.

    أقول: إن هذه القضية لا بد أن تجعل في ذهن المسلم على أنها قضية مسلمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أوضح لنا ذلك بقوله: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] فقوله تعالى: (ولا يزالون) تدل على الاستمرار، استمرار متتابع متواصل، مذابح متتابعة متواصلة، ما هو الهدف؟

    الهدف هو: حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا هل التعبير في هذه الآية يئول إلى غير المعنى المراد، بأن يعتقد الإنسان أن قوله تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم) حتى يحتلوا بلادكم، أو حتى يظفروا باقتصادكم أو بخيراتكم، أو بكذا وكذا؟ لا، بل لا بد أن تجعل نصب عينيك أن كل قتال ضد الأمة المسلمة منذ أن بزغ فجر الإسلام إلى زماننا هذا، بل إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها أنه قتال عقائدي في سبيل العقيدة، بل ولا تكاد تجد قتالاً على وجه الأرض إلا وللعقيدة أسباب قوية في دفع المتقاتلين والمتحاربين إلى هذا القتال، فالعقيدة هي المحركة لهذه المسألة، وهي التي بسببها حصلت هذه المعارك، ولعل الوقت لا يسمح لعرض نماذج من هذا، ولكن أقول: إن الحرب التي تقع بين النصارى أنفسهم تجد أنها بسبب أن هؤلاء كاثوليك وهؤلاء بروتستانت، وتجد أن هؤلاء أرثوذكس وهؤلاء كاثوليك، وتجد أن هؤلاء أرمن وهؤلاء مارون، وتجد أن هؤلاء.. وهكذا، فهي حروب عقائدية.

    عند اليهود كذلك تجد أن هؤلاء بابليون وهؤلاء سامريون، حرب متتابعة بين هؤلاء، لم؟ ما هو السبب؟ هل هو سبب اقتصادي؟ لا، هو سبب عقائدي، إذاً: ضع في اعتبارك أن الحرب الموجهة ضد الأمة المسلمة هي حرب بسبب تمسكها بعقيدتها، وكلما ازداد التمسك بالعقيدة ازدادت شدة الحرب ضد الأمة، والله سبحانه وتعالى أوضح لنا ذلك بقوله: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] فالمنهج هنا أن الرضا لا يأخذ أي طابع الموافقة، سواء كان عبوديةً أو ذلةً أو مطاوعةً على طول الخط، لا يكون هناك رضاً إلا بأن يعلن الإنسان رفع راية النصرانية أو رفع راية اليهودية، عند ذلك نظفر برضا هؤلاء اليهود أو هؤلاء النصارى.

    وتجد الدول التي ترتمي تحت أقدام النصارى واليهود وبالرغم من الذلة التي تفرض عليها، لا زال هؤلاء اليهود والنصارى يحتقرونهم، ويرون أنهم لم يحققوا أهدافهم بعد؛ لأن الهدف الأسمى بالنسبة لهم هو أن تنضم هذه الدول إلى ركبهم عقائدياً ودينياً.

    الوقفة الأخرى في المقدمة: أنني لا بد أن أنبه إلى أن هناك قصوراً سيحصل في هذه المحاضرة باعتبار أن هناك تشعبات متعددة وكثيرة، حاولت أن ألم بأطرافها لعل الله سبحانه وتعالى أن يجعل في هذا اللم خيراً، إنما أقول: أن هناك قصوراً سيلحظه بعض الموجودين ممن هم أعلم مني بذلك، ولكن أقول: إنني بذلت وحسبي ما بذلت، والله سبحانه وتعالى هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

    1.   

    مناهج المعادين ضد الأمة الإسلامية

    أقول في النقطة الثانية وهي التمهيد: هناك مجموعة من الوقفات مع مناهج المعادين أو بمعنى أخص: وقفات عامة توضح المنهج المعادي ضد الأمة المسلمة الذي سار عليه الأعداء منذ القدم، منذ بزوغ هذه الرسالة إلى زماننا هذا، ما هو المنهج المستخدم؟ ثم بعد ذلك ندخل في نماذج تفصيلية أو قصص تفصيلية حول هذه المسألة.

    أولى هذه النقاط بالأحرى هي مسائل: قضية الإبادة الحسية.

    النقطة الثانية: الاحتواء الشمولي.

    النقطة الثالثة: الإذابة والمسخ والانصهار.

    النقطة الرابعة: الاندماج.

    طبعاً الأعداء وضعوا نصب أعينهم هذه المناهج الأربع: إما أن يكون هناك إبادة حسية، أو احتواء شمولي، أو إذابة ومسخ وانصهار، أو اندماج، فإن حصلت هذه بأكملها أو أجزاء كبيرة منها فبها ونعمت بالنسبة لهم، وإلا فهناك أولويات بالنسبة لهم، فالأولى هي: الإبادة الحسية، فإن لم تحصل أو لم يكن هناك إمكانية انتقلوا إلى مسألة الاحتواء الشمولي، ثم الإذابة والمسخ والانصهار، ثم الاندماج، ولعلي أعرض لكم وقفات موجزة سريعة مع هذه المناهج.

    أولاً الإبادة الحسية

    أولاً: الإبادة الحسية: الإبادة الحسية هي ما ذكره الله سبحانه وتعالى عنهم حينما قال: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] فالإبادة الحسية هنا منهج سار عليه الأعداء فيما يرتبط بالقضاء على المسلمين، فهم لا يريدون لمسلم أن يبقى على وجه الأرض؛ ولذلك تجدهم يفتعلون النصوص الشرعية التي تحث أتباعهم على القضاء على المسلمين، خذوا نموذجين اثنين حول هذه القضية.

    أنتم تجدون التوراة تتحدث، فهم يقولون: إن النص الذي ذكر فيها هو من الله سبحانه وتعالى، تقول لليهود بأجمعهم: إنك ملزم إلزاماً بأن تقتل الأميين أو تقتل ما سوى اليهود، ولا يقولون: تدعوه إلى اليهودية، وإذا التزم باليهودية تتركه، لا، بل المنهج عندهم هنا: أن تقتل من خالف دينك مباشرةً بدون دعوة، لم؟ لأنهم يرون أنهم شعب الله المختار، ولا يمكن أن ينضم إليهم غيرهم، وبالتالي القتل هنا هو الأصل، ماذا يترتب على القتل بعد ذلك؟ يترتب عليه احتلال الأرض، ويترتب عليه أخذ الذرية، ويترتب عليه السيطرة الاقتصادية، إذاً: هذا نموذج.

    النموذج الثاني عند الرافضة: عندما يسطرون نصوصاً تؤيد منهجهم الفعلي العملي الملاحظ والمشاهد بقولهم: من قتل ناصبياً أو من قتل أحد العامة بتعبيرات متفواتة دخل الجنة، فسأل أحدهم أحد الأئمة كما يقولون: فإن لم أستطع أن أقتله؟ قال: تذله ما استطعت.

    إذاً: هم يهدفون إلى مسألة القضاء الحسي على المسلمين، وتحضرني في هذه اللحظة حادثة في وقت الخليفة المهدي العباسي وهو الخليفة الثالث يقول أحد المسئولين عن السجن لأحد الأئمة: كنت مسئولاً عن سجن كذا وكذا، وكان هذا السجن مليئاً فيه أكثر من خمسمائة فرد، وكنت أعتقد أنهم كلهم من النواصب -أي: المخالفين للشيعة، أي: أهل السنة- فأردت القضاء عليهم، ولكنني خفت أن يكون بينهم أحد من الشيعة، يقول: اتفقت أنا وبعض السجانين الآخرين على مسألة القضاء عليهم، فبدأت أركز على أعمدة السجن فأجعل في الأعمدة أو أسفل منها قليلاً من الملح ليكون هو الأساس، ثم بعد فترة أدرجت الماء فذاب الملح فسقط السقف عليهم فمات هؤلاء كلهم، فماذا أفعل؟ قال له هذا الإمام: ليس عليك شيء، بل أنت مأجور وما هم إلا كالخنازير.

    إذاً: هذا في وقت الخليفة المهدي، هذه الرواية قد تكون مفتعلة أو قد تكون مكذوبة، لكنها تنبئ عن حقد ينبع من قضية الإبادة الحسية التي يسير عليها هؤلاء.

    الإبادة الحسية تنقسم إلى قسمين اثنين: إبادة حسية كبرى، وإبادة حسية صغرى.

    أما الكبرى فتأخذ طابع الهجوم المتتابع المتواصل عن طريق الهجمات المتصلة، كهجمات الصليبيين في وقت المماليك وصلاح الدين وغيرهم، وهجمات الاستعمار المعاصر، وهجمات الاستعمار في القرن التاسع عشر، وهجمات الروم وهجمات الفرس، وأي نوع من الهجمات على المسلمين بقصد استئصالهم، هذه تعتبر إبادة حسية كبرى.

    أما الإبادة الحسية الصغرى فهي مسألة بذر الثورات داخل البلدان الإسلامية؛ للقيام بحروب مضادة بين المسلمين أنفسهم؛ فيضعف المسلمون شيئاً فشيئاً ويترتب على ذلك أو ينتج عن هذا الضعف سهولة احتواء المسلمين والقضاء عليهم، كما سأضرب لكم نموذجاً في ذلك بما حصل في بعض الدول وأبرزها الأندلس.

    هذه طبعاً الإبادة الحسية الصغرى.

    ثانياً الاحتواء الشمولي

    النقطة الثانية من مناهج الأعداء: الاحتواء الشمولي عن طريق الاحتواء السياسي والاحتواء الاقتصادي والاحتواء العسكري.

    الاحتواء الاقتصادي

    فالاحتواء الاقتصادي مثلاً عن طريق التحكم الكامل في الاقتصاد العالمي في البنوك العالمية، في قضايا النقد، في قضايا النفط، في قضايا البنك الدولي، في قضايا صندوق النقد الدولي، في جميع ما يرتبط بتبادل العملات إلى غير ذلك، يتحكمون في السوق الاقتصادي العالمي الذي ينتج عنه تركز الثروات في أيدي فئات معينة من اليهود والنصارى، مع بقاء البلاد الإسلامية في فقر مدقع إلا في قليل ممن في هذه البلاد الإسلامية، ممن يعطى من هذه الأموال الشيء الكثير حتى يسكت عن مخططاتهم، ويتعاون معهم في سبيل إنجاح هذه المخططات؛ ولذلك لو ألقيت نظرة على العالم الإسلامي بأكمله ستجد أنه يعيش فقراً أو تحت الفقر، وخذه دولة دولة، نأخذه من المغرب: المغرب فقيرة، تونس فقيرة، ليبيا فقيرة بالرغم من أنها بترولية، الجزائر بترولية فقيرة، مصر فقيرة، السودان فقيرة، الصومال تعرفون حالها، انتقلوا إلى سوريا ولبنان، والعراق وإيران وباكستان وبنقلادش، وكل هذه الدول تعتبر فقيرة أو دون الفقر، وكل هذه الدول لها مديونات ضخمة جداً على البنوك العالمية، ولم يبق إلا دول الخليج والنظرة مركزة عليها، بل وكثير من دول الخليج بدأت مظاهر الفقر تظهر في أطرافها وفي أجزاء منها مما هو ناء من هذه البلاد، وربما كلكم يعرف أن بعض دول الخليج تعتبر دولاً بدلاً من أن تكون دائنة هي دول مدينة، وهذا منهج يسير عليه الأعداء ويركزونه للاحتواء الشمولي الاقتصادي.

    الثاني: الاحتواء السياسي عن طريق التحالفات أولاً، فلا تجد دولة إلا ولها تحالف عسكري مع دول غربية أو شرقية أو دون ذلك، وهذه التحالفات جعلت هذه الدول تظفر بحماية الدول الغربية في سبيل أن تعطيها أو تستذل هذه الدول للدول الكبرى، فعندما أنشئت هيئة الأمم وأنشئ مجلس الأمن وأنشئت المنظمات الدولية المعروفة كل هذه المنظمات الدولية ركزت على جانب مهم، وهو جانب الاحتواء السياسي العالمي المركز في أيدي فئة معينة لبقية دول العالم، وخاصة العالم الإسلامي.

    أما الاحتواء العسكري فكلكم تعرفون أن الدول الإسلامية خاصة يمنع عليها أن تصنع أسلحة بشكل مطلق، لا يمكن لها أن تصنع سلاحاً، وعندما صنعت العراق قنبلة أو بدأت في إنتاج القنبلة النووية ضرب المفاعل النووي، ثم بعد ذلك بدأ التركيز الإذلالي العجيب عليها؛ حتى لا تنتج أي سلاح بأي صورة كانت، نحن لا نقول: إن هناك تأييداً للحكم في العراق أو غير ذلك، لكن نقول: إنه لا يمكن لدولة إسلامية أن تصنع سلاحاً متطوراً، ولو جنبنا العراق جانباً بحكم الحساسية تجاه موضوعه، وذهبنا إلى باكستان، فإننا سنجد أن هناك ضغطاً عالمياً مكثفاً في سبيل ألا تصنع قنبلة نووية، مع العلم أن عبدة البقر جيرانهم عندهم من القنابل النووية الشيء الكثير، لم؟ لأن هناك احتكاراً أو احتواء شمولياً عسكرياً للدول النصرانية الكفرية ضد العالم المسلم.

    كذلك عندما يباع السلاح لدول إسلامية فإن قائمة الشروط لا حد لها: لا يستخدم في كذا، ولا يستعمل في كذا، ولا يضرب به كذا، إلى آخر ذلك، وهذا طبعاً من باب الإذلال العسكري الذي نشاهده.

    كذلك لا يمكن أو لا تكاد تجد دولة إسلامية تصنع من الأسلحة التقليدية المعروفة كالدبابات أو الطائرات أو الصواريخ العادية، لا أقول: النووية أو الذرية أو غيرها، لا تكاد تجد دولة تصنع ذلك، فهي دول استهلاكية في الجملة، أما ما يذكر أن هناك بعض الصناعات العسكرية في بعض البلدان، فهي تعد صناعات تافهة في مقابل ما يصنعه الغرب من آلات ومن أدوات.

    ثالثاً الإذابة والمسخ والانصهار

    أما النقطة الثالثة من المناهج فهي: الإذابة والمسخ والانصهار، ولعل هذه الحديث عنها يطول، لكن أضرب لها مثالين أو ثلاثة أمثلة.

    الإذابة والمسخ والانصهار فيما يرتبط بالجانب الفكري والمسائل الفكرية، وذلك عن طريق القضاء على كل ما يمس الجانب الغربي أو النصراني أو اليهودي أو الاستعمار، وذلك عن طريق ذم هذا المنهاج الذي يتحدث عن ذلك، ثم حذف هذا المنهاج من جميع وسائل الوعي التي تبث على الناس، سواء كانت إعلاماً أو تعليماً أو غير ذلك، وحتى الخطب والمحاضرات وغيرها لا تتحدث عن هؤلاء، لا تتكلم عن اليهود، ولا تسب النصارى، ولا تفعل ولا تفعل وهذا أمر واضح بالنسبة لكم، فهنا مسألة إذابة تجهيزية، والقضية ربما لا يدركها أهل الجيل الأول، أو أهل جيل معين، لكن التخطيط يأخذ طابع الأجيال المتلاحقة والمتتابعة، فقد قال مثلاً: تيودور هرتزل الزعيم الصهيوني المعروف في عام (1898م) في سويسرا: يجب علينا إعلان دولة إسرائيل بعد (50) سنة. فهو لا يرجم بالغيب ولا يعلمه، ولكنه يخطط ويبذل، وهو عندما قال هذا الكلام هو يعرف أنه سيموت، لكنه يعرف أن هناك أجيالاً لاحقةً ستحمل الراية وتواصل المشوار، وفعلاً هذا الذي حصل، أعلنت دولة إسرائيل عام (1948م)، وهذا منهج استخدمه هذا الرجل وأتباع هذا الرجل في سبيل الوصول إلى هدفه، وحققوا الهدف عن طريق تذليل الصعاب للوصول إلى هذا الهدف.

    فأقول: إن الإذابة والمسخ والانصهار لا تأخذ طابع المفاجأة، يعني: لا يضغطون على الناس ويطالبونهم بأن ينصهروا في بوتقة الغرب مباشرة، بل هي قضية تدريجية شيئاً فشيئاً، بطريقة مرتبة ومنظمة ودقيقة، وفي نهاية المطاف ستجد أن النتيجة قد وصلت إلى ما تعرفون، ومثال ذلك: قبل عشرين سنة أو ثلاثين سنة أول ما فتح التلفاز عندنا هنا، لو ظهر منه صورة امرأة كما يظهر في التلفاز الآن ممثلة كاشفة الوجه والشعر والذراعين والساقين بل والفخذين، فماذا سيحصل؟ سيثور المجتمع بأكمله من أوله إلى آخره، سيثورون، لم؟ لأن هذا منظر رهيب لا يعرفونه ولم يتعودوه، وبالتالي يفشل المخطط، لكن الذي حصل أن التلفاز بدأ القضية بالتدريج: صوت امرأة، كف امرأة، أصابع امرأة في البيت السعيد، شيئاً فشيئاً، تخرج المرأة متحجبة ليس فيها من الأصباغ شيء، شيئاً فشيئاً حتى وصل الأمر إلى ما ترون.

    فأقول: إن هذا منهج وللأسف الشديد خطير للغاية، ولا بد من الانتباه لهذا المنهج.

    النقطة الثانية: الإذابة والمسخ والانصهار الاجتماعي فيما يرتبط بإفساد الأسرة، والأسرة كما تعرفون هي عماد المجتمع، وهي عماد الأمة، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع؛ ولذلك ركز الغرب أو بالأحرى ركزت الدول الشيوعية على مسألة الأسرة، وعرفت أن الأسرة إذا كانت صالحة فإن المناهج الشيوعية لن تنجح، وبالتالي نخروا في أسس هذه الأسرة إلى أن تهاوت، ثم بدءوا في تلقف هؤلاء الضائعين من أولاد وبنات، وبدءوا يلقنونهم التعاليم الشيوعية، ونجحت الشيوعية في ذلك فترة من الزمن إلى أن تهاوت وانتهت.

    رابعاً الاندماج

    ثم بعد ذلك ننتقل إلى المنهج الرابع: الاندماج، الاندماج منهج يهدف إليه الغرب؛ لأنهم رأوا أن قضية الإبادة الحسية صعبة، وقد تكون مستحيلة في كثير من المناطق، فانتقلوا إلى قضية الاحتواء الشمولي، ثم الإذابة ثم الاندماج، والاندماج جعل هذه الدول الإسلامية مستذلة تماماً، بل ومندمجةً فكرياً وعقائدياً ومنهجياً ودعوياً مع الدول الغربية حتى ولو أعلنت الإسلام، حتى ولو كان الفرد منها مسلماً، لم؟ لأنني عندما أقرأ في الكتب أو في المذكرات أن الكنيسة تقول: يجب علينا أن نعلن قارة إفريقيا عام ألفين قارة نصرانية، طبعاً عام ألفين لم يبق عليه إلا سنوات قليلة: سبع أو ثمان سنوات فقط لا غير، ومع ذلك فإن النتائج ليست قوية، فهل معنى هذا: أنهم يقولون: إن جميع أفراد القارة الإفريقية لا بد أن يلتزموا بالمنهج النصراني؟ لا، هذا خطأ، إنما المنهج الذي يسيرون عليه هو أن الزعامة التي تتحكم في الناس يجب أن تكون إما نصرانية وإما مندمجة مع النصارى، تأخذ أقوالهم وتؤيد أفكارهم وتنشر غسيلهم ولا تمانع في ذلك أبداً، هذا هو الذي يريدون، وهذا المخطط نجحوا فيه الآن، وكثير من زعماء الدول الإسلامية في إفريقيا تجد أنهم ينهجون هذا المنهج، والنجاح متتابع متواصل وقوي بالنسبة لهؤلاء.

    من الاندماج ما نسمع عنه في الآونة الأخيرة من صيحات متتابعة متكررة فيما يرتبط بمحاربة الرجعية- ما يسمى بالرجعية أو الأصولية أو الإرهاب أو الالتزام بالأحرى- وكل من التزم بدين الله سبحانه وتعالى وكل من أطلق لحيته وقصر ثوبه فهو متطرف، هذا ما صرح به أحد زعماء الدول الإفريقية أو بمعنى أخص الزعيم الليبي عندما قال لشعبه: إذا رأيتم رجلاً يحمل مسواكاً وله لحية وثوبه قصير فاقتلوه كائناً من كان فإن هذا متطرف، ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام: أن القضاء على هؤلاء الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى منهج، وهذا المنهج اتفق عليه الأعداء مع الأصدقاء، أو بمعنى أخص المسلمون -أو ما يسمون بالمسلمين- مع اليهود والنصارى، ومثال ذلك: أحد زعماء الدول الإفريقية المشهورين أو زعيم أكبر دولة إفريقية يلتقي بزعيم أكبر دولة نصرانية ويلتقي معه في أوربا -طبعاً هو ليس أوربي- يلتقي به ويتفقان سوياً على محاربة التطرف، طبعاً هذا يدعي أنه مسلم أو يحكم دولة إسلامية، لكن الآخر ما الذي يعنيه؟ القضية قضية اندماج في محاربة الإسلام، وهذا ما يهدف إليه الغرب.

    1.   

    نماذج من العداء ضد الإسلام والمسلمين

    ننتقل إلى نموذج طبق في الماضي، ثم سنعرض نماذج طبقت في الحاضر فيما يرتبط بقضية حرب الإسلام، ثم أعرض لكم بسرعة مسائل مذابح المسلمين.

    النموذج القديم ما حصل في الأندلس

    تعرفون أن الأندلس عاش فيها الإسلام فترة طويلة من الزمن، بل وكانت حاضرة علمية عجيبة لجميع الدول الأوربية، تمد الدول الأوربية بالعلماء والمفكرين، فقد كانوا يأتون إلى الأندلس ليدرسوا فيها، بل وذكر أحد المؤرخين الألمان أنه كان الأوربي الذي يتحدث اللغة العربية في ذلك الوقت يعتبر رجلاً ذا شأن ومثقفاً؛ لأنه يتحدث لغة العلم والحضارة، هذه الدولة لم يكن الغرب ينظر إليها على أنها دولة علم، بل كان ينظر إليها على أنها دولة إسلام، والإسلام مناوئ للنصرانية، إذاً: لا بد من القضاء عليه، فاستخدم مناهج متعددة وكثيرة وحرباً متواصلة ضروساً، ولم ينجح إلا عندما استخدم قضايا تدريجية فيما يرتبط بحرب هذه الدولة، وأولى هذه القضايا: مسألة الطائفية والدويلات، إذاً: نشر الطائفية والتفرق والتشرذم، تحت مسمى قبيلة معينة أو منهج فكري معين أو منطقة معينة أو غير ذلك، ثم الصراع المتتابع بين هذه الدويلات، ثم دعم هذا الصراع بشكل متواصل، حتى يضعف هؤلاء أجمعون فيستغل الغرب ذلك، ثم بعد ذلك يترتب على ذلك السقوط والانهيار، وكلكم تعرفون قصة فرديناند وإيزابيلا اللذين كانا زعمين مختلفين، كل منهما في مكان، فاتفقا على حرب المسلمين، وتزوج هذا بهذه، ثم بدءوا يركزون على مسألة حرب المسلمين بصبر وأناة وتؤدة، عن طريق نشر الطائفية والفرقة والتشرذم الذي أدى في نهاية المطاف إلى سقوط غالب مناطق الأندلس في أيدي النصارى، ثم بعد ذلك ما الذي حصل؟ إنشاء محاكم للتفتيش، ومحاكم التفتيش هذه كان السبب الأول في إنشائها هو القضاء على المسلمين.

    ومحاكم التفتيش هذه عندما تقرءون قصصاً عنها ربما لا تصدقون ما يذكر فيها، ولكن الغريب أن هذه القصص من النصارى أنفسهم، هم الذين ذكروها وتحدثوا عنها، فكان الإعدام نصيب كل من وجدوه مختوناً، أو يختن ابنه أو يصلي أو يذكر الله سبحانه وتعالى، أو يملك مصحفاً أو يتكلم بكلمات إسلامية أو غير ذلك، كان نصيبه القتل مباشرة، وليس هناك شيء اسمه تحقيق أو سجن أو غير ذلك، فقتل من المسلمين الأندلسيين مئات الألوف، بل وقد ذكر بعض المؤرخين أن القتل تجاوز ألفي ألف -أي: مليوني نسمة- من المسلمين، قتلوا على أيدي نصارى أوربا الذين يعيشون في أسبانيا، قتلوا لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، وترتب على ذلك أن أوربا انصبت بقضها وقضيضها لتحويل أسبانيا إلى دولة نصرانية كاملة في فترة وجيزة، وهذا الذي حصل، فالمسلم عندما يقبض عليه ويقتل يُرتاح منه، لكن أحياناً توجد مجموعة كبيرة من القبائل التي ربما يتعب هؤلاء النصارى في قتلهم وحصارهم وحربهم، فكانوا يحاصرونهم ويشترطون عليهم شرطاً واحداً: إما أن نحاصركم حتى تموتوا، أو أن تنتقلوا إلى الدول الإسلامية المجاورة ونعطيكم مالاً، وفعلاً يوافق هؤلاء؛ لأن هذا أرحم لهم، وكان هدف النصارى من ذلك هو أن يتكتل هؤلاء في الدول الإسلامية المجاورة، فيضعف اقتصاد هذه الدول مما يسهل عليهم ابتلاعها فيما بعد.

    1.   

    مقاتل المسلمين

    فأقول: إن النماذج التي سأذكرها بعضاً منها سأعلق عليه، والبعض الآخر سأترك التعليق له أو عليه بالنسبة للدروس والعبر لكم أنتم تستقصون ما تعرفون أو ما تتفتق عنه أذهانكم تجاه هذه المسألة.

    وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين اثنين:

    مقاتل المسلمين قديماً، ومقاتل المسلمين حديثاً.

    مقاتل المسلمين في القديم

    أما مقاتل المسلمين في القديم فتنقسم إلى قسمين: العدو الخارجي المباشر، والعدو الداخلي المتخفي، يغريه العدو الخارجي بالمال من أجل الدخول إلى هدفهم.

    فمن النماذج ما حصل من دولة الحشاشين التي عاشت من عام (420) للهجرة إلى عام (550) للهجرة، في حدود (130) سنة، دولة الحشاشين هذه قامت بطريقة لطيفة وقضت على الزعامات الإسلامية، إذ كان لديها منهج، ألا وهو: أن المسلم يموت إذا مات زعيمه، أو يموت إذا مات عالمه وهو باق على قيد الحياة، فلا يهمه أن يكون المسلم يأكل ويشرب وينام وينكح ويسكن فهذا أمر اعتيادي، لكن لا يريد منه أن يكون داعية إلى الله، فإذا جرد من العالم أو جرد من الزعيم الصالح، فإن هذا المسلم يسهل فيما بعد تحريكه يمنة ويسرة، ولذلك تجد أنهم ركزوا على الزعامات، فبدءوا في قتل الزعامات المسلمة وعرف عنهم بالانتحاريين أو الفدائية، ويسميهم المؤرخون الفداوية، أي: أنهم يفدون أنفسهم في سبيل مذهبهم، فقتل على أيديهم مجموعة كبيرة من القضاة والعلماء والدعاة، بل الوزراء والحكام، فقتلوا نظام الملك وهو من الوزراء المعروفين المشهورين الذي كان له إصلاح كبير في الدولة المسلمة، وكادوا أن يقتلوا صلاح الدين الأيوبي ، فأقول: هؤلاء الحشاشون أثمرت جهودهم ثماراً ليست باليسيرة، وبقيت دولتهم وامتدت إلى زماننا الحاضر، فالمنهج الإسماعيلي: البهرة الإسماعلية، المكارمة، إلى آخر ذلك، كل هؤلاء يعدون امتداداً فكرياً لهذه الدولة- أي: دولة الحشاشين-.

    أقول: الحسن بن الصباح خرج من مصر رجلاً عالماً مثقفاً شاباً جلداً قوياً بعد خلاف حصل داخل الدولة الفاطمية المصرية، بعد موت الحاكم بأمر الله الفاطمي عام (411هـ)، فخرج إلى العراق ثم خرج إلى مناطق إيران، ثم اتجه إلى مناطق أفغانستان، ثم عاش هناك وفكر في إنشاء دولة، انظروا إلى علو الهمة، فقد كان فيه علو همة لم تكن في غيره، إذ قرر أن ينشئ دولة وهو فرد واحد، لم يقل: سأنشئ قصراً وأتزوج ويكون لي أولاد وأرض واستراحة وكذا، لا، كان همه إنشاء دولة، وفعلاً وصل إلى هدفه بالطريقة المرتبة المنظمة، فقد ذهب إلى القرى الفقيرة، فتعرف على مجموعة من الشباب، وبدأ يتصادق معهم، ثم بدءوا يجلسون سوياً، وجعل هذه الجلسة في مكان بعيد عن الناس، ثم كوّن مبنىً صغيراً، ثم طوره وجعله مبنىً محصناً، ثم قال: نريد نقود لننفق على أنفسنا، لماذا لا نذهب إلى القوافل المهاجرة أو المسافرة من منطقة إلى منطقة ونعرض عليها الحماية، نقول: نحميكِ من مكان كذا إلى مكان كذا مقابل كذا ونسير معهم، ثم نأخذ منهم نقداً، فإن رفضت وهي قافلة صغيرة هاجمناها وأخذناها، وإن كانت كبيرة تركناها، شيئاً فشيئاً حتى جمع المال ثم بنى القلعة على رأس جبل، ثم بدأ يوسع في القلعة ويكبر فيها، إلى أن وصلت إلى الهدف الذي يريد، ثم بعد ذلك بدأ يحقق المنهج الدعوي، وقد وجد بجانب هذه القلعة غابة من أجمل الغابات وفيها نهر يجري، فبنى فيها قصراً جميلاًن وجعل فيها من الأثاث الشيء الجميل، جاء به من العراق، ثم وضع فيها أربعة من الفتيات الجميلات، ثم بدأ يبث الدعاة: اذهبوا إلى القرى، وقولوا لهم: تعالوا إلينا ونعرض عليكم ما عندنا، فإن وافقتم عليه فخذوه، وإن عارضتموه فاتركوه فأنتم أحرار، فكان هؤلاء الفقراء وهم أوساخ وقذارى الناس يدخلون القلعة، فيقولون لهم: أول شيء لا بد أن نضيفكم، فيعطون صحناً صغيراً فيه بعض المأكولات المعتادة، ثم كأس صغير فيه حشيش؛ ولذلك سموا بالحشاشين، يشرب هذا الرجل كأس الحشيش ثم يتخدر، ويؤخذ ويدخل به إلى دورة المياة، ثم ينظف شعره وأظافره وتغير ثيابه ويلبس أساور الذهب والفضة والثياب الحسنة والأطياب والعطورات، ثم ينزل به إلى هذا القصر الصغير فيستيقظ بعد نوم طويل، يلتفت يمنة فيرى نساء جميلات، ويلتفت يسرة فيرى نساءً جميلات، أمامه بيت فاخر لم يتخيل رؤيته في أحلامه، فإذا خرج قليلاً رأى غابة من أجمل الغابات ونهراً، فتقول له أحد الفتيات: إنك في الجنة، وهذا أول قصورك ولك قصور كثيرة، وتعال لدينا، ويحاول أن يتحرش بهن، فيقلن: لا، انتظر، فأنت زائر، كل واشرب، ثم نحن لك وأنت لنا، فيؤتى له بآنية، ويؤتى له بغذاء لم يتخيله في آنية الذهب والفضة فيأكل ويشبع، ثم يشرب كأساً من حشيش ويتخدر، فيعاد به مرة أخرى إلى القلعة ثم يستيقظ بعد أن تغير ثيابه ويعاد إلى ثيابه الأولى، فيستيقظ من منامه فيرى ثيابه القذرة، لكن أظافره قد قلمت ورائحته جميلة وشعره مرجل وثيابه قذرة، فيكون هناك صراع داخلي عجيب: ماذا يفعل؟ ماذا يصنع؟ ما الذي حصل؟ هل هو منام؟ هل هو يقظة؟ لا، فيدخل عليه رجل وقور يقول له: يا بني! لعلك رأيت في منامك كذا وكذا ويذكر له القصة، يقول: نعم، رأيت، فيقول الرجل: إن ما تراه من رائحة وشعر من آثار رؤيتك، وهذا مكانك في الجنة إن كنت معنا على الخط، فيؤمن بهم، وبهذه الطريقة استطاع أن يجمع عشرين ألف جندي، وأرسل له أحد الخلفاء العباسيين رسالة يهدده فيها ويتوعده، وأنه لا بد أن يستسلم؛ لأن جنوده تقدمت حتى كادت أن تحاصر بغداد، واستطاعت أن تقتل آلافاً مؤلفة من المسلمين، فأرسل له الخليفة رسالةً يتهدده فيها، وأنه قد جهز له جيشاً عرمرماً ضخماً قوامه مائة ألف، فقال للرسل: ليس لدي رد، ولكن الرد انظروا: تعال يا فلان! ارم نفسك من القلعة، فرمى نفسه من القلعة، يا فلان! اقتل نفسك، أخذ الخنجر وقتل نفسه، يا فلان! اقطع لسانك، فضغط على لسانه فقطعه فنزف فمات، قال: قل للخليفة: إن لدي عشرون ألفاً يحبون الموت كما تحبون الحياة، وكلهم من هذا الجنس، لم؟ لأن كلاً منهم في ذهنه أنه إذا مات سيذهب إلى ما رآه في حلمه-أي: الجنة- فاستطاع أن يكون دولةً ضخمة تشمل إيران وأجزاء من العراق، وأفغانستان وباكستان وجنوب الاتحاد السوفيتي لتكون دولة للحشاشين، واستطاع أن يقضي على الكثير من أهل السنة، ولذلك يقال: إن أذربيجان الآن وهي دولة من الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي أغلب أهلها من الشيعة: يقال: إنهم أثر من آثار هذه الهجمة الإسماعيلية بقيادة الحشاشين.

    1.   

    مقاتل المسلمين في الزمن المعاصر

    مقاتل المسلمين في الزمن المعاصر، وهي عبارة عن وقفتين: الهجمة الخارجية، والهجمة الداخلية.

    الهجمة الخارجية

    أما الخارجية، فهذا أمر كلنا نعرفه وكلنا نلم به، ولذلك لن أطيل فيه؛ باعتبار أنه أمر مفهوم.

    الهجمة الخارجية فيما يرتبط مثلاً بهجمة النصارى على المسلمين في السودان والصومال والبوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفو، وفي أذربيجان من قبل الأرمن، كذلك في العراق ولبنان ومصر وغير ذلك، وهي هجمة من قبل النصارى مدعومة من دول الغرب، وإما أن تكون الهجمة من الغرب مباشرة، أو أن الغرب هم الذين يحملون الراية بطريقة سرية، فعندما نتحدث مثلاً عن الهجمة الغربية ضد المسلمين في البوسنة والهرسك نجد أن البوسنة والهرسك التي كانت دولة مسلمة من سنة (855هـ) للهجرة إلى زماننا هذا، كان الغرب يفكر في القضاء عليها، ولكنه لم يستطع؛ لأن الخلافة العثمانية كانت تحميها، فلما جاء الانقلاب الشيوعي في يوغسلافيا بدأ مسلسل القضاء على المسلمين، ولكنهم كانوا متماسكين، فاستطاع أن يستخدم معهم أسلوب الإذابة بدلاً من أسلوب الإبادة الحسية، ولذلك فإن هناك مسلمين لا يعرفون من الإسلام إلا الاسم فقط لا غير، لا يصلون ولا يصومون ولا يحجون، ولا ولا، ومع ذلك فالغرب لا يرضيهم ذلك، لا يرضيه إلا الإبادة الحسية، أما الاحتواء الشمولي والإذابة والمسخ والاندماج لا يكفيه، فقرر القضاء على الإسلام تماماً عن طريق الإبادة الحسية، وتزعم ذلك الأرثوذكس بقيادة الصرب، وكذلك الكاثوليك بقيادة الكروات وبدءوا التركيز القوي على المسلمين للقضاء عليهم، ثم بدأ الدعم الخارجي المتواصل من جميع دول العالم للقضاء على المسلمين في البوسنة والهرسك، فروسيا تدعمهم سياسياً وإعلامياً وعسكرياً ومادياً، ودول أوربا تدعمهم كذلك، وأمريكا تدعمهم كذلك، بل ودول إسلامية أخرى تدعمهم كذلك كإيران ومصر كما هو معروف عن طريق إمداد يوغسلافيا بالبترول وغيرها، بل وكل الدول الإسلامية تدعمهم عن طريق السكوت أو تعليق القضية بالمجلس النصراني المجرم-مجلس الأمن أو هيئة الأمم- وذلك عندما تجعل القضية بأيدي هؤلاء النصارى أو هؤلاء اليهود، ونحن نعرف أن رئيس الأمم المتحدة بطرس غالي وهو من الكاثوليك، ويعد هذا الرجل والصرب إخوة في الدين وفي المنهج وفي المعتقد وفي كل شيء.

    مثال آخر في الهجمة الخارجية: الهندوس عندما قاموا بهجمة شرسة ضد المسلمين في كشمير، وضد المسلمين في الهند نفسها، ولعلكم ترون بعض النشرات الموجودة في المساجد، أو التي تذكر في بعض المجلات أو غيرها من الهجمة الشرسة من قبل الهنود ضد المسلمين، حتى إن بعضهم يصرح ويقول: أمام المسلمين واحد من أمرين: إما أن يكونوا هندوساً مثلنا، وإما أن يعودوا إلى وطنهم الأم باكستان، ليس هناك حل ثالث أبداً؛ ولذلك بدأت المذابح تترى، ومع أن هذه المذابح قديمة لكنها برزت وظهرت بشكل قوي، كما حدث في هدم المسجد البابري.

    والبوذية كدين آخر ماذا فعلت في بورما؟ ماذا فعلت في منطقة أرَكان؟ فقد شردت مئات الآلاف وقتلت عشرات الآلاف من المسلمين في هذه المنطقة، كذلك ماذا فعلت في منطقة فطاني في جنوب تايلاند؟ تعمل الأفاعيل والأفاعيل ونحن لا نشعر ولا نعلم ولا ندرس ولا نقرأ، كذلك اليهود ماذا يفعلون بالمسلمين في فلسطين وفي جنوب لبنان وفي غيرها من المناطق بشكل علني، وماذا يفعلون بالمسلمين بشكل خاص عندما يمسكون بزمام الأمور في كثير من القضايا.

    الهجمة الداخلية

    ما هي الهجمة الداخلية؟ هنا لعلي أقف وقفة، أقول: كثير منكم قد يتوقع أن هذه المحاضرة عندما يكون عنوانها دماء وأشلاء، أنني سأتحدث عن عدد القتلى وعدد الجرحى، وكم قتل في المعركة الفلانية، وكم قطعت من يد، وكم قطع من رأس، وكم قطعت من رجل، لكن هذا موضوع سطحي وقضية سطحية؛ لأننا نريد أن ندخل في العمق الذي يؤدي إلى هذا النتاج، فإذا عرفت أن هناك هجمة من قبل الأرثوذكس الصرب على المسلمين فتوقع أنه سيكون هناك دماء وأشلاء، وعندما تعرف أن هناك هجمة من قبل البوذيين على المسلمين في بورما، فاعلم أن هناك دماء وأشلاء، والدماء هنا تمثل القتلى، والأشلاء تمثل الجرحى أو تمثل -إن صح التعبير- الحقد على المسلمين عندما يمثلون بهم، ولعل بعضاً منكم شاهد بعض الصور أو الأفلام التي تنشر لمسلمين قتلوا في آشام أو في الهند أو في بورما أو في البوسنة أو غيرها، حتى إنني رأيت صورة لجثث هائلة من المسلمين على شكل جماعات، وتحمل بواسطة (الشيولات) وتوضع في (القلابات)، ورأيت من ضمن حركة هذا الشيول أنه عندما يحمل الجثث هذه يد تنقطع، وهذا رأس يسحق تحت الشيول، وهذا جسد ينفري، وبطن يخرج ما فيه، يعني: مناظر مؤذية للغاية، ولكن ليس الهدف عندما أذكر لكم ذلك أن أتحدث عن هذه النماذج أو النوعيات-أي: الدم وقطعة اللحم الفلانية أو الرأس أو اليد- لكن أذكر لكم الأصول، ولكم أن تتخيلوا فيما بعد ما هي نتائج هذه الأصول.

    الهجمة الداخلية عن طريق أذناب الاستعمار وممثلي الاستعمار في العالم المعاصر فمثلاً: نجد أن النصيرية تفعل الأفاعيل، وهم الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية : النصيرية أكفر من اليهود ومن النصارى ومن كثير من المشركين، وهم يتحكمون الآن في جزء غال من بلادنا الإسلامية ويملكونه ويحكمونه، وقد قضوا على الدعوة فيه قضاء شبه كامل إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، وكان لهم مذابح هائلة جداً سواء كانت على مستوى المدن، أو على مستوى التجمعات أياً كانت، فلهم هجمة صاعقة وشنيعة تم فيها تدمير أكثر من عشرة آلاف مسلم على أقل التقديرات، وقيل: ثلاثين ألف مسلم على أكثر التقديرات في منطقة حماة، وفعلوا الأفاعيل في تدمر وفي بقية المدن والمناطق والمحافظات في تلكم البلاد التي يحكمونها.

    كذلك البعثية العراقية بقيادة حزب البعث العراقي ماذا فعل بالمسلمين الأكراد؟ بل وماذا فعل بالدعاة إلى الله سبحانه وتعالى؟ كان همه الأول والأخير ألا يبقي داعية إلى دين الله سبحانه وتعالى في ذلكم البلد؛ ولذلك تجد أن أقل البلاد نشراً للدعوة الإسلامية العراق، لم؟ للهجمة الدموية الشرسة ضد الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في ذلكم البلد، وقد نهج الحزب البعثي الاشتراكي الذي يتزعمه حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة أحمد حسن البكر ، ثم صدام حسين نهجوا منهج القضاء التام على كل ما يمت إلى الإسلام بصلة ومنهج، واستخدموا في ذلك وسائل كثيرة جداً لعل المقام لا يسمح لنا بذكرها.

    كذلك الهجمة الداخلية التي تقوم بها العلمانية ممثلة في الزعامات في كثير من بلدان العالم الإسلامي، فهي تقوم بهجمة شرسة ضد الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، بدعوى مكافحة الإرهاب أو التطرف أو الأصولية أو غير ذلك وبدعم متواصل من الغرب، ويعطون هذه القضية الخطورة، وتكبيرها وتضخيمها بالوسائل التي يملكونها من إعلام متنوع، وكسب الرأي العام في صفهم، وهذا ما يحصل في كثير من الدول ولا داعي لذكر النماذج.

    كذلك ما تقوم به الصوفية من هجمة قوية ضد المسلمين، وهي فرقة مغفول عنها، وليس هدفها الأول والأخير: هو التجمع أو مسبحة أو الأذكار، وهز الرءوس، لا، هؤلاء الصوفية من أخطر الناس على الأمة الإسلامية، وأقرأ لكم تصريحاً غريباً جداً ذكره أحد المعروفين الذين لا يمتون إلى الإسلام بصلة، وهو الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة يقول: إن سبب دخول فرنسا تونس كانت الصوفية، وذلك بأن هذه الطرق هي التي كانت تقاتل الفرنسيين، ثم نجح الفرنسيون في التفاهم مع شيخ الصوفية على أن يدخلوا البلاد، فلما أصبح الصباح قعد الشيخ مطرقاً برأسه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما سأله أتباعه عن الأمر الذي يقلقه، قال لهم: لقد رأيت الخضر وسيدي أبا العباس الشاذلي وهما قابضان بحصان جنرال فرنسا، ثم أوكلا الجنرال أمر تونس، يا جماعة! هذا أمر الله فما العمل؟ فقالوا له: إذا كان سيدنا أبو العباس راضياً ونحن نحارب في سبيله -ليس في سبيل الله- فلا داعي للحرب، ثم دخل الجيش الفرنسي تونس دون مقاومة.

    ويقول كذلك في مكان آخر في مذكرات له: إنني اطلعت على الميزانية الفرنسية، فوجدت فيها مخصصات ضخمة للطرق الصوفية؛ لأنها تخدر أعصاب المسلمين عن الجهاد -يقول هذا الكلام قبل أن ينحرف- في أوائل زمنه.

    ثم النقطة الأخيرة هنا: قضية المنافقين، وماذا يفعلون في الأمة الإسلامية من أفعال تؤدي في كثير من الأحيان إلى الانتشار أو ظهور الدماء والأشلاء، أو ذبح المسلمين في كثير من المناطق، فالمنافقون منذ ظهور الإسلام يسعون بجد واجتهاد في سبيل إضعاف المسلمين عن طريق نشر الحروب والمعارك فيما بينهم، والنماذج في هذا كثيرة جداً ولا يكاد يخلو بلد من هؤلاء المنافقين.

    1.   

    ملاحم المستقبل

    الوقفة قبل الأخيرة: ملاحم المستقبل.

    كذلك لا بد أن نعلم أن المستقبل فيه دماء وأشلاء وملاحم، وسيكون للمسلمين ملحمة ضخمة مع النصارى، وملحمة ضخمة مع اليهود، وملحمة ضخمة مع الملاحدة، أما مع النصارى فقد بين لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ذلك بمعناه، يأتون النصارى إلى المسلمين في ثمانين راية، مع كل راية اثنا عشر ألف -يعني قريباً من مليون- وستكون ملحمة كبرى ضخمة بين المسلمين والنصارى.

    أما اليهود وبزعامة الدجال، فسيقاتلهم المسلمون حتى إن الحجر والشجر ليقول: يا مسلم! خلفي يهودي تعال فاقتله.

    أما الملاحدة فستكون هناك دماء وأشلاء وملحمة ضخمة بقيادة عيسى بن مريم عليه السلام ضد يأجوج ومأجوج الملاحدة، الذين يقولون: قد قضينا على أهل الأرض فهلموا لنقاتل أهل السماء، فيطلقون سهامهم إلى السماء، فترجع مخضبةً بالدماء فتنة من الله لهم، ويحاصر هؤلاء الملاحدة المسلمين في تيماء حتى يبلغ بهم الضنك والشدة مبلغه، حتى إن رأس الثور أو البقرة ليبلغ ثمناً هائلاً، ويقوم يأجوج ومأجوج بالقضاء على دول العالم الإسلامي، وابتلاء المسلمين في قراهم وفي هجرهم بشكل مخيف للغاية.

    والنتيجة من ذلك كله: أن الدولة الإسلامية ستظهر وستبرز بالرغم من كل هذه الدماء وهذه الأشلاء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (تكون نبوة، ثم يشاء الله لها إلى أن تنقضي، ثم تكون خلافة راشدة، ثم يشاء الله لها إلى أن تنقضي، ثم تكون ملكاً عضوضاً، ثم يشاء الله له إلى أن ينقضي، ثم تكون جبرية، ثم يشاء الله لها إلى أن تنقضي، ثم تكون خلافة تعم الأرض).

    وقد بين لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن الإسلام سيدخل كل بيت بعز عزيز أو بذل ذليل، وإن هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار.

    إذاً: كل بيت سيدخله هذا الدين، وسينزل عيسى بن مريم ويسقط الجزية، ولا يقبل من الناس إلا أحد أمرين اثنين: إما أن يسلموا وإما أن يقتلوا، فإذا لم يسلم فإنه سيقتل وينتهي، فلا يبقى على وجه الأرض إلا المسلمون فقط، وسيكون الإسلام هو الذي يضرب بجرانه، ويكون المسلمون هم الذين يملكون الأرض من أولها إلى آخرها، وكما تعرفون فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، لا بد من العمل ولا بد من التضحيات والبذل، ونحن لسنا مطالبين بالنتائج، نحن مطالبون بالعمل، ويكفينا أن نقدم ونرى ما قدمنا في صحفنا يوم القيامة، أما قطف الثمرة فإن قطفناها فخير على خير، وإن لم نقطفها فحسبنا أننا قدمنا، والله سبحانه وتعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    نصيحة لمن يهون من أساليب الدعاة في الدعوة إلى الله

    السؤال: أنا شاب غيور على أمتي، وأحترق كثيراً عندما أسمع مذابح المسلمين، فأقوم ببعض الأعمال للمشاركة في أعمال خيرية للمسلمين سواء بالتبرعات أو الدعاء أو غير ذلك، ولكن أجد من الشباب من يهون علي هذه الأعمال، فما هي نصيحتكم لمثل هؤلاء؟

    الجواب: لا بد أن يضع الإنسان نصب عينيه: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة)، وإن كل عمل مهما قل فإن الإنسان مأجور عليه، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل، وإن الإنسان مهما بذل ومهما فعل فإن هذا الفعل سيكون له الأثر، حتى ولو لم يقطف الثمرة، أو حتى ولو لم يرها، تخيل أنني أهديت فلاناً من الناس شريطاً بريالين اثنين فقط لا غير، فأخذ هذا الرجل هذا الشريط، ثم استمع إليه، فاهتدى واهتدت زوجته وأبناؤه، وإذا بهؤلاء الأبناء كونوا أسرة واهتدت هذه الأسرة.

    فالحاصل: أنه أصبح هناك مجتمع مصغر مكون من عدة أسر، كل هذا المجتمع اهتدى بسبب شريط واحد بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بجهدي، والله سبحانه وتعالى قادر على أن يهدي الناس جميعاً، ولكن هذه القضية قضية ابتلاء واختبار؛ ليرى الله سبحانه وتعالى هل نقدم، هل نعمل، هل نفعل؟ أم لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)، مهما كان المعروف قليلاً، إلا أنه إذا قرن بالإخلاص فإن الثمرة ستكون قوية، وهذه نصيحتي إلى من يرى خلاف ذلك.

    كيفية تلقي المسلم الأخبار الصحيحة عن المسلمين

    السؤال: من أين يتلقى المسلم الأخبار عن المسلمين عبر مصادر صحيحة؟

    الجواب: نحن نعيش فترة لغوب في الأخبار الصحيحة التي يتلقاها الفرد المسلم عن بقية المسلمين، بل وسائل الإعلام هي التي تتحكم في معرفة أحوال العالم الإسلامي، فإذا أرادت أن تخبرك عن البوسنة، جاءت بالأخبار مركزة عن البوسنة، فعرفت عنها كل شيء، لكن أفغانستان لا نعرف عنها شيئاً؛ لأن وسائل الإعلام لا تعطينا شيئاً، إذاً: ننساها، بورما لا تعطينا وسائل الإعلام عنها شيئاً، إذاً: ننساها، قررت وسائل الإعلام أن تعطينا عن بورما أعطتنا، إذاً: هي التي تحركنا؛ ولذلك نحن نعيش فترة قصور إعلامي عجيب، هذا القصور الإعلامي يحتاج منا نحن أن نبدأ في التعاون التدريجي لإنشاء مجلات أو نشرات إسلامية أو غير ذلك، ويحتاج منا دعم المجلات الإسلامية التي تأتينا بالأخبار الصحيحة، فهذه المجلات الإسلامية أو الجرائد الإسلامية إذا دعمت فإنها ستكون ذات ثمرة، فإذا كان هناك مجلة إسلامية تصدر في البلد الفلاني وأنا أشتريها وأتابع الأخبار، وأحس بأن غيري يشتريها فإنني أساهم في بقاء هذه المجلة، التي هي وسيلة من وسائل إمدادي بالأخبار، لكن عندما أترك شراءها أنا وأنت وفلان وفلان، فإن معينها ينضب فتغلق، وينقطع آخر حبل من حبال إمدادي بالأخبار الصحيحة، فهذه مشكلة والجميع يعايشها، ولكن قضية وجود الحل يحتاج إلى وقت وجهد وتضافر وإمكانات، وشيئاً فشيئاً لعل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا؛ فنجد الأخبار السليمة من مصادرها الصحيحة، ولعل بوادر ذلك بدأت تظهر شيئاً فشيئاً عبر كثيرة من المجلات التي بدأت تظهر في الساحة، وتمثل اتجاهات إسلامية صحيحة في الجملة.

    كلمة حول قرب النصر للمسلمين

    السؤال: علمنا أن التضييق واستخدام القوة ضد المسلمين دليل على قرب النصر للمسلمين، فهل من كلمة حول هذا الموضوع؟

    الجواب: إن الحلقة كلما ضاقت كان ذلك أقرب إلى الانفراج، وكلما ازدادت حلكة الليل كان ذلك إيذاناً لبزوغ الفجر، فنحن نرى ولله الحمد الرجعة إلى دين الله سبحانه وتعالى في كثير من البلاد، ونرى أن الكثير بدءوا يعون الواقع ويعرفونه، ويعرفون أن رسالتهم في هذه الحياة ليست هي الرسالة التي كان يعيشها الكثير، ممن همه أكل وشرب ونوم وغير ذلك، ولو كان منهجه صحيحاً في أن يعبد الله سبحانه وتعالى في مسجده، ثم إلى عمله، ثم إلى بيته، فهو مطالب بأكثر من ذلك، وهذه الرجعة الصحيحة التي نراها في كل دول العالم بلا استثناء دليل على قرب النصر، ولكننا قوم نستعجل، جاء الصحابة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مستظل في ظل الكعبة، وكانوا يستعجلون النصر، فطلبوا منه أن يستعجل لهم النصر، فقال لهم: إنكم قوم تستعجلون، لكن في مستقبل الأيام ستتحرك الضعينة أو المرأة من صنعاء إلى حضرموت وهي منطقة خطيرة جداً لا تخاف إلا الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي حصل، فقضية استعجال النصر هنا يجب ألا نجعله نصب أعيننا، لابد أن نجعل نصب أعيننا باستمرار العمل، هذا هو الذي نركز عليه، فقطف الثمرة هذا إن جاءت فالحمد لله، وإلا فأبناؤنا أو أبناء أبنائنا هم الذين سيقطفونها، وحسبنا أننا أرضينا ربنا سبحانه وتعالى، وهذا هو الهدف الذي يجعله كل منا أمام ناظريه.

    كيفية الوصول إلى أخبار البوسنة والهرسك والصومال

    السؤال: ما أخبار البوسنة والهرسك والصومال؟

    الجواب: لعل اللجنة الثقافية عندكم تعطيكم أخباراً في ذلك، ولعل اللجنة الثقافية ترتب لقاءات خاصة للاطلاع على أخبار هذه الدول والحروب؛ لأن الأخبار متجددة ومتتابعة ومتغيرة باستمرار، وهذه الأخبار تحتاج من الإنسان أن يتابعها بشكل متتابع من المصادر السليمة الصحيحة، فأقول: إن وجود معلومات من الوسائل الأجنبية تحتاج إلى تأكد وتثبت، ووجود الأخبار الصحيحة يحتاج إلى أن يكون الإنسان على علاقة بأناس يعايشون الأخبار عن كثب.

    كيفية مواجهة الحملات النصرانية

    السؤال: لو كنت أريد أن أكون حملة ضد النصرانية، فكيف يكون تكوينها، وما كيفية الهجوم عليهم؟

    الجواب: إن النصارى عندهم جهود هائلة في سبيل مناهجهم، لكن سأذكر لكم نموذجاً واحداً: ألبانيا دولة فقيرة للغاية، وأحد الإخوة ذهب إلى ألبانيا للمشاركة في إقامة دورة هناك، يقول: تصور أننا ثلاثة أيام لم نأكل الشمام والخبز، لأنه ليس عند ناشئ، لا يوجد غير خبز وجراوة، نذهب إلى البقالة فلا نجد إلا علبة أو علبتين أو ثلاثة، فهي دولة فقيرة، واستغل الغرب هذا الفقر المدقع عند هذه الدولة، فقالوا: تعالوا، نحن نعلم أبناءكم وندرسهم منذ التمهيدي إلى الجامعة، لكن بشرط: أن تجعلوهم في أيدينا ولا تتدخلوا في شيء، فيقول: إن الحكومة الألبانية كادت توافق، فبدأت حملة من بعض الإخوة في مسألة مساعدة التلاميذ عن طريق تأمين حقيبة وملابس وكتيبات ودفاتر وأقلام لهؤلاء حتى يواصلوا الدراسة، وفعلاً نجحت هذه الحملة، وتم تعميم أكثر من مائة حقيبة دراسية لهؤلاء.

    ومن النماذج كذلك البابا يقول: إنه من أشهر البابوات في سبيل الدعوة إلى النصرانية في الدول الفقيرة، قام بزيارة لألبانيا، وكان يلتقي بالفقراء، لاحظوا زعيم النصرانية يلتقي بالفقراء ويسلم عليهم ويمسح على رأس الطفل ويجلس معه ويقبله، وهو عندما يقبل هذا الطفل ليس لدعوة هذا الطفل فقط، بل يعرف أن هناك آلاف أو مئات الألوف من الناس ينظرون إلى صورته وهو يفعل ذلك، فما الذي يفعل؟ طبعاً يعطيه سلسالاً ذهبياً فيه الصليب، أو يعطيه هديةً أو لعبة فيها صليب، أو يعطيه لباساً فيه صليب ويلبسه إياه، يقول هذا: فالبابا عن طريق هذه الزيارة نشر عدداً هائلاً من الوسائل الدعوية النصرانية، يقول: نحن الآن بدأنا في طبع نماذج محاربة لهذا المنهج، يعني مثلاً باللغة الألبانية: أنا أحب الإسلام، فنعطيه إياها ويلصقها على سيارته، مثلاً شيء يعلق في السيارة فيه آية الكرسي، أو فيه دعاء باللغة الألبانية أو فيه كذا، فأقول: قضية الحرب المضادة موجودة، لكن الحرب المضادة الأساسية هي أن تكون أنت متمسكاً بدينك، وتدعو إلى دين الله، هذا بحد ذاته هو أشد ما يضايق النصارى، فإن أشد ما يضايق النصارى هو هذا المنهج: أن تدعو إلى دين الله سبحانه وتعالى؛ لأنك في هذه الحالة تسحب البساط من تحت أرجلهم شيئاً فشيئاً.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه الغفور الرحيم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.