إسلام ويب

غثاء الألسنةللشيخ : إبراهيم الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اللسان جرم صغير خطره عظيم، لكن ولعظم خطره جاءت النصوص القرآنية والنبوية محذرة من شره؛ لأنه سلاح ذو حدين، فمن حفظه وحفظ فرجه دخل الجنة كما ورد معنى هذا في السنة، وقد كان اللسان من أشد ما يخافه السلف على أنفسهم، وهم من هم في حفظ اللسان، فكيف بنا نحن الذين نعلم من أنفسنا ما نعلم.

    1.   

    غثاء الألسن .. معناه وأنواعه

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً .

    أما بعد:

    أحبتي في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    هذه ليلة الجمعة الموافق للعاشر من شهر الله المحرم للعام السادس عشر بعد الأربعمائة والألف من الهجرة النبوية الشريفة، وفي هذا الجامع المبارك، جامع الراجحي بمدينة جدة ، نلتقي وإياكم مع موضوع بعنوان: (غثاء الألسنة).

    والغثاء بالمد والضم: ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره.

    وغثاء الناس: أراذل الناس وسقطهم.

    والغث: هو الرديء من كل شيء.

    وغث حديث القوم: فسد وردأ.

    وأغث فلان في حديثه: إذا جاء بكلام غث، لا معنى له.

    وما أكثر الكلام الفاسد الذي يدور في مجالس المسلمين، أياً كانوا كباراً أو صغاراً، رجالاً أو نساءً.

    إن غثاء الألسنة اليوم يزكم الأنوف، ويصم الآذان، ويصيبك بالغثيان والدوار، وأنت تسمع حديث المجالس اليوم، لا نقول ذلك في مجالس العامة ودهماء الناس فقط، بل -ويا للأسف، وأقولها بكل أسى- حتى في مجالس الصالحين، وفي مجالس المعلمين والمتعلمين.

    غثاء الألسنة في الكذب والنفاق والغش والخداع.

    غثاء الألسنة في الغيبة والنميمة والقيل والقال.

    غثاء الألسنة في أعراض الصالحين والمصلحين والدعاة والعلماء، في الوقت الذي سلم فيه أعداء الإسلام من اليهود والنصارى، والرافضة والمنافقين.

    غثاء الألسنة في التدليس والتلبيس، وتزييف الحقائق وتقليب الأمور.

    غثاء الألسنة في التجريح والهمز واللمز وسوء الظن.

    غثاء الألسنة في الدخول في المقاصد والنيات، وفقه الباطن.

    غثاء الألسنة بكل ما تحمله هذه الكلمة من غثائية وغث، وغثيث وغثيان.

    وما هي النتيجة؟! النتيجة بث الوهن والفرقة والخصام والنزاع بين المسلمين، وقطع الطريق على العاملين، وإخماد العزائم بالقيل والقال.

    إنك ما إن ترى الرجل حسن المظهر وسيماه الخير، وقد تمسك بالسنة في ظاهره، إلا وتقع الهيبة في قلبك والاحترام والتقدير في نفسك، وما إن يتكلم فيجرح فلاناً ويعرض بعلان، وينتقص عمراً، ويصنف زيداً، إلا وتنزع المهابة من قلبك ويسقط من عينك، وإن كان حقاً ما يقول. نعم! وإن كان حقاً ما يقول، وإن كان صادقاً فيه فلا حاجة شرعية دعت لذلك، وإن دعت تلك الحاجة فبالضوابط الشرعية وبالقواعد الحديثية، فإن لم تعلمها أيها الأخ الحبيب! وإن لم تعلميها أيتها المسلمة! فما نستطيع أن نقول إلا: أمسك عليك لسانك.

    إن المصنفات في الجرح والتعديل قد بلغت مئات المجلدات، لكن اقرأ فيها وتمعن، وكيف هو الجرح فيها، فشتان بين الجرحين، لقد كان خوف الله عز وجل ميزاناً دقيقاً لألسنتهم رحمهم الله تعالى، وكان هدفهم هو تمييز صحيح السنة من سقيمها.

    ولكن ما هو الهدف اليوم؟! نعوذ بالله من الهوى، والحسد، والنفاق والشقاق ومساوئ الأخلاق.

    أيها الأخ الحبيب! أيتها الأخت المسلمة! إلى متى ونحن نجهل أو نتجاهل، أو نغفل أو نتغافل عن خطورة هذا اللسان؟ مهما كان صلاحك، ومهما كانت عبادتك، ومهما كان خيرك، ومهما كان علمك، ومهما كانت نيتك، ومهما كان قصدك.

    فرحم الله ابن القيم رحمةً واسعةً، يوم أن قال في الجواب الكافي : (من العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر المحرم، وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله، لا يلقي لها بالاً يزل بالكلمة الواحدة أبعد مما بين المشرق والمغرب والعياذ بالله.

    وقال -أيضاً- في الكتاب نفسه: إن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله تعالى وما اتصل به).

    وما أجمل هذا الكلام، ولذلك أقول أيها الأخ الحبيب! ويا أيتها الغالية! احذر لسانك، وانتبهي للسانك، واحبس لسانك، وأمسك عليك لسانك.

    (أمسك عليك لسانك) هو جزء من حديث نبوي، أخرجه الترمذي في سننه وأحمد في مسنده وابن المبارك والطبراني وغيرهم من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، قال: (قلت يا رسول الله! ما النجاة؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) وفي لفظ: (أمسك عليك لسانك) والحديث صحيح بشواهده.

    وأنا هنا لا أدعوك للعزلة، وإنما أقول: أمسك عليك لسانك إلا من خير، كما في الحديث الآخر: (فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير) والحديث رواه أحمد وابن حبان وغيرهما، وهو صحيح كما سيأتي إن شاء الله.

    [وحفظ اللسان عن الناس أشد من حفظ الدنانير والدراهم] كما يقول محمد بن واسع رحمه الله تعالى.

    ولأن كثرة الكلام تذهب بالوقار، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ولأننا نرى الناس أطلقوا العنان لألسنتهم، فأصبح ذلك اللسان سلاحاً لبثَّ الفرقة والنزاع والخصام والشتائم، وفي مجالات الحياة كلها، وبين الرجال والنساء بحد سواء، ولكثرة الجلسات والدوريات والاستراحات، ولأن الكلام فاكهة لهذه الجلسات، كان لا بد من وضع ضابط، ولا بد من تحذير وتذكير للناس في مثل هذه الجلسات، ولأنك ستسمع الكثير إن شاء الله تعالى من الأسباب التي جعلتني أختار مثل هذا الموضوع من خلال هذه العناصر وهي:

    - أدلة خطر اللسان من الكتاب والسنة.

    - السلف الصالح مع اللسان.

    - صور من الواقع.

    - النتيجة النهائية.

    واسمع قبل ذلك كلاماً جميلاً جداً للإمام النووي رحمه الله تعالى، في كتاب الأذكار يوم أن قال: فصل: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلاماً تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة - اسمع لفقههم رحمهم الله تعالى -ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة- يعني: كان قول الكلام أو تركه المصلحة واحدة- فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء) انتهى كلامه رحمه الله.

    1.   

    أدلة خطر اللسان من الكتاب والسنة

    أدلة خطر اللسان من القرآن

    هل قرأت القرآن ومر بك قول الحق عز وجل: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] هل تفكرت في هذه الآية؟! إنها الضابط الشرعي لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

    أسمعت أيها الإنسان؟! أسمعت أيها المسكين؟! إنها رقابة شديدة، دقيقة رهيبة، تطبق عليك إطباقاً كاملاً شاملاً، لا تغفل من أمرك دقيقاً ولا جليلاً، ولا تفارقك كثيراً ولا قليلاً، كل نفس معدود، وكل هاجسة معلومة، وكل لفظ مكتوب، وكل حركة محسوبة، في كل وقت وفي كل حال، وفي أي مكان.

    عندها؛ قل ما شئت، وحدث بما شئت وتكلم بمن شئت، ولكن اعلم أن هناك من يراقب ويعد عليك هذه الألفاظ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:17-18].

    إنها تعنيك أنت أيها الإنسان! إنها تعنيك أنت أيتها المسلمة! مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] هذه الآيات والله إنها لتهز النفس هزاً وترجها رجاً، وتثير فيها رعشة الخوف من الله عز وجل.

    قال ابن عباس : مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] قال: [يكتب كل ما تكلموا به من خير وشر، حتى إنه ليكتب قولك: أكلت، شربت، ذهبت.. جئت رأيت.. حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره].

    واسمع للآيات من كتاب الله، تقرع سمعك، وتهز قلبك؛ إن كان قلباً مؤمناً يخاف من الله عز وجل:

    وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12].

    وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً [الأحزاب:58].

    وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء:36].

    إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور:23-24].

    وأخيراً: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] فربك راصد ومسجل لكلماتك، ولا يضيع عند الله شيء.

    أما أنت أيها المؤمن! أما أنت يا من يقال عنك ويدور عنك الحديث في المجالس! أما أنت أيها المظلوم! فإن لك بهذه الآية تطميناً، فلا تخف ولا تجزع فـإِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ، لبالمرصاد لمن أطلقوا لألسنتهم العنان في أعراض العباد، لبالمرصاد للطغيان والشر والفساد، فلا تجزع بعد ذلك أيها الأخ الحبيب!

    أدلة خطر اللسان من السنة

    ولتزدد بينةً في خطر هذا اللسان الذي بين لحييك، فاسمع لهذه الأحاديث باختصار:

    فعن بلال بن الحارث المزني رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة) والعياذ بالله، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه .

    وكان علقمة يقول: [كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث ] أي: هذا الحديث.

    اسمع لحرصهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم: [كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث ] كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره.

    فأين أنت يا علقمة من أولئك الذين يلقون الكلمات على عواهنها فلا يحسبون لها حساباً؟!

    كم نلقي أيها الأحبة! وكم نلقي أيتها المسلمة! من الكلمات نظن أنها ذهبت أدراج الرياح، وهي عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى؟ احسب لهذا الأمر حسابه، حتى تعلم أن كل كلمة مسجلة عليك أيها الأخ الحبيب!.

    وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها؛ يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

    وفي رواية لـمسلم : (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب).

    أسألك العفو يا إلهي! إن شغلنا الشاغل اليوم في مجالسنا أيها الأحبة! هو بث الكلمات ونشر الشائعات، وكم من كلمة قصمت ظهر صاحبها وهو لا يعلم، ولا شك أن فساد المجالس اليوم بسبب قلة العلم والاطلاع، إذ لو وجد هذا العلم لاستغلت المجالس أحسن استغلال، ولسمعت النكت العلمية، والفوائد الشرعية والمسائل الفقهية، بدلاً عن القيل والقال والغرائب والعجائب؛ ولكن فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا أثر من آثار الجهل الذي يتفشى اليوم بين كثير من الناس، إسهال فكري، وإسهال كلامي أصاب كثيراً من مجالس المسلمين اليوم.

    إنك تجلس المجالس الكثيرة، بل ربما لم يمر عليك يوم من الأيام ولا ليلة من الليالي إلا وجلست مجلساً، فبماذا خرجت من هذه المجالس؟ ما هي النتيجة وما هي الثمرة من هذه المجالس التي جلستها أيها الأخ الحبيب؟!

    لا شك أن هذا أثر من آثار الجهل الذي يتفشى في صفوف المسلمين اليوم، وقلة البركة حيث أصبح العلم مصدر رزق لكثير من الناس، ولذلك تجد في المجلس الواحد عشرات من المدرسين والمتعلمين، ومع ذلك يذهب المجلس هباءً بدون فائدة، بل ربما ذهب -والعياذ بالله- بالآثام وجمع السيئات.

    وفي حديث معاذ الطويل قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال معاذ : قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه ثم قال: كف عليك هذا، قال: قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! -بعض الناس قد يجهل أنه سيؤاخذ بكل كلمة تكلمها كانت خيراً أو شراً- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟!) والحديث أخرجه الترمذي في سننه ، وقال: حديث حسن صحيح .

    وفي حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه .

    وفي آخر حديث سفيان بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، قال في آخره: قلت: (يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هـذا) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، والترمذي في سننه ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح.

    ثم يوجه المصطفى صلى الله عليه وسلم لأمته تلك القاعدة الشرعية، والمعيار الدقيق، ولمن اختلطت عليه الأوراق، وليقطع الشك باليقين وليسلم من الحيرة والتردد، فيقول كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).

    هذه قاعدة شرعية، تربوية، منهجية، نبوية، ميزان ومعيار دقيق لك أيها المسلم! ولك أيتها المسلمة! يوم أن تجلس مجلساً (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر..) انظر للتربية ولربط هذه القلوب باليوم الآخر (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ولأن النفوس اليوم غفلت عن اليوم الآخر، وتعلقت بالدنيا وشهواتها ولذاتها، غفلت عن هذه القاعدة الشرعية النبوية، ونسيت الحساب والعذاب باليوم الآخر، ونسيت الجنة والنار أو غفلت عنها، وبالتالي انطلق اللسان يفري في لحوم العباد فرياً بدون ضوابط، وبدون خوف ولا وجل.

    لماذا هذه القاعدة؟

    لأنه لا يصح أبداً أن يؤذي المسلم إخوانه بلسانه، ولأن المسلم الصادق والمحب الناصح هو (من سلم المسلمون من لسانه ويده) كما في حديث أبي موسى الأشعري المتفق عليه، والأحاديث في الباب كثيرة مستفيضة، وكم نحن بحاجة إلى من يردد هذه الأحاديث على مسامع الناس.

    كم نحن بحاجة أيها الأخيار! يا طلبة العلم! أيها الصالحون! كم نحن بحاجة يا أيتها الصالحات! يا أيتها الخائفات القانتات العابدات الساجدات! كم نحن بحاجة إلى من يردد على المسلمين والمسلمات أمثال هذه الأحاديث ليتذكروها وليعوها، وليفهموها جيداً، حتى تتذكر النفس كلما أراد اللسان أن ينطلق في كلمة يحسب لها حسابها، قبل أن يخرج لسانه بهذه الكلمات؟

    واسمع لرواة هذه الأحاديث من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، يوم أن سمعوها علماً وعملاً، وامتثالاً للمصادر الشرعية الكتاب والسنة، وإليك الأدلة من حياتهم العملية رضوان الله تعالى عليهم.

    1.   

    حال السلف الصالح مع اللسان

    أسوق إليك أيها الأخ الحبيب! مواقف قليلةً جداً، كيف كان حال السلف الصالح مع ألسنتهم:

    ذكر الإمام مالك في الموطأ : [عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أنه دخل على أبي بكر الصديق وهو يجبذ لسانه -أي: يجره بشدة- فقال له عمر : مه! غفر الله لك، فقال أبو بكر : إن هذا أوردني الموارد].

    من القائل؟! إنه الرجل الأول بعد الأنبياء والرسل، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، القائل هو أبو بكر ، فانظر لحرصه على لسانه رضي الله عنه وأرضاه.

    قال رجل: [رأيت ابن عباس آخذاً بثمرة لسانه -يعني: ممسكاً به- وهو يقول: ويحك قل خيراً تغنم، واسكت عن شر تسلم، قال: فقال له رجل: يا بن عباس ! ما لي أراك آخذاً بثمرة لسانك تقول: كذا وكذا؟! قال ابن عباس : بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو على شيء أحنق منه على لسانه] يعني: لا يغضب على شيء من جوارحه أشد من غضبه على لسانه، والأثر أخرجه ابن المبارك وأحمد وأبو نُعيم ، وأيضاً أخرجه أحمد في كتاب الزهد ، والمتن بمجموع طرقه حسن، والله أعلم.

    وقال عبد الله بن أبي زكريا : [عالجت الصمت عشرين سنة -انظر للحساب، انظر لحساب النفس- فلم أقدر منه على ما أريد. وكان لا يدع أحداً يغتاب في مجلسه، ويقول: إن ذكرتم الله أعنّاكم، وإن ذكرتم الناس تركناكم]. انظر للضابط: إن ذكرتم الله أعنّاكم، وإن ذكرتم الناس تركناكم. والأثر ذكره أبو نُعيم في الحلية .

    وكان طاوس بن كيسان رضي الله تعالى عنه يعتذر من طول السكوت ويقول: [إني جربت لساني فوجدته لئيماً راضعاً] هؤلاء هم رضي الله تعالى عنهم، فماذا نقول نحن عن ألسنتنا؟!

    وذكر هناد بن السري في كتابه الزهد بسنده إلى الحسن أنه قال: [يخشى أن يكون قولنا: حُميد الطويل غيبة] لأنهم بينوه أو نسبوه أنه طويل، يخشون أن يكون غيبةً رحمة الله عليهم أجمعين.

    وأخرج وكيع في الزهد، وأبو نُعيم في الحلية، من طريق جرير بن حازم قال: ذكر ابن سيرين رجلاً فقال: [ذلك الرجل الأسود -يريد أن يعرفه- ثم قال: أستغفر الله، إني أراني قد اغتبته].

    وكان عبد الله بن وهب رحمه الله يقول: [نذرت أني كلما اغتبت إنساناً -انظر للمحاسبة مرة أخرى- أن أصوم يوماً فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة].

    جرب هذا، كلما اغتبتَ إنساناً أو ذكرته بسوء، ادفع ولو ريالاً واحداً، الله العالم في حالنا الآن، سنجد أنه في آخر الشهر لم يبق من الراتب ريال واحد؛ لأننا أعرف بأنفسنا أيها الأحبة في مجالسنا والله المستعان.

    قال الذهبي معلقاً في السير على قول عبد الله بن وهب، قال: هكذا والله كان العلماء، وهذا هو ثمرة العلم النافع.

    قال النووي في الأذكار: بلغنا أن قس بن ساعدة، وأكثم بن صيفي اجتمعا فقال أحدهما لصاحبه: [كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟! فقال: هي أكثر من أن تحصى، والذي أحصيته: ثمانية آلاف عيب، فوجدت خصلةً إن استعملتها سترت العيوب كلها، قال ما هي؟ قال: حفظ اللسان].

    قال إبراهيم التيمي : أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين عاماً ما سمع منه كلمةً تعاب، الله المستعان! عشرين عاماً ما سمع منه كلمةً تعاب، والأثر ذكره ابن سعد في الطبقات .

    وقيل له -أي للربيع -: [يا أبا يزيد ، ألا تذم الناس؟! فقال: والله ما أنا عن نفسي براض فأذم الناس، إن الناس خافوا الله على ذنوب الناس وأمنوه على ذنوبهم].

    وصدق رحمه الله، ألا ترون أيها الأحبة! أننا في مجالسنا نقول: نخشى عذاب الله من فعل فلان، ونخاف من عذاب الله عز وجل من قول علان، ولا نخشى من عذاب الله من أفعالنا وأقوالنا؟! هذا ظاهر في مجالسنا، نتحدث ونقول: والله نخشى من عذاب الله من أفعال فلان وعلان! ولكننا ننسى أن نخاف على أنفسنا من عذاب الله من ذنوبنا وأفعالنا وأقوالنا، ارجع لنفسك وانظر لعيوبها قبل أن تنظر لعيوب الآخرين وتتكلم فيهم.

    وقال حماد بن زيد : بلغني أن محمد بن واسع كان في مجلس، فتكلم رجل فأكثر الكلام، فقال له محمد : ما على أحدهم لو سكت، فتنقى وتوقى، أي: اختار كلماته ولحسب لها حسابها.

    وقال بكر بن المنير : سمعت أبا عبد الله البخاري ، أمير المؤمنين صاحب الصحيح رضي الله تعالى عنه وأرضاه يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً. اسمع للثقة: أرجو أن ألقى الله لا يحاسبني أني اغتبت أحداً، والبخاري له مؤلفات في الجرح والتعديل.

    ويقول الذهبي في السير -أيضاً- معلقاً على قول البخاري هذا: صدق رحمه الله ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإن أكثر ما يقول -يعني أشد ما يقول البخاري إذا أراد أن يجرح رجلاً- يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر.. ونحو هذا، وقل أن يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث، حتى إنه قال: إذا قلت فلان في حديثه نظر؛ فهو متهم واهم، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحداً، وهذا هو والله غاية الورع. انتهى كلام الذهبي.

    هذه مواقف للسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم مع اللسان.

    1.   

    صور من الواقع

    هي عبارة عن مواقف مبعثرة، وأحداث متعددة تتكرر في مجالسنا كثيراً، اخترت منها عشرة مشاهد، أسوقها إليك فأصغني سمعك وفهمك، وأحسن الظن فيّ، فلعلي لا أحسن التصوير، أو ربما خانني التعبير، وما أريد -يعلم الله- إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.

    حديث العامة في المجالس

    حديث العامة أن فلاناً فيه أخطاء، وأن فلاناً الآخر فيه تقصير، والثالث فيه غفلة، والرابع لا يسلم من العيب الفلاني، وهكذا أقاموا أنفسهم لتقييم الآخرين وجرحهم ولمزهم.

    فيا سبحان الله! نسينا أنفسنا، نسينا عيوبنا وتقصيرنا وغفلتنا وكثرة أخطائنا، ولو أعمل عاقل فكره في الجالسين أنفسهم لوجد فيهم بذاءةً في اللسان وسوءاً في المعاملة والأخلاق، فهو إن حدث كذب، أو وعد أخلف، أو باع واشترى فغش وخداع، وإن جاء للصلاة نقرها نقر غراب، مقصر في الفرائض، مهمل للنوافل، في وظيفته تأخر وهروب، وإهمال واحتيال، وفي بيته وسائل الفساد وضياع للأولاد وقطيعة للأرحام، كل هذه النقائص وهذه المصائب، عميت عليه فنسيها في نفسه وذكرها في إخوانه، فلم يسلم منه حتى ولا الصالحين المخلصين.

    فيا أيها الأخ! والله إني عليك لمشفق ولك محب، فأمسك عليك لسانك، وكف عن أعراض الناس [وإذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك] كما قال ابن عباس.

    وقال أبو هريرة : [يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه].

    وقال عون بن عبد الله : [ما أحسب أحداً تفرغ لعيوب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه].

    وقال بكر بن عبد الله المزني: [إذا رأيتم الرجل مولعاً بعيوب الناس ناسياً لعيبه؛ فاعلموا أنه قد مكر به].

    إذا رمت أن تحيا سليما من الأذى     ودينك موفور وعرضك صيّن

    فـلا ينطقن منك اللسان بسوءة     فكلك سوآت وللناس ألسن

    وعينك إن أبدت إليك معائباً     فدعها وقل: يا عين للناس أعين

    وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى     ودافع ولكن بالتي هي أحسن

    مجالس يحضرها طلبة العلم والصالحون دون نكير

    صورة ثانية مما في واقعنا: جلسوا مجلسهم، فبدأ الحديث، فذكروا زيداً وأن فيه وفيه، ثم ذكروا قولَ عمرو فأتقنوا فن الهمز واللمز، والعجيب أن معهم فلاناً الصالح العابد الزاهد، القائم الصائم، والأعجب أن من بينهم طالب العلم فلاناً الناصح الأمين، والحمد لله لم يتكلما وسكتا، ولكنهما ما سلما؛ لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس؛ ولأن المستمع شريك للقائل، ما لم يتبع المنهج الشرعي: (من رد عن عرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار) هذا هو المنهج الشرعي، (من رد عن عرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار) والحديث أخرجه أحمد والترمذي ، وغيرهما من حديث أبي الدرداء، والحديث حسن بشواهده.

    فيا أيها المسلم! إذا وقع في رجل وأنت في ملأ، فكن للرجل ناصراً وللقوم زاجراً، وانصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وقل للمتحدث: أمسك عليك لسانك، فإن استاجبوا لك وإلا فقم عنهم أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12]؟!

    واسمع لكلام ابن الجوزي الجميل في تلبيس إبليس قال رحمه الله: وكم من ساكت عن غيبة المسلمين إذا اغتيبوا عنده فرح قلبه، وهو آثم بذلك من ثلاثة وجوه:

    أحدها: الفرح، فإنه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب.

    والثاني: لسروره بثلب المسلمين.

    والثالث: أنه لا ينكر. انتهى كلامه رحمه الله.

    ويقول ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى في الجزء الثامن والعشرين (صفحة 327) يقول: ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى -وانتبه لهذا الكلام النفيس الجميل- تارةً في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب وإنما أخبركم بأحواله، ويقول: والله إنه مسكين، أو رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله، وإنما قصده استنقاصه وهضمه لجنابه، ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقاً، وقد رأينا منهم ألواناً كثيرةً من هذا وأشباهه. انتهى كلامه رحمه الله.

    اتهام النيات والدخول في المقاصد

    صورة ثالثة: اتهام النيات والدخول في المقاصد من أخطر آفات اللسان، يتبعه تبديع الخلق وتصنيف الناس وتقسيمهم إلى أحزاب، وهم منها براء، وقد يتبع ذلك أيمان مغلظة وأقسام وأحلاف بأنه العليم بفلان والخبير بأقواله.

    فيا سبحان الله! أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم قصده ومبتغاه؟ أين أنت من قول القدوة الحبيب صلى الله عليه وسلم: (إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس، ولا أشق بطونهم) والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه .

    ورحم الله ابن تيمية يوم أن قال في الفتاوى في الجزء التاسع عشر (صفحة 192) قال: وكثير من مجتهدي السلف والخلف، قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة فظنوها صحيحةً، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] وفي الصحيح قال: (قد فعلت والحديث عند مسلم في كتاب الإيمان.

    فيا أخي الحبيب! أمسك عليك لسانك، والزم الورع والتقى ومراقبة الله عز وجل، وأشغل نفسك في طاعة الله أنفع لك عند الله.

    فعن البراء رضي الله تعالى عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (دلني على عمل يدخلني الجنة -انظر للحرص- قال صلى الله عليه وسلم: أطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير) والحديث أخرجه أحمد وابن حبان وغيرهما وهو صحيح.

    وعند مسلم قال: (تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك) سبحان الله! انظر لفضل الله على عباده، إن كفك شرك عن الناس صدقة تكتب لك عند الله عز وجل.

    فيا أيها الأخ الكريم! إن أبواب الخير كثيرة، وأعمال البر عديدة، فأشغل نفسك فيها، فإن عجزت فكف لسانك إلا من خير، وإن أبيت إلا أن تكون راصداً لأقوال الناس حارساً لألسنتهم فقيهاً ببواطنهم، فحسبنا وحسبك الله.

    تقويل الناس ما لم يقولوا وجهل النساء بمعنى الغيبة

    صورة أخرى: سمع ذلك المتحدث أو بعضاً من كلماته بدون إصغاء جيد، المهم أنه فهم فحوى الكلام وعرف قصد المتكلم، أو هكذا زعم -انتبهوا لهذه الصورة؛ لأنها تحصل لكثير منا- سمع ذلك المتحدث أو بعضاً من كلماته بدون إصغاء جيد، المهم كما يزعم أنه فهم فحوى الكلام، وعرف قصد المتكلم أو هكذا زعم، أو قرأ ذلك الخبر أو الكتاب، ها هو يلتهم الأسطر، نظراته تتقافز بسرعة بين الكلمات التي تساقط منها الكثير لفرط السرعة، المهم كما يزعم أنه فهم فكرة الكاتب وعرف قصده، ثم انتقل إلى المجالس ليؤدي ما تحمله ويزكي علمه، هكذا سولت له نفسه، فذكر حديث فلان وخبر علان، وأنه قال كذا وكذا، فشرق وغرب، وأبعد وأقرب، فقلب الأقوال وبدل الأحوال، وما أوتي المسكين إلا من سوء فهمه، والتسرع في نقله، من سوء الفهم أو التسرع في النقل أو في القراءة، قوّل الآخرين ما لم يقولوا، وقديماً قيل:

    وما آفة الأخبار إلا رواتها

    وكـم من عائب قولاً صحيحاً     وآفته من الفهم السقيم

    ولكن تأخذ الأذهان منه     على قدر القرائح والفهوم

    صورة أخرى: إننا نغفل أو نتغافل، فنتكلم في المجالس ونذكر العشرات بأسمائهم، فإذا ذكّرنا مذكر أو حذّرنا غيور بأن هذه غيبة قلنا: هذا حق، وما قلنا فيه صحيح، وقد يسرد لك الأدلة والبراهين على ما يقول فيزيد الطين بلة.

    فيا سبحان الله! أليس النص واضحاً وصريحاً؟ ألم يقل الصحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) والحديث أخرجه مسلم في صحيحه.

    إذاً: فلا مفر، فإن كان ما ذكرته صحيحاً فهذه هي الغيبة، وإن كان ما ذكرته كذباً فهو ظلم وبهتان، فكلا الأمرين مر؛ ليس لك خيار، فأمسك عليك لسانك.

    وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظافر من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) والحديث أخرجه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه وإسناده صحيح.

    وعن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت امرأة -واسمعي أيتها المسلمة! اسمعي يا من في قلبك خوف من الله عز وجل!- عائشة رضي الله عنها (ذكرت أنها ذكرت امرأةً فقالت إنها قصيرة) وفي رواية (أنها أشارت إشارةً أنها قصيرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اغتبتيها) وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: (اغتبتها) والحديث أيضاً عند أبي داود في سننه وعند أحمد في مسنده وغيرهما وهو صحيح.

    إذاً: ما بال نسائنا اليوم يجلسن في مجلس فيعرضن لعشرات من النساء: فلانة وعلانة، وتلك فيها، والأخرى فيها، وهكذا! ألا يخشين الله عز وجل؟! ألا يخفن يوم أن تقف المرأة أمام الله عز وجل فيسألها عن قولها؟!

    يا سبحان الله! ألهذا الحد وصلت الغفلة في نساء المسلمين، أن يغفلن أن مثل هذا القول سيجزين عليه أمام الله سبحانه وتعالى؟!

    تذكري وقوفك بين يدي الله عز وجل، احرصي أيتها المسلمة! لنحرص على أنفسنا، إننا ابتلينا بقلة الأعمال الصالحة في مثل هذا الزمن، وابتلينا بكثرة الذنوب والتقصير في حق أنفسنا وحق ربنا أيها الأحبة! فلماذا إذن نزيد الطين بلةً ونجمع على ذلك ذنوب الآخرين في غيابهم بغيبتهم وتنقصهم وغير ذلك؟!

    وليس معنى هذا السكوت عن الأخطاء، إنني لا أطالب أن نسكت عن أخطاء الآخرين أو حتى نتغاضى عن العصاة والفاسقين والمجاهرين.

    وليس معنى ذلك ألا نحذر منهم وألا نفضحهم، لا، بل هذه أمور كلها مطالبون فيها شرعاً، هذه مطالب شرعية؛ ولكن بالمنهج الشرعي وبالقواعد العلمية كما جاءت عن سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

    ولكني على يقين أن أكثر ما يقال في مجالسنا لمجرد التحدث والتفكه، وربما هو الهوى وأحقاد وأضغان عافانا الله وإياكم منها.

    ورحم الله عبداً قال خيراً فغنم، أو سكت عن سوء فسلم.

    ترك المجال للجهلة للخوض في العلماء

    صورة أخرى: قلت لبعض إخواني: الزم الأدب وفارق الهوى والغضب، أو أمسك عليك لسانك، وابك على خطيئتك، وانظر لحالك، وردد ما ذكرته لك على أمثالك.

    وقد كنت سمعت منه قيلاً وقالاً، وجرحاً وثلباً، وهمزاً ولمزاً في أناس ما سمعنا عنهم إلا خيراً، وهم من أهل الفضل، فما رأيناهم إلا يعملون الخير ويدعون له، ويسعون للبر وينهون عن الإثم، فما استجاب لي وما سمع مني، فرأيت أن ألزم الصمت معهم، وفيهم ولهم وعليهم، فأقبلت على واجباتي أيما إقبال، وأرحت قلبي من الأحقاد والأغلال، وذهني من الهواجس والأفكار.

    ثم جاء بعض الفضلاء وقال: يقولون فيك كيت وكيت! فيعلم الله ما التفت إليهم ولا تأذيت، وقلت لهم: رب كلام جوابه السكوت، ورب سكوت أبلغ من كلام، وعلمتني الحياة أن الصفح الجميل من أحسن الشيم.

    قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم     إن الجواب لباب الشر مفتاح

    الصمت عن جاهل أو أحمق شرف     أيضاً وفيه لصون العرض إصلاح

    أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة     والكلب يُخسأ لعمري وهو نباح

    ونقل الإمام الشاطبي عن أبي حامد الغزالي رحمة الله عليهما كلاماً متيناً يغفل عنه بعض الناس، فقال: (أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جهلة أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي والإذلال، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها) انتهى كلامه رحمه الله من كتاب الاعتصام للشاطبي .

    التلفظ بكلمات لا يحسب لها حساب

    صورة أخرى من صور الواقع مع اللسان في مجالسنا اليوم: أحدهم جلس مع صاحب له، أو أصحاب فتكلموا وخاضوا، ولم يكن له من الأمر شيء إلا أنه شريك في المجلس، ومن باب المشاركة قالها كلمةً أو كليمات لم يحسب لها حسابها ولم يتبين خطرها، ظنها حديث مجالس، كان يسمع ثم يهز رأسه علامة للرضا ثم قالها، لم يظن أنه يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب.

    فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه -كما في الحديث الذي أسلفناه- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن العبد يتكلم بالكلمة ما يتبين فيها؛ يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).

    اسمع للنصوص الشرعية واستجب لها، فإن فيها حياتك ونجاتك، فقوله صلى الله عليه وسلم (ما يتبين) أي: لا يتأملها، ولا يتفكر فيها ولا في عواقبها، ولا يظن أنها ستؤثر شيئاً، وهو من نحو قوله تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15] هكذا يلقي بعض الناس هذه الكلمات.

    فيا أخي الكريم! انتبه للسانك، إن خطر اللسان عظيم وآفاته كثيرة، فأمسك عليك لسانك.

    الجور على الخصوم بغير حق

    صورة أخرى: كثير من الجلساء إذا ذُكِر له صديقه أثنى عليه، وإن كان يعلم أنه لا يستحق ذلك الثناء، وإذا ذكر له خصمه ذمه، ولو كان يعلم أنه خلاف ما يقول.

    فيا أيها المؤمن! أسألك بالله، هل تستطيع أن تذكر العيوب الموجودة في أقرب الناس إليك عند الحاجة الشرعية لذلك؟ اسأل نفسك، وهل تستطيع أن تثني بصدق على إنسان تختلف معه في بعض الأمور؟!

    أنا لا أريد الإجابة، ولكن الواقع يشهد أن أكثر الناس يجورون على خصومهم، فيذمونهم بما ليس فيهم، ويجورون أيضاً على أصدقائهم فيمتدحونهم بما ليس فيهم، فإن من أثنى عليك بما ليس فيك فقد ذمك، نعم. لأن الناس يطلبون هذه الخصلة التي ذكرها فيك، يطلبونها فيك فلا يجدونها فيذمونك على فقدها.

    لا. بل الأمر أدهى من ذلك وأشد؛ فإن الحقيقة أنه كثير ما تنسينا العيوب القليلة المحاسن الكثيرة -انتبهوا لهذه الكلمة- وننسى القاعدة الشرعية: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث).

    أفلا نتقي الله عند الجرح والتعديل وننزل الناس منازلهم، أليس قد أثنى صلى الله عليه وسلم على النجاشي ووصفه بأنه (ملك لا يظلم عنده أحد) مع أنه حينها -أي: النجاشي - كان كافراً لم يسلم.

    فيا أيها المحب! أسمعت رعاك الله! أنصف الناس، وأنصف نفسك، فإن غلب عليك الهوى فأمسك عليك لسانك لا أبا لك.

    التشنج والغضب في المجالس عند المناظرة

    صورة أخرى: تناظر اثنان في مجلس -أي: تجادلا وتناقشا- فارتفعت أصواتهما، وانتفخت أوداجهما، وتقاذفا بالسب والشتام.

    قلت: إن التشنج والانفعال ليس هو الأسلوب الأمثل لنصرة الحق أبداً.

    ضع هذه القاعدة في رأسك يا أيها الحبيب! إن التشنج والانفعال ليس هو الأسلوب الأمثل لنصرة الحق أبداً.

    ولكن كم من هادئ عف اللسان حليم كاظم للغيظ، أقدر على نصرة الحق من غيره.

    وقد قال أبو عثمان ؛ ابن الإمام الشافعي رحمة الله عليهما: (ما سمعت أبي يناظر أحداً قط فرفع صوته).

    ولهذا كان الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليه يقول:

    إذا ما كنت ذا فضل وعلم     بما اختلف الأوائل والأواخر

    فناظر من تناظر في سكون     حليماً لا تلح ولا تكابر

    يفيدك ما استفاد بلا امتنان     من النكت اللطيفة والنوادر

    وإياك اللجوج ومن يرائي     بأني قد غلبت ومن يفاخر

    فإن الشر في جنبات هذا     يمني بالتقاطع والتدابر

    فبعض الإخوة -غفر الله للجميع- يظن أنه من تمام غيرته على المنهج وعظيم نصرته للحق، لا بد أن يقطب جبينه ويحمر عينيه، ويرفع صوته، وتتسارع أنفاسه، وهذا لا يصح أبداً.

    إن اختلاف الآراء ووجهات النظر لا يدعو إلى الأحقاد والأضغان، فإن المرجو هو البحث عن الحق وطلبه وليس التشفي والانتقام، فينطلق اللسان بالسباب والشتائم ومقاطعة الكلام، فما من الناس أحد يكون لسانه منه على بال، إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله.

    واسمع للأدب الجم، والخلق الرفيع عند الحوار والمناقشة:

    قال عطاء بن أبي رباح : [إن الشاب ليتحدث بالحديث، فأسمع له كأني لم أسمعه ولقد سمعته قبل أن يولد] سمعت هذا الكلام الذي يقوله قبل أن يولد هذا الشخص الذي يتحدث ومع ذلك أسكت كأني لم أسمع الكلام إلا الساعة.

    هكذا يكون الأدب عند الحوار وعند المناظرة.

    إطلاق العنان للسان بالتحليل والتحريم والسخرية

    من أعظم الصور في مجالسنا ومن أخطرها على كثير من الناس: إطلاق العنان للسان بالتحليل والتحريم والسخرية والاستهزاء بالدين.

    هذه من أخطر الصور التي نرى أنها تفشت اليوم في مجالس المسلمين أياً كانوا، رجالاً أو نساءً، كباراً أو صغاراً، وخاصةً بين الشباب وبين العوام، قضية التحليل والتحريم، والسخرية والاستهزاء بالدين، ولذلك إنك تسمع وترى تسرَّعَ فئاتٍ من الناس في إطلاق ألفاظ التحريم والتحليل، وقد نهى الله عز وجل عن ذلك، ونهى عن المسارعة في إصدار التحليل والتحريم فقال: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116].

    وكان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم مع سعة علمهم وفقههم، لا يكثرون من إطلاق عبارات التحليل والتحريم، وهذا من شدة ورعهم ومحاسبتهم لأنفسهم.

    يقول الإمام مالك رحمة الله تعالى عليه: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحداً أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسناً، ونتقي هذا، ولا نرى هذا، ولا يقولون: هذا حلال ولا حرام). انتهى كلامه من جامع بيان العلم وفضله .

    أما نحن فنسمع عبارات التحليل والتحريم على كل لسان، وخاصةً من العامة بدون علم ولا ورع ولا دليل، مما أثار البلبلة عند الناس والتقول على الله بغير علم.

    بل والمصيبة أن بعض الناس يسخر ببعض أحكام الدين، ويهزأ بالصالحين والناصحين، ربما سخر باللحية أو سخر بالثوب القصير، أو سخر ببعض سنن المرسلين -والعياذ بالله- وهؤلاء والله إنهم لعلى خطر عظيم.

    ألم يسمع أمثال هؤلاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب

    ألم يسمع هؤلاء قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1]؟ الهمزة: الطعان في الناس، واللمزة: الذي يأكل لحوم الناس.

    ألم يسمع هؤلاء قول الحق عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ [الحجرات:11]؟

    ألم يسمع هؤلاء لقول الحق عز وجل: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]؟

    سبحان الله! غابت عليهم هذه النصوص من القرآن والسنة، غفلوا عن خطر ما يتقولونه في الليل والنهار، في السخرية والاستهزاء بالدين، ربما خرج بعضهم -والعياذ بالله- من الدين بسبب كلمة يقولها وهو لا يشعر.

    فحق على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شأنه.

    1.   

    النتيجة النهائية لإطلاق العنان للسان

    النتيجة الأولى: تبديد الحسنات وإهدار العمل الصالح

    أقول أيها الأخ الحبيب! ويا أيتها الأخت المسلمة! إننا أحوج ما نكون إلى العمل الصالح والحسنات، وأراك تحرص على مجاهدة النفس لعلها أن تعينك على القيام بعمل صالح، من صلاة أو صيام أو صدقة، وقد تنتصر عليها وقد لا تنتصر، وإن انتصرت وقمت بالعمل فلا يسلم من شوائب كثيرة، مثل: الرياء والنقص وحديث النفس، وغيرها من مفسدات الأعمال، مع ذلك كله، فإني أراك تبذر هذه الحسنات في المجالس وتنثرها في المجالس والمنتديات.

    ماذا تراكم تقولون أيها الأخيار! في رجل أخرج من جيبه عشرات الريالات ثم نثرها في المجلس وبددها؟ أهو عاقل أو مجنون؟ إن من جلس مجلساً ثم أطلق للسانه العنان فهذه علامة أكيدة على إفلاسه في الدنيا والآخرة.

    فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون من المفلس؟! قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) والعياذ بالله، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه .

    وعن أبي هريرة -أيضاً-: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم، حتى البهائم يفصل بينها يوم القيامة، فاحفظ حسناتك، فأنت بحاجة لها.

    واسمع لفقه الحسن البصري يوم أن جاء رجل فقال له: [إنك تغتابني، فقال: ما بلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي].

    وعن ابن المبارك رحمه الله قال: [لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت والدي؛ لأنهما أحق بحسناتي].

    ففقها رضي الله تعالى عنهما أن آفات اللسان تأتي على الحسنات، وقد لا تبقي منها شيئاً، فضياع الحسنات نتيجة أكيدة لإطلاق العنان للسان والعياذ بالله.

    النتيجة الثانية: فضحه وبيان عواره وهتك أستاره

    ذلك الذي أطلق لسانه وأصبح يتكلم بلا ورع في المجالس والمنتديات، وربما أصبح بذيء اللسان، والجزاء من جنس العمل.

    فعن أبي برزة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين ولا عثراتهم، فإنه من يتبع عثرات المسلمين يتبع الله عثرته، ومن يتبع الله عثرته يفضحه وإن كان في بيته) والحديث أخرجه أبو داود وأحمد والبيهقي والحديث صحيح بمجموع طرقه.

    والواقع يشهد بذلك، فكم فضح الله حقيقة أولئك الذين آذوا إخوانهم بألسنتهم؛ حتى عرفهم الناس وانكشف أمرهم.

    النتيجة الثالثة: تجنب الناس له اتقاء فحشه

    أيضاً من النتائج لإطلاق العنان للسان: أنه يعد من شرار الناس، فيتجنبه الناس ويحذرونه اتقاء فحشه؛ وإن ضحكوا له وجاملوه.

    هذه حقيقة نشاهدها في مجالسنا كثيراً: أن من أطلق للسانه العنان يعد من شرار الناس، فلذلك تجد أن الناس يتجنبونه، ويحرصون على الابتعاد عنه اتقاء فحشه، وإن جلس معهم في مجالسهم وإن ضحكوا وإن جاملوه؛ فإنما اتقاءً لفحشه.

    ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (شر الناس منزلةً عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء شره) والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

    النتيجة الرابعة: البلاء موكل بالقول

    رابعاً من النتائج أيضاً وهي أخيرة باختصار شديد: البلاء موكل بالقول، فيبلى المتكلم بما كان يذكره في أخيه.

    واحذر أيها الأخ الحبيب! واحذري أيتها المسلمة! احذري أن تظهر الشماتة بأخ أو بأخت لك فيعافيها الله عز وجل ثم يبتليك بما كان فيها، فالبلاء موكل بالقول.

    فعن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه ، قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك) والحديث أخرجه الترمذي في سننه وقال: حسن.

    وقال إبراهيم التيمي : [إني أجد نفسي تحدثني بالشيء، فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبتلى به] والأثر عند وكيع في الزهد.

    وقال ابن مسعود : [البلاء موكل بالقول، ولو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً].

    هذه نتائج أربع باختصار من نتائج إطلاق العنان للسان.

    وأخيراً! أقول: أيها المسلم! ويا أيتها المسلمة! في نهاية المطاف: هذه شذرات حول اللسان، حسبي أني اجتهدت فيها، فما كان فيها من صواب فمن الله عز وجل، وما كان فيها من خطأ فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأسأل الله عز وجل أن يصفح وأن يعفو عن هذا الخطأ وعن هذا التقصير.

    أظن أن الجميع بحاجة ماسة للتذكير فيها، فالعاقل يحرص، والغافل يتذكر، والمبتلى يحذر.

    فيا أيها السامع! كن المستفيد الأول، يا أيها السامع لهذه الكلمات! كن أنت المستفيد الأول من هذه الكلمات، ثم اعلم أنك تجالس كثيراً من الناس من أحبابك وخلانك وأصدقائك، ولا تخلو المجالس من غثاء قل أو كثر، فمن حقهم عليك أن يسمعوا مثل هذا الكلام، ومن حقهم عليك أن يذكروا بمثل هذه الآيات، وهذه الأحاديث، فإن القلب يغفل وإن النفس تسلو، فما أكثر الاستراحات الآن، وما أكثر الجلسات وما أكثر المنتديات، فاسمع وأسمع، فلمثل هذا كان الموضوع، فاسمع وأسمع، واستفد وأفد، والدال على الخير كفاعله.

    أسأل الله عز وجل أن يجعله خالصاً لوجهه وأن ينفع به الجميع، ووفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.

    اللهم وفقنا يا أرحم الراحمين لما تحبه وترضاه، اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعيننا من الخيانة وألسنتنا من الكذب والمراء والجدال، اللهم طهر ألسنتنا من الغيبة والنميمة، وجنبنا الوقوع في الأعراض، اللهم جنبنا الوقوع في الأعراض، اللهم اجعل ألسنتنا حرباً على أعدائك سلماً لأوليائك.

    اللهم إنا نسألك سكينةً في النفس وانشراحاً في الصدر، اللهم اجعلنا من الصالحين المصلحين، اللهم انفعنا وانفع بنا، اللهم اجعلنا من الصالحين المصلحين ومن جندك المخلصين، وانصر بنا الدين واجعل لنا لسان صدق في الآخرين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك اللهم ونتوب إليك.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.