إسلام ويب

لقاء الباب المفتوح [134]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ رحمه الله عن تفسير بعض آيات سورة (ق)، حيث بين الله عز وجل شبه بعض الملاحدة الذين ينكرون البعث، ثم انتقل إلى بيان معرفة الإنسان بنفسه وأنه ضعيف يعلم ما تحدث به نفسه، فما من لفظ يلفظه خيراً أو شراً إلا وملائكة الرحمن يكتبونه، ثم ختم ذلك بإجابات متنوعة تعليماً وتوجيهاً للمسلمين وإرشاداً ونصحاً لهم.

    1.   

    تفسير آيات من سورة (ق)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا هو اللقاء الرابع والثلاثون بعد المائة من (لقاء الباب المفتوح) الذي يتم في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس السابع من شهر جمادى الأولى عام (1417هـ).

    نبتدئ هذا اللقاء بما تيسر من الكلام على سورة: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] .

    تفسير قوله تعالى: (أفعيينا بالخلق الأول ...)

    يقول الله عز وجل: أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق:15]:

    الاستفهام هنا: للنفي.

    و(عَيِيْنا) بمعنى: تعبنا.

    والخلق الأول هو: ابتداء الخلائق.

    يعني: هل نحن عجزنا عن ابتداء الخلائق حتى نعجز عن إعادة الخلائق؟!

    من المعلوم أن الجواب: لا، كما قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ [الأحقاف:33] أي: لم يتعب بذلك.

    فإذا كان جل وعلا لم يتعب بالخلق الأول، فإن إعادة الخلق أهون من ابتدائه، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم:27] وهذا استدلال عقلي يراد به إقناع هؤلاء الجاحدين لإعادة الخلق، فإن الذين كفروا زعموا أن لن يبعثوا وأنه لا بعث، وأنكروا هذا، واستدلوا لذلك بدليل واهٍ جداً فقالوا: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78] فقال الله تعالى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:79] ثم ساق الأدلة العقلية الدالة على أن الله تعالى قادر على أن يحيي العظام وهي رميم.

    قال تعالى: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق:15]:

    أي: هم مقرون بأننا لم نعيَ بالخلق الأول وأننا أوجدناه؛ لكن: هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق:15] لهذا حسن الإضراب هنا، حيث قال: بَلْ هُمْ [ق:15] أي: أن هذا عجب من حالهم، كيف يقرون بأول الخلق ثم ينكرون البعث بعد الموت؟!

    بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ : أي: في شك وتردد من خلق.

    مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ : وهو: إعادة الخلق.

    وإني أسألكم الآن: هل القادر على ابتداء الخلق يكون قادراً على إعادته من باب أولى؟

    الجواب: نعم، وهذا دليل عقلي لا يمكن لأي إنسان أن يفر منه.

    تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ...)

    ثم قال عز وجل مستدلاً على قدرته على البعث: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] أي: ابتدأنا خلقه، فأوجدناه، وجعلنا له عقلاً وسمعاً وبصراً وتفكيراً وحديثاً للنفس.

    وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ أي: ونحن نعلم ما توسوس به نفسه، أي: ما تحدثه به نفسه دون أن ينطق به، فالله تعالى عالم به، بل إن الله عالم بما سيحدث به نفسه في المستقبل، والإنسان نفسه لا يعلم ماذا يحدث به نفسه في المستقبل.

    انظر الآن ما يوسوس به الإنسان نفسه في الحاضر يعلمه الإنسان، أليس كذلك؟

    والله تعالى يعلمه، ونقول: بل الله يعلم ما سوف توسوس به نفسه في المستقبل، والإنسان لا يعرف، أي: أن الله يعلم ما ستوسوس به نفسُك غداً وبعد غد وإلى أن تموت وأنت لا تعلم.

    إذا كان الله يعلم ما توسوس به النفس فما الذي يوجب لنا هذا العلم؟

    يوجب لنا مراقبة الله سبحانه وتعالى، وألا نحدث أنفسنا بما يغضبه، وبما يكرهه علينا أن يكون حديث نفوسنا كله بما يرضيه، لأنه يعلم ذلك، أفلا يليق بنا أن نستحي من ربنا عز وجل أن توسوس نفوسنا بما لا يرضاه.

    قـال الله تعـالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق:16-17] .

    وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] (حبل الوريد) هو الأوداج، وهما: العرقان العظيمان المحيطان بالحلقوم، يُسمى: الوريد، ويسمى: الودج، وجمعه: أوداج، ويُضْرَب المثل بهما في القرب، يقول: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] أي شيء أقرب إليه؟

    أقرب شيء إلى قلبك هو: حبل الوريد هذا، أقرب من المخ، وأقرب من كل شيء فيه الحياة هما: الوريدان.

    وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] هل المراد قرب ذاته جل وعلا أو المراد قرب ملائكته؟

    الصحيح: أن المراد: قرب ملائكته، ووجه ذلك: أن قرب الله تعالى صفة عالية لا يليق أن تكون شاملة لكل إنسان؛ لأننا لو قلنا: إن المراد قرب ذات الله؛ لكان قريباً من الكافر، وقريباً من المؤمن لماذا يلزم ذلك؟

    لأن الله قال: خَلَقْنَا الإِنْسَانَ [ق:16] أيَّ إنسـان خلـق؟

    المؤمن والكافر: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ [ق:16] أي: إلى هذا الإنسان الذي خلقناه من حبل الوريد.

    فإذا قلنا: الآية الشاملة، وقلنا: إن القرب هنا القرب الذاتي: صار الله قريباً بذاته مِن الكافر.

    وهذا غير لائق، بل الكافر عدو لله عز وجل.

    لكن الراجح: ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن المراد بالقرب هنا قرب الملائكة، أي: أقرب إليه بملائكتنا، ثم استدل بقوله تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ [ق:17] فـ(إِذْ) بمعنى: حين، وهي متعلقة بأقرب، أي: أقرب إليه في هذه الحال حين يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق:17] .

    فإن قال قائل: كيف يضيف الله المسند إليه والمراد به الملائكة؟ ألهذا نظير؟

    قلنا: نعم، له نظير، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:16-18] (قرأناه): المراد بذلك؟ جبريل، ونَسَبَ الله فِعْل جبريل إلى نفسه؛ لأنه رسوله، كذلك الملائكة نسب الله قربهم إليه؛ لأنهم رسله، كما قال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ .

    بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:80] .

    وما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو الصواب.

    فإن قال قائل: وهل الله تعالى قريب من المؤمن على كل حال؟

    قلنا: بل في بعض الأحوال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) فهذا قرب في حال الدعاء، مصداق ذلك قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] كذلك هو قريب من المؤمن في حال السجود؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) .

    وعلى هذا فيكون الله تعالى قريباً من المؤمن حال عبادته لربه، وحال دعائه لربه.

    أما القرب العام: فإن المراد به القرب بالملائكة، على القول الراجح.

    وقوله: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ [ق:17] هما ملَكان، بيَّن الله مكانهما من العبد، فقال: عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق:17] .

    عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ [ق:17] ولم يقل: على اليمين وعلى الشمال؛ لأنهما ليسا على الكتفين بل هما في مكان قريب أقرب من حبل الوريد.

    ولكن قد يقول قائل ملحد: أنا ألتمس حولي لا ألمس أحداً، أين القاعد؟ أين القعيد؟!

    فنقول: هذا من علم الغيب الذي لا تدركه عقولنا، وعلينا أن نصدق به، ونؤمن به كما لو لمسناه بأيدينا، أو شاهدناه بأعيننا، أو غير ذلك من أدوات الحواس، علينا أن نؤمن بذلك؛ لأنه قول الله عز وجل.

    فنقول: عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق:17] : قاعد، مستقر، أحدهما يكتب الحسنات، والثاني يكتب السيئات، هذا المكتوب الذي بأيدي الملائكة عرضة للمحو والإثبات؛ لقول الله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39] أي: أصل أم الكتاب هو: اللوح المحفوظ، مكتوب فيه ما يستقر عليه العبد، لكن ما كان قابلاً للمحو والإثبات فهو الذي في أيدي الملائكة، قال الله عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] انظر! حسنة تذهب السيئة، تمحوها بعد أن كُتِبَت، وهذا باعتبار ما في أيدي الملائكة، أما أم الكتاب الأصل فمكتوب فيها ما يستقر عليه العبد.

    نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستقر على الإيمان والثبات في الدنيا والآخرة.

    تفسير قوله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)

    قال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]

    مَا يَلْفِظُ (ما): نافية، و(قول): مجرورة بـ(مِنْ) الزائدة إعراباً، المفيدة معنىً، وأصلها بدون زيادة: ما يلفظ قولاً؛ لكن تأتي حروف الجر أحياناً زائدة في الإعراب لكنها تفيد معنى التوكيد، ولهذا النفي إذا اقترن المنفي بِمِنْ الزائدة أو بـ(الباء) الزائدة، مثل: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] فإنه أوكد في العموم من النفي المجرد من حرف الجر الزائد.

    مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إذا جعلنا (مِنْ) زائدة إعراباً مفيدة معنى فما فائدة معناها؟

    التوكيد على العموم، أي: أيُّ قولٍ يلفظه الإنسان: لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] سبحان الله! رَقِيبٌ [ق:18] يراقب ليلاً ونهاراً لا ينفك عن الإنسان: عَتِيدٌ [ق:18] حاضر، لا يمكن أن يغيب ويوكل غيره، هو قاعد مراقب حاضر لا يفوته شيء: مِنْ قَوْلٍ [ق:18] أي قول؟ كل القول؛ لأن (مِنْ) هذه زائدة، و(قَوْل) نكرة في سياق النفي لبيان العموم، أيُّ قولٍ يقوله.

    وظاهر الآية الكريمة: أن القول مهما كان يُكتب سواءً كان خيراً أم شراً أم لغواً، لكن المحاسبة على ما كان خيراً أو شراً، ولا يلزم من الكتابة أن يحاسَب الإنسان عليها، وهذا ظاهر اللفظ، وهو أحد القولين لأهل العلم.

    ومن العلماء من يقول: إنه لا يكتُب إلا الحسنات والسيئات فقط، أما اللغو فلغو لا يُكتب، فأيُّ القولين أولى؟

    الأول أولى وهو: العموم، أما النتيجة فواحدة؛ لأنه حتى على القول بأن الكاتب يكتُب كل شيء، يقولون: إنه لا يحاسَب إلا على الحسنات والسيئات.

    لكن كوننا نقول بالعموم هو المطابق لظاهر الآية، ثم هو الذي فيه الدليل على أن الملكَين لا يفوتان ولا يتركان شيئاً، مما يدل على كمال عنايتهما بما ينطق به الإنسان.

    وبناءً على ذلك يجب علينا أن نحترز غاية الاحتراز من أقوال اللسان، فكم زلة لسانية أوجبت الهلاك والعياذ بالله، قال أبو هريرة رضي الله عنه في الرجل الذي قال: (والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ قد غفرتُ له وأحبطتُ عملك) قال: [إنه تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته] نسأل الله العافية.

    احذر لسانك أن تقول فتُبتلى     إن البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطقِ

    احذر آفات اللسان، إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل حفظ اللسان مِلاك الأمر كله، فقال عليه الصلاة والسلام لـمعاذ بن جبل : (أفلا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسان نفسه وقال: كف عليك هذا -لا تطلقه، لا تتكلم- قال: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال له: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائدُ ألسنتِهم) فالمؤمن يجب أن يحذر لسانه، فإنه آفة عظيمة.

    ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) .

    وحينئذ نعرف أن الصمت مفضل على الكلام؛ لأن الكلام قد لا يدري الإنسان أخير هو أم شر.

    ثم إني أقول لكم: الكلمة إذا أطلقتها وخرجت من فمك فهي كالرصاصة تطلقها على ولدك، هل يمكنك أن تمنع الرصاصة إذا خرجت من فوهة البندقية؟ لا، خلاص انطلقت، تفسد أو تصلح، كذلك الكلمة، فالعاقل يمنع لسانه ولا يتكلم إلا بالخير، والخير إما في ذات المتكلَّم به، وإما في غيره: قد يكون الكلام ليس خيراً بنفسه لكنه خير من جهة آثاره، قد يتكلم الإنسان بكلام لغو في مجلس، والكلام ليس أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر، وليس إثماً ووِزراً؛ لكن يتكلم من أجل أن يفتح الباب للحاضرين؛ لأنه أحياناً تستولي على المجلس الهيبة ولا يتكلم أحد، فيبقى الناس كأنهم في غَمْ، فيتكلم من أجل أن يفتح الباب للناس، وتنشرح صدورهم، ويحصل تبادل الكلام الذي قد يكون نافعاً، نقول: هذا الكلام الذي تكلمه وفتح به باب الكلام وأزال عن الناس الغمة يُعتبر خيراً لغيره، وهذا داخل -إن شاء الله- في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) .

    نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حفظ ألسنتنا وجوارحنا عما يغضبه، وأن نستعملها فيما يرضيه، إنه على كل شي قدير.

    1.   

    الأسئلة

    الحكمة والتروي عند الإفتاء

    السؤال: فضيلة الشيخ! هناك مجموعة من الموظفين تخصصاتهم فنية، اقتضت مصلحة العمل بتوليتهم أعمالاً إدارية في غير مكانهم الأول، ساعات العمل فيه أقل من المطلوب منهم لو كانوا في عملهم السابق، وهذا معروف على مستوى الوزارة، ويوم الخميس يتناوب عليه مجموعتان بموافقة مديرهم المباشر، ويُعَلَّل هذا بقلة العمل في هذا اليوم، فهل هذا الوضع جائز؟ علماً أن لهذا العمل الإداري بدلات لا يأخذونها بسبب اختلاف مسمى الوظيفة؟

    الجواب: هذا سؤال مهم، ولكن الذي يوجه السؤال هو المسئول عن المصلحة؛ لأني أرى أنه ليس من المصلحة أن يأتي موظف تحت مدير أو رئيس ويسأل عن عمل يعمله المدير أو الرئيس قد يكون مخالفاً للنظام ومخالفاً للأمانة، فمثل هذا ينبغي ألا يجاب؛ لأنه ليس بيده شيء، حتى لو أجبته هل يمكن أن يغير الوضع ما دام المدير مُصِرَّاً على ما يريد؟! لا يمكن أن يغير الوضع، بل ربما يزيد الأمر شدة، ربما يكون هذا الجواب ممن وُجِّه إليه السؤال، يتخذه السائل سلاحاً على هذا المدير لتشويه سمعته وحصول البلبلة، وأنا لست أقصد شخصاً بعينه، فالسائل هو مشكور على سؤاله؛ لكني أقصد على سبيل العموم، أنه لا ينبغي للمفتي أن يفتي في مثل هذه المسائل؛ لأنها لا تخدم المصلحة إطلاقاً، مَن الذي يتولى السؤال لو كان يريد السؤال؟ الرئيس أو المدير الذي يستطيع أن يغيِّر، أما فرد من أفراد هذه المجموعة يسأل، إذا قيل: هذا حرام، ولا يجوز، هذا خيانة، والراتب حرام، وما أشبه ذلك ما هي الفائدة؟! لا فائدة في الواقع.

    ولهذا أنا أشكر إخواني الشباب الذين يجدون في أعمالهم مخالَفة ثم يسألون عنها، نشكرهم؛ لكن لا أرى أن يجاب عليها؛ لأن ذلك لا يخدم المصلحة.

    ثم أنصح أيضاً القائمين على الأعمال أن يتقوا الله عز وجل وأن يمشوا على ما رسم لهم من فوق، وإذا رأوا المصلحة في خلافه فليقدموا تقريراً ومشورة إلى مَن فوقهم لتعديل الوضع؛ إلاَّ أن يُمَكَّنوا من ذلك ويقال: أنتم مؤتَمَنون، وأنتم أحرار على ما ترون من توجيه وتغيير اختصاصات الموظفين فهذا شيء آخر.

    ثم إن مثل هذه الأسئلة أيضاً أحب من إخواني الشباب الحريصين أن يكون السؤال سراً بينهم وبين المسئولين؛ لأننا لا نحب أن تنتشر المعايب في جهات العمل والمؤسسات.

    السائل: طَيِّبٌ! يا شيخ، يمكن أن يقع شراً؟

    الشيخ: إذا قلتُ لك بجواب هذا السؤال، فهذا هو الجواب ولا يمكن.

    ضابط العرف في الإسراف وخروج المرأة إلى السوق

    السؤال: فضيلة الشيخ: أشكل علينا كون العرف مرجعاً لضبط بعض الأفعال، وبالذات شراء الألبسة وخروج المرأة، ووجدنا من يشتري الثوب بستمائة ريال أو أكثر أو أقل، ويحتج بالعرف، وهل يعارض هذا ما جاء في السنة من الحث على التقلل والنهي عن التبذير وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: نعم. العرف مرجع حيث لا يوجد في الشرع تحديد، أما إذا حُدَّ في الشرع فالشرع حاكم على العرف وليس العرف حاكماً على الشرع، وفي نَظْم القواعد:

    كل ما أتى ولَمْ يُحَدَّدِ     بالشرع كالحرز فبالعرف احْدُدِ

    والله تعالى قد أحال على العرف في قوله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] .

    وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228] .

    وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233] .

    والأمثلة في هذا كثيرة.

    ولكن إذا خرج الإنسان عن النطاق الذي ينبغي أن يكون عليه صار مسرفاً، وقد قال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31] .

    فالناس الآن ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

    1- قسم طبقة عليا.

    2- قسم طبقة دنيا.

    3- قسم متوسط.

    فلو أراد أصحاب الطبقة الدنيا أن يلبسوا ما تلبسه الوسطى، أو يأكلوا ما تأكله الوسطى، أو يركبوا ما تركبه الوسطى قلنا: هذا إسراف، يُنْهَون عنه.

    ولو أراد أهل الطبقة الوسطى أن يلبسوا ما يلبسه الطبقة العليا، أو يركبوا ما يركبونه، أو يأكلوا ما يأكلونه، لقلنا: هذا إسراف.

    ولو أراد أهل الطبقة العليا أن يلبسوا ويشربوا ويأكلوا ويسكنوا ما يكون للطبقة السفلى قلنا: هذا بخل؛ إلا إذا أراد التواضع، بحيث يريد ألا يظهر أمام إخوانه الفقراء إذا كان مثلاً أكثر الحي فقراء فيحب ألا يظهر أمامهم على وجه تنكسر قلوبهم فهذا يكون خيراً، وفيه ورد الحديث في ثواب مَن ترك أعلى اللباس تواضعاً، أفهمتَ الآن؟

    السائل: نعم بالنسبة للخروج يا شيخ!

    الشيخ: يعني: إلى الأسواق؟

    السائل: ينبغي ألا تخرج بناءً على العرف السائد.

    الشيخ: لا، أما خروج المرأة فلا شك أن العرف والحياء والشيمة والدين كلها تقتضي أن تكون المرأة في بيتها، وبيوتهن خير لهن، هذا عام، ولا تخرج إلا لحاجة؛ وذلك أن المرأة وإن كانت خرجت غير متطيبة وغير متبرجة وهي نزيهة وسليمة وعفيفة تُبْتَلى، يوجد في الأسواق فسَّاق ليس لهم هم إلا ملاحقة النساء والعياذ بالله، ومغازلتهن، وإلقاء الأوراق وأرقام الهواتف عليهن، وما أشبه ذلك، مع أنهن نزيهات، فلهذا نقول: خير مكان للمرأة أن تبقى في بيتها، وهي في الواقع مسئولة عن نفسها، ووليها أيضاً مسئول عنها، حتى كثير من الرجال -نسأل الله لنا ولهم الهداية- قد أطلقوا العنان للنساء، تخرج المرأة متى شاءت، تتسكع في الأسواق وفي المتاجر ولا يبالي ولا يسأل، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على أداء الأمانة.

    تحقيق الأخوة والتعارف بين المسلمين مصلحة عظيمة

    السؤال: نحن عائلة كبيرة، نخرج سنوياً إلى البر، ويصير فيه بعض المنكرات مثل: الغناء، والغيبة، والدخان، ونخرج معهم وندخل قبل ما تحدث هذه المنكرات، يعني: قبل ما يكون فيه غناء للرجال بالدف، والنساء كذلك؟

    الشيخ: يعني: قصدك اجتماع تعارف.

    السائل: نعم، اجتماع سنوي يا شيخ.

    الجواب: المهم أنه اجتماع تعارف، المقصود به التعارف والتآلف، إذا كان ...

    السائل: وعادة أخذناها سنوياً.

    الشيخ: أقول: ما فيه خلاف، إذا كان هذا للتعارف والتآلف، ودراسة أحوال العائلة، مَن يحتاج ومَن لا يحتاج فهذا طيب، وإذا جاء المنكر فإنه لا يَسَع الإنسان إلا أن يفارق، أفهمتَ؟

    أما إن كان مجرد خروج نزهة وليس فيه مصلحة فهذا من إضاعة الوقت ولا حاجة، أما كونه يتكرر فما دام أنه غير مقيد بشهر معين فلا بأس به.

    السائل: إذا كانت العائلة كبيرة جداً، والمنكرات هذه سبق وأن أنكرنا عليها ولكن لا استجابة.

    الشيخ: أنت ذكرتَ في سؤالك بارك الله فيك أنكم تجتمعون وإذا جاء المنكر الذي ترونه منكراً فارقتهم؟

    السائل: بعض الإخوان، والبقية يجلسون.

    الشيخ: على كل حال: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت:46] الذي يجلس مع أهل المنكر كفاعل المنكر.

    السائل: ولكن بالنسبة لنا يجوز أن نقاطعهم يا شيخ، مثلاً: لا نخرج؟

    الشيخ: كما قلتُ لك: ما دام فيه مصلحة لا تقاطعهم.

    السائل: لا توجد مصلحة.

    الشيخ: أما قلتَ أنتَ أنه يجري التعارف والتآلف؟! هذه مصلحة عظيمة، الآن لو تسأل بني العم: كم لعمك لم يأتِ؟ قال: لا أدري، يمكن لو سألت أخاك: كم له لم يأت؟ لقال: لا أدري، هذا تقاطع، كون الناس لا يعرف بعضهم بعضاً ليس بطيب، فأنا من رأيي أنه يخرج وإن كان له كلمة ووجاهة بين القوم فبإمكانه إذا رأى المنكر أن يقول: يا جماعة! اتقوا الله، وينصحهم، ولعل الله أن يهديهم على يده، وأما إذا كان من عامتهم يخرج مثلاً ويشاركهم في الغداء أو نحوه ويعرض مشكلاتهم إن كان عنده مشكلات وينصرف.

    جواز قراءة الإمام من المصحف إذا احتاج إلى ذلك

    السؤال: فضيلة الشيخ: إمام مسجد مُعظم جماعته من الذين لا يحفظون ما يقرؤه في الصلاة ويحتاج من يستفتح عليه أحياناً فلا يجد، فهل يجوز له وضع مصحف في جيبه يقرأ به؟

    الجواب: لا بأس، يجوز للإنسان الإمام والمأموم، المأموم قد لا يحتاج إليه، لكن الإمام والمنفرد يجوز أن يقرأ من المصحف، ولا سيما في السور الطوال مثلاً إذا قال: أنا فجر يوم الجمعة السنة أن يقرأ الإنسان فيه بـالم سورة السجدة، في الركعة الأولى، وهَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ [الإنسان:1] في الركعة الثانية وهو لا يحفظها نقول: اقرأ من المصحف ولا حرج؛ لأن هذا مروي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تفعله في صلاة الليل.

    حكم رجل نسي السجود الثاني ثم ذكره بعدما قضى الصلاة

    السؤال: فضيلة الشيخ: لو أن إنساناً نسي السجود الثاني، وبَعْدَما قضى الصلاة تذكر أنه بقي عليه سجود ماذا يفعل؟ هل يعيد الصلاة؟

    الجواب: نعم، إذا نسي السجدة الثانية في آخر ركعة وسلم وتذكر، نقول: عد إلى الصلاة وانوِ أنك الآن جلست للدعاء بين السجدتين، ثم اسجد السجدة الثانية، ثم سلم، ثم اسجد سجدتين بعد السلام.

    الدليل على صلاة ركعتين بعد الطواف

    السؤال: ما دليل تنفُّل الطواف؟

    الجواب: تنفُّل الطواف لا أعلم له دليلاً إلا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ثابتاً أنه لما طاف طواف القدوم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً [البقرة:125] وصلى خلفه ركعتين، فالعلماء يرحمهم الله ألحقوا بذلك جميع الأطوفة كطواف الإفاضة، وطواف الوداع، والطواف المستحب، ولكني لا أعلم دليلاً خاصاً أن كل طواف يُصلى ركعتان بعده.

    السائل: الأصل الدليل في الطواف!

    الشيخ: هذا هو الأصل، فقد: ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه بعد طواف القدوم في حجة الوداع تقدم إلى مقام إبراهيم وقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً [البقرة:125] وصلى ركعتين، هذا ثابت في صحيح مسلم ، فالعلماء ألحقوا به جميع الأطوفة، وإلا فإننا يحضرني الآن أن الرسول كان كلما طاف صلى ركعتين، لا في طواف الإفاضة، ولا في طواف الوداع، بل لو قال قائل: إن طواف الإفاضة ظاهره حديث جابر أنه لم يصلِّ؛ لأنه ذكر أنه طاف، وأنه أتى زمزم وشرب منه، وذكر الحديث؛ لكن في حديث جابر أنه صلى بـمكة الظهر، فيمكن أن يكون صلى بعد الطواف واكتفى بالفريضة عن النافلة، والله أعلم.

    الرد على من جوز النظر إلى المرأة

    السؤال: فضيلة الشيخ: رجل متبوع، ويرأس جماعة إسلامية كبيرة يقول لأتباعة: إن النظر إلى المرأة يجوز، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى لما قال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] أن حرف (مِنْ) هنا تبعيضية أي: غضوا بعض أبصاركم، وأطيلوا النظر إلى المرأة، فإذا جاءت أو حصلت الشهوة فغضوا من أبصاركم، فهل يجوز مثل هذا القول؟

    الجواب: هذه مسألة خلافية، والخلاف فيها مشهور، والصحيح: أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها، ولذلك أدلة مذكورة في موضعها، ويحسُن أن تراجع الكتب المؤلفة في هذا، ومن أوسعها كتاب: عودة إلى الحجاب ففيه بحوث جيدة طيبة، والمؤمن إذا فكَّر وجد أن أدعى ما يكون شهوة هو كشف الوجه، أشد من كشف الرجلين، وأشد من كشف اليدين، والإنسان لا ينبغي أن يعتبر بنفسه، قد يكون الإنسان ليس له شهوة قوية فلا يتأثر برؤية وجه المرأة، وقد يكون شاباً له شهوة قوية يتأثر بوجه المرأة، ولو لم تكن جميلة، والعبرة بالأعم، وأما قوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ فإنما جاءت (مِنْ) لأسباب:

    منها: أن نظر الفجأة لا يضر.

    ومنها: أنه يجوز للرجل أن ينظر إلى مخطوبته، وهي لا تحل له.

    ومنها: أن ينظر لمن أراد أن يشهد عليها.

    ومنها: أن يعاملها ولا يعْرِفها إلا بالوجه.

    أو ما أشبه ذلك مما ذكره أهل العلم مما يباح به النظر.

    ويكفي في البعضية أن تخرج صورة واحدة من الصور.

    حكم سفر الخادمة مع أهل البيت بدون محرم

    السؤال: فضيلة الشيخ: ما حكم سفر الخادمة مع الأسرة التي تعمل عندها لا سيما إذا لم يكن لها محرم أتت معهم؟

    الجواب: أما إذا كان معها محرم فلا إشكال فيه، وإذا لم يكن معها محرم فنحن نرى أنه لا بد أن تأتي الخادمة بمحرم، رأَيْنا ذلك وإن كنا في الأول نتساهل فيه؛ لأننا سمعنا حوادث مزعجة مروعة في مجيء الخادمة بدون محرم يحميها، ولا سيما في بيت فيه شباب مراهقون، فإنه يحصل الوقوع في الفاحشة العظمى والعياذ بالله؛ لكن إذا قُدِّر أن الناس ابتلوا بهذه الخادمة، وسافروا ولم يكن في البيت من هو مأمون تبقى عنده فإن سفرها معهم أمر متعيَّن؛ لأن بقاءها ضرر وفتنة، فلا بأس في هذه الحال أن تسافر معهم للضرورة.

    توجيه حديث الأعرابي في قوله في الصلوات الخمس: (هل علي غيرها ..)

    السؤال: فضيلة الشيخ: جاء في الصحيحين من حديث طلحة في حديث الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع) هل يؤخذ من هذا الحديث أن يكون صارفاً لعدم وجوب غير الصلوات الخمس؟

    الجواب: لا، هذا الحديث يدل على أنه ليس هناك صلوات، أي: تجب كل يوم إلا هذه الصلوات الخمس، وأما الصلوات المقرونة بأسبابها فهذه ينظر فيها، من العلماء من قال: إن هذه الصلوات المقرونة بأسبابها وإن وجد فيها قرائن تدل على الوجوب، فإن هذه القرائن ممنوعة؛ لحديث الأعرابي: (هل عليَّ غيرها) .

    ومن قال: إن التي لها سبب ينظر في سياق دليلها هل يقتضي الوجوب أم لا؟

    فمثلاً: صلاة الكسوف جمهور العلماء يرون أنها ليست بواجبة، لا على الأعيان ولا على الكفاية، ويستدلون بحديث الأعرابي.

    ومن العلماء من يقول: هي واجبة، وعلى الأقل واجبة على الكفاية؛ لأن كون الرسول صلى الله عليه وسلم يفزع ويجمع الناس على إمام واحد في مصلى الجمعة، ويطيل هذه الصلاة العظيمة، وتُعرض عليه الجنة والنار، ويأمر عليه الصلاة والسلام بالصلاة، بل أمر بالفزع إلى الصلاة: (افزعوا إلى الصلاة) فكأنه عدو يحتاج إلى أن يفزع الناس منه، وأخبر أن الله يخوف العباد، فماذا يقول القائل: لو أنه خسف القمر أو كسفت الشمس والناس كل في بيعه وشرائه ومنامه، والرسول يقول: (يخوف الله بهما عباده) فيواجهون هذه الآية المخوفة بكل برودة، هل هذا لائق بالعبد؟! ليس بلائق.

    ولهذا: كان أصح أقوال العلماء في هذه المسألة: أن صلاة الكسوف واجبة، إما على الأعيان، وإما على الكفاية.

    نقول: الحديث يدل على أنه ليس هناك صلاة واجبة تُكَرَّر كل يوم وليلة إلا الصلوات الخمس والجمعة بدلاً عنهما، نعم يستدل به على أن الوتر ليس بواجب، وإن كان قد قال به بعض العلماء؛ لأنه من الصلوات الدورية.

    أما ما كان لها سبب فعلى حسب الدليل الوارد في الصلاة في هذا السبب.

    السائل: لو أقيمت الجمعة مستقلة؛ لأنها قَصْرٌ على المسافر؟

    الشيخ: الجمعة لا يصليها المسافر، في البر لا يصليها؛ لكن لو كان في بلد تقام فيه الجمعة لا بد أن يحضر.

    السائل: يضطر أنه يخرج عن صاحبه!

    الشيخ: حتى ولو لم يستقل، أليس الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9] ؟! نقول لهذا المسافر: هل أنت مؤمن؟! سيقول ماذا؟

    السائل: نعم.

    الشيخ: نقول له: اسعَ.

    وجوب إتمام الصلاة لمن انقطع سفره بوصوله إلى بلده

    السؤال: مثلاً أنا سافرت من الرياض إلى القصيم ومكثت يوماً أو يومين في القصيم ورجعت إلى الرياض ووجبت علي صلاة الظهر في نصف الطريق، نويت أن أؤخرها مع العصر، هل إذا وصلت منطقتي، أصلي ركعتين أو أربع ركعات؟

    الشيخ: وأنت من أهل الرياض؟

    السائل: نعم.

    الجواب: إذا وصل الإنسان إلى بلده وهو لم يصلِّ الصلاة التي دخل وقتها وهو مسافر فعليه أن يتمها؛ لأنه قطع السفر، والعكس بالعكس لو أن الإنسان دخل عليه الوقت وهو في بلده ثم سافر قبل أن يصلي فإنه يقصرها، كرجل أُذِّن الظهر وهو في البلد ثم سافر قبل أن يصلي فنقول: صلِّ الظهر في السفر ركعتين.

    السائل: مثلاً أذن الظهر وأنا في البلد!

    الشيخ: يصلي ركعتين، إذا خرج من بلده قبل أن يصلي يصلي ركعتين.

    السائل: حتى ولو أذن الظهر وهو في البلد؟

    الشيخ: ولو أذن الظهر وهو في البلد، العبرة بفعل الصلاة، لا بوقتها.

    حكم إخراج الرجل بما معه من الحقائب والفلوس والملابس عند أداء العمرة

    السؤال: فضيلة الشيخ: بعض العوام من الرجال والنساء حينما يأتون إلى المواقيت للعمرة يقولون: إذا أراد أن يدخل بشيء إلى مكة يدخل ويحرم به معه، مثل: حقيبة أو فلوس، فما قولك في هذا؟

    السائل: إذا أراد أن يعتمر، وجاء الميقات فهو يريد أن يدخل معه بحقيبة إلى مكة ، أو فلوس، يحرم بها معه؟

    الجواب: هذا غلط يعني معناه: أنه يقول: لا بد إذا أراد أن يعقد الإحرام لا بد أن تكون أغراضه التي سيدخل بها مكة معه.

    السائل: معه في نفس الإحرام!

    الشيخ: لا. هذا غلط، هذا عامِيٌّ جلد، ليس له أصل إطلاقاً.

    السائل: من البدع.

    الشيخ: لا، غلط هذا، ليس ببدعة، هذا شخص جاهل، نقول: حتى لو فرضنا أن الإنسان أحرم بدون نعال ثم بعد ذلك لبس النعال ما فيه شيء.

    أما قول بعض العوام: لا بد أن تحرم في نعالك، ولا تفسخها حتى تنتهي من الإحرام، أي: لا تغيِّرها! هذا غلط، كل هذا غلط، تغيِّر ثياب الإحرام إلى ثياب أخرى يجوز الإحرام بها، تغيِّر النعال، تلبس النعال وإن كنتَ حين الإحرام غير لابس لهما، والطيب إذا لم تتطيب قبل الإحرام فلا تتطيب بعد الإحرام.

    السائل: مثل النساء، إذا أرادت تأخذ غطاءً لازم أنها تحرم بها معها!

    الشيخ: لا، ليس بصحيح.

    حكم ضرب النساء للدف في غير الأعراس

    السؤال: حكم ضرب الدف للنساء في غير العرس؟

    الجواب: إذا كان لسبب فلا بأس؛ لأن امرأة أتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: (إني نذرتُ إن ردك الله سالماً أن أضرب بالدف بين يديك، فقال لها: أوفي بنذرِكِ) .

    أما مجرد اللهو فهذا لا يجوز؛ لكن إذا كان لسبب كقدوم غائب مثلاً أو ما أشبه ذلك فلا حرج.

    سنية رفع الذكر بعد الصلاة المكتوبة

    السؤال: فضيلة الشيخ: ما حكم رفع الصوت بالذكر عقب الصلاة المكتوبة؟

    الشيخ: سنة، إلا إذا كان إلى جنبك رجل يتم وتخشى إن رفعت الصوت أن تشوش عليه فلا ترفع صوتك.

    السائل: والدليل يا شيخ؟

    الشيخ: الدليل حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري قال: (كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت أعرف انقضاء صلاتي بذلك).

    سجود السهو عن شك أو زيادة يكون بعد التسليمتين

    السؤال: فضيلة الشيخ: في سجود السهو للزيادة هل بعد التسليمتين أو بعد التسليمة الأولى؟

    الجواب: سجود السهو إذا كان بعد السلام سواء كان عن زيادة أو عن شك مع ترجح أحد الأمرين؛ لأن سجود السهو بعد السلام يكون عن أمرين:

    إذا زاد أو شك وترجح عنده أحد الأمرين وبنى عليه.

    السائل: لكن بعد التسليمة الأولى أو بعد التسليمتين؟

    الشيخ: انتظر أنا قصدي التعقيب على قولك: إذا كان عن زيادة؛ لأُبَيِّن أنه يكون:

    - عن زيادة.

    - عن شك مع ترجح أحد الطرفين.

    فيكون سجود السهو، بعد التسليمتين جميعاً؛ لأن الإنسان لا يفرغ من صلاته إلا بالتسليمتين.

    السائل: في السفر هل من الأفضل أن المسافر يقصر ويجمع أو يقصر قصراً؟

    الشيخ: المسافر السنة أن يقصر حتى يرجع إلى بلده ما لم يصلِّ خلف إمام يتم، فإن صلى خلف إمام يتم وجب عليه الإتمام.

    أما الجمع فإن جدَّ به السير فالجمع أفضل، وإن كان نازلاً فترك الجمع أفضل، وإن جمع فلا بأس.

    السائل: بعض المسافرين يجمعون أربعاً أربعاً!

    الشيخ: لا، هذا غلط، الجمع أربعاً أربعاً إذا كان الإنسان غير مسافر.

    رجوع المهر على ولي المرأة إذا غش الزوج فيها

    السؤال: امرأة تُصْرَع بسبب الجن، وأخبرها بعض المشايخ الذين قرءوا عليها أن هذا الجني عاشق وسيذهب بإذن الله بعد الزواج، فخطبها رجل وأخفى عليه أهلها مرضها ليس غشاً إنما استناداً على كلام ذلك الشيخ؛ ولكن تفاجئوا باستمرار الصرع معها فطلقها زوجها بسبب صرعها.

    السؤال: هل يرجع المهر إلى الزوج أم لا؟ وإن كان يعاد هل يعاد كله أم نصفه؟

    الجواب: هم لا شك أنهم غشوا الرجل وخدعوه، ويَرْجِع بالمهر على من غرَّر، والذي باشر تغريره هو الولي، فيرجع بِه على ولي المرأة، سواء كان أباها أو أخاها، وأما المرأة فلا يؤخذ من مهرها شيء.

    السائل: وليها الأب يعني؟

    الشيخ: وليها قد يكون أبوها إن زوَّجها، وقد يكون الذي زوجها أخوها، المهم أن الزوجة مهرها عندها لا يؤخذ منه شيء؛ لأنها ما غرته، الذي غر الزوج وليُّها حيث عقد له ولم يشترط ذلك في العقد؛ لكن أشير عليه ألا يأخذ شيئاً، ولا يثير المشاكل جبراً لخاطر هذه المرأة المصابة؛ لكن إن أراد أن يأخذ بحقه فله الحق أن يرجع على وليها.

    حكم المحاماة في الإسلام

    السؤال: فضيلة الشيخ: ما حكم المحاماة في الإسلام؟

    الجواب: المحاماة في الإسلام إذا كان الإنسان يريد إحقاق الحق وإبطال الباطل فهي خير ومأمور بها، لما فيها من إزالة الظلم عن المظلوم، ومعاونة صاحب الحق على حقه.

    وأما إذا كان الإنسان يحامي بالباطل بأن يكون كلامه هو المنتصِر فهذا حرام، فهي ترجع إلى نية المحامي.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010793147

    عدد مرات الحفظ

    722026291