إسلام ويب

لقاء الباب المفتوح [30]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فسَّر الشيخ رحمه الله آخر الآيات في سورة المطففين، حيث بيَّن النعم العميمة والعطايا الجزيلة التي يجدها الأبرار في دار القرار، وكما ضحك الكفار من المؤمنين في الدنيا؛ فكذلك المؤمنون يضحكون من الكفار في الآخرة، وإنما العبرة بالخواتيم. ثم أجاب الشيخ بعد ذلك عن الأسئلة التي طرحت عليه.

    1.   

    تفسير الآيات الأخيرة من سورة المطففين

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإننا في هذا اليوم الخميس الخامس والعشرين من شهر المحرم عام (1414هـ) نختتم اللقاءات في هذا الشهر؛ لأن هذا اللقاء هو الرابع في هذا الشهر.

    تفسير قوله تعالى: ( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ )

    قال الله تعالى: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:25-26] الضمير في قوله: (يسقون) يعني: الأبرار، يسقيهم الله عز وجل بأيدي الخدم الذين وصفهم الله بقوله: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [الواقعة:17]* بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ [الواقعة:18-19].

    فقوله: (يسقون من رحيق) أي: من شراب خالص لا شوب فيه ولا ضرر على العقل، لا يسبب ألماً في الرأس، بخلاف شراب الدنيا، فإنه يغتال العقل ويصدع الرأس.

    أما هذا فإنه رحيق خالص ليس فيه أي أذى (ختامه) أي: بقيته وآخره، (مسك) أي: طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا فإنه خبيث الرائحة، فهؤلاء القوم الأبرار لما حبسوا أنفسهم عن الملاذ التي حرمها الله عليهم في الدنيا أُعطوها يوم القيامة.

    وَفِي ذَلِكَ [المطففين:26] أي: وفي هذا الثواب والجزاء، فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26] أي: فليتسابق المتسابقون سباقاً يصل بهم إلى حد المنافسة، وهو كناية عن السرعة في المسابقة، يُقال: نافسته، أي: سابقته سباقاً بلغ بي النفس، والمنافسة في الخير هي: المسابقة إلى طاعة الله عز وجل وإلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى، والبعد عما يسخط الله.

    تفسير قوله تعالى: ( وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ )

    ثم قال الله عز وجل: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:27-28] مزاج هذا الشراب الذي يُسقاه هؤلاء الأبرار (من تسنيم)، أي: من عينٍ رفيعة حساً؛ وذلك لأن (أنهار الجنة تفجر من الفردوس؛ والفردوس هو أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرب عز وجل) كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الشراب يمزج بهذا الطيب الذي يأتي من التسنيم؛ أي: من المكان المسنّم الرفيع العالي، وهو جنة عدن.

    وقوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:28] أي: أن هذه العين والمياه النابعة والأنهار الجارية يشرب بها المقربون.

    وهنا سيقول قائل: لماذا قال: (يشرب بها)؟ هل هي إناء يحمل حتى يقال: شرب بالإناء؟

    الجواب: لا. لأن العين والنهر لا يُحمل، إذاً.. لماذا لم يقل: يشرب منها المقربون؟

    والجواب عن هذا الإشكال من أحد وجهين:

    الوجه الأول: فمن العلماء من قال: إن (الباء) بمعنى (من) فمعنى (يشرب بها)، أي: يشرب منها.

    الوجه الثاني: ومنهم من قال: إن يشرب ضُمنت معنى يروى، فمعنى (يشرب بها) أي: يُروى بها المقربون، وهذا الوجه أحسن من الوجه الذي قبله؛ لأن هذا الوجه يتضمن شيئين يرجحانه وهما:

    أولاً: إبقاء حرف الجر على معناه الأصلي.

    ثانياً: أن الفعل (يشرب) ضُمِّن معنىً أعلى من الشرب وهو الريُّ.

    فكم من إنسان يشرب ولا يروى، لكن إذا روى فقد شرب، وعلى هذا فالوجه الثاني أحسن وهو أن يُضمن الفعل (يشرب) معنى يروى.

    تفسير قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا... )

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [المطففين:29] (إن الذين أجرموا) أي: قاموا بالجرم وهو المعصية والمخالفة، (كانوا) أي: في الدنيا، من الذين آمنوا يضحكون استهزاءً وسخريةً واستصغاراً لهم.

    وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ [المطففين:30] (وإذا مروا) الفاعل هل هم الذين أجرموا؟ أو الذين آمنوا؟ الآية تصلح لهذا وهذا، يصلح أن نقول: إذا مرَّ المؤمنون بالمجرمين، أو إذا مرَّ المجرمون بالمؤمنين.

    والقاعدة التي ينبغي أن تفهم في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين لا ينافي أحدهما الآخر وجب حملها على المعنيين؛ لأن ذلك أَعَمَّ، فإذا جعلنا الآية للأمرين كان المعنى: أن المجرمين إذا مروا بالمؤمنين وهم جلوس تغامزوا، وإذا مر المؤمنون بالمجرمين وهم جلوس تغامزوا أيضاً، فتكون شاملة للحالين، حال مرور المجرمين بالمؤمنين، وحال مرور المؤمنين بالمجرمين.

    (يتغامزون) أي: يغمز بعضهم بعضاً، يقولون: انظر إلى هؤلاء سخريةً واستهزاءً واستصغاراً.

    وقال تعالى: وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين:31] إذا انقلب المجرمون إلى أهلهم (انقلبوا فكهين) يعني: متفكهين بما نالوه من السخرية من هؤلاء المؤمنين، فهم يستهزئون ويسخرون ويتفكهون بهذا ظناً منهم أنهم نجحوا وأنهم غلبوا المؤمنين ولكن الأمر بالعكس.

    ثم قال الله تعالى: وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين:32] (إذا رأوهم) أي: رأى المجرمون المؤمنين قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين:32] ضالون عن الصواب، متأخرون، متزمتون، متشددون، إلى غير ذلك من الألقاب.

    ولقد كان لهؤلاء السلف خلفٌ في زماننا اليوم وما قبله وما بعده، فمن الناس من يقول عن أهل الخير: إنهم رجعيون، إنهم متخلفون، ويقولون عن الملتزم: إنه متشدد متزمّت، وفوق هذا كله من قالوا للرسل: إنهم سحرة أو مجانين، قال الله تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات:52] فورثة الرسل من أهل العلم والدين سينالهم من أعداء الرسل ما نال الرسل؛ من ألقاب السوء والسخرية وما أشبه ذلك، ومن هذا تلقيب أهل البدع والتعطيل لأهل الإثبات من السلف بأنهم حَشوَّية، مُجسِّمة، مُشبِّهة، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء التي ينفرون بها الناس عن الطريق السوي.

    ثم قال تعالى: وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين:33] أي: أن هؤلاء المجرمين ما بعثوا حافظين لهؤلاء يرقبونهم ويحكمون عليهم بل الحكم لله عز وجل.

    تفسير قوله تعالى: ( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا... )

    ثم قال تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين:34] (اليوم) يعني: يوم القيامة، الذين آمنوا يضحكون من الكفار، (فالذين) مبتدأ و(يضحكون) خبره و(من الكفار) متعلق بـ(يضحكون) والمعنى: فالذين آمنوا يضحكون اليوم من الكفار، وهذا والله هو الضحك الذي لا بكاء بعده، أما ضحك المجرمين من المؤمنين في الدنيا فسيعقبه البكاء والحزن والويل والثبور.

    عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين:35] أي: أن المؤمنين على الأرائك في الجنة، و(الأرائك): هي السرر الفخمة الحسنة النظرة (ينظرون) أي: ينظرون ما أعد الله لهم من الثواب، وينظرون أولئك الذين يسخرون منهم في الدنيا، كما قال الله تعالى: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات:51-54] يقول لأصحابه في الجنة ويعرض عليهم أن يطلع كل إلى قرينه الذي كان في الدنيا ينكر البعث ويكذب به فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات:55] في قعره وأصله، قال له: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:56-57].

    فأنت ترى الآن أن المؤمنين يرون الكفار وهم يعذبون في قعر النار، والمؤمنون في الجنة، قال: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين:35] إذاً ينظرون شيئين:

    الشيء الأول: ما أعد الله لهم من النعيم، ومنه النظر إلى وجه الله عز وجل.

    والثاني: ينظرون إلى هؤلاء المكذبين الذين كانوا في الدنيا يسخرون منهم ويستهزئون بهم، ينظرون إليهم وهم في عذاب الله.

    ثم قال تعالى: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:36] (ثوب) أي: جوزي، و(هل) هنا للتقرير، أي: أن الله تعالى قد ثوب الكفار وجازاهم جزاء فعلهم في الدنيا، وهو سبحانه وتعالى حكمٌ عدل، فحكمه دائرٌ بين العدل والفضل؛ بالنسبة للذين آمنوا حكمه وجزاؤه فضل، وبالنسبة للكافرين حكمه وجزاؤه عدل، فالحمد لله رب العالمين.

    وبهذا يتم الكلام الذي يسره الله عز وجل على سورة المطففين، نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم به، وأن يجعلنا من المتعظين الواعظين إنه جواد كريم.

    1.   

    الأسئلة

    .

    حكم قراءة الإمام جزءاً من السورة في الصلاة

    السؤال: فضيلة الشيخ: هل يجوز للإمام أن يقرأ بعض السورة أثناء الصلاة الجهرية؟

    الجواب: نعم. يجوز أن يقرأ المصلي سورة كاملة أو بعض سورة، سواء كان هذا البعض من أولها أو وسطها أو آخرها، لعموم قوله تعالى: فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20] وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) لكن الأفضل أن يقرأ سورة كاملة؛ لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه حين قال له: (هَلاَّ قرأت وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، وسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]) وما أشبه ذلك، ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يقرأ سورة تكون في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، وطوال المفصل من (ق) إلى (عم) وقصاره من (الضحى) إلى آخر القرآن، وأوساطه من (عم) إلى (الضحى).

    هذا هو الأفضل، وإن قرأ في المغرب بطواله أحياناً فهذا من السنّة، فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ فيها بالطور، وقرأ فيها بالمرسلات، وقرأ فيها بسورة الأعراف، لكن الغالب أن يقرأ من قصاره يعني: ينبغي أن تكون قراءته غالباً كما وصفنا؛ في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، وإن قرأ آيات من سورة فلا حرج؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (قرأ في ركعتي الفجر في الأولى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ... البقرة:136] وفي الركعة الثانية: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ [آل عمران:64]) لكن كون الإنسان لا يقرأ السورة كلها إلا نادراً كما يوجد عند بعض الأئمة؛ لا تكاد تسمعه يقرأ سورة كاملة بل دائماً يقرأ آيات من السورة، وهذا لا شك أنه خلاف السنة.

    حكم رمي جمرة العقبة بست حصوات

    السؤال: فضيلة الشيخ: حاج رمى جمرة العقبة بست وفي اليوم الثاني عشر، ثم سأل فقال له من سأله: تعيد رمي جمرة العقبة، وتعيد الرمي في اليوم الحادي عشر ثم رمي الثاني عشر، ولكنه سأل آخر فقال له: يكفيك رمي جمرة العقبة بست، فاختار الأسهل فهل الترتيب واجب؟ وماذا عليه؟

    الجواب: أما الذي أفتاه أولاً وقال له: ارم جمرة العقبة ليوم العيد ثم ارم ثلاث جمرات يوم الحادي عشر ثم ارم الجمرات الثلاث للثاني عشر، فقد سار على ما هو مشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله وهو: أنه لا بد من الترتيب، ولكن القول الراجح ما أفتاه به الآخر: وهو أنه يُعفى عن نقص الحصاة، فقد ذُكر أن الصحابة رضي الله عنهم كان بعضهم يرمي بست وبعضهم يرمي بسبع ولم ينكر أحد على الآخر، لاسيما لو تركها نسياناً، فالصحيح بأن رمي الست مجزئ.

    حكم قول: (بلى) بعد الآيات التي فيها استفهام

    السؤال: فضيلة الشيخ: هل يقال بعد: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:36] دعاء أم لا؟ والآيات الأخرى كذلك كقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36]؟

    الجواب: يختلف الحكم بين هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:36] وبين أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: 36] فالأولى تقرير، فـ(هل) فيها بمعنى قد، أما أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: 36] وأَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين:8] وأَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:40]، فهذا استفهام يحتاج إلى جواب، فإذا قلت: (بلى) فلا بأس، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد قوله تعالى: أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:40] قال: (سبحانك فبلى) فإذا أجاب الإنسان على الاستفهام وقال: (بلى)، فلا بأس.

    مسألة: رؤية الله تعالى في المنام

    السؤال: فضيلة الشيخ: بالنسبة لرؤية الله عز وجل في المنام، هل يصح القول بأن الرؤية يمكن أن تقع لأي مؤمن من المؤمنين؟

    الجواب: رؤية الله تعالى في المنام في الدنيا -أما في الآخرة فليس هناك نوم- هذه جاءت في حديث اختصام الملأ الأعلى الذي أخرجه أهل السنن (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه في المنام) ورؤية الله لغير النبي صلى الله عليه وسلم لا أعلم أنها ثابتة ولا أدري هل تقع أم لا؟ لكنه قد ذكر أن الإمام أحمد رحمه الله رأى ربه في المنام، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الإنسان قد يرى ربه في المنام، وذلك بأن الله سبحانه وتعالى يضرب له مثلاً بحسب تمسكه بالدين، يراه رؤية حسنة يكون في ذلك مساعدة له على التمسك بالدين والاستمرار على ما هو عليه، فالله أعلم. أنا أتوقف في أن الإنسان يرى ربه في المنام رؤيةً حقيقة، أما إذا كان الله تعالى يضرب له مثلاً يبين له تمسكه بدينه فهذا شيءٌ ليس بغريب.

    ضابط المعصية التي بها يصبح الفاعل فاسقاً

    السؤال: هل المعصية الواحدة تجعل الإنسان فاسقاً؟ وهل هناك فرق بين المعصية الظاهرة مثل حلق اللحية وغيرها؟

    الجواب: المعروف عند أهل العلم أن الكبيرة الواحدة تجعل الفاعل فاسقاً ما لم يتب منها، وأما الصغيرة فلا تجعله فاسقاً إلا إذا أصر وداوم عليها، فحلق اللحية -مثلاً- قد يكون بذلك فاسقاً؛ لأن إصراره على الصغيرة دليل على تهاونه بالرب عز وجل، وبأوامره أو نواهيه، وهذه كبيرة بالنسبة للقلب، ولهذا لا يبعد أن تكون الصغيرة الواحدة كبيرة إذا فعلها الإنسان استخفافاً بحكم الله عز وجل وعدم المبالاة، لا لهوىً نفسيٍ أوجب له أن يفعل ذلك، فقد تكون الصغيرة كبيرة.

    قال بعض العلماء: وقد تكون الكبيرة صغيرة إذا قام بقلب الإنسان الحياء من الله عز وجل والخجل حال الفعل، ولكن نفسه الأمارة بالسوء ألجأته إلى الفعل، وهذا قد يكون فيه نظر، إنما كون الصغيرة تكون كبيرة بحسب ما قام بالقلب من التهاون بها فهذا ليس ببعيد، ولكن يبقى النظر فيما يترتب على فسقه؟ هل يترتب على ذلك أن نرد شهادته، أو أن نمنع إمامته، أو أن نمنع ولايته، وما أشبه ذلك؟

    هذا محل خلاف بين العلماء، فبعض العلماء يقول: إن الإنسان إذا فسق سقطت ولايته حتى إنه لا يُزوج ابنته، ولا يكون إماماً في الجماعة، ولا تقبل شهادته، ولكن في هذا نظر؛ لأننا لو أخذنا بهذا القول لم نجد من الناس صالحاً للشهادة والولاية والإمامة إلا نادراً، وسوف أضرب لكم مثلاً بغير اللحية؛ اللحية قد يكون كثيرٌ من الناس يعفي لحيته ولا يتناولها بسوء لكن الغيبة قل من يسلم منها، وهي من كبائر الذنوب، إذا فعلها الإنسان مرة فقط ولم يتب كان بذلك فاسقاً تسقط عدالته، فلو أننا أخذنا بهذا القول بأن الفاسق لا يكون ولياً ولا إماماً ولا شاهداً ولا قاضياً فإن الأمر يكون مشكلاً جداً؛ لأنه قل أن يسلم أحدٌ من الغيبة، حتى الملتزمون إذا كانوا في مجالسهم ربما يغتابون، وقد يُسلط الملتزمون -مع الأسف- على اغتياب من غيبته أشد وأعظم، قد يُسلط هؤلاء الملتزمون على اغتياب العلماء والدعاة والأمراء والسلطان، واغتياب هؤلاء وغيرهم من ولاة الأمور ولو قلت ولايتهم -كمدير مدرسة مثلاً- أعظم من اغتياب عامة الناس، ويتضح ذلك بأننا إذا اغتبنا العلماء -مثلاً- قلّت ثقة الناس بهم، وإذا قلّت الثقة من الناس بهم؛ قل قبول الناس لما يقولون من شرع الله، وهذا خطر عظيم.

    إذا اغتبنا الأمراء أو السلطان قلّت هيبة الناس لهم، وسهل التمرد عليهم وعصيانهم، وهذا إخلالٌ كبير بالأمن، ولذلك كانت غيبة ولاة الأمر من العلماء والأمراء أعظم من غيبة عامة الناس؛ لأن غيبة عامة الناس إن حصل فيها مفسدة فإنما تكون للشخص نفسه فقط؛ لأنه ليس قاعدة ولا قدوةً في شيء.

    فالحاصل.. أن القول بأن الفاسق تسقط إمامته وولايته وشهادته قولٌ ضعيف، نعم. لو فرض أن رد شهادته أو منع ولايته أو عزله عن الإمامة يحصل به فائدة له ولغيره، بحيث ينتهي عن المعصية وينزجر غيره لكان منعه من ذلك متوجهاً، ويكون هذا من باب التعزير بالعزل عن الولايات، والتعزير بالعزل عن الولايات سائغٌ شرعاً، فقد روي (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد وكانت من الإمام فعزل الإمام) وهذه العقوبة أصل في العزل عن الولايات والوظائف وما أشبه ذلك.

    حكم المداومة والاجتماع على دعاء معين

    السؤال: بعض الناس لهم ورد دعاء يلتزمون به صباحاً ومساءً، بأن يدعو أحدهم ويؤمّن الباقون على هذا الدعاء بصوت مرتفع، ويسمى ورد الرابطة، ونصه هو: (اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك؛ فوثق اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمِتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير) فما حكم هذا؟

    الجواب: هذا الدعاء لا بأس به، دعاءٌ لا ينافي ما جاءت به السنة، وإن كان بلفظه لم يرد، لكن معناه صحيح، وأما الاجتماع عليه أو على غيره من الأدعية الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام واتخاذ ذلك راتبة بعد كل صلاة أو بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة المغرب بدعة؛ لأن هذا لم يفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة، وكل عبادةٍ يتعبد بها الإنسان لم تُفعل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولا في عهد أصحابه فإنها بدعة، وكل بدعةٌ ضلالة، فيُنهى عن ذلك ويقال: بدلاً من أن تجتمعوا على هذا الدعاء بصوتٍ مرتفع وتؤمّنوا عليه؛ كل أحد منكم يدعو لنفسه بما تيسر، مع أن الأفضل أن يكون الدعاء ليس بعد السلام بل قبل السلام؛ لأن ما بعد السلام ذكر، وليس دعاء، قال الله تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [النساء:103]؟ وأما الدعاء فقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن مسعود رضي الله عنه لما ذكر التشهد، قال: (ثم ليتخير من الدعاء ما أحب) فجعل النبي عليه الصلاة والسلام الدعاء بعد الفراغ من التشهد وقبل السلام، وجعل الله عز وجل بعد السلام الذكر ولم يذكر الدعاء.

    حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره

    السؤال: فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عموماً والصلاة عليه في التشهد الأخير وفي خطبة الجمعة؟

    الجواب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ركن من أركان الصلاة في التشهد الأخير عند كثير من أهل العلم لا تصح الصلاة إلا بها، أما في غير الصلاة فتجب الصلاة عليه إذا ذُكر اسمه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (رغم أنف امرئٍ ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك، قل: آمين، فقال: آمين) فيجب على الإنسان إذا سمع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: صلى الله عليه وسلم.

    أما في خطبة الجمعة فقد ذكر بعض العلماء أن من شرط صحة الخطبة أن يصلي الخطيب على النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعض العلماء: إن ذلك سنة وليس شرطاً لصحة الخطبة.

    حكم تمثيل دور الصحابة والأئمة

    السؤال: فضيلة الشيخ: ما حكم التمثيل بالصحابة والتابعين وما يحصل في المراكز الصيفية؟

    الجواب: أرى أن التمثيل بالصحابة والأئمة من التابعين وغيرهم لا يجوز؛ لأن ذلك يؤدي إلى ازدرائهم واحتقارهم، لاسيما إن كان القائم بالتمثيل ممن ليس من أهل الصلاة كشخص حليق مثلاً، يجعل على نفسه لحية -كذباً- ويمثل أحداً من هؤلاء، فإن هذا لا يجوز.

    والذي ينبغي هو تجنب التمثيل كله، لكن إذا كان التمثيل لا يشتمل على محرم وهو في علاج مشكلة من المشاكل فأرجو ألا يكون في ذلك بأس، أما إذا اشتمل على شيء محرم من كذب أو نحوه فإن ذلك لا يجوز، وقد جاء في الحديث: (ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له).

    حكم الدعاء بعد تكبيرة الإمام

    السؤال: فضيلة الشيخ: هل ورد دعاء بعد تكبير الإمام تكبيرة الإحرام؛ لأني أرى بعض الناس يدعون بعد تكبيرة الإمام وربما دعوا بقول الله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم:40] وهل هذا الدعاء يجوز؟

    الجواب: لا يشرع الدعاء بعد تكبيرة الإحرام من الإمام، بل السنة إذا كبر الإمام أن تبادر وتكبر حتى تدرك فضل تكبيرة الإحرام، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا كبر فكبروا) والفاء تدل على الترتيب والتعقيب، يعني: من حين أن يكبر وينقطع صوته من الراء بقوله: (الله أكبر) فكبر أنت ولا تشتغل لا بدعاء ولا بتسوك ولا بمخاطبة من بجانبك، فإن هذا يفوت عليك إدراك فضل تكبيرة الإحرام، وأما الدعاء بقوله: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) فهذا من دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وليس بمشروط، لكن إن دعا به فلا بأس به ما لم يفوت عليه فضل تكبيرة الإحرام.

    كتاب (الحصن الحصين) في الميزان

    السؤال: فضيلة الشيخ: أثناء تأدية الامتحان -يحفظكم الله- وجدت في جيب أحد الطلاب كتيباً يدعى (الحصن الحصين) هذا الكتاب يمنع شرور الإنس والجن ويحمي الحاضر، وإذا وضع في أحد المحلات التجارية فإنه يزيد الرزق على صاحب هذا المحل، ما رأي فضيلتكم في هذا؟

    الجواب: رأيي أن ذلك لا يثبت ولا يصح، وكتاب الحصن الحصين يحتاج إلى النظر فيه وما يحتويه من الأدعية، فهو يشتمل على أدعية غير صحيحة، فالاعتماد عليه لا يصح.

    كفارة من اغتاب غيره

    السؤال: فضيلة الشيخ: ما كفارة الغيبة، وهل يكفي الدعاء لمن اغتيب؟

    الجواب: كفارة الغيبة إن علم صاحبك فاذهب إليه واستسمح منه، وإن لم يعلم فكفارة ذلك أن تستغفر له، وأن تذكر صفاته الحميدة في المجلس الذي اغتبته فيه؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.

    جواز ائتمام المتنفل بالمفترض

    السؤال: فضيلة الشيخ: أمَّ متنفل مفترضاً، وكانت الفائتة لهذا المفترض أربع ركعات، فقام فصلى به ركعتين إماماً وسلم من الركعتين، ثم قام المفترض وأكمل الصلاة رباعية فما حكم ذلك؟

    الجواب: لا حرج أن يكون المتنفل إماماً للمفترض، ولا حرج أيضاً أن يصلي المتنفل ركعتين ثم يسلم وبعد سلامه يكمل المفترض ما بقي من صلاة الفرض؛ لأن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم نفس الصلاة؛ فهي له نافلة ولهم فريضة.

    حكم الزكاة على من رغب عن شيء من ملكه ثم عرضه للبيع

    السؤال: فضيلة الشيخ: اشترى شخص قطعة أرض كي يبني عليها منزلاً له، وبعد فترة غير رأيه وقرر أن يبيع هذه الأرض ولم تبع إلا بعد سنوات، فهل عليه زكاة عن هذه الأرض التي بقيت في ملكه عدة سنوات، مع العلم أنه اشترى قطعة أخرى وسيبني بمال الأرض الأولى منزله؟

    الجواب: ليس عليه زكاة في ذلك فلو أن الإنسان رغب عن شيء من ملكه من أرض أو سيارة أو غير ذلك وعرضها للبيع وبقيت فلم يشترها أحد لمدة سنة أو سنتين أو أكثر فليس عليه في ذلك زكاة؛ لأن هذا ليس تجارة، والزكاة إنما تجب في التجارة، في الرجل الذي يبادل السلع لطلب الربح، أما هذا فلم يطلب ربحاً ولكنه زالت رغبته عن هذه الأرض فأراد بيعها، فليس عليه زكاة ولو بقيت عدة سنوات.

    السائل: لكن لو باعها بربح؟

    الشيخ: ولو باعها بربح، لكن إذا باعها وبقيت الدراهم عنده حتى أتمت السنة ففيها الزكاة، زكاة الدراهم.

    حكم الخطبة بعد صلاة الجنازة

    السؤال: فضيلة الشيخ: رأيت في إحدى الدول الإسلامية في صلاة الجنازة أن الإمام يسلم تسليمتين، وبعد السلام يقوم ويخطب بالمصلين بأن الموت سيأتي لكل واحد منهم ويذكرهم بهذا الشيء، هل هذا له أصل؟

    الجواب: أما التسليم مرتين في صلاة الجنازة فقد ذهب إليه بعض أهل العلم، ولا حرج أن يسلم الإنسان مرتين.

    أما الخطبة بعد ذلك قبل أن ترفع الجنازة أو الخطبة في المقبرة بالترغيب أو الترهيب فإن هذا ليس بسنة، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا فرغ من الصلاة على الجنازة قام فذكر الناس، ولا أنه قام في المقبرة فذكر الناس، وغاية ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم أتى إلى البقيع وفيه قوم ينتظرون اللحد ليدفنوا ميتهم، فجلس وجلس الناس حوله، وجعل يذكرهم صلى الله عليه وسلم وهو جالس لا على سبيل الخطبة.

    وكذلك كان صلى الله عليه وسلم ذات يوم في المقبرة أيضاً، فقال: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار! فقالوا: يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ قال: لا. اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10]).

    أما أن يقوم قائم ويخطب الناس هناك، فإن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سمعناه أيضاً عن الخلفاء الراشدين أو عن أحد من الصحابة.

    حكم بيع الرجل ما ليس عنده بالتقسيط

    السؤال: فضيلة الشيخ: تقدمت بطلب إلى إحدى الشركات لشراء سيارة بالتقسيط، فأبلغوني بقيمة القسط والدفعة الأولى، وأبلغوني أن السيارة إن لم تكن موجودة فسوف يشترونها ثم يبيعونها عليَّ بالتقسيط، وإذا زالت رغبتي فيها فلي الحق أن أتراجع عن شرائي ولكن بعد فترة، وأبلغوني بأن الأمر انتهى وكأنهم اشتروها، فسألتهم هل كتبت باسم الشركة فقالوا: لا. إنما عليك الحضور وأخذ أوراقها وتسجيلها باسمك في المرور، وأخبروني بأنه قد تكون وصلت إلى معرض يتعاملون معه أو لم تصل بعد السيارة، فلا أدري هل هذه الطريقة شرعية أم لا؟ وما هي الطريقة الشرعية؟

    الجواب: أولاً: إذا كانت السيارة ليست عند البائع ولكنه باعك سيارة بشرط أن يشتريها لك ثم يبيعها لك، فهذا حرام ولا يجوز، إلا إذا باعها منك برأس مالها فلا بأس؛ لأنه ليس هناك رباً إذا باعها برأس مالها.

    أما إذا باعها منك بربح فإن هذا الربح ربا، لكنه ليس رباً صريحاً؛ بل هو رباً مغلفاً بصورة عقد ليس بمقصود؛ فإن البائع لم يقصد الشراء لنفسه من الأصل إنما قصد الشراء لك، فيكون كالذي أقرضك القيمة بزيادة، وهذا هو الربا بعينه.

    وأما إذا كانت السلعة موجودة عند البائع وقال: هذه السيارة نحن نبيعها بأربعين ألفاً نقداً، وإذا كنت تريدها بالتقسيط فنحن نبيعها منك بخمسين ألفاً؛ فَقَبِل فلا بأس، إذا كنت ستستعمل السيارة.

    أما إذا كنت تريد أن تبيعها للانتفاع بثمنها فهذه مسألة يسميها العلماء (مسألة التورق) وفيها خلاف بين العلماء، منهم من أجازها ومنهم من قال: إنها لا تجوز.

    أما إذا لم تكن موجودة عندهم فهذا حرام ولا يجوز؛ لأن هذا من بيع ما لا يملك، ولأن شراءها شراء صوري ليس مقصوداً، وإنما المقصود ما يأخذونه من الربا، والدليل على ذلك أيضاً ما ذكرت أنهم يقولون: نكتبها باسمك من المعرض، ولا نكتبها باسمنا، وهذا واضح جداً أنهم ما أرادوها حتى لو كتبها البائع باسمه ثم نقلها إليك في نفس الشيء.

    أما قول بعضهم: إني لا ألزمك بالسيارة إن شئت فاتركها، فهذا كلام فارغ؛ لأن الرجل لم يأت يقول: أريد سيارة بعينها ثم بعد ذلك يتراجع أبداً.

    فالذي نرى أن هذه الطريقة حرام، وإذا أردت بدلها فاذهب إلى صاحب معرض عنده سيارات وقل له: أنا أريد أن تبيع لي هذه السيارة بخمسين ألفاً مقسطة، وآتي لك بكفيل يغرم لك الثمن عند حلول الأجل، وإن شئت أيضاً أرهن السيارة، وهكذا تسلم من هذه الحيل.

    حكم من اعترف بأنه استدان ثم ادعى أنه أوفى

    السؤال: ما رأي فضيلتكم في رجل أعطى لآخر ديناً من مال فمضت مدة فذهب إليه ليسترد الدين، فقال له المدين: أعطيت لك دينك، واختلفا في ذلك، فما هو الحكم؟

    الجواب: إذا اعترف بأنه استدان لكن أوفى صار عندنا اعتراف ودعوى؛ اعترف أن عليه ديناً وادعى أنه أوفاه، فنحن نأخذه باعترافه ولا نصدقه بدعواه إلا إذا جاء ببينة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي).

    معنى حديث: (وكلتا يديه يمين)

    السؤال: فضيلة الشيخ: جاء في حديث وصف يده سبحانه وتعالى بأن كلتا يديه يمين، وجاء في حديث آخر في صحيح مسلم: (أن الله عز وجل يوم القيامة يقبض السماوات والأرض بيمينه وتبقى شماله فارغة) فكيف الجمع بين الحديثين؟

    الجواب: ليس هذا نص الحديث وإنما نصه هكذا: (يقبض الله السماوات بيمينه والأرض بشماله) والجمع بين الحديثين واضح، أن الله تعالى له يمين وشمال، لكن كلتا اليدين يمين، أي: يُمن وخير وبركة، فلا يتوهم واهم أنه إذا كانت له يد شمال أن يده الشمال قاصرة كما هي في المخلوقين، فالخلق أشرفهم البشر، والشخص يده الشمال قاصرة عن يده اليمين، ولهذا نُهي الإنسان أن يأكل بشماله، أو يشرب بشماله، أو يأخذ بشماله، أو يعطي بشماله، فلما كان البشر هذه صفة اليد الشمال عندهم، رُفع هذا الوهم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كلتا يديه يمين).

    حكم عملية طفل الأنابيب أو التلقيح الصناعي

    السؤال: ما حكم التلقيح الصناعي -طفل الأنابيب- وهو أخذ ماء الرجل فيوضع في رحم المرأة عن طريق أنابيب بواسطة طبيب أو طبيبة؟

    الجواب: التلقيح الصناعي يقال: إنه يؤخذ ماء الرجل ويوضع في رحم المرأة عن طريق أنابيب (إبرة) وهذه المسألة خطيرة جداً، ومن الذي يأمن الطبيب أن يلقي نطفة في رحم زوجة أخرى؟ ولهذا نرى سد الباب، ولا نفتي به إلا في قضية معينة بحيث نعرف الرجل والمرأة والطبيب، وأما فتح الباب فيخشى منه الشر.

    وليست المسألة هينة؛ لأنه لو حصل فيها غش لزم إدخال نسب في نسب وصارت الفوضى في الأنساب، وهذا مما يحرمه الشرع، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا توطأ ذات حمل حتى تضع) فأنا لا أفتي في ذلك، اللهم إلا أن ترد إلي قضية معينة أعرف فيها الزوج والمرأة والطبيب.

    حكم إرث اللقيط ممن التقطه

    السؤال: سأل شخص السؤال التالي: بعد أن صليت الفجر وبينما أنا أمشي في طريقي إلى بيتي وجدت طفلاً مرمياً في الأرض فأخذته فرضع مع ابنتي ثم توفيت ابنتي إلى رحمة الله تعالى، فرضع هو بدلاً من ابنتي، فبعد ذلك كبر وعلمته وعمل في إحدى الأشغال أو في أحد المصانع، فهل يجوز أن ينال ميراثاً مني أم لا؟

    الجواب: هذا لقيط وُجد في السوق فالتقطه الرجل ورضع من امرأته ورباه، فهل يرث من الرجل لو مات أو يرثه الرجل لو مات اللقيط؟

    أكثر العلماء أنه لا توارث بينهما؛ لأن أسباب الإرث ثلاثة:

    القرابة، والزوجية، وولاء العتق، وهذا ليس منها، وعلى هذا فإذا مات اللقيط فإن ميراثه يكون لبيت المال يؤخذ ما وراءه من المال ويعطى لبيت المال الذي تتولاه الحكومة.

    وذهب بعض العلماء إلى أن اللقيط إذا لم يكن له أبناء أو بنات فإنه يرثه من التقطه، أي: من وجده ورباه؛ لأنه أولى الناس به، فقد تعب عليه ورباه حتى كان مثل أبنائه، وهذا هو القول الصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه.

    وعلى هذا يكون الجواب: أنه إذا مات اللقيط ورثه اللاقط إذا لم يكن للقيط أولاد، فإن كان له زوجة -يعني: تزوج اللقيط- فإن الزوجة تأخذ ميراثها وهو الربع إذا لم يكن له أولاد والباقي لمن التقطه، هذا هو القول الراجح، أما لو مات اللاقط فإن اللقيط لا يرثه؛ لأنه لا نعمة للقيط على اللاقط فلا يكون له إرث منه.

    الصبر على تبعات الدعوة

    السؤال: فضيلة الشيخ: رجل كان يحب الغناء فنصحته كثيراً وأعطيته الأشرطة النافعة وكنت أمسح له أشرطة الغناء وأبدلها بأشرطة نافعة، ثم بعد ذلك عاد للغناء مرة ثانية ثم إنه يسبني ويلعنني، وأنا أنصحه، فما حكم ذلك؟

    الجواب: أقول: أبشر بالخير حيث أصابك الأذى في الدعوة إلى الله؛ لأن الإنسان إذا دعا إلى الله وأوذي في الله عز وجل وصبر كان له نصيب من الأجر لأجل الدعوة، وكان متأسياً بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا [الأنعام:34] فيؤجر على صبره وتأسيه بالأنبياء.

    فاصبر على كلامه إذا لعنك، وأنت إن شاء الله لست أهلاً للعنة، فإن اللعنة تعود عليه، وإذا سبك فإن ذلك حسنات يهبها لك من حسناته، فاصبر واحتسب واسأل الله له الهداية، وكرر دعوته هو وغيره واصبر على ما أصابك، ألم تسمع أن لقمان قال لابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17] فلابد للإنسان الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أذى، فعليه الصبر والاحتساب وسيجعل الله له أجر الأمر والنهي والصبر على الأذى.

    مسألة التفضيل بين الصحابة

    السؤال: ما رأي فضيلتكم في مسألة التفضيل بين الصحابة؛ فإنه قد قيل: أفضلهم: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ونتوقف عندها، وهذا دأب السلف مستدلين بأثر ابن عمر أنه توقف كذلك ولم يذكر علياً، واعترض على الإجماع الذي نقله الحافظ ابن حجر أن أهل السنة كلهم يرون تفضيل علي بعد عثمان على غيره من الصحابة، لكن اعترض على هذا الإجماع؛ لأنه نقله عن أبي عمر ابن عبد البر وهو فيه شيء من التشيع فكيف يُجاب؟

    الجواب: أولاً: إن ابن عبد البر رحمه الله من المتساهلين في نقل الإجماع؛ لأنه ينقل الإجماع في مسألة وإذا بحث الإنسان فيها وجد أنه لا إجماع فيها، وأما مسألة التفضيل فالصحابة ومن بعدهم أجمعوا على أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر لا خلاف في ذلك، ثم اختلفوا في عثمان وعلي، فمنهم من قدم عثمان ومنهم من قدم علياً، ومنهم من اقتصر على أبي بكر ثم عمر ثم عثمان وسكت، ومنهم من توقف، لكن يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية: إنه استقر رأي أهل السنة والجماعة على أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وأنهم أجمعوا ولا خلاف بينهم على أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وأجمعوا أيضاً على أن هذا الترتيب في الخلافة حق ليس فيه منع لحق أحد، وقد خطب علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منبر الكوفة، وأعلن بأن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر.

    ومسألة التفضيل بين عثمان وعلي أمرها سهل ما دام قد وُجد فيها خلاف قديم بين أهل السنة، لكن الذي يُضلل فيها المخالف هو أن يقدم علياً على عثمان في الخلافة فيقول: إن علياً أحق منه، وأضل منه وأفظع وأظلم من قدم علياً في الخلافة على أبي بكر وعمر ، وقال: إنهما ظلماه.

    والعجب أني رأيت كلاماً مضحكاً يقول: إن أبا بكر وعمر كلاهما فاسقٌ ظالم، وعلي بن أبي طالب أيضاً كافر؛ لأنه لم يطالب بحقه، والسكوت عن الحق كفر، إذاً من بقي؟ معناه: أن كل الخلفاء صاروا كفاراً على رأي هذا القائل.

    ومن يقول من الضلال المبتدعة: إن أبا بكر وعمر ظلما علي بن أبي طالب في الخلافة، فقد كذب في ذلك؛ لأن علي بن أبي طالب ممن بايعهما في الخلافة وأقر لهما بالفضل علناً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002240870

    عدد مرات الحفظ

    718500144