إسلام ويب

أثر الإيمان في بناء الأممللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لصدق الإيمان بالله آثاره الواضحات في واقع حياة الأمم، ويتجلى ذلك بوضوح عند تتبع حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة صحابته الكرام. كما أن الإيمان هو الركيزة الأساسية لتمكين الأمم في الأرض، بغض النظر عما تملكه من قوة وسطوة. فيجب على أمة الإسلام القيام بدورها المنتظر في نشر الإيمان الصحيح ليتحقق بذلك للبشرية سعادة الدنيا والآخرة.

    1.   

    أهمية الإيمان وأثره في واقع الحياة

    مقدمة المقدم:

    الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بـــــعد:

    فإن الله عز وجل خلقنا لأمر نفعله وسنسأل عنه يوم القيامة، وهو أول ما نسأل عنه، وهذا الأمر هو ما افترضه الله عز وجل علينا، وما أخذ عليه العهد منا ونحن في صلب أبينا آدم؛ لأن الله أوجدنا في هذه الأرض لنحقق ما افترضه علينا والقيام بواجبه، وقد أقسم الله في غير ما آية من كتابه أن من أخل به فإنه خاسر، قال الله تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] وقال الله عز وجل: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين:1-6].

    وإن الإيمان أعظم واجب كلف به الإنسان في هذه الحياة، فهو حق الله عز وجل على عباده، من حققه كان له الفوز والفلاح والنجاح وكان له التمكين في الأرض، ومن أخل به كان له الخسران المبين، ولا فرق في ذلك بين الأمم أو بين الأشخاص، فالكل سيَّان في ذلك، سواء نظرنا في هذا الموضوع إلى البشرية كأمم، أم نظرنا إليها كأفراد، فالكل مطالبون بتحقيق الإيمان، فإن حققته الأمة كتب الله لها التمكين في الأرض، وكتب لها النصر والعزة، وإن أخلت به كتب الله عليها الذلة والصغار، ثم محقها وسحقها، ولنا فيما قص الله عز وجل علينا في كتابه من إهلاكٍ للأمم الماضية أكبر واعظ، وأكبر دليل على أن من أخل بالإيمان فإنه يبوء بالخسران في الدنيا قبل الآخرة قال تعالى: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طـه:127].

    وكذلك إذا كان الإخلال في الإيمان على مستوى الأفراد، فإن من أخل بالإيمان فإن له الخسران المبين في الدنيا والآخرة، وهذا ما سنتناوله لاحقاً في نتيجة الإخلال بالإيمان، ونتيجة إقامة الإيمان -أي ما الذي يترتب على إقامة الإيمان؟- سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمم، وما الذي يحصل للأفراد وللأمم إذا أخلوا بالإيمان؟

    يقول الشيخ سفر:

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد المبعوث رحمة للعالمين، الذي علَّمنا الإيمان والتوحيد، وحذرنا من الشرك والضلال والبدع، وربى خير أمة أخرجت للناس فقامت أعظم أمة في تاريخ الإنسانية، أعظمها إيماناً وعدلاً، وأخلاقاً، وأطيبها حياةً في هذه الحياة الدنيا، وأسعدها عند الله تبارك وتعالى في الدار الآخرة.

    أما بعد:

    فإن الحديث سيكون عن أثر الإيمان في بناء الأمم والأفراد -والكلام القادم- سيكون عن أسباب انهيار الأمم، ولماذا تنهار أمم وشعوب؟ ولماذا تبقى غيرها؟ فالأمر يحتاج إلى وقت طويل؛ ولكن خطورة الأمر وأهميته هي التي تجعلنا نتحدث عنه بما يفتح الله تبارك وتعالى به علينا.

    وإن مما يدلل على أهمية هذا الأمر أن دعاة الحق والإيمان والسنة، حينما يدعون الناس وأنفسهم إلى كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإلى الاقتداء بمنهج السلف الصالح في كل أمورهم العلمية والعملية، فإنهم إنما يدعون الأمة إلى الدواء الذي يشفي بإذن الله تبارك وتعالى من كل داء، ويكفي عن كل علاج؛ إنه الدواء الذي يستأصل جميع الأمراض من قلوب العباد -وأمراض الأمم عامة- ويمنع أسباب الانهيار التي يتعرض لها الفرد أو تتعرض لها الأمة.

    وإننا حين ندعو الناس فنقول: عودوا إلى كتاب ربكم وسنة نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن الأمر لا يعني تعصباً لمذهب معين، ولا يعني قسراً وفرضاً للناس على رأي من الآراء البشرية أبداً، ولكنه دعوة إلى سعادة الدنيا والآخرة، ودعوة إلى المنهج القويم الذي يضمن ويكفل للإنسانية أفراداً وشعوباً أفضل الحياة في الدنيا، ويحقق لها النجاة من العذاب في الآخرة.

    واقع إيماننا وارتباطه بالمادة

    إن العالم اليوم يخاف من الانهيار ويخشى منه، وما من دولة أو فرد إلا وهو يخشى ذلك ويحسب له كل حساب، حتى أقوى وأغنى دول العالم فإنها تتحدث كثيراً عن مسألة الوجود، وإثبات الوجود، وتضع الخطط البعيدة المدى لتبقى ولتصارع ولتزاحم في خضم معترك الحياة، التي جعلوها -هم- صراعاً كصراع الوحوش في الغابات،ولكن كل من يؤمن بالله واليوم الآخر يدرك أن هذا العالم -إلا ما ندر- لا ينظر إلى مسألة الانهيار، وأسباب سقوط الأمم إلا من زاوية واحدة فقط وهي الزاوية المادية أو الاقتصادية.

    حتى هذه الأمة المباركة؛ بل حتى الذين يقرءون كتاب الله ويسمعونه آناء الليل والنهار، ويسمعون الأذان خمس مرات في اليوم والليلة -وأكثرهم من هذه الأمة- أصبحوا يصدقون هذا، فيبنون خططهم وأفكارهم وآراءهم على أن الحياة مرتبطة بالاقتصاد وبالمادة، وأن الخوف الذي يجب أن يكون لدى الأفراد أو الأمم هو الخوف من الفقر والخوف من الجانب المادي أن ينهار فينهار الفرد أو تنهار الأمة، ويشغل ذلك حيزاً كبيراً من تفكير الناس، المسلم منهم والكافر.

    ونحن أمة الإسلام والقرآن يجب علينا أن نعرض كل أمر من الأمور على كتاب ربنا، وسنة نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لنعرف قيمة هذا الإيمان وحقيقته، وأنه هو الذي به تصلح دنيانا وأخرانا، وأما المقاييس والمعايير التي يقيس بها الكفار والماديون والشيوعيون والملاحدة؛ فليست بحجة ولا بعبرة عند من يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن يؤمن بكتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فهذا نبي الهدى والرحمة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخبرنا فيقول: {ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم} فأي رحيم وأي مشفقٍ وأي ناصحٍ أفضل وأعظم من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! لا أحد والله يساويه فضلاً؛ ومع ذلك ينصح لهذه الأمة، وهو الذي شفقته ورحمته ورأفته بنا كما قال الله عز وجل بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] وهو الذي في يوم القيامة يوم الكرب الأعظم الذي لا كرب أعظم منه، حين يقول: كل نبي: نفسي.. نفسي، يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أمتي.. أمتي}.

    ففعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو من كمال الشفقة، والرحمة، والرأفة؛ ومع ذلك يخبرنا أنه لا يخشى علينا، وهو الذي يخشى علينا من أي ضرر وإن كان قليلاً، ويدلنا على ما ندفع به كل شر وإن كان بعيداً، فقوله:{ ما الفقر أخشى عليكم } أي: أنه لا يخشى علينا الفقر مع أنه تعوذ منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استعاذ بالله منه، وهو مما يحاربه هذا الدين، بل إن الأمر في ديننا مختلف ومذهب وعن كل دين محرف.

    التكافل الاجتماعي في الإسلام مرتبط بالإيمان

    إن أمر إطعام المسكين عند المسلمين مرتبط بالإيمان بالآخرة، قال تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الماعون:1-3] فالأمر عندنا أسمى من أن يكون في الجهات الأخلاقية، وأسمى من أن يكون أوامر قسرية تنهب الأغنياء لتعطي الفقراء، إنما الأمر عندنا مرتبط بالآخرة، ومرتبط بأصل الإيمان قال تعالى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:42-44] وانظروا كيف يحض هذا الدين على المسكين ويربطه بالرحمة؛ فيكون إطعام المسكين مما يحض عليه من الرحمة فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد:11-14] انظروا كيف تكون الرحمة مرتبطة بالإيمان بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى! فإذا صحت العقيدة فإنها ترتبط ارتباطاً مباشراً لا انفكاك معه؛ ومع ذلك كله لا يخاف علينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفقر.

    1.   

    الاهتمام بالمادة دون الإيمان سبب في زوال الأمم

    يجب على أمة القرآن وأمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تلغي النظرة إلى أن أسباب الانهيار هو ضعف أو قلة الموارد الاقتصادية أو الجوانب المادية تماماً؛ وبالتالي: علينا البحث عن أسباب زوال الوجود وأسباب الانهيار من خلال هدي رسولنا وسنة ربنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    عدم الإيمان سبب زوال الأمم السابقة

    لقد بيّن الله لنا في كتابه الكريم أوضح البيان حال الأمم قبلنا، والعجب أنه ما من أمة أهلكها الله تبارك تعالى إلا وهي في حال القوة! ويشهد بذلك كتاب ربنا وكذلك التاريخ وواقع الأمم.

    قوم نوح دمروا في وقت قوتهم وتمكنهم، وقوم عاد الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت:15] فلم يروا أن أحداً أشد منهم قوة، وقد قال الله تبارك وتعالى فيهم: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:6-8] وثمود: وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ [الفجر:9] الذين نحتوا الجبال، وبنوا وشادوا المصانع، فهل أتاهم عذاب الله وهم في حالة ضعف؟! أو في حالة انهيار اقتصادي؟! أبداً فقد أتاهم وهم في أقوى ما يمكن أن يكونوا عليه من القوة والتمكن، وفرعون -أيضاً- متى أهلك؟ ومتى دمر الله هذه الأمة القبطية الفرعونية؟ وهل دمرت وهي في حالة ضعف؟! لا، بل دمرت وانهارت وسقطت وهي في أشد قوتها، عندما تكبر زعيمها، ذلك الرجل الذي بلغت به الوقاحة والجرأة على رب العالمين أن يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] وأن يقول: فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [القصص:38] ففي أشد القوة والتمكن دمره الله..، إلى غير ذلك مما لا يخفى علينا، كما قال الله تبارك وتعالى: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ [سبأ:45] وفسر المعشار بأنه عشر العشر.

    فالأمم قبلنا قد سادت وشادت وبنت، وبلغت من القوة ما بلغت، مع ذلك أهلكت وعذبت لسبب ليس هو الضعف المادي بأي حال من الأحوال.

    وكذلك أتى التاريخ شاهداً لذلك، عندما دمَّر الله تبارك وتعالى ملك كسرى وقيصر فهل دمرت مملكة الفرس والروم، لأنها كانت تعاني من ضعف مادي؟! أبداً، فلقد كان الفرس يستعمرون الجزء الشرقي من العالم وينهبون خيراته، وكان الروم يستعمرون الجزء الغربي، ويكفي أن نعلم أن الروم كانوا مستعمرين لـبلاد الشام ومصر وغرب إفريقيا بكاملها، فكانت مستعمرة رومانية.

    إذاً: في أوج القوة والعظمة سقطوا وذهبوا، لماذا؟ لأنهم واجهتهم وقابلتهم جيوش التوحيد، التي عقد لواءها خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك البلد الطيب الطاهر، تلك الجيوش القليلة العدد والعدة، لكنها ذهبت وانطلقت ذات اليمين وذات الشمال، فأطاحت بأعظم دولتين في تاريخ القرون الوسطى، فكيف انهارت؟! ولماذا انهارت؟ وهل كان سبب الانهيار هو الضعف المادي أو الاقتصادي أو التفكك السياسي أو أو...إلخ؟!

    ومع الأسف هذا هو الذي نقرأه في التاريخ، أو نسمعه في محاضرات أو ندوات أو ما يكتب في الصحافة، وفي الكتب، حتى أدى ذلك إلى أن غفلت أمة الإسلام عن هذه الحقائق الذهنية، فأصبحت أمة مادية تنظر إلى التاريخ، وإلى أسباب البقاء والفناء، والحياة الطيبة، وإلى أسباب الحياة الشقية.. نظرة مادية بحتة.

    أثر الإيمان في حياة الرسول والصحابة

    كيف كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعيش؟! وكيف كان كسرى يعيش؟! وهل هناك مجال للمقارنة؟! رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيد ولد آدم، وأفضل الخلق عند الله وأحبهم إليه، ومع ذلك يربط الحجر على بطنه من الجوع، ويمكث الشهر والشهرين ولا يدخل بيته إلا الأسودان (التمر والماء) ولم يشبع من خبز الشعير، ولم يجلس على خوان قط (على مائدة) كما جلس من بعده.

    ولو قرأنا سيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنها صورة أصحاب الصفة؛ لوجدنا العجب العجاب!! كيف كان الصحابة الكرام يعيشون؟! وكيف كان أهل الصفة يعيشون؟ كيف كان الناس وكيف كانت حاجتهم في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! بل إن هذا الحديث الذي قاله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { ما الفقر أخشى عليكم } قد ذكره؛ لأن الصحابة الكرام بلغهم أن أبا عبيدة قد قدم بمال من هجر، فاجتمعوا -الحاجة جمعتهم، وهذه الحالة الاقتصادية لو قورنت بوضعنا اليوم؛ لقلنا: إنها مجاعة، ومع ذلك فهذه كانت حياته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذه حياة أصحابه.

    فكيف كانت حياة كسرى؟! وماذا نقول عن حياته نذكر فقط بعض ما قاله المؤرخون عن حياته وبعد أن هزم ودخل سعد بن أبي وقاص المدائن، ودخلوا الإيوان (القصر الأبيض) وهم يذكرون الله شاكرين حامدين يقولون: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان:25-27] فلما دخلها سعد رضي الله عنه كيف كان حال كسرى؟!

    يقول بعض المؤرخين: لما دهمه المسلمون ورأى أن المدائن ستسقط، ولا حيلة له ولا مفر..، اصطحب معه ما خف من متاعه وشهواته، فما هو هذا الخفيف؟ اصطحب ألفاً من الطباخين والطهاة -فقط- وترك الباقي، وأخذ معه ألفاً من البزاة -الذين يعلمون الجوارح والصقور وغيرها لتصطاد لهم- ومن الجواري نحو ذلك؛ وحملوا من النفائس ألف حمل أو ما أشبه ذلك، هذا فقط وهو هارب أخذ الشيء الكثير والعجيب، ليهرب به من وجه هؤلاء المؤمنين وترك من الكنوز العظيمة التي أورثها الله لأمة الإيمان تطبيقاً لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { ما الفقر أخشى عليكم} وتطبيقاً لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله} انظروا لم يقل: لتستثمرن أموالهما لتنمية أو لتحسين أوضاع المسلمين، لا، وإنما لتنفقن في سبيل الله، ولذلك ورث المسلمين هذه الكنوز، وأنفقت في سبيل الله، فإذا كان هذا حاله وهو هارب، فكيف حاله وهو مقيم؟! فهذا طاغوت الضلال الذي مزق كتاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذه حياته وتلك حياة خليل الله وحبيبه وصفيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    الإيمان سبب في الحياة الطيبة

    فالعبرة في الحياة الطيبة والحياة السعيدة (في بقاء الأمم) في سعادتها في الدنيا والآخرة، ليست أبداً في ذلك الجانب الذي يزعمون؛ وإنما هي في الإيمان بالله والتمسك بكتابه، قال تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:123-124] أي: أن الذي يتبع هدى الله لا يضل ولا يشقى، فهو على الصراط والطريق المستقيم وعلى الحق؛ وأيضاً لا يشقى بتسليط أعداء الله عليه، ولا بفقر، ولا ببلية لاحقة بعذاب من عند الله يرسله عليه، وأيضاً إن من لم يسر على الصراط المستقيم وأعرض عن ذكر الله فله من المعيشة الضنك بقدر إعراضه عن ذكر الله، وعكس ذلك قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] إذن فإن طيبة الحياة وسعادتها بقدر الإيمان، وشقاوتها ونكدها بقدر الإعراض عن ذكر الله تبارك وتعالى، فهذه قاعدة مقررة، وليست العبرة بكثرة ذات اليد ولا بالقلة؛ مع أن لها جانباً كبيراً لا يغفل، لكن ليست العبرة والأساس بها، وإنما هو في اتباع هدى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى واتباع ما أنزل الله عز وجل.

    حال بني إسرائيل في ظل فرعون

    فكيف كان حال بني إسرائيل -كما ذكره الله في القرآن وكما هو مذكور في التاريخ- في ظل فرعون؟ هذا الطاغوت الذي لم يحدثنا الله تبارك وتعالى عن طاغوت كالحديث عنه، ولكن! ماذا وعدهم الله؟ وكيف كان فرعون يصنع بهم؟ كان يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم ويفعل بهم الأفاعيل، ولا حيلة لهم على الإطلاق في هذا المجتمع الظالم، ولكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أخبر عن وعده لهؤلاء، فقال: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5] سبحان الله! الله إذا أراد أمراً فلا مرد له، فقد قضى الله وقرر أنه يريد أن يمنُّ على هؤلاء لأنهم كما قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ [القصص:4] وشيعاً: أي أن المجتمع الفرعوني كان طبقات، وكان أردؤُها طبقة بني إسرائيل.

    والله تعالى يعد بأنه يريد أن يمنُّ على هؤلاء المستضعفين، ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين؛ وفعلاً تحقق ذلك لمّا أن كان بنو إسرائيل على دين الله، ولما اتبعوا نبيه، رغم ما فيهم من التواءات، وبالرغم مما قاسى موسى عليه السلام وما عانى كما شكى ذلك لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ليلة الإسراء، فقال: {قد عانيت من أمر الأمم من قبلك ما لم تعان} ومع ذلك فقد قال تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ [الأعراف:137] فتحقق وعد الله عز وجل مع أنهم كانوا أمة في الحضيض، وأمة عصاة غلاظ القلوب والأكباد، إلا أنهم ابتعدوا عن التخاذل فترة ما أورثهم الله، ومن أصدق من الله قيلاً، فكيف بهذه الأمة وقد قال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105] فلو قلنا: إن الأرض هي الجنة فلا إشكال -كما هو قول بعض المفسرين- ولكن أيضاً كتب الله عز وجل ذلك وحققه في الدنيا، فأورثت هذه الأمة، ومكنت في هذه الدنيا؛ لأنها كانت على الإيمان بالله تبارك وتعالى.

    1.   

    قيمة الإيمان والمادة وأثرها في واقع الحياة

    وإن شئتم أن نأخذ نماذج حديثة لنعرف بها قيمة الإيمان الذي أنعم الله به علينا، ففي هذه الأمة وفي النفوس جمعاء عادة يجب أن نعلمها، وهي من أسوء ما يعتري النفس الإنسانية، ألا وهي النسيان، والملل، وعدم التفكر، أو تبلد الإحساس؛ فمثلاً الذي يعيش في النور باستمرار.. لا يحس بقيمته، لماذا؟ لأن ذلك أصبح عادة في حياتنا؛ فلا نعرف قيمة هذه النعمة، كمثل رجل في البادية في مكان بعيد يعاني من الظلام في الليل، فهو كل يوم يتذكرها. نحن لا نتذكرها، وقس على ذلك النعم العظيمة، فنحن في نعمة الإيمان لكننا لا ندرك قيمتها، والنور يغمرنا ولكن لا ندرك قيمته، ولا نجد أثراً لتلك النعمة في قلوبنا.

    أما الصحابة الكرام فإنهم لما عرفوا قيمة هذا النور؛ جاهدوا في الله حق جهاده، وتجردوا لله عز وجل، فلم تأخذهم في الله لومة لائم، فقد تركوا المال والأهل والدنيا وخرجوا لله للجهاد، ففتحوا وتعلموا وعلموا، فهذا حال الصحابة الكرام الذين عرفوا قيمة النور وقيمة الإيمان، لكن! متى انتقض الإسلام شيء فشيئاً؟! كما قال عمر رضي الله عنه: [[إنما ينتقض الإسلام إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية]] أي: لا يعرف خطر الشرك والكفر، والبدعة، ولا يعرف قيمة وأهمية الإيمان.

    أحوال الأمة اليوم مع الإيمان والمادة

    والمؤلم أن كثيراً منا ينظر إلى العالم الغربي، وهو العالم الذي يعاني أشد المعاناة من المعيشة الضنكة والحياة النكدة؛ لأنه بعيد عن الإيمان بالله، ينظر إليه نظرة الإعجاب، ويتمنى كثير منا -ربما عن طيب نية- أن تصل مجتمعاتنا إلى ما وصلت إليه تلك المجتمعات من الرقي والتقدم والسعادة، فماذا يريدون، وأي سعادة يريدون في أوروبا وفي أمريكا الإنسان مكفولة له الحرية الشخصية؛ فيقول ما يشاء ويذهب أين شاء.

    الحياة المادية مكفولة؛ فيعطى السكن المجاني بأقساط زهيدة، ويعطى فرص الحياة كما يشاء، والمريض إذا مرض بمرض مقعد أو ما أشبه ذلك يعطى بطاقة في جيبه.. يأكل بها في أي مطعم، وتدفع ذلك الحكومة.

    ومن جهة الترفيه؛ فكل وسائل الترفيه موجودة ومهيأة، فيذكرون أموراً كثيرة جداً، وكيف أنهم يعيشون في العمارات الشاهقة، ولديهم الشركات الضخمة، وكذلك إنتاج الأسلحة في أقوى ما يمكن، وإنتاج الأدوية والزراعة، وكل وسائل الحياة الدنيا متوفرة لديهم، فيتحرقون ويتشوقون أن يكونوا أفراداً لتلك الأمم ويتمنون أن بلادهم وأمتهم تكون مثل تلك الأمم.

    هذه النظرة الظاهرة السطحية إلى حياة تلك الأمم نظرة الذين لا ينطلقون في نظراتهم ويقيمون معاييرهم وموازينهم بميزان الإسلام، وبما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلو أننا غيرنا النظرة، ونظرنا بمنظار حقيقي كيف تعيش هذه الأمم على حسب ما جاء به كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فماذا نجد؟

    نجد الشقاء كل الشقاء والانهيار المحتوم الذي لا تغني ولا تجزي عنه كل هذه الوسائل، وكل هذا التقدم المادي المرضي، لكنهم يعيشون في شقاء، الأثرياء في شقاء ونكد وخوف، والفقراء كذلك في شقاء ونكد وخوف، فالرجل هناك يعمل ثمان ساعات في دائرة حكومية تضمن له مرتباً كافياً، ومع ذلك لابد أن يبحث عن عمل في إحدى الشركات في المساء أيضاً لكي يضمن كما يقال المستقبل، لأنه يخاف على مصير أولاده، فيخشى أكثر بكثير جداً من الرجل الذي يعيش في الدول الفقيرة كـالهند وبنجلادش وغيرها من الذي لا يجد إلا قوت يومين أو ثلاثة، وربما لا يفكر في المستقبل إلا قليلاً، فهذا هو الذي يهم أسباب القوة والرخاء فتجده يفكر الليل والنهار، مع أن رصيده مضمون له، ومع أن الدولة تعطي مأوى للعجزة، ومع ذلك كله لا راحة ولا طمأنينة أبداً، فهو يلهث ليل نهار.. مهما كان لديه من شركات ومؤسسات فإنه يخاف المستقبل، فهاتفه يجلب عليه ضيق، فيأتيه عن طريقه فقط خمسة أعمال وهموم في وقت واحد، كما نجده عند أغنيائنا الكبار أيضاً.

    تفكيره وهمومه الدولار أو الجنيه انخفض أو ارتفع، وهل زاد التأمين أم انخفض؟! فهو مشغول العقل ليلاً ونهاراً من أجل هذه الدنيا، ومع ذلك: إن جالسته تجده مهموماً مغموماً يخاف من المستقبل ويفكر في الانهيار والخسارة أكثر مما يفكر بها الإنسان العادي، حتى أن نسبة الانتحار في العالم الغربي، وكذلك مع الأسف في العالم الشرقي والعالم الإسلامي عالية جداً، وأيضاً يزداد التفكك في الأسرة، شيء عجيب جداً يعيشه هذا العالم البعيد عن دين الله، وعن الإيمان به سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    النكد مرسوم على ملامحهم، والحياة الشقية مرسومة على وجوههم، فيهربون ويلجئون منها إلى المخدرات، فلا يجدون فيها إلا الوبال، فيهربون منها إلى الشهوات المحرمة، فظهرت لهم هذه الأوبئة التي حجزتهم وحرمتهم عن هذه الشهوات وهذه المتع، فأين يذهب هؤلاء الناس؟! أين يذهبون؟! أما نحن المسلمين فإننا نعرف قوله تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50] وقوله: لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة:118] ولكن! هم والله لا يدرون؛ ولذلك فهم يحارون ويحارون! فيعلقون الآمال على ما عندهم من العلم كما قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:83] فالأوبئة تعالج بأن العلم سيكتشف لها مضادات؛ والانهيار الاقتصادي أو الخوف الاقتصادي يعالج بالخطط طويلة المدى؛ والخوف المستقبلي يعالج بأن الحياة مضمونة ومكفولة وكذا وكذا، كل ذلك ضمن النظرة المادية القاصرة.

    مثله كمثل المسجون في قفص؛ فكل مرة يفكر ويحلم بأن القفص سوف يتسع فيطير وهو مرتاح، وما درى أنه لن يتسع أبداً؛ وإنما لا حل له إلا أن يخرج من ذلك القفص، ولن يخرج من قفص الدنيا ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة إلا الإيمان بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    السبب في عدم نزول عقاب الله على دول الكفر

    يتساءل أحدنا -وهو سؤال مهم-: لماذا لم يعجل الله العقوبة لهذه الأمم وهو قادر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وأسباب الانهيار موجودة فيهم والكفر والإلحاد -أيضاً- موجود؟

    والجواب: يجب أن نعلم أولاً: هل قامت الحجة على هذه الأمم؟ ومن الذي دعاهم؟ فإن دعوا إلى الحق ورفضوه استحقوا العقوبة من عند الله أو بأيدي المؤمنين، لكننا نحن المسلمين ببعدنا عن الله عز وجل نسهم في بقاء هذه الأمم الكافرة قوية ومسيطرة؛ لأننا لم نقم حجة الله عليها حتى ينزل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عذابه عليها.

    فالله تعالى جعل سنناً لكل شيء، فيعدل بعضها ببعض، ويولي بها بعض الظالمين بعضاً، لكن لو أننا أقمنا حجة الله عليهم لنصرنا الله عليهم، أو لأهلكهم بعذاب من عنده كما يشاء، ولكننا تبعاً لهم، فنحن نردد ما يقولون، ونؤمن بما يقولون، ونسعى إلى أن نكون مثلهم في التقدم والرخاء والمدنية والحضارة، إذاً كيف نرجو النصر والفلاح ونظرتنا هكذا؟! ونحن الذين قال الله تبارك وتعالى عنهم: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] لكننا نقول: نريد أن نلتحق بركبهم ويكفينا ذلك كما يردد البعض، والله تعالى يقول: مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18] فنحن عندما نقول ذلك، وعندما تكون غايتنا أن نكون في الذيل؛ فلن يجعلنا الله قادةً أبداً.

    1.   

    تحمل هذه الأمة لمسئولية نشر الإسلام

    كيف تكون حياتنا مطمئنة وسعيدة؟ وكيف نقضي -أيضاً- على الكفر والشرك والشر والضلال في العالم؟ نحن الذين أخرجنا للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر فنحن مسئولون عن المظالم التي تقع، وحتى عن الفجور والشرور الذي يقع من الكفار في بلادهم.

    فهذه تعتبر مسئولية على المسلمين؛ لأنهم هم الذين يملكون كلمة الله التي لم تحرف وتبدل، وماذا نصنع في ظل العالم الذي أصبح كالقرية، فتظهر الفكرة الخبيثة في الغرب في المساء وتصبح عندنا، وفي هذا العصر من غير المستطاع أن تعيش أمةٌ بمعزل عن العالم، ولهذا لابد أن نواجه هذا الواقع بهذا الإيمان القوي الصحيح، ولعل في ذلك حكمة وهي: أننا عندما نواجه هذا الواقع وقد ذقنا الأمرين منه، فإن ذلك يكون بداية لأن يصل هذا الدين وينتشر في الدنيا كلها، وأن ( يبلغ ما بلغ الليل والنهار) كما ذكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    إذاً فمن أين يبدأ العلاج؟ إنه يبدأ من ذواتنا ومن أنفسنا، وهذه ميزة عظمى في هذا الدين المنـزل من عند رب العالمين وهي أن الإصلاح يبدأ من الفرد، فليس هناك قبل ذلك شيء، فكل إنسان يجب أن يصلح نفسه ويتزود من الإيمان بالله إيماناً حقيقياً بالتمسك بسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبالدعوة إلى الله على منهج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعلم أنه سوف يموت ويقبر ويبعث يوم القيامة فرداً، وسوف يحاسب على كل شيء، فليس هناك حساب جماعي أو أن العقوبة تكون جماعية؛ لأن المسئولية في الأصل هي على كل إنسان، قال تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء:13] فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد حدد في آيات كثيرة أن المسئولية فردية.

    كيف نحقق النصر؟ وما هي أسبابه

    من حكمته عز وجل ورحمته: أن الأفراد مهما قل عددهم إذا قاموا بدين الله وعلى منهج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأظهروه ودعوا إليه؛ فإن الله عز وجل قد ضمن لهم وتكفل لهم بالنصر، ذلك نصرٌ لا يمكن لأحد أن يحول بينهم وبينه، بشرط أن تكون الغاية هي ما عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83].

    وإن من الأخطاء الكبيرة التي يحملها أصحاب الدعوات الإسلامية: أن يكون هدفها وغايتها قيام دولة الإسلام والخلافة الإسلامية التي تتمكن على العالم؛ حقاً أن المسلمين يجب أن يكون لهم خلافة، ويجب أن يكونوا هم المتمكنين في الأرض وليس في ذلك شك؛ لكن يجب ألا تكون هدفاً وغاية، وإلا فسدت النية، وهذه من ضمن المسائل التي يتحقق بها وعد الله عز وجل، فإذا فسدت النية؛ لم يتحقق النصر، لكن إذا كان الهدف هو الله والدار الآخرة، وأن ينجي الإنسان نفسه من عذاب الله سواء مات الآن أم مات بعد حين، وسواء تحقق النصر على يديه أو لم يتحقق؛ فهو في كل الحالات منتصر إذا استقام على التوحيد والإيمان، فأنبياء الله ورسله -مثلاً- الذين لم يتبعهم أحد كما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ومعه الرهط -أو الرهيط- والنبي وليس معه أحد} هم لم يخسروا شيئاً، انتصروا؛ بل لأنهم حققوا ما أمر الله به، ودعوا إليه، هذا هو واجبهم، فإذا لم يستجب لهم أحد فليس ذلك عليهم، بل هو لله وحده.

    لذلك فإن الذي يريد الدار الآخرة، والذي يريد أن ينصره الله في هذه الدنيا، فعليه:

    أولاً: أن يحقق حقيقة الإيمان، ويبدأ بإنقاذ نفسه من المعصية والقيام بطاعة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ثانياً: أن يحرر رغباته من حب الدنيا والتعلق بشهواتها ومناصبها إلى الدار الآخرة، وليكن رجاؤه عند الله ورغبته فيما عن الله تبارك وتعالى.

    فالأنصار -مثلاً- بايعوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ماذا؟ وماذا كفل لهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ كفل لهم الجنة كما في الحديث: {قالوا: وما لنا يا رسول الله؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل} لكن نحن عندما عظمت عندنا الدنيا؛ هانت عندنا الجنة، فمن الآن يحدثنا عن الجنة؟ ومن منا يتذكر نعيم الجنة؟ لقد شغلنا بزخرف الحياة الدنيا، التي {لو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء} وكما جاء في الحديث {مر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه جمع من أصحابه بجدي أسك ميت، فأخذه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأذنه وقال: من يشتري هذا بدرهم؟ قالوا: يا رسول الله! لو كان حياً ما اشتراه أحد؛ لأنه أسك، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فو الله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم} وما قيمة الدنيا إذا تجردت عن الإيمان بالله إلا كجيفة فلتكن حضارات، أو صناعات، أو قصوراً، أو ملكاً عظيماً، لكنها إذا تجردت عن الإيمان بالله فإنها جيفة، لكن إذا ارتبط ذلك بالإيمان بالله فإنها تتحول إلى الحياة الطيبة، فإنه لم يقل: بكثرة المال، لأنها للكفار وهم أشد الناس وأكثرهم عقاباً وعذاباً قال تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:44] وأما للمؤمنين فقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ [الأعراف:96] فلم يقل كل شيء؛ وإنما قال: (بركات من السماء والأرض) فهي بركة وإن كانت قليلة وإن قل الراتب، مثلاً أو قلت الوظيفة ففيهما بركة، فهذه الحقيقة التي يجب أن تكون في حسنا وفي إيماننا وشعورنا.

    إن إنقاذ قيادة أمتنا لا تكون إلا بذلك، وإنقاذ هذا العالم الذي يتردى في الظلام والكفر والإلحاد والظلم والفساد، وتفتك به الأمراض القلبية، والأمراض الاجتماعية والنفسية، لا علاج لذلك كله؛ إلا بالإيمان الصادق بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وأن يصبح الإنسان وهمه الدار الآخرة، وأن يمسي وهمه الآخرة، ولو أن الأمة وصلت لهذه الحقيقة لتغيرت نظرتها إلى كل شيء، ولكن كيف ننظر نظرة سليمة ونحن نعظم الدنيا، وننسى الآخرة، ونحسب حساب كل شيء بالمعيار وبالميزان الاقتصادي والمادي، حتى العلاقات بين الأسر أصبحت تقاس بالمادة، فالعرض والشرف هو أغلى شيء كان يملكه الإنسان في جاهليته، وهو أغلى شيء في دينه أيضاً بعد إسلامه، أما الآن أصبح كل شيء يقاس بالمادة، أصبح الإنسان يرضى أن يدنس عرضه ويعرضه للشرور من أجل دراهم معدودة.

    إذاً، سخرنا كل شيء من أجل المادة، وشغلنا بعيوب الناس وننتظر إصلاح نفوسهم، فكأن صلاحنا مرهون بصلاحهم، فأصبح كلامنا عن الناس هو حالنا؛ لكن كم منا من يتكلم عن نفسه؟! ومن منا من يحاسب نفسه؟! ومن منا من ينظر إلى ذنوبه وإلى عيوبه؟! وأقل من ذلك، من منا الذي إذا أهدي إليه عيب من عيوبه فرح وحمد الله تعالى وشكر له وشكر صاحب الهدية؟! ومن منا الذي إذا أرشده إنسان إلى سنة من سنن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتركها يفرح، ويستبشر أنه عرف السنة وترك البدعة؟! فكيف مع هذا نرجو أن يغير الله ما بنا من حال! والله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] لا يمكن أبداً، فلن يجاملنا الله عز وجل لأننا ندعي أننا مسلمون أو أننا أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا إنما هو حق وإيمان ودين فما دان الله عز وجل وما حابى أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندما عصوا أو وقع من البعض الانحراف في مراحل معينة في أُحد -مثلاً- وفي يوم حنين وفي غيرها أبداً! فالله غني عن العالمين سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فإذا أن ننقذ أنفسنا وأردنا أن نفوز برضا الله عز وجل وبسعادة الدارين فهذا هو المنطلق.

    فالواجب علينا دعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة، والإيمان الصحيح، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنها ليست مجرد آراء، ولا تعصب لأشخاص، ولا انتماء لطائفة من المسلمين قديماً أو حديثاً؛ لكنها المفتاح والطريق والمخْلَص والمنقذ الوحيد.

    نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يوفقنا جميعاً وأمتنا كلها للعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتمسك بهداه إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    الحداثة وخطرها على المؤمن

    السؤال: أرجو أن توضح لنا ما معنى الحداثة وما هي خطورتها على الإيمان وعلى المؤمنين؟

    الجواب: الوقت يضيق عن توضيح هذه الفكرة أو الحديث عنها، ولكن لنربطها بموضوعنا السابق من جهتين:

    أولاً: من جهة الغرب الذي نشأت فيه هذه الأفكار: فإنه ما نشأت فيه إلا لأنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فهذه إحدى الصرعات والموضات والموجات الفكرية الوبائية التي اجتاحت الغرب والتي يشكو منها المفكرون الأوروبيون الذين يخافون على بلادهم، فيتخوفون من الحداثة وأشباهها على مجتمعهم؛ لأنها ليست لغة ولا أدب، وهذه معلومة يجب أن يعرفها الجميع، فـالحداثة اتجاه كامل في الحياة، أي: نظرة كاملة إلى الحياة، وهناك كتاب مطبوع بعنوان: ما الحداثة؟ تأليف رجل فرنسي اسمه جنرلي ليسيفر وملخص ما ذكر فيه: '' إن الحداثة هي إشعال الثورة، أو القيام بالثورة، أو تحقيق الثورة الغائبة هنا؛ وغير المكتملة هناك " ما معنى هذا الكلام؟ هذا الكاتب في باريس يكتب ويقول: " > الحداثة هي تحقيق الثورة الغائبة " هنا أي غائبة في باريس غائبة لماذا؟

    لأن باريس ليست شيوعية -كما تعلمون- فـالحزب الاشتراكي يمتلك نصف المقاعد في فرنسا، والشيوعيون يمتلكون بعض المقاعد، ويريدون أن يسيطروا على فرنسا، فالصورة الغائبة في فرنسا فهي غائبة فيها لعدم تحققها، وغير المكتملة هناك أي (في موسكو) لأنهم يعتبرون أن موسكو التي هي رمز الشيوعية ثورتها ناقصة غير مكتملة، لماذا؟ لأن المرحلة التي كتب عنها ماركس لم تتحقق بعد.

    وألخص هذا مما قاله زعيم الحداثة أو مؤسسها في العالم العربي وهو النصيري أبي يوسف يقول: إنها الثورة ضد المجتمع والدين والأسرة والأخلاق، لابد أيضاً من ثورة في الأدب ضد الأدب، وفي المسرح ضد المسرح؛ وثورة في اللغة ضد اللغة، وثورة ضد الدين، المهم ضد كل شيء.

    لأن ماركس أصلاً عندما وضع الشيوعية في القرن الماضي يقول: الشيوعية تمر بمراحل: المرحلة الموجودة الآن في العالم هي تطبيق لمرحلة ما قبل النهاية بالنسبة للشيوعية، والمرحلة التي هي ما قبل النهاية هي أن تسيطر البرولتاريا أو الطبقة الكادحة العاملة وتحكم، وهذه مرحلة، وأما مرحلة ما بعد البرولتاريا فهي مرحلة ألا دولة، وألا سلطة على الإطلاق، وهذه المرحلة لم تصل إليها روسيا، ولهذا ليسيفر يقول: ''الثورة الواقعة غير مكتملة في موسكو، لأنها لم تأتِ بعد مرحلة ألا دولة وألا سلطة وهي كذلك، مفقودة في باريس'' فأي مصيبة يريد هؤلاء الناس أن يوصلونا إليها، فإذا كانت باريس لا شيء وموسكو ناقصة؛ فمن أين يأتي هذا الكمال؟ إنه أمر خطير ومع ذلك أقول: ما هي إلا موضة من موضات كثيرة، وما هي إلا أسلوب من أساليب كثيرة لهدم هذا الدين، ولهدم هذه الأمة ولتمزيقها، وتحتاج منا إلى مقاومة وهذه المقاومة موجودة في الشرق والغرب، وأما المجتمعات الإسلامية إذا كانت مجتمعات إسلامية حقة فلن تجد هذه الموضات ولا ما أشبهها موضع قدم فيها، وهل يوجد شاب مؤمن مسلم يقيم صلاته ودينه يمكن أن يتأثر بهذه الأفكار! لا يمكن أبداً.

    فالوقاية منها ليست وقاية من هذه المشكلة الخبيثة فقط، بل إن الوقاية من كل مشكلة ومن كل خطر وغزو في أن نربي مجتمعنا على الإيمان الصحيح والعقيدة الصحيحة والكتاب والسنة، وحينئذ نبحث في هذه الأفكار.

    أتدرون أن من جماعات الحداثة في باريس وهي أكبر مركز في الحداثة: جمعية الضفادع! وهم شباب متخنفسون يهملون شعورهم ويعيشون في حالة مزرية، وينسبون أنفسهم لجمعية الضفادع!! ويقابلهم جمعية أخرى اسمها جمعية الخنازير كذلك يعيشون في حالة سيئة جداً يتسكعون في الشوارع، ويتعاطون المخدرات، وينامون على الأرصفة، هذه من شيم الحداثة في باريس وأمثالها، وهذه هي الحالة التي وصلوا إليها!

    فهل يمكن أن يفكر مؤمن أن يكون في هذه الحال يوم من الأيام عياذاً بالله، لا يمكن فإذاً مع خواء الإيمان تقع أمثال هذه الأمور، ومع ضعف العقيدة ومع عدم وضوحها لكن مع وجود العقيدة الصحيحة ومع عرض كل شيء على كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن هذا لا يقع، العامي لا يقبل هذا الكلام مهما كان الأمر؛ لأن النظرة لديه أن كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هما المرجع، لكن الشباب الذين تأثروا بها هم الذين يريدونها إباحية انحلالية، كما قال قائلهم :

    أرضنا الجيد غارقة بالظلام      طوّق الليل أرجاءها وكساها

    بعسجده الهاشمي      فدانت لعاداته معبدا

    وهذا الكلام له مدلول خطير، وقوله (بعسجده) لعله حرفها أو الناسخ وإلا فهو بمسجده، والعسجد هو الذهب، والهاشمي الذي جعل الجزيرة للعرب مسجداً ودانت له وللناس معبداً هو بلا شك الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فهؤلاء الذين تدرجوا في الفسوق والدعوات الهدامة، من مساواة المرأة بالرجل ثم إلى السفور حتى الأقنعة التي ترتديها النساء هي دخيلة عليها، ويقولون على من تفسخ أخلاقياً: إنه متحرر ومنطلق، فليقل ما شاء، وليفعل ما يحلو له، فيريدون أن تكون محتمعاتهم مجتمعات إباحية مطلقة، لا يريدون سلطة على الإطلاق، لا دين ولا أخلاق ولا رقابة، ورمز هذه الرقابة هي الحدود والقبيلة والأعراف القبلية والعيب والحرام، ورمز هذه الرقابة هم رجال الجوازات ورجال الجمارك، فتدخل الأفلام إلى البلاد من الخارج تحت رقابة رجال الجوازات ورجال الجمارك، وكذلك الكتب الشيعية كذلك فمن الذي يستقبلها؟ إنهم رجال الجوازات ورجال الجمارك، فهم يريدونها إباحية مطلقة، وهذا لن يتحقق أبداً لأن هذه موجة شيطانية ستضمحل بإذن الله، لكن لابد أن نقاومها، فلا نقاومها بالاسم فقط، بل نحاربها ونرد عليها أو نكتب عنها ونقاومها كل المقاومة وبكل فكرة؛ كتربية أنفسنا على كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن خلال وسائل إعلامنا، ومن منابر الخطب والمحاضرات في المساجد، ومن خلال التأليف، ومن كل مكان، فكلنا على ثغرة، ولعل الله أن ينصر هذا الدين بنا، فإذا كنا كذلك فمهما هبت رياح فإنها لن تؤثر بإذن الله على هذه القلعة الحصينة.

    وأسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يبقيها كذلك بإذنه تعالى.

    السعادة معنوية أكثر منها حسية

    السؤال: قال الله تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] وقلت معلقاً على هذه الآية: إن الإنسان بقدر معاصيه سوف يشقى في هذه الدنيا، فهل إذا رأينا أي شخص غير سعيد في حياته نقول: إن هذا من معصيته لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مع العلم أن الله قد يختبر عباده ليعلم الصابرين، فكيف نفرق بين هاتين المسألتين؟

    الجواب: الكلام عن حقيقة الشقاء وحقيقة النكد لا ننظر إليها النظرة الظاهرية، ولكن ننظر إليها من خلال النظرة الحقيقية، إن المؤمن بالله حق الإيمان لو ذهب بصره أو ذهبت نفسه أو أمواله أو أولاده فهو مطمئن وسعيد؛ لأنه يرضى بقضاء الله عز وجل، ويعلم أن هذا ابتلاء، وأن الله تعالى سيعوضه خيراً منها، وأنه يجب عليه أن يصبر وأن ما قدر الله فهو كائن مهما كان محتاطاً، فالمؤمن مطمئن، والإنسان المؤمن إيماناً حقيقياً وهو فقير مدقع بحالة يرثى لها ومع ذلك تجد كلمته وحاله يقول: الحمد لله على كل حال، وهذا من فضل الله، ونحمد الله، ونحن خير من غيرنا، كما أمرنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: {انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله} فهو سعيد مطمئن؛ وإن كان ظاهره أمام الناس في الشقاء، فهو يعلم أنه إن كان صرف عنه الناس ففيه خير وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [البقرة:216] وهذه الآية من قواعد المؤمن، فالصبر والثقة في الله عز وجل واحتساب البلوى عند الله طمأنينة تعوض الإنسان، ولا يجدها الكافر أبداً ولا يشعر بها لأنه فاقد لهذه النعمة.

    وكم من الناس اهتدى إلى الإيمان لما أصيب بمصيبة أو بمرض، وكم من الناس أصابته نكبة مالية فكانت سبباً في ثرائه فيما بعد، وكم من إنسان طرد من وظيفته فكان ذلك فتحاً له في عمل آخر يدر له الخير، وكم وكم من الواقع، فكيف بحال من يؤمن بالله وبما أعد الله وادخر له في الدار الآخرة، فهذه هي حقيقة الشقاء، كما أن تلك حقيقة السعادة، وأما الكافر فمهما بلغ من الثراء فهو نكد شقي يائس قانط لا يطمئن أبداً، لأن القلب لا يطمئن أبداً إلا بالإيمان بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] هذا للحصر، وفي غير ذكر الله عز وجل لا يتم إلا الشقاء.

    أثر الفرد في بناء الأمة

    السؤال: قلت في كلامك: إن الأساس في الأمة هو الفرد، وإذا صلح الفرد صلحت الأمة، وبالمقابل فالفرد عندما يخطئ يقول: أنا فرد ولن يؤثر خطئي هذا في هذا الخضم من البشر، فكيف نوفق بين هذين القولين؟

    الجواب: أضرب مثلاً على ذلك، يقال: إن أحد الملوك كان له وزيراً فطناً وكان يقول: الرعية فيها من يحبك، وفيها من يذمك، والملك يصر على أن الرعية ليست كذلك، ويظن أن كلهم على الصدق والإخلاص والوفاء له، وليس فيهم غشاش أو كذاب، والوزير يقول: أنا أعلم بالناس منك، وإذا أردت أن نختبر الناس حتى تعلم حقيقتهم، فافعل، ثم اتفقا أن يبني الملك قصراً ضخماً من جميع الجوانب، ويجعل فيه بركة وهذه البركة يريد الملك أن يجعلها من اللبن، ثم أصدر أمره إلى الناس جميعاً بأنه إذا رجع الناس من المرعى بالمواشي، أن يأتي كل منهم بإناء كبير من اللبن ويصبه في البركة، حتى لا يطلع الصباح إلا وهي ملأى، لكي يتنعم الملك ويتمتع بالنظر إليها، ففعل ذلك الاختبار، وحين عاد الناس في الليل بالمواشي، قال كل واحد منهم: لو وضعت ماءً فإنه لا يضير إناء ماء في بركة من اللبن، ولن ينتبه أحد؛ لأنه يمشي في الظلام، وقد تعمد الملك أن يكون ذلك ليلاً، فجاء الملك في الصباح؛ فوجدها قد امتلأت بالماء.

    وهذه حالنا نحن المسلمين، وهذه المسألة -مع الأسف- واقعة في حياتنا، فإننا نسمع المحاضر يقول: شركات التدخين شركات يهودية وشركات نصرانية تحارب الإسلام وتفعل وتفعل، فتجمع ملايين الريالات من العالم الإسلامي لكي تحارب بها المسلمين، فيقول: الباكت بخمسة ريالات، وماذا تعمل لليهود والنصارى، فمثلاً لو اشترينا مليون (باكت) في جدة ومليون (باكت) في القاهرة ومليون في كذا ومليون في العالم الإسلامي، لاجتمع لليهود في ذلك اليوم ملايين من أجل (باكت)، وكذلك المجلات الخبيثة التي توزع على المكتبات بسعر الجملة (ثمانية ريالات) تقول له: لا تشتريها لأنك تساعد على نشر هذه المجلة الخبيثة، فيقول: ماذا يفيد! عدد واحد أشتريه من هذه المجلة! وكذلك آخرون، فإذا بصاحب المكتبة لم يبق عنده شيء منها. فاشتريناها وروجناها، فكل واحد نظرته نفس النظرة، أنه ماذا يفرق ريال واحد، وماذا يفرق عدد واحد، وماذا يفرق باكت واحد... وهذه مشكلتنا.

    إذاً الإصلاح أولاً: يبدأ من الفرد، فإصلاح الأمم يبدأ من إصلاح الأشخاص، وكل منا على ثغرة، وكل إنسان عليه أن يتقي الله في عمله، فإذا أخذت الرشوة؛ انتشرت الرشوة بين الموظفين، وإذا قلت للناس: الأمانة ضعفت؛ وأمانتي أنا ضعيفة والناس كلهم يكذبون وأنا أكذب، وإذا قلت: إن الناس في غيبة ونميمة وفي حسد ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأنا واقع في نفس الشيء، فهو يريد أن يصلح غيره، وهو يسير كما يحب وكما تحب شهواته، لكن لا فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خاطب الإنسان، وخاطب نفسه ويبين له علاجها وأنه سيحاسبها منفردة، فإذا أنا أصلحت نفسي ونصحت غيري، وإذا كل واحد أصلح نفسه ونصح غيره؛ صلحت الأمة بإذن الله، ولكن إذا دعوت الأمة إلى الصلاح مهما دعوت، ولم أصلح نفسي، فإنه لن يستجيب الناس ولن يكون أثرها الصحيح أبداً.

    حب الدنيا معناه وضعها في القلب لا في اليد

    السؤال: تكلمت عن حب الدنيا، وأنه من الأسباب التي أدت إلى تردي الأمة، فما هو السبيل لنـزع حب الدنيا من قلوبنا، مع العلم أننا نعيش اليوم في دوامة العمل ومتطلبات الحياة؟

    الجواب: لا شك أننا جميعاً نعاني من ذلك، ونسأل الله أن يعيننا، فكم نعايش ونكابد الحياة وقد كابدها قبلنا أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فكانوا يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، وكما تعلمون قصة عمر رضي الله عنه أنه كان يرسل رجلاً من الأنصار يستمع حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى يعود في آخر اليوم ليجلس وليسمع، فهذه المعاناة عاناها أفضل جيل؛ ومع ذلك كان همهم الآخرة.

    فالعلاج أن ننـزع من قلوبنا حب الدنيا وتعظيمها ونجعل بدلاً من ذلك تعظيم الآخرة، فلا أقول: نترك أعمالنا، ولا أقول لا نحرص على الربح الحلال، ولا أقول: لا نتمتع بما أحل الله لنا من الطيبات وبما أعطانا الله من الرزق.. أبداً، لكن نقول: نخرجها من قلوبنا وليس من أيدينا، وأما التخلي الذي فهمه الصوفية الضلال بالتخلي عن الدنيا، أن يعيش الإنسان فقيراً لا يملك شيئاً فليس هذا هو الخروج من الدنيا، إذاً لكان فقراء الهند من البوذيين من أسعد خلق الله عند الله عز وجل، لكن! لا. فالزهد الحقيقي والرغبة الحقيقية في الآخرة؛ وقد تكون مع وجود المال، ومن وجد مالاً فإنه يمسكه في يده لا في قلبه.

    كما قال الإمام أحمد رحمه الله عندما سئل: أيكون الرجل زاهداً وعنده ألف دينار أو عشرة آلاف دينار، فقال: نعم إذا كانت في يده وليست في قلبه فهو زاهد" وقد كان الصحابة رضي الله عنهم منهم الأغنياء كـعثمان والزبير مع أنهما من أزهد الناس، فهذا هو المقصود، فإذا لم يتعلق القلب بها، ولم يحملك حب الدنيا على أن تعصي الله -وكم من المسلمين من يفعل ذلك- ولم يحملك حب الدنيا على أن توالي أعداء الله -وكم من المسلمين من قد يعادي أهل الخير ويحب أهل الكفر وأهل الفجور من أجل دنياه والعياذ بالله- فإذا كان الحال كذلك فإنه لا يضير كون الإنسان يملك مالاً كثيراً.

    ونسأل الله أن يوفقنا لمرضاته.

    زيادة الإيمان ونقصانه

    السؤال: هل الإيمان يزيد وينقص؟

    الجواب: نعم! لا شك أن الإيمان يزيد وينقص كما أخبر الله تبارك وتعالى في القرآن عن زيادة الإيمان، فقال: زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2] وقال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:17] وقال: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً [الكهف:13] وغير ذلك مما هو معلوم لدى الجميع.

    والنقص أيضاً فلا شيء يزيد إلا وهو ينقص، وقد نص النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديثه عن النساء: أنهن ناقصات عقل ودين، وفي خبره عن ذلك قوله: {ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي اللب من إحداكن} فهذا دليل على نقص الدين.

    ويدل عليه أيضاً أن الناس يوم القيامة متفاوتين بحسب أعمالهم عند الله، فمن الناس من تكون حسناته كالجبال ومنهم من يدخلون النار لضعف إيمانهم؛ ثم يخرجهم الله من النار بحسب درجاتهم في الإيمان؛ وآخر من يخرج من النار هم الفئات التي هي أقل الناس إيماناً، فيأمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ويأذن بأن يُشفع لهم، فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة؛ ثم مثقال ذرة، ثم أدنى أدنى مثقال ذرة.

    فهناك درجات من الإيمان، فبعض الناس إيمانه كأدنى أدنى مثقال ذرة، وبعض الناس إيمانه كمثقال الذرة، بعض الناس إيمانه كالشعيرة، وبعض الناس إيمانه كالجبال، وأعظم الإيمان ما كان كإيمان عمر رضي الله عنه لما أول له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرؤيا عندما رآه أنه يلبس ثوباً طويلاً واسعاً، فأوله أنه الدين والإيمان، وكما كان إيمان أبي بكر رضي الله عنه الذي لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح بهم.

    وهكذا، فإن الإيمان يزيد وينقص ويتفاوت وحسبكم أن تعلموا أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: {الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان} فهذه الشعب من حقق أربعين شعبة منها ليس كمن حقق ثلاثين، وأعظم منه من حقق منها خمسين وهكذا، وقد يجتمع عند الإنسان تحقيق شعب ونقص في أخرى، فمن كمل في الشعب فقد بلغ درجة الإحسان التي هي أعلى الدرجات، ونسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلنا وإياكم من المقبولين.

    الرد على قول الصوفية (أن حياة القبور تشابه الحياة المعتادة على الأرض)

    السؤال: في قصة الإسراء والمعراج ورد أن رسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجد بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام في السماء؛ وهذا استغله بعض الصوفية أو بعض الفرق المنحرفة في إثبات أن هناك حياة في القبور، وأنها تشابه الحياة المعتادة على الأرض، فكيف يمكن التوفيق والرد؟

    الجواب: هؤلاء الذين يعبدون الأموات، ويدعونهم من دون الله.. شبهاتهم كثيرة، ونحن قبل أن نرد على شبهاتهم نسألهم على أي أساس بنيتم ذلك؟! وهذا كتاب الله بين أيدينا، ففي أي آية منه أجاز الله أن نعبد غيره؟! وأن ندعو غير الله نبياً أو ولياً كائناً من كان؟ وهل في سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصحيحة الثابتة شيء من ذلك؟! لا بل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نزه الأنبياء وبرأهم مما افترت عليهم أمتهم فقال سبحانه: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:79] سبحان الله!

    وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] والأنبياء أنفسهم كانوا يخافون من الشرك وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35] فالأنبياء يخافون على أنفسهم من الشرك، ويحاربونه، وما كان أبداً لأحد منهم أن يدعو إلى الشرك، أو يقره، فكيف يأتي هؤلاء ويقولون: ندعوهم ونستغيث بهم ونتوسل بهم إلى الله لأنهم أحياء؟! وإذا كانوا أحياءً! فهل عبدو في الدنيا وهم أحياء حياة حقيقية، وهل أجاز النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأحد أن يعبده وأن يدعوه -عياذاً بالله من ذلك- فلما قالوا: ما شاء الله وشئت، قال:{ أجعلتموني لله نداً! } فهذا أمر عظيم، فما أقر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما رضي بهذا العطف؛ لأن الندية معناها الشرك ومع ذلك يقولون: ندعوهم؛ لأنهم أحياء في قبورهم.

    والإنسان في الدنيا يستطيع أن يكسب مزيداً من الحسنات لنفسه أو أن يحسن للناس إذا كان يملك شيئاً؛ ومع ذلك نفى الله عز وجل أن أحداً من الناس يملك لنفسه شيئاً إلا ما شاء الله، فكيف إذا مات؛ فإنه أحوج ما يكون إلى ربه عز وجل، فكيف يصبح يعطي وينفع ويضر ويدعى ويستغاث به!

    بلى إذا كان يتخلى أولوا العزم من الرسل عن أمته ويقول كل منهم: (نفسي نفسي)، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحده فقط الذي يأذن له ربه بالشفاعة الكبرى، فهؤلاء أولوا العزم لا يملكون للناس شيئاً، ولا يملكون لأنفسهم شيئاً يوم القيامة عند الله، فكيف يملك ذلك البدوي وعبد القادر الجيلاني وغيرهما! مع أنهم ليسوا أولياء في الحقيقة، وليسوا أفضل من الأنبياء -بأي حال من الأحوال- مهما كانت ولايتهم، فهذه شبهات فقط يزينها الشيطان لعباد القبور والأموات حتى لو كانوا أحياء عند الله، والله تبارك وتعالى قد أخبرنا عن الشهداء أنهم أحياء عنده فقال: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ [البقرة:154] فالشهداء أحياء، والأنبياء حياتهم -بلا شك- أكمل من حياة الشهداء، فهل ندعو الشهداء ونستغيث بهم، أو نستغيث بالأنبياء؟! نحن لا ندري ما حال الشهداء عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأما الأنبياء فإنهم كما أخبر عنهم ربهم تبارك وتعالى قائلاً إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90] فهم أنفسهم كانوا يرجون رحمة الله ويخشون عذابه، وهم كما قال تعالى: لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً [الرعد:16] فكيف يملكونه لغيرهم من الناس؛ لا يمكن ذلك أبداً !

    فهذه الحقائق لمن يريد أن يناقش هذه الأفكار الضالة من صوفية وغيرها، فيعرض هذه الشبهات على هذه الحقائق الناصعة الجلية، نعم: نستطيع أن نرد ردوداً تفصيلية على كل قضية؛ لكن نعرضها على الأصول الجلية الواضحة؛ لتذهب هذه الشبهات، وإلا فلا بد أنه سيأتي بشبهات كما أتى بها المشركون من قبل، قال تعالى: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] وقد كان المشركون يقولون في تطوافهم حول البيت الحرام: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) فهذه هي تلبية المشركين (تملكه وما ملك) وإذا سئلوا: كيف تدعون اللات والعزى، ووداً وسواعاً ويغوث من دون الله؟ قالوا: نحن ما ندعوهم لأنهم يملكون شيئاً من دون الله؟ لكن هم يقربونا إلى الله، فهم شفعاؤنا عند الله، وهذا صريح في القرآن، وإذا سألت أحداً ممن يدعو نبياً أو ولياً، فإنه يقول: أنا لا أعبد غير الله ولا أدعو الولي بأنه إله، وأنا أدري أن الله هو الذي يملك كل شيء إلا أنني أدعو الولي؛ لأنه هو الواسطة بيني وبين الله، فنقول: هذه هي تلبية أهل الجاهلية (تملكه وما ملك) فأهل الجاهلية ما قالوا: إن آلهتهم تملك كل شيء! فهذا هو الشرك، ولكن شياطين الإنس والجن لبسوا عليهم دينهم ليصدوهم عن التوحيد، نسأل الله أن يكف عنا شرهم.

    هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه

    السؤال: ما هو القول الفصل في رؤية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لربه في المنام؛ ثم في حديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {رأيت ربي في أحسن صورة

    الجواب: أما بالنسبة لرؤية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لربه، فالراجح هو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة وهي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ير ربه، كما في حديث أبي ذر {هل رأيت ربك فقال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نور أنى أراه} وقال: {حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه} فهو لم ير ربه عز وجل، وكذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: [[ثلاث من قالهن فقد أعظم على الله الفرية: ومنها من قال: إن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ]].

    وأما القول المخالف، وهو ما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه رآه، فقد ورد مقيداً عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قال: [[رآه بفؤاده مرتين]] وابن عباس رضي الله تعالى عنه ما دام أنه قد ورد عنه ذلك التقييد، فإذاً نقيد ما أطلق من أنه يقول: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى ربه، فقوله وقول من قال بقوله إما أن يكون اجتهاداً وهو خطأ غير صواب، أي أن له أجر الاجتهاد وليس أجر الصواب، أو أن نقول: إنه رضي الله عنه قيد ذلك وهو الأولى والأرجح بالفؤاد، فلا يكون هناك خلاف ولا منافاة بين أقول الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في ذلك.

    أما بالنسبة لحديث الصورة: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى ربه في أحسن صورة في المنام، فإذا نظرنا لكلام ابن عباس إلى أنه رأى ربه بفؤاده مرتين فنستطيع أن نقول: إن هذه هي إحدى الرؤيتين، رآه في الأرض لما كان في المنام، ورآه أيضاً بقلبه (بفؤاده) لما أسري به، فحدث للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رؤيتان قلبيتان.

    وموسى عليه السلام هو كليم الله، ومن أولي العزم، ونعلم منـزلته وفضله، وقد سأل الله عز وجل الرؤيه، فقال سأريك نفسي في المنام، أما اليقظة فمعلوم أنه محال ذلك ولن يتحقق.

    فإذا كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى ربه بفؤاده مرتين، وموسى عليه السلام لم يره لا في اليقظة ولا في المنام، فمن من الأقطاب يدعي أنه يراه في الدنيا؟!

    وأي إنسان هو أفضل من موسى أو أفضل من محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! ولهذا من قال: إنه يرى الله في الدنيا، ومن زعم ذلك فقد كذب، وهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإسلام، وإذا أصر على ذلك بعد قيام الحجة،فإنه يعزر ولو بالقتل كما نص على ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية وغيره، وكما ثبت في الحديث { إن الشيطان يضع عرشه على الماء} ويلبس على هؤلاء، بأن يريهم نفسه ويريهم عرشه، ويقول: أنا الله وهذا العرش حتى أن الصوفية عندهم أحد الأولياء سموه فلان العرشي، لأنه دائماً تحت العرش، ويخاطب الله من تحت العرش، وهذا هو عرش إبليس.

    حاجة الصحوة إلى الرعاية

    السؤال: يقول: الصحوة الإسلامية حقيقة تشهدها معظم البلاد الإسلامية، وهي تحتاج إلى الرعاية والتوجيه، فهل تعتقدون أن هذه الصحوة، تلقى ما تستحق أن تلقاه من التوجيه والرعاية، حتى تصل بإذن الله إلى بغيتها؟

    الجواب: حقيقة من خلال الواقع المشاهد، نرى أن هذه الصحوة لم يتحقق لها ذلك، الحمد لله! يوجد خير، ويوجد شيء من هذا، لكن لم يتحقق لها ذلك، والدليل هو وجود هذا الشباب الحائر الذي أفاق وعاد إلى دينه، ولكنه حائر بين اتجاهات شتى، فلو كانت هذه الصحوة مرشدة وموجهة على المنهج الصحيح؛ لكان الشباب جميعاً منضوين تحت الكتاب والسنة، ولا يجدون ما يفرقهم أو ما يشتتهم ويبعدهم عنه، فهذا الجانب فيه خلل، ونرجو أن يستكمل بإذنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والصحوة أيضاً محفوفةٌ بالمخاطر من أعداء الله، لأنهم يخططون لضرب هذا الدين، وضرب الشباب.

    بعض أهداف الباطنية ضد الإسلام

    السؤال : على ذكر الأخطار التي تهدد الصحوة الإسلامية، الرجاء ذكر بعض أهداف الباطنية التي ترصد العداوة للإسلام، وما هي أقوال السلف في هذه الفرق، وبماذا تنصح الشباب لمزيد من الوعي والدارسة عن هذه الفرق وأهدافها وأضرارها؟ وقد ذكرت في محاضرة سابقة، أنك سوف تذكر ألعوبة فعل رجل سني في الروافض أو بهذا المعنى؟

    الجواب: الباطنية، أجمع العلماء على تكفيرها ونصوا على أن ذلك، بل ونصوا على أن من عرفهم ولم يكفرهم فهو كافر، واتفق على ذلك علماء السنة، وكثير من علماء البدع، حتى من المعتزلة والأشعرية، وكثير من الفرق المنحرفة عن منهج السنة، لكنها لا تزال داخل دائرة الإسلام، فكلها متفقة على تكفير الباطنية، لأنها فرقة أخطر من اليهود والنصارى والمجوس، وذلك لأنها لا تريد إلا أن تهدم هذا الدين، وتجتثه من أساسه وليست فقط تؤول بعضه، أو تنحرف عن بعضه، بل إنها تقضي على الاعتقادات، فلا تثبت لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا اسماً ولا صفة على الإطلاق، وتقضي على العبادات، فتؤول الصلوات الخمس بأنها ذكر الأئمة الخمسة، وتؤول الصيام بالإمساك عن أسرارهم أو ذكر ثلاثين رجلاً من أئمتهم.

    وتقول: إن شريعة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منسوخة، وقد نسختها شريعة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وتقول: إن كل ما حرمه الكتاب والسنة حلال، وليس هناك حرام على الإطلاق! إلا ما أرادوه هم من شهوات أو ما شاءوا أن يفرضوه ليكون الناس تبعاً لهم، وكذلك القرامطة والعبيديون فإنهما منهم؛ فهم خارجون عن جميع الملل وعن جميع الشرائع، فلو أن رجلاً من الباطنية ترك الباطنية وتحول عنها إلى النصرانية، لكان ذلك أخف من الرجل الذي يتحول من النصرانية إلى الباطنية.

    وأما مكرها في العالم الإٍسلامي فإنه لا ينتهي في كل مكان وفي كل زمان، فالقرآن عندهم لا يبقى له معنى على الإطلاق؛ لأنهم يقولون: إن للآية معنىً ظاهراً، وهذا الظاهر له باطن، والباطن له باطن إلى سبعمائة باطن فمن أين نفهم القرآن؟! كذلك يردون سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رداً مطلقاً، فمن أين يكون الأخذ؟ يقولون: عن الإمام فقط وهذا الإمام هو الذي يفسر كما يشاء، ويتحكم في الأنفس والأموال والشهوات، وإلى الآن لهم أئمتهم من البهرة والأغاخانية والإسماعيلية وأمثالهم من طوائف الضلال التي نسأل الله تبارك وتعالى أن يقي المسلمين من شرهم، فلا نستطيع أن نأتي على كل خطط الباطنية وأهدافها، ولكن خطرها بلا شك عظيم، ويجب أن نحذر منها؛ ويمكن أن تدخل من باب التشيع، وما دخلت وما جاءت إلا من هذا الباب، أو من باب التصوف، فغلاة الصوفية باطنية، والصوفي ينتهي به الحال إلى أن يكون في النهاية باطنياً، والرافضي -أيضاً- ينتهي به الحال إلى أن يكون باطنياً وهكذا فكل هادم للدين فإنه يبدأ بداية منحرفة قد تكون أقل لكنها تنتهي به إلى الأكثر، عياذاً بالله.

    خطر الباطنية على الصحوة الإسلامية وتعدد الانتماءات

    السؤال : الحديث عن الصحوة -كما يقولون- ذو شجون والصحوة أمرها يهم الجميع، وأسال الله عز وجل أن يكتب لها التوفيق، وأن يجنبها كيد الأعداء ومكرهم، ويمكن أن يكون للسؤال الأول شق آخر، وهو أنه إذا عرفنا خطر الباطنية على الصحوة، وشبابها، فأيضاً هناك جانب آخر للموضوع وهو التفرقة التي تحصل بين شباب الصحوة، فنجد انتماءات مختلفة لجماعات مختلفة، هناك من ينتمي لجماعة تسمي نفسها جماعة التبليغ، وهناك من ينتمي لجماعة تسمي نفسها الإخوان، وهناك من ينتمي لجماعة تسمي نفسها الجماعة السلفية، وإلى غير ذلك من المسميات والاختلافات والتفرقة التي حلت بشباب الصحوة الإسلامية، فهل هذه حالة صحية للصحوة الإسلامية؟ أم أن الموضوع يحتاج إلى نظر ويحتاج إلى وقفة صادقة إذا كان القصد هو وجه الله عز وجل؟

    الجواب: الأمة الإسلامية قد عانت من الفرقة وتعاني منها إلى اليوم، والجماعات الإسلامية هي بلا شك أفضل ما في هذه الأمة، على ما في هذه الأمة من أفضل ما فيها هي هذه الجماعات التي تريد أن تعيد الناس إلى الكتاب والسنة، سواء من كان منها على خطأ أومن كان منها على صواب؛ على الأقل فهي ترفع دعوى الإسلام وشعاره في أوقات وفي بيئات وفي مجتمعات تنفر نفوراً كاملاً من رفع هذا الاسم، ولا نقيس المجتمعات مثل هذا المجتمع الذي نعيش فيه، لأنه يوجد مجتمعات لا تريد ذكر الله ولا تريد اسم الله على الإطلاق، والصحوة الإسلامية في جملتها، لاشك أن من أسباب وجودها وجود هذه الجماعات التي قامت ونشرت الدعوة، وكل منها على رأيه واتجاهه، ما كان فيه من خطأ أو انحراف، وما كان فيه أيضاً من صواب ولو في الجملة، فهذه الصحوة هي نتاج عوامل عديدة، منها: وجود هذه الحركات وهذه الجماعات، إذاً فما موقف المسلم منها؟ الموقف من هذه الجماعات.. ومن الفرق والأفراد والأمم.. هو نفس الموقف الذي يجب أن يكون لدينا دائماً، بأن نزن كل شيءٍ بميزان كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو ميزان العدل، فمن الوصايا العشر التي أوصى الله بها جميع الأمم وأوصانا بها قوله تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام:152] فننظر إليها بميزان العدل، وأيضاً ننظر بمنظار الاستفادة من التجربة أي من جهة العلم نفسه، فنحن الذين نسعى إلى الأكمل والأفضل ونريد أن تتوحد الأمة، ولا نريد أن تتفرق الأمة هذا التفرق وهذا التمزق، بل يجب أن نكون جماعةً واحدة على الكتاب والسنة.

    ووجود هذه الجماعات ما هو إلا نتيجة التفسخ الكبير الذي حدث في الأمة بأكملها، وبُعدها عن منهج الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ فكان من الضروري أن يتجمع الناس في تجمعات صغيره، ولا ضير في ذلك لو أنها كانت متمسكةً على الكتاب والسنة، ولو أن كل جماعة قامت كانت متمسكة بالكتاب والسنة، لوجدنا أننا في النهاية نكون جماعة واحدة فعلاً، ولا خلاف على الإطلاق، لكن المشكلة تأتي من التقليد والتبعية والتعصب والتحزب، وهذا ما وقع مع الأسف، بأن الإنسان يقيس الناس بجماعته، فمن كان منها فهو على الحق وما كان ضدها فهو على الباطل، وهذا هو الخطأ الذي تخوفه السائل -جزاه الله خيراً- على الصحوة وله الحق في ذلك؛ فنحن في هذه الحالة قضينا على الغاية من أجل الوسيلة، واسأل أي إنسان ينتمي إلى هذه الجماعات -أي جماعةٍ كانت- لماذا وجدت الجماعة؟ لقال: من أجل تحقيق الإسلام، ولو قيل له: وبماذا تسير هذه الجماعة؟ لقال: على الكتاب والسنة، إذاً خذه على ظاهره ونسلم لك بهذا الظاهر على ما عليه من ملاحظات، ثم ننظر ما أنت عليه في الواقع، فأنت أصبحت توالي وتعادي بناءً على هذه الجماعات، وقلت: إننا لا نحب أن نذكر الأسماء، لا لأننا نخاف أن نذكر اسماً معيناً، لكن لأننا نريد أن ننظر إلى الأمور والأخطاء والانحرافات بنظرة مجردة؛ لنعرف حجمها؛ وإلا قد نقع نحن في الحيف، فأنا مثلاً قد أكره جماعة معينة لسببٍ ما، فأجور وأحيف في كل من يذكرها لدي.

    الآن أذكر لكم مثال من بعض الجماعات التي تطبع وتوزع فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وهل هناك من لا يحب علم الشيخ عبد العزيز؟! وهل هناك شخص غير حريص على نشر فتاوى الشيخ عبد العزيز؟! لا، إذاً فكم فتاوى للشيخ؟ كثيرة جداً وفي أمور هامة، فتاوى في التوحيد، وفتاوى في أنواع البدع، وفي الشرك، وفتاوى عن الربا، والقمار، والفيديو، وفتاوى في أمور مهمة تنهش مجتمعنا وتفتك به، إذاً أنتم يا دعاة! هل صورتم فتاوى الشيخ هذه ووزعتموها على الناس؟ لا، بل صوروا هم فتوى أو كلام يقول فيه: إن الجماعة الفلانية على الحق، إذاً نحن ندعو إلى من؟! وهذه هي المشكلة، وهذه نصيحة لا نقولها إلا نصحاً، إذاً: نحن الآن لا ندعو إلى الله، بل ندعو إلى الجماعة، بدليل أننا نختار من كلام العلماء ما يؤيد الجماعة، ونختار ممن يعادي الجماعة ولو على سبيل الملاحظة فنعتبره به عدواً للجماعة، فالولاء في الجماعة، والعداء في الجماعة، والدعوة إلى الجماعة إذا فقد أضعنا الغاية من أجل الوسيلة!! لا يا أخي انشروا العلم النافع ووزعوا الفتاوى النافعة، وليس ما يتعلق بك أنت أو بجماعتك فقط، وهذا خيرٌ لك وأفضل لك عند الله؛ أن تنظر إلى من ينصحك؛ وإن نقدك أيضاً فانظر له، لماذا؟!

    لأنك أنت الذي عليك أمل الأمة، وكما أشرت أن أفضل ما في الأمة هم جماعاتها هذه؛ فالإصرار على الأخطاء قد تردنا إلى انحطاط وضياع وضلال أعظم مما نحن فيه في هذا الواقع، فأنتم أحرص أن تستكملوا أي جانب من جوانب الخلل، ولهذا نقول لكل الشباب، ونحن بإذن الله عز وجل جماعة أهل السنة والجماعة التي لها وبها تجتمع الأمة وعليها تأتلف: يجب أن نكون منصفين، وأن نكون حريصين على من ينتقدنا ويخطئنا، ويجب ألا نظهر أنفسنا، وإذا أثني علينا ومُدحنا لا ننشره أبداً، فماذا نظهر إذاً؟

    نظهر دين الله وننشر كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا مدحني فربما يكون في ذلك هلاكي، فلا أغتر وأستمر في البدعة، وأقول: فلان أفتاني أو مدحني، وإذا انتقدني أشكره وأسمع منه، فإن كان على حق فجزاه الله عني ألف خير، وإن كان مخطئاً فأحمله على أحسن المحامل وأشكر له حسن النية، وأقول: تعال، أنت تنقدني وتريد الحق، فيقول: نعم إن شاء الله، إذاً تعال فالحق كذا وكذا، وقد أتى له بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله، ولا أقول: أنا رأيي كذا، وشيخنا قال كذا، أو طائفتنا قالت كذا، وفلان قال كذا، وهذا هو علامة أهل البدع، علامتهم أنك تقول: قال الله وقال رسول الله، فيقولون: قال شيخنا وقال إمامنا وهذا هو الذي تعجب منه ابن عباس: وقال: أقول: قال الله، قال رسوله، تقولون: قال أبو بكر وعمر!

    ومن جهة أخرى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منذ أن نزلت عليه يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر:1-2] إلى أن لقي الله وهو يعيش في حالة دعوة: فجاهده دعوة، وتعليمه دعوة، ونصحه دعوة، وكل حياة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعوة فهل لم نجد في سيرته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يغني ويكفي للدعوة حتى تضع خطة ونرسمها ونلزم الناس بها؟ بل وأدهى من ذلك أن من لم يلتزم بها فإنه متهم في دينه، وأنه يفرق الأمة، وإذا أثنى علينا فهو الحبيب المقرب المبرأ من كل العيوب.. سبحان الله!! حياة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلها دعوة، وحياة السلف الصالح كلها دعوة.

    ولن يتغير حال الأمة من حالٍ سيئ إلى حالٍ صالح، إلا إذا قام دعاة يدعون لوجه الله، ويعلمون الناس العلم النافع، ويصلحون القلوب من جميع الأمراض ومنها مرض التأفف والاستنكاف عن أن يقال: إنك خالفت الحق أو خالفت الدليل، ومنها مرض الجهل الذي يفتك بهذه الأمة، ولابد من تزكية النفس.

    بعض هذه الجماعات يقولون: لم ينتقد علينا إلا أن عندنا جهل، وفينا بعض البدع! - مقللين شأنهما- وهل عارٌ في الدنيا أعظم من هذين، فماذا بعد الجهل والبدعة من عيب؟! إذاً: راجع نفسك يا أخي، فماذا تريد أن يقال إذاً؟ كافر! فإذا كان البعيد فيه جهل وبدع، فماذا تريد أكثر من ذلك؟ وماذا تريد أن يقال عنك حتى لا يكون عيباً؟ فهذا قدر مشترك، فكل جماعة أو فرقةٍ خارجة عن منهج أهل السنة والجماعة لابد وأن يكون لها نصيبها من البدعة والهوى والتعصب.

    وإذا أردنا أن تجتمع الأمة؛ فلنجمعها على كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذه الجماعات هي أول من أوجد من يدعو إلى ذلك، لأنها تملك التجربة، وتملك الجهود والطاقات والشباب، فلو أنها التزمت بالكتاب والسنة؛ لكان لذلك النفع العظيم للإسلام المسلمين، ولهذا لا ننظر إليها بنظرة العداء، أو لمجرد العداء ولكن ننظر إليها بنظرة الإشفاق والنصح، ونظرة الهداية بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ثم أيضاً يجب أن نبين لكم أسماء بعض هذه الجماعات لأن تحت هذه الأسماء أفراداً شتى، فتجد بعض الناس ينتمي إلى جماعة من هذه الجماعات، والفرد في ذاته هو على عقيدة طيبة، لكن خطأه محصوراً، إما في الانتماء أو في أشياء أخرى لا تقدح في عقيدته، وبعبارة أوضح أقول: لا تجعلك تصنف كل من ينتمي إلى هذه الدعوة في صنف واحد، فمثلاً الإخوان، يوجد منهم سلفيون ويوجد غير ذلك، ويوجد منهم ربما من يكفر بعضهم بعضاً، مع الأسف وهكذا.. حتى الجماعات نفسها تجد أن اسمها جماعة وفي بعضها من يخالف البعض الآخر، فتجدها فرقاً وأحزاباً.

    أقول هذا لكي أؤكد على أن المعيار يجب أن يكون هو الكتاب والسنة, وإلا فأي جماعة من هذه الجماعات لو أخذتها في ذاتها معياراً، لقالت لك: إن كلامك هذا لا ينطبق علي، بل ينطبق على أناس مثلاً تسمونهم باسمي، فتضيع في دوامة، لكن أرح نفسك من هذه الدوامة، وانقض الباطل من حيث هو باطل؛ وبين الحق من حيث هو حق.. بيان الناصح المشفق.. وبيان الحريص على أن تجتمع كلمة المسلمين على كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    ونسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يردنا أفراداً وجماعات إلى الحق، وأن يطهر أنفسنا من حظ أنفسنا، فإن هذا من أعظم الأسباب التي تحول دون النصر واجتماع الكلمة، ومادام حظ النفس والهوى موجود؛ فهو يعمي جميع البصائر -نسأل الله العفو والعافية- وتجور الأحكام، وتضل الاتجاهات، ويتحمل الإنسان مسئولية نفسه ومن وراءه من شباب أضلهم عن الهدى،نتيجة لهذا عافانا الله وإياكم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2995328538

    عدد مرات الحفظ

    717653688