إسلام ويب

كيف نعظم شعائر اللهللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ حفظه الله عن عدة أمور تتعلق ببيت الله الحرام، فبدأ بالحديث عن تعظيم شعائر الله، مستعرضاً لشيء من الخلاف في تفسير العلماء لشعائر الله، وبين القول الراجح في هذه المسألة، ثم ذكر أقسام الناس في تعظيم شعائر الله، وضرب أمثلة للبدع التي يقع فيها كثير من الناس في شهري رجب وشعبان، ثم تحدث عن الاستهانة بشعائر الله في البلد الحرام من قبل بعض الزائرين لهذا المكان المقدس، مختتماً حديثه بالتحذير من خطورة استمرار هذا الوضع، وأنه يجب تغييره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستغلال مواسم الخير لذلك.

    1.   

    تعظيم شعائر الله

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم ممن يعظم شعائر الله ويحفظ حدوده، ويقيم كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    أقول: إن الله تبارك وتعالى قد حث وحض على تعظيم شعائره، ويكفي في ذلك قوله تبارك وتعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] وقد أضيفت التقوى إلى القلوب؛ لأن القلب هو محل التقوى كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره) وإذا خشع القلب واتقى، خشعت سائر الجوارح، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح أيضاً.

    فشعائر الله تبارك وتعالى لا يعظمها إلا من عظم الله واتقاه وعرفه تبارك وتعالى وقدره حق قدره، وهذا أمرٌ لا خلاف فيه بين المسلمين، وبين كل من يقرأ كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    خلاف العلماء في تفسير معنى شعائر الله

    ما هي شعائر الله؟ وما تعريفها عند العلماء أو عند المفسرين رحمهم الله كما وردت في الآية السابقة؟ وكما وردت في قوله تبارك وتعالى في أول المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً [المائدة:2].

    فسر بعض العلماء شعائر الله بأنها أوامره وفرائضه، ومعنى ذلك: أن كل ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما تعبدنا الله تبارك وتعالى به فهو من شعائره، فيدخل في ذلك الشعائر الظاهرة والباطنة؛ لأن الدين باطنٌ وظاهرٌ، ويدخل في ذلك الشعائر العملية والشعائر الاعتقادية، ويدخل في ذلك الأركان والواجبات والمستحبات، فكل ما شرعه تبارك وتعالى فهو من شعائره، والمسلم مأمورٌ بأن يعظمها وأن لا يحلها؛ وذلك بأن يمتثل أوامر الله ويجتنب نواهيه، وهكذا يكون التعظيم على هذا المعنى.

    وقال بعض العلماء: إنَّ شعائر الله هي ما يتعلق بمشاعر الحج فقط من النسك؛ ولذلك فسرها بعض السلف بأنها: الصفا والمروة والبدن التي جاءت في كتاب الله تبارك وتعالى كما قال تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [الحج:36] فقالوا: إذاً المقصود بها الحج أو ما يتعلق بمشاعر الحج وبعض أعماله، ومنه إشعار الهدي وهو: العلامة الذي توضع عليه.

    القول الراجح في معنى شعائر الله

    إنَّ القول الوسط في ذلك، وربما كان الراجح إن شاء الله تبارك وتعالى أن شعائر الله هي: المعالم الظاهرة من دينه، التي جعل الله تبارك وتعالى بعضها زمانياً، وجعل بعضها مكانياً، فهذا قول وسط بين القولين، ومعنى معالم حدود الله: هي المعالم أو العلامات الواضحات التي يمكن أن نشتقها من المعنى اللغوي، فإن الشعور أو الإشعار في اللغة هو: العلم، شعر بكذا أي: علم به، والإشعار: هو وضع العلامة كما يوضع على الهدي علامة تدل على أنه هدي فلا يحله أحد.

    أعظم الشعائر المكانية

    إنَّ الله -تبارك وتعالى- جعل لهذا الدين معالم وعلامات ظاهرةٍ تدل عليه، وبعضها -كما ذكرنا- مكاني وبعضها زماني، فمن الشعائر المكانية التي عظمها الله تبارك وتعالى وأمر بتعظيمها: الثلاثة المساجد مكة والمدينة وبيت المقدس.

    فهذه الثلاثة من شعائر الله وكل مسجدٍ لله -أيضاً- كما قال عز وجل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36] فالمساجد من شعائر الله، ورفع الأذان فيها من شعائر الله، وتعظيمها من تعظيم شعائر الله.

    وأفضل المساجد هي المساجد الثلاثة التي ثبت عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا تشد الرحال إلا إليها، والحرم كله معظَّم، ولا سيما في هذه البلدة الطيبة الطاهرة فهو من الشعائر المكانية.

    وقد جاء في تعظيمه في كتاب الله وفي سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأدلة ما لا يحصى، كما في قوله تبارك وتعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة:125] وفي قول الله عز وجل: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ [المائدة:97] وغير ذلك من الآيات، فهي كلها تدل على أن الله تعالى قد عظَّم هذا البيت وهذا الحرم وشرفه على سائر البلدان، وأنه من شعائر الله التي يجب أن تعظم.

    وقد كان العرب في الجاهلية يعظمون البيت الحرام تعظيماً بالغاً، فعلى ما كانوا فيه من شرك وجاهلية وعبادة للأصنام إلا أنهم كانوا يعظمون البيت، وكان من ينتهكه منهم يعد عندهم من أفجر الفجرة وأكبر الظلمة ولا قيمة له سواء أكان فرداً أم قبيلة.

    ولهذا جاء في تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [المائدة:2] أن الناس كانوا إذا جاءوا إلى مكة وخرجوا من الحرم، يأخذون من لحاء الشجر ولا سيما شجر السمر الذي يكثر في مكة ويجعلونه علامةً على رقابهم أو على دوابهم فلا يتعرض لهم أحد أبداً؛ لأن الناس كما تعلمون كانوا في الجاهلية يقطعون الطريق، فإذا قدم القادم ورأوا عليه هذا الشعار وهذه العلامة عظموا ذلك ولم يتعرض له أحد.

    فكان هذا حالهم في الجاهلية، فلما جاء الإسلام زاد ذلك تعظيماً -ولله الحمد- وتشريفاً بأن أعاد إلى هذا البيت نقاء وطهارة التوحيد، الذي جاء به الخليل صلوات الله وسلامه عليه، والذي بنى هذا البيت أو جدد بناءه؛ ليكون كما أمر الله تبارك وتعالى مكاناً يعبد فيه عز وجل كما قال: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج:26].

    فهذه هي ملة إبراهيم التي أمر الله تبارك وتعالى بها، وجددها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعظَّم الحرم أشد مما كان يُعظم في الجاهلية، ويدخل في ذلك ما ذكره بعض العلماء من الصفا أو المروة أو مزدلفة أو منى وكل ما قد عظمه الشرع.

    وسنذكر إن شاء الله عندما نتعرض لأحوال الناس في تعظيم الشعائر ما ابتدعه الناس مما لم يعظمه الله ورسوله في هذه الأماكن، والمقصود أن أعظم وأشرف الشعائر المكانية هو البيت الحرام، وأن لتعظيمه أموراً وحقوقاً لا بد منها لعلنا نذكرها إن شاء الله تعالى بالتفصيل فيما بعد.

    أعظم الشعائر الزمانية

    وأما الشعائر الزمانية فإنه كما أن الله تبارك وتعالى اختص بعض البقاع وشرفها على بعض، فهو كذلك اختص بعض الأزمنة وشرفها على بعض، ومن ذلك الأشهر الحرم وشهر رمضان.

    فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد فضله وشرفه كما قال: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]، وكفى بذلك شرفاً وفخراً.

    كما أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عظَّم الأشهر الحرم فقال: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36].

    وقد فسر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الأشهر الحرم كما في الصحيح من حديث أبي بكرة قال: قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {{إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد الفرد وهو رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان}} وهو الشهر الذي نعيش فيه -ولله الحمد- فنشكره تبارك وتعالى الذي بلغنا إياه، ونسأله عز وجل أن يبلغنا رمضان، وأن يتقبل منا عبادتنا وطاعتنا في سائر الأزمان.

    وهناك من الناس من يعظم شعائر في شعبان لم يعظمها الله تبارك وتعالى وكما يقع -أيضاً- في غيره من الأزمنة، وهذا ينقلنا إلى ذكر أنواع الناس في تعظيم هذه الشعائر.

    1.   

    شعائر لا بدع

    من الناس -أيها الإخوة المؤمنون- من غلا في تعظيم شعائر الله، حتى أدخل فيها ما ليس منها سواء أكان تعظيماً للأمكنة أم تعظيماً للأزمنة.

    الغلو في تعظيم شعائر الله

    فأما تعظيم الأمكنة بما لم يشرعه الله تبارك وتعالى، فمن ذلك ما يفعله بعض الحجاج والزوار أو العمار -كما ترون- من تعظيم أماكن مخصوصة لم يرد فيها شيءٌ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عن السلف الصالح، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

    فما يفعله بعض الناس من الذهاب إلى غار ثور أو إلى غار حراء ويصلون هنالك، ويتبركون في أماكن كثيرة من مكة، وربما كان أكثر منها في المدينة مما لا أصل له، فكل ذلك محدثٌ مبتدع ولا يجوز أن يقروا عليه أبداً.

    وإنما يكتفى في ذلك بما شرعه الله تبارك وتعالى كما جاء عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    ولا ريب أن كل من عظَّم ما لم يعظمه الله؛ فإنه لا بد أن يخل بتعظيم ما أمر الله تبارك وتعالى بتعظيمه سواء من الشعائر أم المعالم المكانية أم الزمانية.

    التفريط في تعظيم شعائر الله

    أما القسم الثاني من الناس: فهم الذين لا يبالون بتعظيم حرمةٍ ولا شعيرةٍ، لا في هذا الشهر ولا في غيره من الشهور، ولا في هذا الحرم ولا في غيره من الأماكن، فلا يعظمون لله تبارك وتعالى مسجداً ولا حرمةً ولا شعيرةً من الشعائر، وهؤلاء قومٌ قد ضرب الله تعالى على قلوبهم الغفلة -نسأل الله تعالى العفو والعافية- وإن كان كثيرٌ منهم يعد نفسه من أهل الخير ومن عامة المسلمين، لكنهم يغفلون عن تعظيم ما أمر الله بتعظيمه من هذه الشعائر.

    الوسطية في تعظيم شعائر الله

    والقسم الثالث: هم أهل الهدى، وأهل السنة هم القوم الوسط الذين عظموا ما عظم الله عز وجل، وتركوا ما لم يعظمه الله، واتبعوا سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاتبعوا ولم يبتدعوا.

    1.   

    بدع شهر رجب

    إذا نظرنا إلى هذا الشهر وما بعده من الشهور، فإننا نجد الأصناف الثلاثة في هذا الشهر، في تعظيمه أو عدم تعظيمه إما غلواً وإما تركاً أو اقتصاداً وعملاً بالسنة، فالأقسام الثلاثة نجدها متوافرةًُ فيما يتعلق بهذا الشهر -شهر رجب- ثم كذلك ما بعده. فما يفعله بعض الناس في هذا الشهر من الذبح أو ما يسمونه الرجبية والاحتفال والتعظيم بهذا الشهر، والصيام الذي لم يأت فيه نص ولا دليل أو الصلوات المبتدعة، فكل ذلك يدخل في القسم الأول وهو قسم البدع.

    ذبيحة العتيرة

    وقد كان الذبح واتخاذ يوم من شهر رجب عيداً يذبح فيه من شأن الجاهلية، والذبيحة التي كان الجاهليون يذبحونها تسمى العتيرة، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: {{لا فرع ولا عتيرة}}.

    واختلف العلماء في ذلك فمنهم من رأى أن هذا ناسخٌ ومبطلٌ لما كان عليه أهل الجاهلية، فبعد أن قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {{لا فرع ولا عتيرة}} لا يجوز لأحد أن يحتفل أو أن يذبح في شهر رجب.

    وقال بعض العلماء: إن النهي إنما هو للوجوب، فيظل ذلك استحباباً؛ لأن أهل الجاهلية -في نظره- كانوا يفعلون ذلك وجوباً ويعظمونه تعظيماً بالغاً.

    ومنهم من حمله على الكراهة مستدلاً ببعض الآثار أو الأحاديث ولا مجال لتفصيل القول فيها.

    ولكن القول الصحيح والراجح والذي عمل به الإمام أحمد -رحمه الله- وغيره من السلف المتبعين للأثر والسنة في هذا، هو ترجيح أن ذلك كان من أمر الجاهلية، وقد أبطله الإسلام، فلا يذبح في شهر رجب ولا يعظم، ولا يتخذ يوماً من أيامه عيداً يعظم.

    ولعل الليلة التي يكثر السؤال عنها والتي يعظمها بعض الناس في هذا الشهر هي ليلة السابع والعشرين منه معتقدين أنها ليلة الإسراء والمعراج، وقد بينا أن هذا من البدع، وأنه لم يثبت، ولم يصح في هذه الليلة شيءٌ يعتمد عليه في تحديد تاريخها، وأنه لو ثبت وصح أنها في ليلة معينة أو في وقتٍ معينٍ بذاته لما جاز أن يحتفل بها؛ لأن ذلك لم يأتِ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عن أحد من الصحابة.

    وإنما أحدث ذلك المحدثون في القرون التالية للقرون المفضلة الثلاثة، ثم اختلفوا في ذلك اختلافاً شديداً جداً في تعيينها، وأكثر من يعظم هذه الليلة وغيرها من ليالي الشهر بالبدع هم الرافضة والصوفية، وكفى بذلك زاجراً للمؤمن عن مشاركة أهل البدع في بدعهم وأهوائهم وضلالهم، الذي لم يأت ولم يصح فيه شيء عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    صلاة الرغائب

    من الناس من يصلي في أول جمعة من رجب صلاةً مخصوصةً ويسمونها صلاة الرغائب.

    وهذه الصلاة باطلة موضوعة لم تصح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه الكيفية ولا في هذا الشهر؛ ولذلك يعلل الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى فيقول: لماذا لم ينكر هذه الليلة إلا العلماء المتأخرون كـابن الجوزي وأبي إسماعيل الهروي وأمثالهم؟ قال: لأنها لم تحدث إلا بعد الأربعمائة.

    فهذه الليلة التي يصلى فيها صلاة الرغائب -كما تسمى- لم تحدث ولم تبتدع إلا بعد الأربعمائة، فلم يتكلم فيها السلف الأولون؛ لأنها لم تحدث في أيامهم وكفى بذلك دليلاً على أنها بدعة وعلى أنه لا يجوز لأحد أن يعمل بها.

    وأما ما تزخر وتمتلئ به كتب الأذكار البدعية من رافضة وصوفية بالحديث عن هذه الصلاة وفضلها ووقتها وكيفيتها، وأنها في هذا الشهر في أول جمعةٍ منه إلى غير ذلك فكله من البدع التي لا أصل لها.

    صيام أيام من رجب

    ومما هو منتشر -أيضاً- في شهر رجب، وقد رأيناه ولمسناه بين العامة أنهم يخصونه بأنواع من الصيام، فبعضهم يصوم الشهر كله وهذا منهيٌ عنه، ولم يصم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهراً بأكمله إلا رمضان، وثبت ذلك من وجوه كثيرة عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن الصحابة والتابعين من السلف أنهم نهوا أن يصام شهر كله إلا رمضان، وكان أكثر الشهور بعد رمضان صياماً من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصحابة والتابعين هو شهر شعبان.

    وأما رجب فلم يثبت ولم يصح في صيامه كله أو تحديد أيامٍ منه شيء، وبعضهم يحدد فيجعلها ثمانية أيام، وبعضهم يجعلها اثني عشر أو غير ذلك، وهذا التحديد كله -أيضاً- باطلٌ لا أصل له.

    ولو أن الإنسان صام الإثنين أو الخميس أو الأيام البيض، أي: صام ما جاء وثبت وصح في رجب وغير رجب فلا بأس بذلك، لكن لا ينبغي له أن يخص رجب -فقط- بأن يصوم هذه الأيام فيه، لأن ذلك -أيضاً- يدخل في شيء من البدع، والإنسان إنما يتبع ويطمع في الأجر والفضيلة إذا كان في ذلك متبعاً وليس مبتدعاً.

    فهذا -كما قلت- لمسنا انتشاره بين العامة نتيجة لما تأوله بعضهم أو نسبه إلى بعض كتب الفقه أو بعض العلماء ولا مستند لهم في ذلك، والله تبارك وتعالى إنما قال في تعظيم الأشهر الحرم: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36] وهذه الآية نستطيع أن نستنبط منها أن المطلوب من الإنسان في الأشهر الحرم أن يعظمها بأن لا يظلم فيها نفسه.

    بمعنى أن أي عملٍ كنت تعمله في غير الأشهر الحرم من المعاصي أو الذنوب أو الفجور يجب عليك أن تكف عنه في هذا الشهر، وإن كان المطلوب منك أن تكف عنه في أي شهر، لكن في هذا الشهر مطلوب منك أن تكف عنه أكثر، فالطلب منك أقوى والحض أشد.

    وكذلك لا زيادة في المأمورات، ولكن كل فعلٍ أنت مأمورٌ به في سائر الشهور والأيام، فاعلم أنك في الأشهر الحرم، وكذلك في الأماكن الحرم أو الأماكن المقدسة، مطلوب منك أن تعمله أكثر، بمعنى: أن مخالفتك بترك هذا الأمر في أي شهرٍ، -كشهر ربيع- لا يجوز؛ لأن الله تعالى أمرك به، ولا يجوز أن تخالف أمر الله، لكنك لو خالفت أمر الله في الشهر الحرام لكان ذلك أشد، أو لو خالفت وعصيت أمر الله في البلد الحرام، لكان ذلك أشد.

    إذاً، لا زيادة في العبادة على ما شرع الله تبارك وتعالى، وإنما المطلوب هو زيادة الامتثال بفعل المأمورات وترك المنهيات، فالمقصود: أي لا تظلموا فيهن أنفسكم بترك المأمور وفعل المحظور، وإن كان من الفقهاء والمفسرين من حمل ذلك على البدء بالقتال، أي: فلا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال؛ لأن الشهر الحرام كما قال الله: يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة:217].

    وهذا مما اتفق عليه أهل الإسلام وأهل الجاهلية بأن القتال في الشهر الحرام كبيرةٌ وعظيمة من العظائم، ولا يقدم عليها إلا من تجرأ على حدود الله، ولكن المشركين غفلوا عما هو أعظم من ذلك وهو الكفر بالله والصد عن المسجد الحرام.

    والقول الصحيح في هذه المسألة: أنه يجوز للمسلمين الجهاد وبدء القتال في الشهر الحرام، وقد ثبت ذلك عن الصحابة بما لا يدع مجالاً للشك وهو متواتر تواتراًعملياً، أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم لم يتحروا أن لا يبدءوا قتال الفرس أو الروم أو غيرهم في شهرٍ حرام وإنما كانوا ينطلقون للجهاد، فأي شهر وافق أو أي يوم وافق فإنهم لا يبالون بأن يتحروا ذلك، وأما القتل أو الظلم أو الاعتداء أو البغي أو العدوان فهذا لا ريب أنه حرام في سائر العام، إلا أنه يتغلظ تحريمه ويتأكد ويشتد إذا كان في الشهر الحرام أو في البلد الحرام.

    هذه هي القاعدة التي يخرج بها المرء المسلم المتبع لسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا، وهذا الذي يجب أن يدعى إليه الناس وأن يحث عليه العامة والخاصة بالنسبة لهذه الأشهر.

    1.   

    بدع شهر شعبان

    وأما شهر شعبان فإن كثيراً من الناس في هذا البلد الحرام، يعظمونه بما لم يعظمه الله تبارك وتعالى به ومن ذلك تعظيمهم ليلة النصف منه، ويزعم بعضهم ويدعي أنها الليلة المباركة التي ذكرها الله تبارك وتعالى في قوله: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3] وذلك مردود بصريح كتاب الله تبارك وتعالى، فإن الله عز وجل يقول: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185] ويقول: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1].

    فدل ذلك على أن الليلة المباركة تكون في رمضان وأنها ليلة القدر، وهذا واضح جليٌ لمن تأمله إن شاء الله تبارك وتعالى.

    على أن بعض العلماء يصحح في ذلك حديثاً، وهو أنه إذا كانت ليلة النصف من شعبان فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يتجلى أو ينظر إلى المؤمنين؛ فيغفر لهم جميعاً إلا المشرك أو المشاحن -أي: صاحب العداوة والبغضاء من المسلمين- وهذا الحديث على فرض صحته وعند من يصححه لا يدل على اختصاص هذه الليلة بنوعٍ من أنواع العبادة، وإنما هذا تفضل من الله تبارك وتعالى وإن ثبت فهو دليلٌ من الأدلة الكثيرة على سعة رحمة الله عز وجل وفضله ولطفه بهذه الأمة.

    فلم يشرع الله تعالى لنا عملاً معيناً نعمله في هذه الليلة، وإنما يعظم هذا الشهر استعداداً لشهر رمضان، وهذه هي القاعدة نفسها التي ذكرناها، وهي: أن تمتثل أوامر الله من صلاة الجماعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفعل الخيرات والطاعات، وكذلك بترك ما نهى الله تبارك وتعالى عنه.

    وأما الصوم فقد ثبت أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما كان أكثر صياماً في شهر بعد رمضان منه في شعبان، فالصيام في شهر شعبان هذا سنة، ومن صام منه ما استطاع فقد وافق السنة -إن شاء الله- وهذا ينفرد به شهر شعبان عن شهر رجب كما أسلفنا.

    1.   

    تعظيم البلد الحرام

    نأتي إلى أمر مهم وعظيم في تعظيم شعائر الله وتعظيم حرماته عز وجل، وهو ما يتعلق بالشهر الحرام والبلد الحرام، ونحن -والحمد لله- في البلد الحرام طوال العام، فمما يجب علينا من تعظيم حرمات الله، ومن تعظيم شعائر الله في هذا الشهر أو في هذا البلد ما يلي:

    تعظيمه عن الشرك

    إن من أول وأعظم ما يُعظم به هذا البلد الحرام، أن يُجتنب فيه أكبر الكبائر وأعظم الموبقات وهو الشرك بالله تعالى، فإنه لا يليق بهذا البلد الطيب الطاهر، وهذا البيت الذي بناه الخليل -عليه وعلى نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل الصلاة والسلام- على التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، لا يليق به أبداً أن يحدث فيه محدث، ولا سيما إذا كان الإحداث هو الشرك الأكبر عافاني الله وإياكم.

    والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يحذر في كتابه، ولا في سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذنبٍ أعظم من الشرك، قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار [المائدة:72] فهذا هو الداء العضال الذي بعث الله تبارك وتعالى الرسل جميعاً لينقذوا الناس منه، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] وقال: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين [الزمر:65].

    فلا يليق بهذا البيت المعظم المطهر أن يحدث فيه الشرك أبداً بأي حال من الأحوال، وقد بعث الله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتوحيد، وبتجديد ملة إبراهيم عليه السلام وتحطيم الأصنام، والقضاء على الشرك بكل أنواعه وأشكاله.

    فمن جاء وأراد أن يحدث أو يعيد معالم الشرك وشعائر الشرك في هذا البلد؛ فقد ضاد ما أمر الله تبارك وتعالى به، وخان الله ورسوله والمؤمنين, وقد تخلى عن ملة إبراهيم الخليل التي أمرنا الله تبارك وتعالى باتباعها، وجاءنا ليجدد ملة عمرو بن لحي الخزاعي، الذي كان أول من سيب السوائب، والذي حرف الناس وأهل هذه الجزيرة من عبادة الله وحده لا شريك له على ملة إبراهيم إلى عبادة الأصنام والحجارة، كما كان يفعل أهل الجاهلية في الأرض، فهذا أول ما يجب اجتنابه.

    تعظيمه عن البدع

    إن البدع هي أعظم المعاصي بعد الشرك بالله تبارك وتعالى، وكفى بها شؤماً، وشراً؛ لأنها ربما أحبطت العمل كله، بل بعضها لا شك أنه يحبط العمل كله، فلا تنفع الإنسان عبادة ولا قراءة ولا ذكر ولا جهاد مع هذه البدع.

    كما صح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيحين وغيرهما في صفة الخوارج أنه قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {{يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية}} وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {{تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وقراءتكم إلى قراءتهم}}.

    إن المخاطبين بهذا هم الصحابة الكرام، ومع ذلك فإن قراءة الخوارج، وعبادتهم أشد وأكثر من عبادة الصحابة، أي: أن الصحابة يحقرون قراءتهم وصلاتهم وعبادتهم عندما يرون قراءة الخوارج كما ذكر ذلك أبو سعيد.

    وكما رأى ذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لما دخل إلى معسكرهم، ومع ذلك فإنهم يمرقون من الدين، بل لا تتجاوز قراءتهم حناجرهم كما أخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذلك بسبب ما ابتدعوه من البدع، وقد جاء -أيضاً- عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: {{لا يقبل الله من صاحب بدعة صرفاً ولا عدلاً ولا صياماً ولا صلاة}}.

    فماذا يريد صاحب البدعة بها، إذا كان الله تبارك وتعالى لا يقبل منه شيئاً، ولا تنفعه مهما كثرت ومهما تعبد واجتهد فيها؟! فكيف يجرؤ مبتدع أن يبتدع، ويرتكب هذا الإثم العظيم في بلد الله الحرام، الذي أمر الله تبارك وتعالى بتعظيمه؟!

    تعظيمه وتطهيره من المعاصي الظاهرة

    يجب تعظيم وتطهير هذا البيت الحرام، وهذه البقعة الطيبة الطاهرة من المنكرات والمعاصي الظاهرة.

    ونحن نشاهد في الأيام التي يسمونها أيام العطلة أو الإجازة -والتي يتوافد فيها الناس والحمد لله على هذا البلد الحرام- كثيراً من المظاهر التي تدل على أن هؤلاء الناس من المقيمين أو القادمين لا يعظمون شعائر الله، ولا يعظمون هذا البيت كما أمر الله تبارك وتعالى.

    فبعضهم يأتي إلى هذا البلد الحرام وما يكاد يتحلل من عمرته حتى ينطلق في الأسواق، ويرتع في الملاهي وفي ترك الفرائض، وتبدأ النساء بالتبرج، والتهتك، وتكون من المصائب والأمور ما يضج بها المؤمنون، ويضج منها هذا البلد الحرام.

    وهذه مأساة كبرى ومصيبة عظمى، مع ما هو معلومٌ من ضعفٍ في الهيئات أو المؤسسات القائمة على الإنكار، لكن يزيد الطين بلة أن تأتي هذه الجموع فتنتشر المحرمات من السفور والتبرج وترك صلاة الجماعة، فترى الناس أكواماً وجماعات حتى بالقرب من المسجد الحرام، وتقام الصلاة ولا يجدون من ينكر عليهم من أهل البلد، وهذه من المنكرات ومن المظاهر الدالة على أن هؤلاء لا يعظمون شعائر الله، ولا يعظمون ما عظم الله تبارك وتعالى.

    وإنه مما يثير العجب أن يجد الإنسان أن هنالك مظاهر كثيرة كان بالإمكان أن تتدارك، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو أننا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، وكل من ذهب إلى الصلاة أمر وحث إخوانه عليها، وكل من كان في السوق وأقفل دكانه أمر ونهى إخوانه -أيضاً- بذلك وحثهم عليه، ولا يشترط أن يكون عضواً في الهيئة كما يتبادر إلى أذهان البعض، بل كل من رأى التبرج أو السفور أو الانحلال أو المغازلات أو ما أشبه ذلك من المعاكسات فإنه يبادر وينكر، لو فعلنا هذه الأمور لأحيينا هذا الأمر العظيم.

    إن تركنا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو -أيضاً- من عدم تعظيم شعائر الله، فيتبلد الحس على المنكرات والمعاصي والذنوب، حتى تصبح مألوفةً نسأل الله العفو والعافية.

    وأعظم من ذلك وأشد منه، وهو من المنكرات الدائمة في هذا البلد الحرام، في مواسم الخير وفي كل العام، وهو مما يدمي قلوب المؤمنين ويجرح مشاعرهم، ويتنافى مع تعظيم هذا البلد وتعظيم حرمات الله: أن نجد منارات أو علامات أو شعائر ما حرم الله تبارك وتعالى تنتشر في هذه البلدة الطيبة الطاهرة.

    ومن أوضحها البنوك الربوية التي -كما ترون في هذه الأيام- يكتتب البعض في جلها، ويحذر العلماء وعلى رأسهم سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن باز -رحمه الله- من هذا الاكتتاب.

    والواجب في الحقيقة -كما تعلمون- وكما هو ظاهر من فتاوى علمائنا الأفاضل، وهو صريح كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ألا توجد هذه العمارات أو المنارات أو الشعائر -شعائر الضلال والفجور والمعصية- ولا يجوز أن تبقى في هذا البلد الحرام، في أي مكان، وفي أي زمان، فعندما يجد الحاج أو المعتمر أو المقيم أن هذه الأجهزة أو المؤسسات الربوية قائمة في هذا البلد ثم يسكت، فالذي يحدث -كما ترون- أن الناس يألفون هذا المنكر ويصبح لديهم أمراً مألوفاً، ثم بعد ذلك يصبح الإنكار على من أنكره، وهذا بلا شك من عدم تعظيم شعائر الله.

    و في الجاهلية -كما تعلمون- كانوا يستحلون المحارم ومنها الربا، ولم يكن العرب-أقول هذا بكل أسف- يعلنون الربا بمثل هذا الإعلان، وبمثل هذا الشكل الصريح الذي يفعله الإنسان في هذا العصر حول بيت الله الحرام، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يرفع هذا البلاء عن المسلمين إنه سميعٌ مجيب.

    ويلحق بذلك مما يتنافى مع تعظيم شعائر الله ما يجده القادم إلى هذا البلد أو المقيم فيه من انتشار أماكن لبيع اللهو والفساد ومشجعات الرذيلة من محلات بيع الأفلام الخليعة الماجنة ومحلات الأغاني.

    ويعجب الإنسان كيف توجد هذه الملاهي وهذه الدواعي إلى الرذيلة والدعارة والفساد في هذا البلد الحرام، وكيف استجاز أصحابها أن يفتحوها فيها، وكيف استجاز القائمون على الأمر أن يسكتوا عن وجود هذه الأمور.

    والله إنها لمصيبة عظيمة أن يأتي الحاج من أقاصي الدنيا، وإذا به يجد الأفلام والأغاني التي يراها في أوروبا وأمريكا، تباع بجوار بيت الله الحرام، بل حتى في الأسواق، يعلقون تلك الملابس المتعرية الشفافة التي لمجرد رؤيتها تستثار الشهوة وتستحث الرذيلة- نسأل الله العفو والعافية- وكأنهم في مكان ما غير بلد الله الحرام، وكأن الأمر لا يهم هؤلاء الناس في شيء.

    فهذه في الحقيقة من المنكرات الظاهرة العظيمة التي تتنافى مع تعظيم شعائر الله، وتعظيم هذا البلد الذي أمر الله تبارك وتعالى بتعظيمه.

    ومن أكثر ما ينتشر في هذه البلدة الطاهرة -أيضاً- مما يجب أن ينبه عليه من المحرمات الأخرى: الغش في التجارة، الذي استغله كثيرٌ من الناس في المواسم، وفي أيام العطل أو غيرها مما يكثر فيه الناس؛ فيغشون في المعاملات، ويطففون في المكيال والميزان، ويخرجون ويبيعون ما قد انتهى تاريخه من البضائع ولا يتحرجون من ذلك، ويغشون في المساكن وفي أمور كثيرة جداً، ويقولون: هذا موسم! فيقال لهم: من أباح وأحل لكم -بما أنه موسم- أن تفعلوا هذا، وأن تنتهكوا شعائر الله التي أمر الله تبارك وتعالى بتعظيمها، وأن تقدموا على غش إخوانكم المسلمين الحجاج أو الزوار، أو من جاء لتعظيم شعائر الله؟! فأصبح المؤمن يجد الحرج الشديد والكرب العظيم في إنكار المنكرات؛ لأنها من كثرتها تستدعي جهوداً عظيمة وأجهزة متخصصة، وتعاوناً جدياً وثيقاً من طلبة العلم.

    1.   

    واجب الدعاة في البلد الحرام

    وإنني لأنتهز هذه الفرصة بدعوة طلاب العلم، وكلهم إن شاء الله من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر كما أمر الله تبارك وتعالىبقوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104].

    فعلينا أن نتعاون جميعاً في كل قطاع وفي كل مجال، نحن وكل من يأتي إلى هذه البلدة فضلاً عمن هو مقيم فيها، في أن ننكر هذه المنكرات جميعاً، وأن نحيي في الناس شعائر الله حقا،ً التي من أعظمها إحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك الشرك والبدع، وترك المعاصي والفجور، وأن نتعاون على ذلك في كل مكان، والوسائل في ذلك كثيرة ومتنوعة -والحمد لله.

    فلو تصورنا أن كل إنسان يبيع هذه الملاهي أو يعمل في بنك ربوي، أو يفتتح محلاً للربا أو للحرام في هذا البلد، وكان كل من يمر به من حاجٍ أو معتمر أو زائر ينصحه وينهاه ويأمره، فلا شك أن المنكر سيتغير وإن لم يُزَلْ بالكلية فلا بد أن يتقلص، ولا يكتفى بالإنكار المباشر على أهل هذه المنكرات، بل يجب أن يكتب -أيضاً- إلى من يهمه الأمر بإلغائها وإخراجها من هذا البلد الحرام، فهذه المحرمات لا تجوز في أي مكان، فكيف بها في هذا البلد الطاهر؟!

    ولابد أن تدعم هذه المحاولات، فعندما جرت محاولاتٌ صادقة طيبة جادة -والحمد لله- من بعض المسئولين في أمانة العاصمة للقضاء على المقاهي أو إخراجها من البلد الحرام، وهي مما لا يليق به ولا بشرفه وفضله تراخى الناس في التعاون، وحدثت ملابسات، وإذا بالأمر يرجع ويعود إلى ما كان عليه، فيأتي الإنسان إلى هذه البلدة الطيبة الطاهرة ويجد المقاهي مفتوحة، والناس يسهرون فيها، أمام التلفاز أو غيره من المنكرات والملهيات، وكأن هذا البلد لا قيمة له، وكأنه كأي بلدٍ من البلدان.

    فهذا الذي لا يجوز الاشتغال به في أي بلدٍ من البلدان، يعمل في هذا البلد بسبب ضعف التعاون، وضعف الهمة وقلة الإنكار.

    فلو أن كلاً منا أنكر بما يستطيع كتابياً أو هاتفياً أو مقابلةً، وتعاونا على ذلك لاستطعنا -إن شاء الله تبارك وتعالى- أن نعيد إلى هذه البلدة الطيبة الطاهرة ما أراده الله تبارك وتعالى وما يرضيه من بقائها خالصة له عز وجل لا شرك فيها ولا بدع، ولا ضلال ولا فجور ولا تبرج ولا سفور ولا ربا ولا زنا ولا مخدرات، ولا فواحش ظاهرة أو باطنة، ولا غش في المعاملات.

    فلابد أن نعظم هذه البلدة، وأن نقيم فيها أمر الله، ونقيم فيها حدود الله عز وجل وأن يشعر الإنسان بمجرد أن يقترب منها من بعيد أنه آتٍ إلى بلد الإيمان، بلد الطهارة وبلد الفضيلة، فيرق قلبه وتخشع جوارحه وتدمع عينه، ويأتي إلى هذا البيت وقد عزم عزماً أكيداً على أن يغسل كل ذنب قد أذنبه، وكل معصيةٍ قد فعلها من قبل، وأن يجدد العهد مع الله عز وجل، وأن يطيع الله ما بقي من عمره.

    أما إذا جاء فوجد دواعي الشهوة والإثارة وحب الدنيا، والميل إلى ما حرم الله ماثلةً أمام عينيه، حتى داخل المسجد الحرام -كما يقع وكما شكا إلينا كثير من الناس كتابياً أو هاتفياً من هذا الشأن -فإن هذا والله مما لا يجوز أن نسكت عليه أو أن نقره، -والحمد لله- أننا سنجد التجاوب إن شاء الله- وهو موجود، ولكن التجاوب يكون مع مطلب وتحرك من أهل الخير، ومع حثٍ من أهل الفضيلة.

    ومما يساعدنا -إن شاء الله تبارك وتعالى- على هذا الشيء أن ننشر الكتيب الإسلامي، وأن ننشر الشريط الإسلامي بين الحجاج، والمعتمرين وبين المقيمين، ويبين فيها ما يدل على تعظيم هذا البيت وعلى فضله، وإذا نشرنا بينهم الأذكار الصحيحة استغنوا بها عن الأذكار البدعية، وإذا بينا لهم أحكام هذه الشعائر المكانية والزمانية استغنوا بذلك عن البدع التي هم فيها.

    والحمد لله أنه يغلب على من يأتي إلى هذه البلاد، أنه يطيع ويسمع ويتقبل، فهذا من فضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا أمرٌ مشاهد وملموس في الحج وغيره.

    فإذا نشر بينهم الشريط النافع الطيب، ووجدوا أن في هذه البلدة من يستقبلهم من أهلها، ويهدي إليهم الخير، والنصح والمحبة، فإن هذا مما يفتح صدورهم وقلوبهم إلى الخير، ولو تأملنا في التاريخ لوجدنا أن كثيراً من دعوات التجديد والإصلاح والتوحيد التي قامت في أطراف الأرض إنما كانت بفضل من الله تبارك وتعالى، ثم بسبب هذا الحج.

    حيث كان الحجاج يقدمون إلى هذه البلاد، فلما جاءوا بعد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- فوجدوا شعائر الله معظمة، ووجدوا حرمات الله معظمة، ووجدوا أن دين الله ظاهر، فأخذوا هذا العلم وهذه العقيدة فعادوا بها، فانتشرت دعوة التوحيد في الهند وفي جزر الهند وإندونيسيا وما حولها، وانتشرت في نيجيريا وفي كثير من الدول مثل الصومال وفي غيرها من المناطق، فانتشرت دعوة التوحيد من هذه البلاد انطلاقاً من الحج أو العمرة، من مكة أو المدينة، التي إذا صلحت صلح بقية العالم -إن شاء الله-؛ لأنه كما جاء في الحديث (إن الإيمان ليأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها).

    فيجب أن نحيي هذه الشعيرة، وأن نجعل الإيمان بارزاً ظاهراً، وأما أن يظل كلٌ منا في حدود نفسه، أو يعظم شعائر الله في قلبه ونحن نستطيع أكثر من ذلك فإن هذا مما نخشى أن يعمنا العذاب بسببه؛ لأننا نستطيع أن نفعل ما هو أكثر من ذلك، ونستطيع أن ندعو إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن نقيم الحجة في حدود قدرتنا.

    إننا لواثقون -والحمد لله- من استجابة الناس في داخل هذه البلدة، أو من القادمين إليها إلى مثل هذه النصائح وهذه التوجيهات، خاصة مع قدوم شعبان ثم رمضان، وهنالك سيكون الزحام وستكون أمور عظيمة، ويليها الحج وما فيه كما تعلمون.

    فأمامنا الأشهر التي تكون فيها شدة ازدحام هذا البلد، وشدة ظهور كثير من هذه المنكرات في هذا البلد فيجب علينا أن نعد العدة، وأن نبذل الجهد في سبيل القضاء على كل ما يتنافى مع تعظيم هذه البلدة الطيبة الطاهرة، التي جعل الله تبارك وتعالى الذنب أو العمل فيها ليس كغيره، قال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم ٍ [الحج:25].

    قال بعض العلماء: ''لم يرتب الشرع أو يرتب الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-العقوبة على عملٍ بمجرد الإرادة إلا في هذه البلدة، أما في غيرها فإن الذنب إنما يترتب على الفعل لا على الإرادة، ولا غرابة في ذلك؛ لأن الله تعالى اختصها وشرفها بما تعلمون''.

    نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن ينفعنا وإياكم بما نقول ونسمع، وأن يجعلنا ممن يعظم شعائر الله ويحفظ حدود الله، ويقيم دين الله عملاً بكتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    الفساد في مشاعر الحج

    السؤال: يقول: إنَّ أهل مكة جعلوا عرفة ومنى ومزدلفة محلاً للخروج والفتن والطرب، وفيها أشياء أُخر؟

    الجواب: في الحقيقة هذا لا يجوز، وهذا مما يتنافى مع تعظيم شعائر الله، وهذا أمرٌ ملموس، وقد خرجت مرةً فعجبت أن عرفة قد أصبحت ميداناً لما يسمونه بالتفحيط، وعلى مشهد ومرأى من المرور، ولا أدري أهو عجز أم ضعف؟! ولكن هذا هو الحال.

    أما التبرج والفتن والسهر والطرب، فهذا -لا حول ولا قوة إلا بالله- كثير، وبعض الناس يركبون في سيارات الأجرة أو في غيرها، ويذهبون إلى هذه المشاعر ليتعرفوا عليها، والتعرف عليها لا بأس به إذا كان في حدود منضبطة؛ لأن أيام الحج قد لا يستطيع الإنسان أن يتعرف بسبب الزحام، أما أن يكون هنالك من التبرج والاختلاط وربما كانت بعض النساء من غير محرم، فهذه الأمور كلها لا تجوز.

    حدود الحرم

    السؤال: ما مدى صحة كون وادٍ في الطائف حرماً، وهل عليه دليل؟

    الجواب: هذا الوادي جاء عن بعض العلماء وأظنه في مذهب الشافعية أنه حرم، وهذا لا يثبت ولا يصح، وإنما الحرمان فقط هما مكة والمدينة، وحتى بيت المقدس ليست حرماً، وما يقوله بعض الناس عند قولهم: الحرم الإبراهيمي أو الحرم الأقصى هذا من الأخطاء العامة التي درج عليها الناس.

    بدع تقترف في المدينة المنورة

    السؤال: ما رأيكم في الآثار التي في المدينة والتي منها ما يزار، وما هي حقيقة المساجد السبعة؟

    الجواب: المساجد السبعة لا أصل لها فيما نعلم، ولا يجوز أن تختص تلك البقعة بأي نوع أو أي عملٍ من أعمال العبادة، وهذا يدخل في البدع أيضاً.

    والبدع في المدينة كثيرة جداً -ولا حول ولا قوة إلا بالله- والأماكن البدعية كثيرة كذلك، وكما اقترح الأخ الذي كتب سؤالاً آخر ويقول: لماذا لا تمنع الكتب البدعية للمناسك؟

    نعم، وحبذا لو تقوم الأمانة العامة للتوعية في الحج بذلك، بأن تطبع كتباً أو نشرات وتوزع، وهذا -والحمد لله- يحصل، لكن نريد شيئاً مخصوصاً بهذا لمن يدخل المدينة بالذات ليبين له الأماكن التي لا يجوز زيارتها، والتي زيارتها تعد من البدع، ولا يؤجر صاحبها ولا يثاب عليها، وهي كثيرة.

    ولا نبالي بقول من يقول: دع الناس يطلبون الرزق، كما يقول كثير من الناس، وهذا هو الذي كنا نقابل به في المدينة، أي: من أهل سيارات الأجرة وأهل المطاعم، ممن يطلبون الرزق ويتكسبون بالبدع، وهذا مما لا يجوز.

    فأقول: لعله -إن شاء الله- أن يكون من الكتب النافعة المصورة ما يوضح -مثلاً- صورة هذه المساجد، وصورة الأماكن الأخرى التي يعظمونها، وهي كثيرة منها ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه، فتحل محل الزيارات البدعية، وفي الوقت نفسه تسحب الكتب البدعية، ويمنع من يسمون المزورين، وهم مزورون -فعلاً- يزورون الحقائق ويجعلون السنة بدعة والبدعة سنة، فيمنع هؤلاء من هذا العمل.

    حكم تعطيل شعائر الله للضرورة

    السؤال: هل يجوز تعطيل بعض شعائر الله في بعض الأزمنة للضرورة كما يستدل بعض الناس أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يقم حد القطع في عام الرمادة لما اشتد الجوع؟

    الجواب: الأصل في شعائر الله تعالى أنها لا تعطل، وحدود الله لا تعطل لكن إذا اقتضى سببٌ شرعي لإيقافها في وقت معين أو عن أشخاص معينين، فما دام السبب شرعياً فلا بأس بذلك، ولكن هذا لا يعد نسخاً ولا يقاس عليه، فإن دين الله قد ختم وأكمل، ولا يحق لأحد أن ينسخه أو يقيس عليه.

    وما يسمون -الآن- بالمدرسة العصرية الذين يرون إسقاط الحدود في هذا العصر لكثرة الفساد الاجتماعي والاقتصادي، ويستدلون بما جاء في السير عن عمر -رضي الله تعالى عنه- فنقول لهم: هذا قياسٌ فاسد باطل، ولا يصح ذلك.

    التوبة

    السؤال: أنا شابٌ منحرفٌ، أريد الاستقامة وهذه أول محاضرة أسمعها، وأول مرة أحضر لدرس العلماء، وأنا أريد أن أتوب، مع أنني قد ارتكبت جميع المحرمات، ولي جلساء لا يخافون الله، كيف أستقيم، وكيف أرجع إلى الله وكيف أترك جلساء السوء؟ وأرجو أن تدعو لي ولمن مثلي!

    الجواب: أولاً: نحتاج الدعاء من الجميع بأن يثبتنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جميعاً على الحق والخير والهدى والاستقامة، وادعوا -أيضاً- لأخيكم هذا، والحمد لله الذي هداه، ونسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يهدي قلوب جميع شباب المسلمين.

    ونوصيك يا أخي بالإقبال على كتاب الله، تلاوةً وتدبراً، والإقبال على مساجد الله، والمحافظة على الصلاة فيها، وحلقات الذكر، والانعزال والترك لكل جلساء السوء الذين أشرت إليهم في رسالتك، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إذا أقبل عليه العبد بصدق وإخلاص؛ فإنه يعوضه الخير والأمن والطمأنينة.

    وكما جاء في الحديث: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب، من رجل كان في فلاة، فضاعت دابته وعليها طعامه وشرابه وسقاؤه، فلما رآها قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح).

    فالله تبارك وتعالى -وهو الغني عن العباد جميعاً- يفرح بتوبة التائب إذا تاب، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وقد وعد من يتوب ويستقيم بما يغري كل مذنبٍ أن يتوب، فقال تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70].

    فاطمئن يا أخي سيبدل الله تعالى سيئاتك حسنات، إذا تبت وآمنت وعملت صالحاً واستقمت، وأخذت ببعض ما أشرنا إليه من الأسباب التي تعينك -إن شاء الله- على الاستقامة فيما بقي.

    من أخطاء غاسلي الموتى

    السؤال: هناك انتهاكٌ عظيم لحرمات الله من قبل المغسلين وإدارة شؤون الموتى حيث إنهم يشربون الشيشة ويشاهدون التلفاز بجوار القبور، وينتشلون الموتى قبل الموعد، ولقد رأينا ذلك في بعض منهم، وهم في الغالب من أهل البدع -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فما رأيكم في هذا؟

    الجواب: هذا والله من العجب! كما عبر بعض الناس وقال: موتى يدفنون موتى، فهم موتى ماتت قلوبهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    نقول: الذي يغلب عليهم كما هو مشاهد لمن خبر أحوالهم، وبلغني من طرق كثيرة أن هنالك طائفةً كثيرة منهم ماتت قلوبهم فدخول الميت وخروجه ودفنه كأنه لا شيء عندهم، ومن المعلوم أن من تعظيم شعائر الله، أن تعظم حرمة الميت، وأن تعظم حرمة المقابر، وإذا كان القلب المؤمن لا يستحل ولا يستسيغ أن يشتغل بالغناء أو اللهو والطرب ومشاهدة التمثيليات في أي مكان، ولو كان في رأس جبل بعيد خارج جزيرة العرب، فكيف تكون قسوة هذا القلب، وغفلته وموته إذا كان يشاهد هذه المناظر، ويستمتع بهذه المحرمات، وهو بجوار أو في داخل المقبرة.

    سبحان الله تجد منهم من هو جالس فوق المقبرة، والميت في الأسفل، وهذا يشاهد التلفاز في الأعلى، أو ما أشبه ذلك إلى آخر الليل، سبحان الله العظيم، أبلغت بنا الغفلة إلى هذا الحد؟ أبلغ بنا الانصراف عن الآخرة ونسيانها -وكأننا لسنا بميتين ولا محاسبين- إلى هذا الحد؟!

    أما كفانا أن المقابر لا تزار وأنا لا نعتبر بمن مات! أما كفانا أنا نقصر في الطاعات حتى نرتكب ونجاهر بمثل هذه المحرمات أمام أكبر موعظة، وكفى بالموت واعظاً، فيا سبحان الله، ما أغفل هذه القلوب؟!

    ثم إن الواجب على المسئولين في أمانة العاصمة، وفي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإمارة منطقة مكة أن يقضوا على هذا المنكر، ومما يعجب له الإنسان أنه -فعلاً- تنتشل عظام ولحوم الموتى، وهم في حالةٍ لو رآها الإنسان؛ ما استطاع أن يراها أبداً، وهذه أمورٌ قد ثبتت عندي، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىأن يرفع عنا البلاء، وأن يرفع عنا هذه الغفلة، وأن يغيث قلوبنا ويوقظها بالإيمان، حتى تعرف قدره وعظمته، وتعظم ما عظم، ولا حولا ولا قوة إلا بالله.

    العمل في البنوك الربوية

    السؤال: رجل سمع خطبةً في تحريم الربا وهو يعمل في بنك من البنوك، ويقول: بأن له ما يقرب من ثمان سنين وهو لا يعلم بأنه محرم إلا عند سماعه لهذه الخطبة فيسأل ويستفتي ماذا يعمل؟

    الجواب: قبل الإجابة نقول: كيف يمكن أن يمكث المسلم ثمان سنوات ولم يسمع أن الربا حرام؟! وأن العمل في البنوك حرام، أليس هذا دليلاً واضحاً على تقصيرنا في الدعوة؟! ولا شك أن هذا الرجل مقصر؛ لأنه يعمل ولا يسأل عن عمله، والواجب على الإنسان أن يتحرى الحلال الطيب كما قال الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {{إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً}} وقال: {{كل جسد نبت من السحت فالنار أولى به}}.

    ولكن -أيضاً- نحن مقصرون؛ لأننا لم نبلغ الدعوة إلى هؤلاء، وهذا لا يعيش في واد منعزل، وإنما الذين يعملون في البنوك هم من إخواننا وقبائلنا وجيراننا وزملائنا، ونستطيع أن نكلمهم وأن نتعرف عليهم، ولو أن كل واحد منا مر ودخل البنك ووعظ، أو نصح أو ذكر أو أعطى كتيبات وبين الحق فإنه سيجد القبول، و-أيضاً- نجد أنه يؤخذ منه الكتيب، أو الفتوى من فتاوى العلماء التي يعطيها لهم ليقيم الحجة عليهم، فهذا بالنسبة لواجبنا، أما واجب هذا الأخ الكريم فإنه يجب عليك -يا أخي- أن تجتهد من اليوم، ومن هذه الساعة أن تبحث لك عن عمل، فإن كنت تستطيع أن تعيش من غير دخل هذا البنك، فلتكن استقالتك منه غداً.

    الدعايات والإعلانات المعلقة في الشوارع

    السؤال فضيلة الشيخ: ما قولكم في الدعايات التي تعلق في الشوارع؟

    الجواب: إن ما ذكر في السؤال ليتنافى مع تعظيم شعائر الله، فالدعايات التي تعلق في الشوارع كعطر الأنوثة -التي سماها الأخ- العطورات، والإكسسوارات إلى آخر ما ترون من أمور تتنافى مع تعظيم شعائر الله في هذا البلد، وكذلك المجلات الخبيثة التي تباع في هذا البلد الطاهر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذه الأمور كلها تتنافى مع تعظيم شعائر الله.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3008003502

    عدد مرات الحفظ

    720952434