إسلام ويب

ثمرات التقوىللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن التقوى وصية الله سبحانه وتعالى لعباده وأنبيائه ورسله، وهي دأب الصالحين وخلاص الموحدين. وقد تحدث الشيخ في هذه المادة عن التقوى وأهميتها، وبين أن من أعظم ما أمر الله به لتحقيق ماهية التقوى؛ كلمة التوحيد، وأن من أعظم ما ينافيها: الشرك بالله والابتداع في الدين، ثم سرد بعض الآيات التي تتحدث عن التقوى مبيناً ما تضمنته من الفوائد والعبر، وضرب الأمثلة على ذلك من حياة السلف الصالح، ومن ثم اختتم حديثه بذكر بعض ثمار التقوى.

    1.   

    التقوى

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد إمام المتقين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد: إخوتي الكرام: أسأل الله -تبارك وتعالى- لي ولكم في هذه الليلة الطيبة المباركة، أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا شقياً ولا محروماً.. وليَدْعُ كلٌ منا بما كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو به (اللهم آت نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تشبع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن عينٍ لا تدمع، ومن علمٍ لا ينفع، ومن دعوةٍ لا يستجاب لها) ونسأل الله عز وجل بمنه وجوده وكرمه أن يحشرني وإياكم في زمرة المتقين، وأن نذوق حلاوة التقوى في قلوبنا، إيماناً ويقيناً، وإخلاصاً لله، وجهاداً في سبيل الله، ودعوة إلى الله حتى نلقى الله، ونعوذ بالله أن يحول الله بيننا وبين قلوبنا وأن نوكل إلى أنفسنا ولو طرفة عين. هذا الموضوع الذي لن أوفيه حقه، ومن ذا الذي يوفِي التقوى حقها إلا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي دلنا عليها بقوله، وتمثلها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بفعله، فكان أتقى الخلق لله وأعلمهم بالله وأخشاهم لله، ولكن لا بد أن نأتي على شيء من ثمراتها، التي نرجو الله عز وجل أن يمن علينا بها، إنه سميع مجيب.

    التقوى والتوحيد

    إن كلمة التقوى هي كلمة التوحيد, وأعظم ما أمر الله - تبارك وتعالى - به هو توحيد الله، هو لا إله إلا الله، وقد سماها الله -تبارك وتعالى- في كتابه الكريم كلمة التقوى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26] فهي كلمة الإخلاص وكلمة التقوى، وأضيفت إليها لأهميتها ولتعلقها بها تعلقاً شديداً، فلا تقوى لمشرك، ولا تقوى لمن ارتكب أكبر ذنبٍ عصي الله به إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فمن عصى الله وأهلك نفسه بالموبقات فلا تقوى له وإن كان من أهل التوحيد؛ فكيف يكون من المتقين من أشرك في عبادة رب العالمين الذي لا إله إلا هو؟! فأعظم ما ينافي التقوى: الشرك بالله عز وجل، ثم الابتداع في دين الله، فما عصي الله تبارك وتعالى بعد الشرك بذنبٍ أعظم من البدعة، أن يعبد على غير ما شرع وعلى غير ما كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعبده. فلا إله إلا الله هي كلمة التقوى، كما فسرها السلف الصالح رضوان الله عليهم، فهذا ديننا دين التقوى؛ لأن ديننا كله مجموعٌ في شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وبقدر ما يحقق العبد من التقوى، يكون محققاً للتوحيد الذي هو مناط النجاة في الدنيا والآخرة، والله تبارك وتعالى في أول سورةٍ نقرؤها في كتاب الله بعد فاتحة الكتاب يقول ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، جعله تعالى هدىً للمتقين، هذا الكتاب الذي أنزله الله تبارك وتعالى نوراً وهدى وبرهاناً وضياءً يقول: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2] وما جعل الوصف كذلك إلا لأهمية وصف التقوى، وإلا فأوصاف المدح للمؤمنين كثيرة، يقال: المؤمنون، والمحسنون، والمخبتون، والمنيبون، والمتذكرون، والذاكرون، والصائمون، والقائمون, وغير ذلك كما تعلمون، ولكن جاءت الإضافة هنا للتقوى، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]؛ لأن التقوى هي التي ينتفع صاحبها بهدى الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- هي التي تعصم صاحبها بإذن الله وتثمر له الاستقامة على منهج الله، وألا يزيغ عن كتاب الله وعن سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولهذا قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [الأنفال:29] يجعل لكم فرقانا يفرق به المرء بين الحق وبين الباطل، فيستقيم على الصراط المستقيم.

    التقوى مخرج من الشبهات والشهوات

    ولهذا كان من دعائنا في كل ركعة من صلاتنا من نفل أو فريضة أن نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] وهذا الدعاء كما ذكر العلماء رحمهم الله: الصحيح تكرره وتجدده ليس لمجرد التثبيت على الحق، مع أن الثبات على الحق مطلوب، وسؤال الله تبارك وتعالى التثبيت عليه أمر عظيم؛ ولكن لتجدد حاجة الإنسان إلى معرفة الصراط المستقيم في كل وقت وفي كل حين، فنحن نحتاج أن يهدينا الله عز وجل, وأن نعرف الصراط المستقيم وأن نستقيم عليه دائماً في كل أمرٍ من أمورنا، وإلا فالإسلام الحمد لله قد عرفناه، ونسأل الله عز وجل أن يثبتنا عليه. التكرار بأننا ضمن اسم الإسلام وأعماله ومفهومه العام نحتاج إلى الصراط المستقيم لتصلح أمورنا وتستقيم أحوالنا؛ فإن العبد معرض للشهوات كما هو معرض للشبهات، وقد يزيغ من هاهنا أو هاهنا، ولذا قال قتادة رحمه الله وغيره من السلف في قول الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:3] قال: [[يجعل له مخرجاً عند الشبهات وعند الكرب]]، فإن الشبهات تعرض على بعض القلوب، فلا يستطيع الإنسان أن يتخلص منها فربما أمرضته، وكم من شباب هداهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وجاءتهم الشبهات حتى أذهبت إيمانهم -عياذاً بالله- أو أدخلتهم في الوسوسة أو الشكوك، ولذلك يحتاج الإنسان أن يتقي الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ليعصمه الله بهذه التقوى، ويجعل له مخرجاً من الشبهات وكذلك من الشهوات.

    1.   

    الالتزام الأمثل بالتقوى

    التقوى سببٌ للهداية وللفرقان وللاستقامة على دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىكما أمر الله، ولو أننا استعرضنا حال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحال الصحابة الكرام الذين كانوا خير المتقين لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لوجدنا من آثار وثمرات التقوى وبركاتها عليهم العجب العجاب. كيف كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه من العبادة لله ومن الطاعة ومن الخشية.. من يستطيع أن يحصي أعمال وفضائل ذلك الجيل المؤمن الذي كانت سمته العظمى وميزته هي التقوى؟! تقوى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في السر والعلن امتثالاً لوصية الله التي أوصى الله تبارك وتعالى بها الأولين والآخرين، وأوصى بها الأمم قبلنا، ولكن حظ هذه الأمة من كل خير هو أوفر الحظ وأعظم النصيب. يقول عز وجل: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] فهذه الأمة حظها من التقوى كان أعظم الحظ والحمد لله، اتَّقَوُا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في سرهم وعلنهم وفي الرخاء والشدة؛ فكانت لهم الهداية، كانوا أهدى جيل وأقوم قرن عرفته الدنيا جميعاً! انظروا إلى أحوالهم كيف كانوا، لأنهم كانوا يعيشون تقوى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.. الرجل منهم يخلو بالمرأة فتدفعه شهوته وشيطانه إلى أن يفعل بها دون الجماع، ولكن سرعان ما يفيق ويأتي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويقول: (يا رسول الله إني خلوت بامرأة فكان كذا وكذا، فطهرني يا رسول الله، قد أتيت حداً من حدود الله)، والآخر الذي وقع في الفاحشة والأخرى من الصحابة رضوان الله عليهم يصرون على أن يطهرهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها. أما الآخرون فلم يخطر لهم ببال، المقربون المحسنون السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، لم تخطر لهم هذه الفواحش ببال، لكن من ارتكبها وهم من عامة ذلك الجيل المبارك الطيب جاءوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريدون أن يطهرهم من هذا الدنس، ومن هذا الرجس. يختارون عذاب الدنيا على عذاب الآخرة؛ لأن التقوى تحجزهم وتمنعهم أن يقعوا، فإذ قد وقعوا فإن التقوى تعيدهم إلى رشدهم وإلى صوابهم تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201] فيأتون إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريدون التطهير، ولو أنهم تابوا فيما بينهم وبين الله لتقبل الله -تبارك وتعالى- توبتهم كما وعد الله تعالى عباده المتقين، ولكن هؤلاء قومٌ آثروا ذلك؛ لأن الجيل تربى التربية الحقة التي جعلت التقوى هي الأساس الذي تبنى عليه الأمة. علموا أن الله ولي المتقين كما أخبر، أن الله يحب المتقين، وعلموا أن العاقبة للمتقين، فكل ذلك قرءوه في كتاب الله، فكانوا متقين لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فأورثهم الله عز وجل ما أورثهم من خير الدنيا والآخرة، من النصر على الأعداء والتأييد والتوفيق، ومن البركة في الأعمار، ومن الإيمان والطمأنينة والسكينة. أورثهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ملك كسرى وقيصر بعد أن غزوا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبع سنين يأكلون الجراد، بعد أن غزوا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم حفاة لا يجد أحدهم حذاءً تقي قدمه من حرارة ووهج الرمضاء. بعد أن حوصروا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الشعب، حتى أكلوا الجعلان وأكلوا بعض الحشرات، وكانوا كما قال سعد>: [[ إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ]] بعد أن لاقوا ذلك كله وهم على تقوى الله وعلى الاستقامة على أمر الله. إذا أخطأ أحدهم خطيئة أو ارتكب ذنباً، حسب أنه جبلٌ كما علمهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كأن ذنبه جبل عظيم يكاد أن يقع عليه. ولذلك كان لهم ما أورثهم الله من المجد والتمكين، ومن العزة في الأرض؛ لأن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- كتب ذلك كله لعباده المتقين، وتقبل الله تبارك وتعالى منهم أعمالهم إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]. وكان حالهم كما قال الحسن البصري رضي الله عنه: [[ ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولا صدقة ولكن بشيء وقر هاهنا ]] شيء وقر في قلبه. أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما كانوا في عبادتهم الظاهرة في القيام أو في القراءة بأكثر من بعض التابعين، فما نقل وما هو موجود في التراجم والسير من عبادة بعض التابعين أكثر من عبادة أولئك السابقين، ولكن لأن الإيمان والتقوى التي في القلوب أعظم، لأن صحبتهم لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعلتهم في تلك المنزلة من الفضل، فسبقوا سبقاً بعيداً، لم يبلغه من قبلهم ولم يلحقهم فيه من بعدهم، وهذا من فضل الله -تبارك وتعالى- عليهم. علموا أنه بالتقوى وبالصبر يغلب الأعداء ويهزمون، كما ذكر الله تبارك وتعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120] علموا أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ينصر عباده وأولياءه، مهما قلَّ العدد ومهما قلت العدة، فلذلك اتقوا الله عز وجل فيما تولوا من الأمور، وفي حياتهم الخاصة كانوا رهباناً بالليل فرساناً بالنهار. يقول أبو عثمان النهدي تلميذ أبي هريرة -رضي الله عنهم- أجمعين: [[ما كان بيت أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ينام أبداً، كان أبو هريرة يقوم ثلثه، وامرأته الثلث الثاني، والجارية الثلث الآخر]] ما كان البيت يهدأ. ولذلك انظروا آثار هذه التقوى، نفع الله بعلمهم، فأصبح هذا يقرأ ويحفظ ويتلى إلى قيام الساعة، ولهم من الأجور مثل أجور من اتبعهم في هذا العلم (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، ومنها: علم ينتفع به)، فنفع الله بعلومهم، فلهم ذلك الأجر، وذلك لما اتقوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في ولاياتهم، وحدِّث من ذلك العجب العجاب. كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو من أئمة المتقين، وساداتهم ماشياً ذات يوم في سوق المدينة في سوق الإبل، فوجد الناس يريدون أن يبيعوا الإبل، ووجد إبلاً سماناً أكثر من غيرها، فسأل: لمن هذه؟ قالوا: لـعبد الله بن عمر، فدعاه فقال: يا عبد الله أنى لك هذا؟! ما لي أرى إبلك أسمن من إبل غيرك من المسلمين، قال: والله يا أمير المؤمنين إنها لإبلي اشتريتها من مالي، وكلفت بها راعياً يرعاها مع المسلمين، فقال: أما إني لا أكذبك، صدقت -ولن يكذب رضي الله عنه- ولكن كانت إذا وردت الحمى قيل: افسحوا لإبل ابن أمير المؤمنين, وإذا دنت إلى الماء قيل افسحوا لإبل ابن أمير المؤمنين، وهكذا استأثرت إبلك بشيءٍ عن بقية المسلمين، كم رأس مالها؟ قال: كذا، فدفع له رأس المال، وباعها وجعل الزيادة في بيت مال المسلمين. نعم، كانوا يتقون الله عز وجل في أكل المال فلم يدخل بطن أحدهم شيء حرمه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، عندما أنزل الله عز وجل تحريم الخمر وقال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91] قالوا انتهينا انتهينا ربنا، هكذا قالوا بفم واحد، وجرت المدينة كالأنهار من الخمور أهرقوها وأراقوها ولم يبق منها شيء من دون رقابة من غير تفتيش، أو أجهزة تلاحقهم، هم أنفسهم عرفوا أن ذلك ينافي التقوى فأزالوها وأبعدوها، لأنهم يتقون الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ولأنهم يخافون الله عز وجل. كانوا في حروبهم ومعاركهم يعلمون أن النصر للمتقين وأنه لن يؤخر نصر الله إلا الذنوب، ولذلك كانوا يتفقدون أنفسهم إذا أبطأ عليهم حصن أو مدينة أو بلد لم يفتح، لا بد أن خللاً ما حدث في التقوى كت أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه إلى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- وهم في مواجهة الفرس أعتى وأقوى أمة في ذلك الزمان فقال: [[يا سعد أوصيك ومن معك من الجند بتقوى الله -عز وجل-، فإن تقوى الله هي أعظم العدة على العدو، وإنما يُنصر المسلمون بتقواهم لله وبمعصية عدوهم له، فإذا استوينا نحن وهم في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة]] نعم، علموا ذلك ولهذا كانوا من المتقين، لم يكن فيهم من يغل من الغنائم، لم يكن فيهم من يخون، بل كانوا يتحرون ذلك أشد التحري، ويجتهدون أشد الاجتهاد، ألا يكون فيهم من هو مقصر أو مذنب أو مجرم، فإذا ضمنوا هذه الجبهة الداخلية ضمنوا أن الجيش كله على تقوى الله وتقدموا وهم واثقون من نصر الله الذي وعد به عباده المتقين، فتكون الغلبة لهم ويكون النصر لهم بإذن الله عز وجل. وإذا بأولئك الذين كانوا حفاة عراة، الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق، الذين هاجروا إلى الله ورسوله لا يملكون شيئاً، الذين شروا أنفسهم في سبيل الله - عز وجل - وكانوا يعيشون على الكفاف، ولا يكاد أحدهم يجد ما يأكله من الطعام، وإذا بهم كما قال عتبة بن غزوان -رضي الله عنه: [[وإذا بنا اليوم ما منا إلا من هو أمير على مصر من الأمصار]] الله أكبر! بعد أن كانوا قليلاً مستضعفين في الأرض، يخافون أن يتخطفهم الناس، أصبح كل منهم أميراً على مصر من الأمصار، أقطعهم الله عز وجل وأورثهم كنوز كسرى وقيصر ومملكتيهما وما حوتا وما شادوا وما جمعوا وما بنوا، كل ذلك لأنهم أولياء الله، والله ولي المتقين. اتقوا الله فجعلهم الله تبارك وتعالى أولياءه أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63] فبالإيمان والتقوى تنال الأمة أو الفرد أو القائد أو الطالب أو العالم وكل إنسان ينال النصر وينال التمكين وينال الرزق، نعم، قال

    1.   

    الأسئلة

    قضية العراق مع الكويت

    السؤال: حصل لبسٌ لدى بعض الدعاة في بعض البلاد الإسلامية حول حقيقة الرئيس العراقي، وما قام به من عدوان غاشم على الكويت, وتهديد لدول المنطقة، ثم غلف ذلك بدعاوى إسلامية جهادية باطلة أرجو التكرم بإعطاء صورة متكاملة عن حقيقة هذا الرجل وتوجهاته. الجواب: الحمد لله، ما يتعلق بطاغوت العراق: لم يكن عندنا -ولله الحمد- في أي يوم من الأيام شك في أنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين، هذا الرجل من حزب البعث العربي الاشتراكي كما يسمونه، وهذا الحزب حزبٌ علماني مرتد أسسه رجل نصراني يدعى ميشيل عفلق. والحمد لله منذ أن اطلعت على أفكار هذا الحزب وعلى آرائه ونظرياته الفلسفية قديماً، لم يكن لدي أي شبهة أو شك في أن من ينتمي إلى هذا الحزب وهو عارف وعالم بعقيدته كافر مرتد لا حظ له في الإسلام وإن صلّى وصام وزعم أنه مسلم! فكيف وهم يحاربون الصلاة والصيام والتقوى والجهاد؟! كتبت ذلك في كتاب العلمانية قبل حوالي ثلاث عشرة سنة، وكلكم أو أكثركم قد قرأه أو رآه، وتحدثت عن ذلك مراراً، ولكن أذكركم لعلكم ترجعون إليها ولمن لم يكن منكم حاضراً: عندما هلك ميشيل عفلق منظّر الحزب بـبغداد عند التلميذ البار، ومات ذلك المعلم الخبيث المجرم, أشيع مما أشيع أنه أسلم أو أنه يريد أن يسلم، فعلقت على ذلك تعليقاً طويلاً، وقلت مما قلت: ' إنه من خلال العقيدة التي نحن -والحمد لله- متمسكون بها وقرأناها وتعلمناها ونعلمها, نعتقد جزماً أن هؤلاء البعثيين مرتدون كفرة، وأنه من انتقل من النصارى مثل ميشيل عفلق أو طارق عزيز أو أمثالهم، من انتقل من النصرانية إلى البعثية فإنه لا يقر على ذلك، وقد نقض العهد والذمة التي مع المسلمين. لأنه كما نص العلماء إذا انتقل الإنسان من المجوسية أو من الدهرية أو من أي مبدأ من مبادئ الشرك كـالهندوسية أو البوذية إلى دين من أديان أهل الكتاب، أقر على ذلك وإن كان كفراً لا يقبل؛ لأنه انتقل من دينٍ إلى دين هو خير من دينه الذي كان عليه.. أما إذا انتقل من النصرانية أو اليهودية إلى أن يكون زنديقاً أو مجوسياً، فإنه لا يقر على ذلك.. ' فهؤلاء لا يقرون -مع أنهم نصارى كفار- على اعتناق البعثية؟! لا يقرون على تركهم النصرانية واعتناقهم للبعثية, فكيف يقر المسلم الذي يدعي أنه مسلم؟! أين الإسلام من هؤلاء القوم؟! قوم لا يحكمون بما أنزل الله!! لا يقام حد من حدود الله في ظل حكمهم أبداً!! أين هم من كتاب الله؟! أين هم من الإسلام؟ قوم يحاربون الدعوة والدعاة! يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. وقد ذهبنا مع عدد من الإخوان من الجامعة في رحلة علمية إلى العراق, ورأينا الشيء العجيب منذ سنين قبل أيام البكر وقد اشتد الأمر بعد ذلك جداً في أيام هذا المجرم الطاغوت المعاصر صدام. تدخل معظم المساجد فلا نجد فيها مصلين, وأذكر أن واحداً منها يسمى جامع الخلفاء, دخلناه فما وجدنا فيه إلا مؤذناً كبير السن أذن وانتظر, فصلينا نحن الثلاثة، فإذا كل البلد شعارات.. أقمشة معلقة, ومكتوب عليها شعارات ماركسية ولينينية من نفس الشعارات الشيوعية التي لا يوجد نظيرها إلا فيما كان يعلق في روسيا، أو ألمانيا الشرقية، أو ما أشبهها من الدول الشيوعية! أي إسلامٍ لدى هؤلاء؟! كان الذي يتهم بأنه ينتسب إلى جماعة إسلامية يقتل أو يحكم عليه بالسجن المؤبد.. وما أكثر من قتل! وما أكثر من هم في سجنه ولا يزالون في سجنه, بتهمة أنهم دعاة يدعون إلى الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لا جريمة لهم ولا ذنب لهم إلا ذلك. نعم كنا نقول ذلك والحمد لله، وجاءت الأحداث الأخيرة فأكدت ما كنا نقول؛ لأن المعيار الواضح معيار العقيدة الصحيحة لا يضل ولا يخطئ بإذن الله عز وجل، ولا يرجى -والله- من المجرمين والمرتدين, أي خير أبداً مهما كان. أنا أقول (عن نفسي): كنت مرتاحاً للمساعدات التي كانت تقدم له؛ لأنه كان يقف في وجه المد المجوسي.. المد الرافضي الذي كان يريد أن يلتهم الأخضر واليابس.. لكن كنت أريد وأدعو وأتمنى أن ترتبط المساعدات التي تعطى له والمبالغ الكبيرة التي تعطى له بأن يُدعى إلى الله وإلى تحكيم شرع الله.. كنت أريد ذلك، ويشهد الله أنني كنت أتألم وأحزن عندما أجد بعض علماء المسلمين يزورون بغداد، ثم يتكلمون عنه في مقام الثناء والمدح، ونحن نعلم كفره وضلاله وزندقته وإلحاده. أما الحداثيون والعلمانيون الذين كانوا ينشدون ويغنون ويطبلون ويزمرون لبطولات صدام في مهرجان المربد وغيره أو في الصحافة هنا أو في أي مكان، فيشهد الله أنني كنت أمقتهم وأبغضهم أبرأ إلى الله منهم، ولا أزال. وإنني أعلم أن هؤلاء من أخبث الناس على وجه الأرض، وأنهم هم الطابور الخامس لكل ضلالة، ولكل زيغ وزندقة وإلحاد، وأنه يجب القضاء على أمثال هؤلاء؛ لأنهم خرجوا عن معيار العقيدة بالكلية، بخلاف الإنسان الذي لا يعرف كفره، فهذا أمرٌ قد يعذر به الإنسان، لكن الذين كانوا يطبلون ويزمرون له أو يدافعون عنه، هذا موقفنا منهم سابقاً. فجاءت الأحداث فزادتنا إيماناً ويقيناً وتأكيداً بأنه لا خير فيهم، وأنه لا صلة لهم بالإسلام من قريب ولا بعيد، وأما إن كان بعض الناس خدعهم بدعاوى الجهاد سبحان الله وأي جهاد، وأين جاهد؟! أما أن بعض الناس قد أيدوه أو قاموا بتأييده, فهذا لا شك أنه خطأ عظيم فادح إن لم أقل أكثر من ذلك. وأعني بذلك أن هذا يدخل في باب الردة -والعياذ بالله- فمن نصره أو شجعه أو أيده أو أثنى عليه، وهو يعلم كفره وإلحاده وبعثيته وزندقته, فإنه يخشى عليه الردة والعياذ بالله؛ لأنه لا يوالي الملحدين والمرتدين إلا من كان مثلهم! نسأل الله العفو والعافية. فليتق الله أولئك الذين يطبلون ويزمرون بغير هدى من الله وبغير علم.. عجباً والله! لو لم يكن منه إلا الظلم! اجتاح بلدة آمنة على ما فيها, ومهما كان الأمر فلا يجوز له أنه يعتدي، وأن ينتهك الأعراض، وأن يسفك الدماء وأن يفعل ما فعل!! بغض النظر عن الخلافات التي كانت، ولكن أن يفعل ذلك أحد ثم يعان وينصر!! هذا والله لا يجوز ولا يليق بمسلم! فكيف وهو كافر ملحد مرتد والعياذ بالله؟! كيف وهو لا يسمح لجيشه بأن يؤدي الصلاة؟! واسألوا إن كنتم تجهلون.. لا يسمح في ذلك الجيش لإنسان أن يلتحي وأن يؤدي الصلاة! بل في الأيام الأخيرة وخاصة بعد أن أصبح الحرس الحربي الذين يسمونه الحرس الجمهوري, -وهم متشبعون بأفكار الحزب- أصبح هو المسيطر على الكويت.. اشتدت الوطأة على الناس هنالك، وأخبرنا الثقات الذين جاءوا في هذه الأيام أن الوطأة اشتدت حتى أنهم يفتشون الشباب، فإذا رأوا الشاب الملتحي, فإما أن ينتفوا لحيته أو يأمروا بحلقها، بل بعضهم يحرقها بالولاعات!! هكذا أخبرنا الثقات!! أي حظ لمثل هذا في الإسلام؟! لا والله، بل من كان أقل منه كفراً، وهو خارج عن ملة الإسلام، من كان بعثياً وإن لم يرتكب هذه الشنائع المكفرة، فإنه لا حظ له في الإسلام إلا بأن يتوب إلى الله ويتبرأ من هذا الحزب الكافر الملحد المرتد. فخطأٌ كبيرٌ جداً ما وقع فيه كثيرٌ من الدعاة، ومع الأسف أنهم ينتسبون إلى الدعوة، وما أدري كيف خدعوا؟ وإن كنت أدري من جهة أن الدعوات التي لا تقوم على العقيدة الصحيحة وعلى المنهج الصحيح تسيرها الأحداث ولا تسيرّ هي الأحداث، فكل من أيدهم من هؤلاء الدعاة فإنما وجدوا أن الناس بطبيعتهم يندفعون إلى أن يكونوا مع من تكلم أو عادى أمريكا وإن كان كاذباً في ذلك، مع كل من يرفع شعاراً لمعاداة إسرائيل وإن كان فاجراً في ذلك، فكانوا هم مع العامة.. سبحان الله! كمال أتاتورك ماذا قالوا فيه؟ يقول أحمد شوقي:
    الله أكبر كم في الفتح من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب
    هزم الحلفاء وحرر الأناضول, وفعل ما فعل من بطولات مفتعلة، وإذا به ينقلب فيلغي الخلافة، ويلغي الأذان باللغة العربية، ويلغي الحروف العربية، ويمنع الحجاب، ويفعل الأفاعيل المكفرة التي تعلمونها جميعاً. وجمال عبد الناصر كان يرفع شعار العداوة لـأمريكا، ولإسرائيل، ويقذف بها في البحر ويفعل ويفعل!! وكان ما تعلمون من كفره وإلحاده، فمتى يستيقظ هؤلاء الدعاة؟! ومتى تستيقظ هذه الأمة النائمة التي لا تزن الأمور بميزان العقيدة الصحيحة وبميزان الشرع وبميزان العلم الشرعي الصحيح؟! متى يفيقون؟! ومتى يعرفون الحق؟ ومتى يعلمونه حتى يكونوا دعاةً بحق! يعلمون الناس الحق؟! وفي هذا عظة وعبرة لنا جميعاً، أن نعلم الناس دائماً هذه العقيدة الصحيحة: الولاء لمن يكون، والعداء لمن يكون، ليس لمن نريد نحن، أو من لمن تريد الجماهير، بل كما يريد الله عز وجل أن نكون قوامين بالقسط شهداء لله، نصف كل أحد بما وصفه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هذا بما يتعلق به، وأرى أن كلامي لعله صورة متكاملة كما طلب الإخوان عنه، ولعل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ييسر فنعطيكم إن شاء محاضرة أو أكثر مفصلة عن عقائد هذا الحزب وأعماله.

    حكم حزب البعث في غير العراق

    السؤال: وهو في الحقيقة ملحق بما قبله.. ينتقد أحد الإخوة ويقول: أليس من كتمان العلم بالنسبة للعلماء أن يتحدثوا عن البعث في العراق فقط؟ ألا يوجد البعث في أماكن أخرى!؟ الجواب: على كل حال البعث هو البعث في أي مكان وجد، وأينما ظهر إلا من تاب منهم ومن اتقى الله، لكن في الأحداث الأخيرة حصل من جانب من البعث ما لم يحصل من الآخر، أما العقيدة فهي واحدة، والمبدأ واحد، لكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فرقهم، والبعثيون فيما بينهم من أعدى الأعداء، وهذا شأن كل قومٍ اجتمعوا على غير تقوى الله عز وجل، لا بد أن يفرقهم الله، وأن يجعل بأسهم بينهم شديداً، ففي ظل المتغيرات وهذه الصراعات وهذه الظروف أمكن أن يضرب بعضهم ببعض.

    التوصيات الصادرة من المؤتمر الإسلامي العالمي

    السؤال: ما رأي فضيلتكم في التوصيات التي صدرت من المؤتمر الإسلامي العالمي حول الأوضاع الراهنة في الخليج العربي؟ الجواب: كلكم قرأتموها، فالتوصيات التي صدرت حقيقة كانت توصيات إيجابية وجيدة ومثمرة، بل نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن تأخذ وأن تنال من الأمة ما يجعلها موضع التنفيذ، فالقرارات كثيرة وهي قيّمة ونافعة، ولكن تحتاج من الأمة إلى التنفيذ وإلى الامتثال. فقد بينوا ونصوا على أمور عظيمة.. كل الفقرات التي وردت هي في الحقيقة فقرات جيدة، وقد أعجبت بها بعد أن سمعتها وقرأتها؛ إذ بينوا حكم هذا المجرم، ثم بينوا أيضاً ما يجب على الأمة، وهذا هو الجانب المهم، الفقرات التي تتعلق بواجب الأمة الإسلامية، وما يتعين عليها في سبيل دفع هذا الخطر أو غيره. وأهم شيء يجب دائماً أن نهتم به هو واجبنا حكوماتٍ أو علماء أو أفراداً لكي نقوم بهذا الواجب، والحمد لله أنها صدرت من هذا الجمع الكبير، هذه في ذاتها أنا اعتبرتها ميزة؛ لأن الأمة والحمد لله كلها استشعرت أن الحل هو في الجهاد في سبيل الله عز وجل، وأن تبذل الأمة جهدها وأن تبذل الغالي والنفيس لتكون مجاهدة في سبيل الله، وتستغني بذلك عن الاستعانة بأعداء الله عز وجل، والاستعانة بالكفار.. فهذه من القرارات الإيجابية التي نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يكون لها قبول عند المسلمين جميعاً.

    فتوى اللجنة الدائمة حول أحداث الخليج

    السؤال: بمناسبة الأحداث المؤلمة في الخليج من جراء الاعتداء الغاشم من نظام العراق الظالم على الكويت صدرت من هيئة كبار العلماء فتوى شرعية حول هذا الموضوع، أرجو منكم مزيد إيضاحٍ لذلكم؟ الجواب: الحمد لله، لا شك أن الهيئة قد أصدرت بياناً وقد أوضحه العلماء أنفسهم في بيانات ومحاضرات لاحقة بما لا يحتاج إلى أن أوضح، أنا تلميذهم إن صح أو استحققت أن أكون تلميذاً لهم، وأحب أن أقول في هذه المناسبة، وقد قلت في هذا المكان وفي هذا المسجد نفسه في شهر ذي القعدة عبارة، وكنت أقولها دائماً وما زلت أقولها، وهي حقيقة أو قاعدة أخذتها ولمستها والحمد لله من خلال معايشتي لهم وقربي منهم، واطلاعي على أحوالهم وعلى سيرهم مع اطلاعي على سير السلف الصالح، أقول: إن هؤلاء العلماء الربانيين بقية من السلف، ادخرهم الله عز وجل في هذا الزمان لنا نحن الخلف بفضل من الله وبنعمة من الله عز وجل..! علماؤنا والحمد لله لا نظير لهم في علماء الأرض قاطبة! أما المنهج فهو منهج السلف الصالح، كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا ينازع في ذلك أحد والحمد لله، دليلهم دائماً كتاب الله والسنة الصحيحة وإجماع العلماء والقياس الصحيح. وبذلك أنعم الله عز وجل على هذه البلاد بالذات بوحدة منهجية فكرية لا نظير لها في البلاد الأخرى، فمناهجنا وكتبنا وما يقال من أحاديث أو مواعظ أو دروس مسموعة أو مقروءة، وما يؤلف وما يصدر، كله محكومٌ بهذا المنهج الذي سنه وبينه لنا هؤلاء العلماء جزاهم الله عنا خير الجزاء. فنحن لا عقيدة لنا إلا عقيدة السلف الصالح، ولا منهج لنا إلا منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال، وهؤلاء العلماء جلَّوا ذلك وأظهروه وأنتم تعلمون أنهم من تجردهم وإخلاصهم وفضلهم أنهم لا ينتسبون انتساباً مذهبياً، وإنما دائماً يفتون الناس بما يعتقدون صحته من الأدلة، هذه نعمة، وهذا فضل من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على هؤلاء العلماء الأجلاء، ولا سيما سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، الذي لا يخفى على أحد فضله وعلمه وجهاده، بل من عايشه عن قرب ومن رأى سيرته، فإنه والله -كما كنت أستشعر ومنذ أن سمعت عنه- وتحب أن تراه ولو رؤية، وأن يتاح لك الفرصة أن تقبل رأسه، ولا أظن أحداً من طلاب العلم إلا وهو يشاطرني ويشاركني هذا الشعور والحمد لله. جاءت هذه النازلة وجاء هذا الخطب الجلل، فكان الأمر كما سمعتم وكما رأيتم بما لا يحتاج إلى مزيد من الإيضاح والتفصيل، وأصدروا ذلك البيان، وضمنوه الأدلة. وأدلة الشرع على نوعين: إما أدلة كلية (قواعد كلية)، وإما أدلة تفصيلية، فهم جاؤنا بالأدلة الكلية القطعية على أن الاستعانة بالكفار ضرورة، لأن اتخاذ الإجراءات والاحتياطات في البلاد واجب على ولي الأمر؛ وذلك ضرورة من جهة، ولأن قواعد الشرع تدل عليه.. هذا موجز ما استدلوا به الضرورة والقواعد الشرعية العامة. وهذه لا ينازع فيها أحد, لأن الأدلة الكلية أقوى من الأدلة التفصيلية كما لا يخفى على أي إنسان من الإخوة؛ فالأدلة الكلية إنما جاءت وبنيت بناءً على استقراء نصوص وأدلة تفصيلية جزئية، اجتمعت فكونت قاعدةً كلية، فقاعدة الضرورة دلت عليها الآيات, ودلت عليها الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذاً قاعدة الضرورة كلية، وكذلك القواعد الكلية في حفظ الدين والمال والعرض والنفس إلى آخر هذه الضروريات أيضاً دلت عليها أدلة كلية. وأقول: هذا الاستدلال صحيح، ولا شك فيه، وإن كان لي نقاش ممن استدلوا بأدلة تفصيلية قد يظنون، أو اجتهدوا ظناً منهم أنها زيادة على ما قال العلماء، فأحببت أن أقول: ما استدل به العلماء هو الصحيح، وأما هذه الأدلة الأخرى, فلسنا بحاجة إليها أصلاً لما أسلفت حتى وإن صحت، لأن القواعد الكلية إنما تبنى على أدلة صحيحة صريحة، أما الأدلة التفصيلية فقد يكون فيها ما هو صحيح وغير صحيح، وقد يكون الصحيح منها غير صريح، فهذا يضعف القضية التي نريد أن نستدل عليها.. هذا من جهة. من جهة أخرى أنا تلمست حكمةً أيضاً في اقتصار العلماء على هذه الأدلة الكلية؛ لأن بعض ما ذكر من الأدلة التفصيلية لا شك في سلامة نية قائليها ولا ريب، لكن نحن أمام أعداء مجرمين، ولديهم إعلام -كما ترون- شديد وهو مسلط على هذه الأمة، ليهدم هذا البلد بكل فئاته وبكل قطاعاته، فإذا قال أحد: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استعان باليهود أو غزا معه يهود، جاء المجرمون، وقالوا: إن هؤلاء يريدون أن يستعينوا بإسرائيل علينا، هذا كذب وإفك كما تعلمون، مع أن ذلك الدليل لا يوصل إلى المطلوب. ثم أصدر سماحة الشيخ بياناً مطولاً وسمعتموه جميعاً، وكنت أرجوه، وهو بيان واجبنا نحن أيضاً، وبيان أن خطر الذنوب والمعاصي هو السبب، وأننا يجب أن نتقي الله, وأن نقلع عن الذنوب والمعاصي، وأن نصلح أحوالنا، وأن نبتعد عن كل ما حرم الله مما تعلمون جميعاً؛ لينصرنا الله.. ثم تلا ذلك فضيلة الشيخ الكريم الشيخ محمد بن صالح العثيمين بمحاضرة في الرياض, وفي الطائف وفي جدة، فزاد الأمر إيضاحاً وتفصيلاً، وبين ما بيّن في مثل هذه الليلة من الأسبوع الماضي وحضرتم والحمد لله، وقال: إن الضرورة تقدر بقدرها زماناً ومكانا، وكماً وكيفاً، فالحمد لله فقد وضحوا، فجزاهم الله وأثابهم عنا كل خير، وضحوا التوضيح الذي لا حاجة بعده لإيضاح أو لمزيدٍ من كلام...، فهذه فتواهم وهذا منهجهم وهذا قولهم والحمد لله تحروا فيه الحق وأصابوه والحمد لله. مع أن الإنسان إذا اجتهد فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران، وهذا اجتهاد العلماء, وطلاب العلم يعلمون أن المسائل وخاصة ما كان مختلفاً فيه منها -وهذه مسألة مختلف فيها- هذه مسائل اجتهادية، حتى سماحة الشيخ عبد العزيز أثابه الله في كتابه نقد القومية العربية ذكر كلاماً طويلاً لعلكم تقرؤونه في منع الاستعانة مطلقاً، لكن الآن لما رأى الضرورة، قال: نعم للضرورة. فإذا قدرت الضرورة بقدرها زماناً ومكاناً، وكماً وكيفاً, وحصل ما يجب علينا نحن من التوبة والإنابة والتضرع والاستقامة, فإننا بإذن الله نكون قد حققنا إن شاء الله تعالى السبب الذي أمرنا الله أن نأخذ به من أسباب النصر، فمن الناحية العلمية والناحية الفقهية: الفتوى صحيحة, وهي حق ولا غبار عليها بأي حال من الأحوال. ويبقى علينا نحن أن نلتزم بما ذكره العلماء, من واجب إصلاح الأحوال والأوضاع والأخذ بالأسباب المعنوية والمادية؛ بأن ننال نصر الله، ويكون أمن هذا البلد وحمايته هي مسؤولية أبنائه كما نقول ونردد دائماً، هذا هو الذي يجب علينا أن نسعى إليه وأن نجتهد فيه. وعلينا جميعاً أن نتقي الله في لحوم العلماء، وألا نتكلم فيهم، وألا ننسب ما يقع من أخطاء إليهم؛ فإن العلماء جزاهم الله خيراً يتحملون ما لا تطيق الجبال حمله، والمسؤولية عامة ومشتركة, وكثير من الذنوب والمعاصي والمنكرات سببه تقصيرنا نحن طلبة العلم وضعفنا نحن طلبة العلم والدعاة والأئمة والمدرسين، أما العالم فماذا باستطاعته أن يفعل؟ ثم لنتق الله فلا نأخذ من فتاواهم ما نريد، ونترك ما نريد! هذه مشكلتنا نحن أمة الإسلام، فإن الواحد منا إذا احتاج الشيخ في فتوى للطلاق أو للزواج أو لأمر من الأمور ذهب إليه، وسأله وقبله وقال يا شيخ أريد كذا وكذا، لكن أن يأتي الشيخ فيعظه، أو يوجه له نصيحة, أو يقدم له موعظة فمنا من يعمل بها, ومنا من لا يعمل، سبحان الله إذا احتجناهم فقط نأخذ بأقوالهم!! يجب كما سلمنا لهم بالإمامة العلمية في صحة المنهج وبسلامته أن نأخذ كل نصحائهم وكل توجيهاتهم ونضعها موضع الاعتبار, موضع التنفيذ, وندعو الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يحفظهم وأن يمتعنا بحياتهم, وأن يجعلنا نحن طلاب العلم بالذات طلاب حق لهم، لنرثهم ونرث علمهم كما أننا سنرث واجبهم، وقد تأتي المواقف، فتسألنا الأجيال عنها وتسألنا الأمة عنها.. ونكون نحن في موقعهم فلعلنا لا نستطيع أن نقف كما وقفوا، ولا أن نقول كما قالوا، نعوذ بالله من الفتن. ربما يأتي يوم ولا نكون نحن أجرأ ولا أقول للحق منهم نعوذ بالله من الفتن! نسأل الله أن يثيبهم, وأن يجزيهم خير الجزاء، وأن ينفعنا بعلمهم، وأن يبارك فيهم، وأن يجعلنا جميعاً والأمة جميعاً عوناً لهم على إقامة دين الله عز وجل, امتثالاً للعمل الذي يقومون به والذي يصدعون به.

    حكم التمريض للفتيات

    السؤال: استفسار عن حكم التطوع في التمريض للفتيات، وهل لذلك من ضوابط شرعية؟ الجواب: التطوع بالنسبة للفتيات لا أفهم حقيقته! يعني هل سيُذهب بالفتاة التي تطوعت إلى الجيش؟ هل سيذهب بها إلى الجبهة؟ فإن ذهبت، فنعلم أن الجنود جميعاً من الرجال -الجنود السعوديون وغيرهم - ما عدا الأمريكان، لكن أقول: ستذهب المرأة إلى الرجال فكيف تمرضهم؟! تذهب من غير محرم؟ تسافر مع من؟ أنا أفكر حقيقة، وإن قيل: إنها تسافر مع محرمها فهذا عجيب، لماذا لا نعلم المحارم التمريض؟ أو نعلم الشباب التمريض ونأخذهم إلى الجبهة، وتبقى هي في البيت تحفظ العيال، هل يعقل مثلاً إذا تطوعت زوجتي، فتعلمت التمريض فاحتاجوها في الجبهة, فأذهب أنا وهي في القتال!! علموني وأنا أمرض وتبقى هي مع الأبناء. أنا حقيقة أقول: إنني لم أستوعب هذا, وأخشى أن تكون الصحافة كما قرأت وسّعت الموضوع, أو أن يكون فينا من يريد الشهوات, ومن يتبع الشهوات، فوسعوا الموضوع، وجعلوه أكبر من حقيقته، وأخذوا يريدون به المآرب التي كانت قبل الفتنة وقبل الأحداث؛ لإخراج المرأة من بيتها، هذا الذي نخشاه. والله تعالى يقول: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُـوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيـدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً)[النساء:27], فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من التائبين، وأن يكفينا شر أولئك المجرمين المائلين المميلين، وقد وعدت إن شاء الله أنني في الأسبوع القادم قد أزور بعض المستشفيات وآخذ فكرة كاملة عن الموضوع ثم نقول إن شاء الله ما يبرئ ذمتنا عنه، لن نكتم الحق، مني إلى الآن لم أتصور ماذا يريدون به، هل يريدون في حالة الهجوم على المدن، أنها تعرف التمريض مثل الدفاع المدني، فتكون هنا فقط في المستشفيات، وربما يكون هناك منفعة أن تتعلم بعض من لديهن فراغ، ثم تقوم بالمعالجة لو وقعت قنابل على البيوت, أو شيء من هذا.. على أية حال، حتى أستفصل وأعرف القضية بوضوح، آتيكم إن شاء الله بالجواب الذي أدين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به إلا أنني أخشى أن هذا الانفتاح الذي في الصحافة والتهويل والتضخيم, أخشى أن يكون دخل منه أصحاب الشهوات، يريدون استغلال هذا الظرف -الذي نحن أحوج ما نكون فيه إلى التقوى والإنابة- في الدعوة إلى الشهوات التي كان يدعون إليها قبل هذه الأحداث، نسأل الله العفو والعافية.

    كلمة حول توحيد كلمة الأمة

    السؤال: نرجو إلقاء كلمة حول وجوب توحيد كلمة الأمة في هذه البلاد، وفي التفافها حول قيادتها لدرء الخطر الداهم، والتهديد المستمر من حاكم العراق لهذه البلاد ومقدساتها؟ الجواب: قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بعد الآيات التي قرأناها في التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] قال عز وجل: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران:103]. إن هذه الآيات مع أنها تنطبق على الصحابة رضوان الله عليهم والذين بعث فيهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهي أيضاً تنطبق على هذه البلاد، كان حالها قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وقبل ظهوره كحال الجاهلية الأولى، كما ذكر الله عز وجل، وعادت إلى شبه هذه الحال أيضاً في أول هذا القرن أو القرن الماضي الهجري، ولكن الله من فضله ومنه جمعها على كلمة التوحيد. فهذا البلد والحمد لله ما قام إلا على كلمة التوحيد التي من لوازمها توحيد الكلمة والاعتصام بحبل الله وبكتاب الله؛ ولهذا فالمنهج واحد والحمد لله، والشرع واحد، والهدف كله واحد، ولذلك هذه البلاد لا مكان فيها لمن يدعو إلى الشرك، لا مكان فيها لأصحاب البدع، لا مكان فيها لعلمانيين، أو زنادقة، أو ملاحدة أبداً، هذه وكل بلاد المسلمين وقفٌ للإسلام، لكن هذه بالذات أهم وأعظم بلاد الإسلام، فهي كالقلب بالنسبة لبلاد الإسلام. فلا يجوز أن يقرّ فيها أي مبدأ ولا مذهب ولا قانون ولا رأي يخالف دين الله, أو يخالف منهج السلف الصالح.. من أراد ذلك وإلا فليرحل عنها، لا مكان له في هذه البلاد على الإطلاق. هكذا يجب أن نكون يداً واحدة على من سوانا كما أخبر الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن تجتمع كلمتنا على إقامة دين الله وتحكيم كتاب الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورفع راية الجهاد في سبيل الله متخلين بذلك عن شهواتنا وعن مآربنا وعن ملذاتنا وعما تحبه نفوسنا؛ فإنها دائماً تحب الركون والإخلاد إلى الدنيا، وأن نكون يداً واحدة، نتطوع ونتبرع وندفع كل غال ورخيص من أجل نشر كلمة الله, وإعلاء دين الله كما كان، والحمد لله تاريخنا حافل بذلك. ونقول توكيداً لما سبق: لا بد من توحيد الكلمة ووحدة الصف ونبذ الفرقة والاختلاف، والاعتصام بحبل الله، وكتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن نكون جميعاً يداً واحدة لإعلاء كلمة الله.. هذا أمر ضروري لا بد منه. ويجب على الإخوة الخطباء والوعاظ وكل إنسان أن يدعو الأمة إلى ذلك، فإن هذا أمرٌ عظيم علق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى النصر به، بل جعل الفشل والضعف في تركه، وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] فالتنازع وعدم الالتفاف حول القيادة المؤمنة المجاهدة لا شك أنه من أسباب الهزيمة والفشل نسأل الله العفو والعافية.

    معنى الديمقراطية وحكم الإسلام فيها

    السؤال: ما معنى الديمقراطية، وما حكم الإسلام فيها؟ الجواب: الديمقراطية هي أصلاً كلمة قديمة يونانية، معناها حكم الشعب للشعب، أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، وقد طبقت عملياً في بلاد اليونان وفي حكومة أثينا القديمة كما يسمونها، كانت أثينا مدينة واحدة، وهي قرية باصطلاحنا المعاصر. وكان الناس فيها متعارفين جميعاً تقريباً، فاختاروا ليحكموا أنفسهم مرشحين أو نواباً، والمرشحون هؤلاء اختاروا من جملتهم أيضاً مجلساً خاصاً، ثم المجلس اختار مجلساً، ثم من المجلس الأصغر اختيرت الزعامة أو القيادة، فأصبح الناس يحكمون أنفسهم بأنفسهم، لا شرع لهم ولا قانون، ولا شك عندنا أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير قطعاً، لكن هم تركوا شرع الله وأعرضوا عنه أو كانوا في فترة من الرسل -الله تعالى أعلم-. المقصود أنهم كانوا إذا أرادوا تشريع أمر اجتمع هؤلاء الناخبون فيبلغون من انتخبوه, ماذا يريدون أن يُحْكَموا به، ثم في مجلس النواب تتبادل الآراء، ثم رأي الأكثرية يعمل به، هذه شرعة أو شريعة جاهلية قديمة كانت عند اليونان. فلما عانت أوروبا ما عانت من الاستبداد، والطغيان والظلم في عصور الإقطاع, والقرون التي هي قرون مظلمة حقاً، والقرون الوسطى مظلمة بالنسبة لهم، وهي قرون العز والنور بالنسبة لنا، لما عانت أوروبا من ذلك ما عانت، بدأت عندها الأفكار، أول ما بدأت ما يسمى بـالليبرالية التي تعني العتق أو التحرر أو العتاق أو الحرية، ثم تطورت ولا داعي للتفصيل في دعاتها، فكرة الليبرالية التي كانت تطالب الملوك والأباطرة, والإقطاعيين بالتنازل عن شيء من حقوقهم أو مما يظنونه حقوقهم للشعب، تطورت الفكرة حتى أصبحت مشاركة كاملة في الحكم، أو مشاركة كلية، أو حكماً للشعب بالكلية. مثلاً إذا أخذنا بريطانيا معياراً لذلك، وهي كما تعلمون أول بلد نشأت فيها الديمقراطية أو عندما قامت الثورة الإنجليزية, كانت أول مطالبة لها في عام 1215م بياناً يسمونه البيان العظيم الذي كان أول مرة يطالب فيه الامبراطور بالتنازل عن شيء من الحقوق. تطور بعد ذلك إلى الثورة التي قادها كرميل، ثم بعد ذلك تحول الأمر من الاستبداد المطلق الذي كان يملكه ملك بريطانيا إلى ما ترونه الآن من أن الملكة ما هي إلا رمز، وأن الحكم كله للسلطة التنفيذية، والتشريع كله بيد مجلس النواب, عموماً, أو بينه من جهة وبين الأحزاب التي تكون عن طريق الانتخاب إلى آخره من جهة أخرى، ثم يكون الوزراء, إما من المحافظين أو من العمال إلى غير ذلك، فأصبحت الملكة أو الملك -إذا كان هناك ملك- رمزاً فقط بعد أن كان في يده كل شيء،هذه لمحة تاريخية سريعة. بالنسبة لنا نحن في دين الإسلام: الديمقراطية كفر، الديمقراطية شرك، لماذا؟ لأنه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65] ويقول عز وجل: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:18] هؤلاء لا يعلمون، فالتحكيم الديمقراطي هو اتباع لأهواء الذين لا يعلمون، أما نحن فإنما أمرنا وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:49] فديننا والحمد لله هو تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما هذه الديمقراطية فهي كفر وشرك كما بينا والمجال لا يتسع للتفصيل. وأما ما يتعلق بالشورى -كما يلبس البعض- والقول أن الشورى هي الديمقراطية فهي في الأمور الشوروية التي لا نص فيها، وفي تنفيذ الشرع، فإذا نزلت بنا نازلة، كيف نقيم حكم الله في هذه النازلة؟ أي نص ينطبق على هذه النازلة؟ هنا يكون أهل الشورى، إما بالنص إذا كان نصاً آيةً أو حديثاً، وإما بالاستنباط، وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] فنستنبط ونجتمع ونأخذ الرأي من أهله، إذا كانت مشكلةً أو نازلةً حربية مثلاً، يجمع العسكريون مع العلماء مع من يكون فيهم الثقة، ويقال لهم ما رأيكم في هذا؟ كيف نواجههم؟ كيف نقاومهم؟ أما الآيات والأحاديث نحن ما اجتمعنا إلا لنعمل بها ولنقيمها، ولا نقاش في ذلك، لكن الديمقراطية يجتمعون يقولون: نحرم الخمر أو لا نحرم, بل وصل الأمر والعياذ بالله إلى أن بعض مجالسهم الديمقراطية أباحت اللواط زواجاً أي أن يعقد للرجل على الرجل والعياذ بالله، هذه الديمقراطية نسأل الله العفو والعافية.

    طلب شفاعة

    السؤال: وهو في الحقيقة ليس سؤالاً، وإنما هو رجاء وطلب من كثير من الإخوة اليمنيين ولا سيما طلاب العلم يرفعون معاناتهم ويرجون فضيلتكم قول كلمة في ذلك، يقولون: نحن طلاب العلم، خاصة بالنسبة لما صدر من أوامر تخص اليمنيين، ولا سيما الذين في المدارس في الثانوية وفي المتوسط وفي الجامعة، سنعاني ولن نجد حلاً لمشكلتنا ولم نجد من يكفلنا، وفي نفس الوقت لا نريد أن نذهب إلى بلادنا؛ لأننا قد أحببنا هذه البلاد وأهلها وحكامها, وبلادنا لا تطبق شرع الله، فما هي نصيحتكم أو كلمتكم الموجهة بالنسبة لما يخص طلاب العلم بالذات؟ الجواب: إنه من يتق الله يجعل له مخرجاً, فكل ما أفهمه أو ما يمكن أستطيع أن أقول أني فهمته أن الإنسان أو الأخ من اليمن أو من غيرها من الدول, التي لم يكن في حاجة إلى أن يكون له كفيل: أن يأتي بكفيل!! فنعمة كانت عليهم من قبل، وهو أنهم لم يكونوا يطالبون الكفلاء سنين والحمد لله وهم بهذه الحال، فالآن يأتي بكفيل، وأنا لا أظن أن مساواتهم بغيرهم في ذاتها تشكل أي شيء يمكن أن يؤثر على طلبهم للعلم أو على غيره إن شاء الله؛ لأن الأمين منهم والطيب والمخلص (والحمد لله هم كذلك، والإيمان يمان والحكمة يمانية ونحن والحمد لله أمة واحدة، والدين والجوار يربطنا جميعاً ) نقول: لن يعدم إن شاء الله المتقي ممن يكفله، ولا أعرف هل الكفالة تشمل الطلاب أم لا؟ وإنني لا أملك لكم إلا الدعاء. أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يرحمنا وإخواننا المسلمين جميعاً، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2995440610

    عدد مرات الحفظ

    717684102