إسلام ويب

لا عز إلا بالعودة إلى الدينللشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الذل الذي حل بالمسلمين اليوم أمر لا يخفى على كل ذي عقل، ويكفي تذكيراً ما أصاب المسلمين في احتلال اليهود لفلسطين، فضلاً عن البلاد الشامية الأخرى التي لا تزال الفتن فيها تترى، ولم يك هذا إلا بظلم منا، لأننا ارتكبنا ثلاثة أشياء هي السبب في هذا الذل وهي: التبايع بما حرم الله، والتكالب على حطام الدنيا، وترك الجهاد في سبيل الله، ولا عزة لنا ولا قوة إلا بالرجوع إلى دين الله عز وجل، فما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.

    1.   

    أسباب تسلط الذل على المسلمين

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    وبعد:

    فقد روى الإمام أبو داود في سننه، والإمام أحمد في مسنده وغيرهما بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).

    في هذا الحديث الصحيح بيان للعلاج والدواء لهذا الذي حل بالمسلمين من الذل الذي سيطر عليهم أجمعين، إلا أفراداً قليلين منهم لا يزالون يتمسكون بالعروة الوثقى لا انفصام لها.

    لقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المرض الذي إذا حل بالمسلمين أذلهم الله، ثم وصف لهم الدواء والخلاص من هذا الداء، فقد قال عليه الصلاة والسلام في مطلع هذا الحديث: (إذا تبايعتم بالعينة) بيع العينة لا نريد الكلام عنه إلا بإيجاز، هو: بيع من البيوع الربوية التي ابتلي بها كثير من الناس في العصر الحاضر، وهو إنما ذكره الرسول صلوات الله وسلامه عليه على سبيل التمثيل وليس على سبيل التحديد، مما يقع فيه المسلمون فيستحقون به وبسببه أن يذلهم الله تبارك وتعالى، ذكر بعض الأمثلة في نص هذا الحديث:

    أولها: بيع العينة، ثم ثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: (وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع) وهذا كناية عن تكالب المسلمين على جمع الدنيا وعلى الاهتمام بزخارفها، ذلك الذي يصرفهم عن القيام بكثير من الواجبات الشرعية، وضرب على ذلك مثلاً واحداً أيضاً، فقال عليه الصلاة والسلام في تمام الحديث: (وتركتم الجهاد في سبيل الله).

    (إذا تبايعتم بالعينة) أي: تعاملتم بالمعاملات المحرمة ومنها العينة.. (وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع) أي: انصرفتم عن القيام بواجباتكم الدينية إلى الاهتمام بالأمور الدنيوية، وكسب المال بأي طريق كان، وأدى ذلك بكم إلى ترك الجهاد في سبيل الله..

    ماذا يكون عقاب هذه الأمة حينما تقع في هذه الأمور التي لم يشرع ربنا عز وجل شيئاً منها؟

    قال عليه الصلاة والسلام من باب التحذير: (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)، وهذا الذل المسلط على المسلمين أمرٌ لا يخفى على كل ذي عقل، وهنا يحتاج الأمر إلى كثير من البيان، وحسبنا تذكيراً ما أصاب المسلمين في احتلال اليهود لـفلسطين فضلاً عن البلاد الشامية الأخرى التي لا تزال الفتن فيها تترى، ولا يزال الحكام غير المسلمين أو الحكام المسلمون جغرافيون يعيثون فيها فساداً، كل ذلك ذلٌ سلطه الله تبارك وتعالى على المسلمين، وليس ذلك ظلم منه، وحاشاه! فإن ربنا عز وجل لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ربنا عز وجل يقول: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء:160] فالله عز وجل لما سلط الذل علينا فبظلمٍ منا، فهو ظلم واضح في كثير من الأمور، وقد ضرب الرسول عليه السلام لنا هذه الأمثلة الثلاثة:

    التبايع بما حرم الله.. التكالب على حطام الدنيا.. ترك الجهاد في سبيل الله.

    فكانت النتيجة أن يسلط الله علينا ذلك الذل المخيم بصورة مجسدة مجسمة في بلادنا العزيزة فلسطين، وإذا كان هذا الذل فما الخلاص منه؟ وما النجاة منه؟

    الدواء الناجع للخروج من الذل والمهانة

    يقول الرسول عليه الصلاة والسلام الذي وصفه ربنا في القرآن بحق حين قال : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] قال عليه السلام في تمام الحديث: (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)، فهذا هو العلاج، قد وصفه الرسول عليه السلام واضحاً مبيناً في خاتمة هذا الحديث حيث قال: حتى ترجعوا إلى دينكم).

    وحينما أروي لكم هذا الحديث وأعلق بعض هذه التعليقات عليه لا آتيكم بشيء جديد؛ لأن المسلمين جميعاً على ما بينهم من اختلافات في العقائد وفي الفروع كما يقولون، كلهم مجمعون على أن سبب الذل الذي حل بالمسلمين إنما هو تركهم لدينهم، وكلهم يقولون: إن العلاج هو الرجوع إلى الدين، هذا كله أمر معروف لديهم أجمعين.

    لكن الشيء الذي أريد أن نذكِّر به، وقد يكون أمراً جديداً بالنسبة لبعض الناس، ولكنه هو الحق مثلما أنكم تنطقون، هذا الشيء هو: لِمَ وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الدواء لهؤلاء المسلمين المستذلين بسبب ما ارتكبوا من مخالفات لدينهم، وصف لهم الدواء بأن يرجعوا إلى دينهم؟ فما هو هذا الدين -هنا بيت القصيد في كلمتي هذه- ما هو هذا الدين الذي هو علاج المسلمين بنص هذا الحديث، والمسلمون -كما ذكرنا- كلهم يقولون: على المسلمين أن يعملوا بدينهم، لكن ما هو هذا الدين؟

    إن الشيء المؤسف أن هذا الدين الإسلامي قد أخذ مفاهيم عديدة جداً في مسألة التاريخ الطويل من بعد السلف الصالح رضي الله عنهم، ليس فقط في الأمور الفقهية التي يصفونها بأنها فرعية؛ بل حتى في المسائل الاعتقادية، وكلنا يعلم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا بافتراق المسلمين إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، حين قال: (تفرقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الجماعة) هذه هي الرواية الصحيحة، وهناك رواية أخرى في سندها شيء من الضعف، ولكن يوجد ما يشهد لها، ألا وهي قوله عليه السلام : (هي ما أنا عليه وأصحابي).

    وفي الواقع هذه الرواية ليس فيها شيءٌ جديد بالنسبة للرواية الأولى إلا التوضيح والترتيب، فالرسول صلوات الله وسلامه عليه حين قال في وصف الفرقة الناجية : (هي الجماعة) فسرها في الرواية الأخرى بأنها هي التي تكون على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    إذاً: فالرسول عليه السلام يخبرنا في هذا الحديث أن المسلمين سيتفرقون إلى ثلاث وسبعين فرقة، وهذه الفرق كلها ضالة إلا فرقة واحدة، صفتها: ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، نحن اليوم نعيش في خضم هذا الاختلاف الكثير والكثير جداً، الذي ورثناه طيلة هذه السنين الطويلة المديدة، وكل من هذه الفرق ليس فيها طائفة تتبرأ من الإسلام، ليس فيها طائفة تقول: ديننا غير الإسلام، كلهم يقولون: ديننا الإسلام، ومع ذلك -أيضاً- يقولون كلهم: علاج المسلمين هو تمسكهم بالدين.

    إذاً: هذا الدين الذي تفرق فيه المسلمون إلى ثلاث وسبعين فرقة -أي: تفرقوا في فهمه هذا التفرق الشديد- إذا كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه قد جعل العلاج إنما هو بالرجوع إلى هذا الدين، فبأي مفهوم ينبغي أن يفهم هذا الدين حتى يكون هو العلاج كما قال عليه الصلاة والسلام : (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم

    لا نذهب بكم بعيداً في ضرب الأمثلة، فها نحن في المثال الأول الذي نصبه الرسول عليه الصلاة والسلام أول هذا الحديث، حيث قال: (إذا تبايعتم بالعينة)، بيع العينة المذاهب اليوم مختلفة فيه، فمنهم من يبيحه، ومنهم من يحرمه، والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يجعل من أسباب مرض المسلمين واستحقاقهم الذل أنهم يتبايعون بالعينة، فإذاً بأي منهج وبأي مفهوم للدين يجب أن نفهم هذا الدين حتى يكون عبادة وسبباً لخلاصنا من هذا الذل الذي سيطر علينا؟

    إن بيع العينة الذي ذكره الرسول عليه السلام في شرح هذا الحديث قد استباحه بعض المسلمين، ولا أعني الجهلة والعامة، وإنما أعني الخاصة وبعض المؤلفين والمصنفين من القدامى والمحدَثين، ذكروا أن بيع العينة بيع حلال، وهو داخل في عموم قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة:275] لكن هذا الحديث يبين لنا أن بيع العينة ليس مشروعاً بل هو محرم، ولذلك جعله سبباً من أسباب استحقاق المسلمين للذل.

    إذاً: معنى هذا الحديث أنه لا يجوز بيع العينة، فإذا أردنا أن نرجع إلى ديننا ليعزنا ربنا عز وجل، ويرفع الذل الذي سيطر علينا، فنبيح بيع العينة أم نحرمه؟ لابد أن نحرمه، وهذا التحريم جاء في حديث، لكن تحليله جاء في بعض الروايات وبعض الأقوال.

    إذاً: حينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: (حتى ترجعوا إلى دينكم)، إنما يعني الدين المذكور في القرآن والمفصل في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، الدين كما قال عز وجل : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، وقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3] وقال: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85] إلى آخر الآيات.

    إذاً: الدين الذي هو العلاج هو الاستسلام، لكن الإسلام قد فهم على وجوه شتى في الأصول -في العقائد- فضلاً عن الفروع.

    1.   

    من أسباب تسلط الذل: محاولة الاحتيال على الشريعة

    قلت في مطلع كلمتي هذه: إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ذكر في طرف الحديث الأول بيع العينة على سبيل المثال لا التحديد؛ وذلك لأن بيع العينة إنما يستباح بشيء من الاحتيال، وبشيء من تغيير الأسماء، كما أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مثل هذا في الحديث الصحيح حين قال: (ليكونن من أمتي أقوامٌ يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها)، فبيع العينة يسمونه بيعاً، لكن هذه تسمية غير شرعية؛ لأن البيوع منها ما هو محرم ومنها ما هو مباح، فكون هذا بيعاً لا يستلزم أن يكون مباحاً، ما دام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكره سبباً من الأسباب التي إذا أخذ بها المسلمون ذلوا.

    نأتي بمثال آخر مما يسمونه بمثل هذه التسمية، وهو -أيضاً- محرم في الإسلام، ومع ذلك فهو مسطور في بطون الكتب حتى اليوم، ألا وهو ما يسمى بلغة الشرع بنكاح التحليل.. لقد قال الرسول عليه السلام، ولعلكم على علمٍ بهذا الحديث جميعاً: (لعن الله المحلل والمحلل له)، فكان نكاحاً باطلاً؛ لأن اللعنة في خصوص الشيء نهي عنه وزيادة، لذلك يقول العلماء: إن من الأدلة التي تدل على كون الشيء من الكبائر أن يكون صاحبه ملعوناً في الكتاب أو في السنة، أما النهي عن الشيء فيستلزم التحريم وليس دائماً، ولكن ليس نصاً في أن هذا الشيء من الكبائر، بخلاف ما إذا لعن فاعله فذلك يكون دليلاً واضحاً على أن هذا الفعل من الكبائر، فعندما قال الرسول عليه السلام: (لعن الله المحلل والمحلل له)، معنى ذلك أن نكاح التحليل منهي عنه نهياً شديداً بليغاً، بحيث أنه جعله من الكبائر، حيث لعن المحلل والمحلل له، ومع ذلك فلا يزال اليوم كثيرٌ من علماء المسلمين يبيحون نكاح التحليل ويصرحون بصحة عقده، ولا يأمرون بإبطال هذا النكاح مع هذا الوعيد الشديد الذي سمعتموه من الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا أمر واقع، ونكاح التحليل واقع، وغير ذلك كثير وكثير جداً مما لا أريد أن أطيل عليكم؛ لأن الوقت ضيق.

    1.   

    اختلاف المسلمين في الأصول والفروع

    ننتقل إلى مسألة أخرى، أو بعض المسائل الأخرى التي تتعلق بالعقيدة، فالمسلمون مختلفون حتى في العقيدة، وليس كما يقول جماهير المشايخ اليوم: إن الخلاف بين المسلمين إنما هو في الفروع وليس في الأصول، (هذه شنشنة نعرفها من أخزم) ولا تكاد تقرأ مجلة دينية إلا وتجد الضرب على هذه الوتيرة وعلى هذه النغمة فيها، وهي أن الخلاف بين المسلمين إنما هو في الفروع وليس في الأصول، ثم يزيدون على ذلك فيقولون: والاختلاف في الفروع رحمة، وهذا كله خطأ من ناحيتين:

    الناحية الأولى: أن الاختلاف يتعدى الفروع إلى الأصول، بل إن الخلاف وقع في أس الأصول كلها، ألا وهو الإيمان بالله تبارك وتعالى، فما أظنكم يخفى عليكم الخلاف بين الماتريدية -مثلاً- وأهل السنة جميعاً في الإيمان، هل يقبل الزيادة والنقص أم لا؟ وهل من مسماه الأعمال الصالحة أم لا؟ فالجمهور ونصوص الكتاب والسنة تثبت أن الإيمان يزيد وينقص، وأن العمل الصالح من الإيمان، أما الماتريدية فلا يزالون يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وكل إيمان يقبل الزيادة فهو كفر؛ لأنهم يعتقدون أن الإيمان شيء لا يقبل الزيادة والنقص أبداً، وهذا المذهب حتى اليوم مسيطر وربما يكون مسيطراً على أكبر رقعة من العالم الإسلامي.

    1.   

    المفهوم الصحيح للدين

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حتى ترجعوا إلى دينكم) فمعنى الرجوع إلى الدين ليس الرجوع إلى الخلافات القائمة منذ القديم بين المسلمين، مع وجود شيء من الاتفاق بين المسلمين اليوم، وإنما الرجوع إلى الدين بالمفهوم الصحيح، أقول هذه الكلمة: (بالمفهوم الصحيح) فما هو المفهوم الصحيح للدين؟

    الأمر كما قيل:

    وكل يدعي وصلاً بليلى     وليلى لا تقر لهم بذاك

    هؤلاء مثل الماتريدية حينما يفهمون أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقص، ويعتقدون أن هذا هو الصواب، فإذاً هم يدعون المسلمين اليوم جميعاً إلى أن يشاركوهم في هذه العقيدة، وهم يعتقدون بصحة نكاح التحليل، فهم إذاً يدعون المسلمين إلى اعتقاد اعتقادهم، مع أن هذه العقيدة وهذا الفقه يخالف الكتاب والسنة، قلت: لا أريد أن أكثر من الأمثلة، وإنما هي ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، إنما غرضي فقط أن أنبه إلى أن الدين الذي جعله الرسول عليه الصلاة والسلام علاجاً للمسلمين، لا يمكن أبداً أن يكون هو هذا الدين بالمفاهيم المتعددة حتى في الأصول وليس في الفروع فقط.

    إذاً: ما هو المفهوم الصحيح؟ وما هو الطريق لمعرفة هذا المفهوم الصحيح للدين؟ حتى إذا عزمنا أن نهتدي بهدي الله وأن نتعظ بموعظة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرجع إلى الدين، فما هو المفهوم الصحيح؟ هذا هو بيت القصيد -كما يقال- من هذه الكلمة.

    فهم الدين على طريقة السلف الصالح

    المفهوم الصحيح للدين لا يمكن أخذه من واقع المسلمين اليوم؛ لأنهم مختلفون أشد الاختلاف، وإنما يجب أن نأخذ المفهوم الصحيح للدين مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة، وما كان عليه السلف الصالح، لقد أشار الرسول عليه السلام إلى هذه الحقيقة في الحديث السابق، لكن مع الأسف قل من يتنبه لهذه الإشارة، وهي في الواقع أن تسمى: صريح العبارة، أولى من أن يقال: إنها إشارة، حين قال جواباً للسائل: من هي الفرق الناجية؟ قال: (هي الجماعة) .. (هي ما أنا عليه وأصحابي) كذلك تأكيداً لهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام في حديث العرباض بن سارية المعروف -فيما أظن- لديكم، وفيه يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور) ... إلى آخر الحديث.

    نجد في هذا الحديث وفي ذاك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على أن يقول: عليكم بسنتي فقط بل قال: (تمسكوا بسنتي وعضوا عليها بالنواجذ)، ولكننا نجده يضم شيئاً آخر إلى هذا الأمر بالتمسك بما كان عليه الصلاة والسلام، هذا الشيء الآخر هو التمسك بالجماعة، وبما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وبما كان عليه الخلفاء الراشدون، وهذا الذي ذكره الرسول عليه السلام في الحديثين كليهما معاً، من الحض على التمسك بشيء -ولو من الناحية التعبيرية- غير ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم -شيء زائد- حيث قال: (ما أنا عليه وأصحابي) وحيث قال أيضاً: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وهذا التعبير وهذا الذكر في الشيء الآخر مع الرسول عليه الصلاة والسلام هو أسلوب قرآني، فالله عز وجل يقول في صريح القرآن: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115] الشاهد أن الله عز وجل ذكر هنا في الآية بالإضافة إلى قوله: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ قال بعد ذلك: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، لماذا جاء بهذه الجملة وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ لماذا لم تكن الآية على النحو الآتي: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى إلى آخر الآية؟ لماذا جاء بجملة وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ؟

    إن في ذلك لعبرة بالغة جداً؛ ذلك لأن كل فرقة وكل طائفة على وجه الأرض اليوم، والتي بلغ عددها ثلاثاً وسبعين أو أكثر أو أقل، لا يهمنا، لكن الطوائف كثيرة وكثيرة جداً، كل طائفة من هذه الطوائف تدعي أنها على الكتاب والسنة، حتى آخر طائفة جديدة كمذهب يدعون أنهم على الإسلام وعلى الكتاب والسنة، مع أنهم من الذين يقولون بأن النبي عليه الصلاة السلام ليس خاتم الأنبياء، وإنما هناك أنبياء كثر، حتى هؤلاء يقولون: نحن على الكتاب والسنة، وقس على ذلك سائر الفرق قديماً وحديثاً، فما هو الحكم بين هذه الفرق كلها وكلها تدعي أنها على الكتاب والسنة؟

    الجواب في الآية وفي الحديثين السابقين: الآية تقول: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] أي: إن أية طائفة تتبع غير سبيل المؤمنين الأولين الذين كانوا على هدى وعلى بصيرة من دينهم، وإن زعمت هذه الطائفة أنها على الكتاب والسنة، فمادام أنها تخالف طريق المسلمين وجماعة المسلمين فهذا دليل على أنها من الفرق الضالة.

    كذلك الحديث: (ما أنا عليه وأصحابي)، فكل عقيدة تأتي من طائفة لا يستطيعون إثبات أنها عقيدة الجماعة، أو عقيدة الصحابة، أو عقيدة السلف الصالح؛ فذلك دليل على أن هذه الطائفة هي من الفرق الاثنتين والسبعين من فرق الضلالة التي هي من فرق النار، وحينئذٍ حين قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: (لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) إذاً: يجب أن يُفهم أن الدين ليس فقط كما هو الشائع عند إخواننا أهل الحديث في كل بلاد الدنيا، سواءً الذين يسمون بـأهل الحديث أو يسمون بـأنصار السنة، أو يسمون بالسلفيين .. أو غير ذلك من أسماء كلها تدل على حقيقة واحدة.. ليس الأمر كما هو الشائع عند كثير من إخواننا هؤلاء أن دعوتنا تنحصر في الاعتماد على الكتاب والسنة فقط، ليس هذا فقط، لابد من ضميمة ثالثة قد سبق ذكرها في الحديثين السابقين وأخيراً في الآية المذكورة، هذه الضميمة الثالثة بعد الكتاب والسنة هي عمل السلف الصالح أو منهج السلف الصالح ثالثاً وأخيراً، وإن لم تتمسك طائفة تدعي الاعتماد على الكتاب والسنة بهذه الضميمة الثالثة، فذلك دليل على انحرافها مهما زعمت أنها على الكتاب والسنة، من هنا جاء قول ابن قيم الجوزية رحمه الله:

    العلم قال الله قال رسوله     قال الصحابة ليس بالتمويه

    لم يقتصر ابن القيم تبعاً لما أشرنا إليه من نصوص على قوله: أن العلم الصحيح هو قال الله قال رسول الله -الكتاب والسنة- لم يقتصر على هذا، بل عطف على ذلك، فقال: (قال الصحابة) وهذا أمر لابد منه، وعدم التمسك بهذه الضميمة الثالثة باعتقادي هو سبب دمار كل الفرق القديمة والفرق التي تَجِدُّ في كل يوم، فكل يوم نسمع أقوالاً عن طائفة تدعي أنها على الكتاب والسنة، وفعلاً إذا رأيتها رأيتها تصلي على الكتاب والسنة، لا تعرف تعصباً لحنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي، ولكن عندما لم يتقيدوا في فهمهم لنصوص الكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الصالح، خرجوا عن دائرة أهل السنة والجماعة، وهم يزعمون أنهم على الكتاب والسنة.

    الفرق الضالة وعدم التزامهم منهج السلف

    ومن ذلك الخوارج قديماً، وأمثالهم حديثاً الذين يكفرون المسلمين بمجرد انتسابهم للمعاصي وليس للكبائر فقط، إن الخوارج القدامى كان ضلالهم محصوراً على أنهم يكفرون المصرين على الكبائر، أما اليوم فقد نبتت نابتة جديدة يكفرون المصر على المعصية الذي مات عليها ولم يتب.. لماذا وهم يعتمدون على الكتاب والسنة وأيضاً يحرصون معنا على التمسك بالسنة الصحيحة؟ ولكنهم شذوا عن هذا القيد الثالث: (قال الصحابة) ولذلك ركبوا عقولهم وخلطوا مفاهيمهم على نصوص الكتاب والسنة، فجاءوا بعقيدة جديدة: أن كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلي ويصوم، ما دام أنه مرتكب لمعصية لم يتب منها فهو خالد في النار أبداً، لماذا هذا الانحراف؟

    لعدم تمسكهم بما كان عليه سبيل المؤمنين: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] لم يقل ربنا هذه الجملة عبثاً، وإنما ليدل على أن فهم الكتاب والسنة يجب أن يكون على ما كان عليه السلف الصالح .

    المعتزلة قديماً لما جاءوا بعقائد خالفت الكتاب والسنة، هل خالفوا الكتاب والسنة في نفوسهم وفي عقيدتهم؟ لا. بل يقولون: الكتاب والسنة كما يفهمون هم، لا يوجد أحد على وجه الأرض يقول: نحن نرفض الكتاب والسنة ونرفض الحديث الصحيح، كلهم يقولون: الكتاب والسنة، ولكن يفسرون النصوص حسب ما يشتهون، دون أن يلتزموا بالفهم الأصيل الذي تلقاه الجيل الأول، ألا وهم الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نقلوه إلى من بعدهم من التابعين وأتباعهم، فاتبعوا الصحابة بإحسان، ونرجو الله عز وجل أن يجعلنا من هؤلاء الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.

    هذا الذي أردت أن أذكر الطلبة الحاضرين بأنه يعز ويندر جداً التنبيه على حقيقة وعلى سبب ضلال كل الفرق قديماً وحديثاً، مع أنها كلها تدعي العمل بالكتاب والسنة، وسبب الضلال هو عدم الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح، لذلك قال ابن القيم :

    العلم قال الله قال رسوله     قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة     بين الرسول وبين رأي فقيه

    كلا ولا جحد الصفات ونفيها     حذراً من التعطيل والتشبيه

    بلغني في هذه الفترة وأنا في المدينة أنه طبع حديثاً في مصر كتاب في عشرين مجلداً لـعبد الجبار القاضي المعتزلي، يؤيد فيه عقيدة الاعتزال، وليس فيه إلا قال الله قال رسول الله.. إذاً ما سبب هذا الضلال؟

    وفي مثل هذه العارضة أمثال كثيرة وكثيرة جداً، إن السبب هو عدم التزامهم التمسك بما كان عليه السلف الصالح، من ههنا رأيت أنا أن أهل السنة الذين يريدون أن يتمسكوا بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، رأيت أن يسموا بالسلفيين؛ لأنهم ينتمون إلى السلف الصالح، لا ينتمون إلى الغرب، كما ينقد بعض الناس اليوم من الحزبيين على السلفيين أنهم ينتسبون هذه النسبة، أنا أقولها كلمة صريحة: لا يوجد على وجه الأرض مسلم يفهم معنى السلف الصالح ومعنى هذه النسبة السلفية، ثم يستطيع التبرؤ منها، ولا يوجد مسلم -أيضاً- على وجه الأرض يعرف منهج السلف الصالح، وأن على رأسهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فيستطيع بعد ذلك أن يتبرأ، ولكن أي مسلم تبرأ من أي مذهب نسب إلى شخص أو جماعة فهو ليس في خطر؛ لأنها ليست معصومة، ولكن السلفيين حينما ينتسبون إلى السلف الصالح فهم معصومون؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، وقد أجمع أصحاب الرسول عليه السلام على اتباع الكتاب والسنة كما فهموه وتلقوه عن الرسول عليه السلام، بينما الذين جاءوا من بعدهم، خاصة من أصحاب الفرق التي أشرنا إلى بعضها، فقد اختلفوا اختلافاً كبيراً، ولا مخرج لنا ولا خلاص من هذا الاختلاف إلا بأن نرجع إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، هذه الضميمة لابد منها، ومن لم يأخذ بها لم ينفعه الانتساب إلى الكتاب والسنة، أقول: الطوائف والفرق الضالة تنسب إلى الكتاب والسنة، ومع ذلك فهي على ضلال، وهي فرقة من الفرق الاثنتين والسبعين، فلا جرم أن الرسول عليه السلام نبهنا في ذلك الحديث أن الفرقة الناجية علامتها أنها تتمسك بما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، وما كانت عليه جماعته من الصحابة، هذه ذكرى تنفع المؤمنين، ولعلنا أطلنا عليكم كثيراً، وحسبنا بهذا المقدار، ولعلنا نستمع إلى بعض الأسئلة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم قول الصحابي

    السؤال: ما حكم اجتهاد الصحابة، مثلاً: عندما اجتهد أبو هريرة في مسألة إطالة الغرة في الوضوء حين قال: [أطيلوا الغرة]، هل يؤخذ بهذا الاجتهاد أم لا يؤخذ؟

    الجواب: في اعتقادي أن هذا سؤال مهم، وله صلة وثقى بالبحث الشرعي.. أقوال الصحابة يمكن أن نقسمها إلى أقسام:

    أولاً: أن يكونوا اتفقوا على قول واحد، ولست أعني من الاتفاق الإجماع، وإنما أعني أنه ورد إلينا عن جماعة من الصحابة نقول صحيحة، إما يفسرون نصاً من القرآن، أو من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، أو يثبتون حكماً لا يعلمون له مخالفاً في الكتاب والسنة، هذا النوع من أقوال الصحابة حجة، ويجب الأخذ به، وهو داخل في كلام السائل.

    النوع الثاني: تأتي عن الصحابة أقوال مختلفة، مثل فعل أبو هريرة هذا، فهل هذا الفعل من أبي هريرة حجة أم لا؟

    في نظري أن السؤال لا يعني تحرير القول في هذه المسألة، وإنما يعني: ما هو موقف المسلم من مثل هذه المسألة هل يجوز الأخذ بقول هذا الصحابي وأمثاله إذا لم يكن هناك أقوال من صحابة آخرين تدعم قوله؟

    فالذي أعتقده أن قول الصحابي في حد ذاته ليس حجة، والمسلم يخير بين أن يأخذ به أو لا يأخذ، لكن إذا اطمأن إلى أنه رأي لصحابي جليل وليس لديه ما يخالفه فأخذ به فلا بأس عليه، وإن تركه -أيضاً- فلا بأس عليه؛ لأنه ليس ملزماً بأن يأخذ بقول صحابي واحد ليس هناك في الشرع ما يدل على صحته، لكن إن أراد السائل بسؤاله تحديد موقفنا بالنسبة لـأبي هريرة وما ذهب إليه من إطالة الغرة، فنحن نقول: إن هذا مذهب ندعه لـأبي هريرة، ولسنا مكلفين بالأخذ به؛ لأسباب كثيرة منها:

    أنه ثبت في سنن أبي داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توضأ قال بعد وضوئه: (فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم)، ونحن نعلم حتى من حديث أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يشرع في العضد، إنما كان يغسل الذراعين مع المرفقين، كذلك ما كان يغسل شيئاً من ساقه، وإنما يغسل قدميه وكعبيه.. هذا شيء.

    الشيء الثاني: نجده في عمل أبي هريرة، وهو أنه ما كان يدعو الناس إلى إطالة الغرة، فقد جاء في رواية في صحيح مسلم أن رجلاً من التابعين لاحظه حينما يتوضأ وأبو هريرة لا يحس به، فلما رآه توضأ وأطال غرته سأله: (أهكذا الوضوء؟ فقال له أبو هريرة : أنتم ههنا يا بني فروخ؟) ما كان يعلم أن هناك رجلاً يراقبه، ففي هذا إشعار بأن هذا الفعل الذي كان يفعله أبو هريرة وهو إطالة الغرة شيء خاص به وهو مقتنع به، ولا يريد جعله شرعاً عاماً يستمر إلى يوم القيامة، فبهذا وهذا، وتفرد أبي هريرة بذلك كتفرد ابن عمر بإيصال الماء إلى شحمة العين، هذا من المبالغات التي تزيد بطبيعة الحال على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في وضوئه.

    فلذلك نحن لا نلزم بأخذ مثل هذه الأقوال الغريبة، وندع أمرها إلى أصحابها، ولسنا مكلفين بها، فباختصار: يجب أن نفرق بين قول تواردت عليه أقوال جماعة من الصحابة منهم وليس لهم مخالف، وبطبيعة الحال ليس في الكتاب والسنة ما يخالفه، فهذا القول يجب أن نتمسك به.

    الشيء الثالث: قول متعارض، صحابي يقول هكذا وصحابي يقول هكذا، فنحن لسنا ملزمين لا بهذا ولا بهذا، وإنما نحكم القرآن الكريم كما سمعتم، ثم يأتي قول شاذ عن فرد من أفراد الصحابة، فالأولى ألا نتكلف بالأخذ به، ومثاله: إطالة الغرة من أبي هريرة .

    أما الزيادة التي في آخر الحديث : (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) فهي ليست من الحديث، هذا كما يقول الحافظ ابن حجر، ومن قبله ابن تيمية، ومن قبلهم جميعاً الحافظ المنذري : هذه زيادة مدرجة في الحديث وليست من الحديث، فإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز الاعتماد عليها.

    رأي الشيخ فيمن يعتقد العقيدة السلفية ومع ذلك يدعو إلى جماعة أخرى

    السؤال: هناك شخص يقول: أنا عقيدتي سلفية، وهو يدعو إلى طائفة فيها بعض الشبهات والإهمال للسنة، فما رأيكم في هذا الشخص؟

    الجواب: في الواقع أنني أستغربته جداً؛ لأنني لم أتصور وجوده في واقع حياتنا اليوم، أن تتصور رجلاً سلفياً عقيدةً ومذهباً، ثم هو يدعو إلى مذهب آخر، كيف تتصور ذلك؟

    السائل: هذا الرجل يرى أن الجماعة التي يدعو إليها تنتمي إلى الإسلام ظاهراً، ولكن فيها شيء من إهمال السنة، وفيها بعض التشويش، وهو إنما يدعو مع هذه الجماعة؛ لأن لها مكانة في الدولة، فيستطيع من خلال انضمامه إلى هذه الجماعة أن يدعو إلى الله بقوة دون أي خوف، وعقيدته كما هي سلفية، وإنما ينتمي ظاهراً إلى هذه الدعوة.

    الشيخ: الآن ظهرت المسألة، بينما من قبل كان فيها شيء من الغموض، الآن نورد سؤالاً توضيحياً: هل هذا السلفي حينما يدعو إلى تلك الجماعة في تلك الجماعة ما يخالف السلفية في اعتقادهم؟

    السائل: الجماعة فيها بعض الشبهات.

    الشيخ: أنا لا أتكلم في الشبهات، أنا قلت: في تلك الجماعة التي يدعو هذا السلفي إليها، أيعتقد أن في تلك الدعوة ما يخالف دعوته؟ أي: الدعوة السلفية.

    السائل: نعم.

    الشيخ: إن كان الأمر كذلك فهذا ليس سلفياً؛ لأن السلفية مثل الإيمان قابلة للزيادة والنقصان؛ لأنه كما شرحنا آنفاً أن السلفية فهم الكتاب والسنة فهماً صحيحاً على منهج السلف الصالح، لكن لا نفهم هل هو شيء محدود لا يقبل الزيادة والنقصان؟ لا.

    ثم بعد أن يفهم المسلم الدعوة الصحيحة للدعوة السلفية فهماً صحيحاً بقدر الإمكان، هل يطبقه كل سلفي مائة في المائة أم بنسبة متفاوتة؟ بنسبة متفاوتة، فإذا كان هناك رجل سلفي ثم هو يدعو إلى جماعة أخرى، في أفكارها وفي دعوتها ما يخالف الدعوة السلفية، فهو كالذي يجمع بين نقيضين في أمرٍ واحد، لكن هذا ينكر عليه؛ لأني أعتقد أن هذا السلفي لا يعلم أن في تلك الجماعة ما يخالف الدعوة السلفية، فإذا علم وبين له، ففي اعتقادي أنه بعد ذلك لا يستطيع أن يتبنى تلك الدعوة إطلاقاً، كل ما يمكن أن يفعله أن يخالفهم، وأن يعاشرهم ويبث الدعوة السلفية بينهم، لا أن يتبنى هو دعوتهم، ويلتزمها كما يلتزم الدعوة السلفية.

    خلاصة القول: لا يمكن الجمع بين الدعوة السلفية وغيرها من الدعوات بالكلية؛ لأن في تلك الدعوات أشياء تخالف الدعوة السلفية قطعاً.

    نوع الاختلاف بين الصحابة

    السؤال: قول الصحابة لابد ألا يكون مخالفاً لقول الله وقول رسوله، فإذا كان كذلك فإن اختلاف الصحابة إنما هو اختلاف تنوع وليس تضاد.

    الجواب: كيف اختلاف تنوع؟ أضرب لك مثلاً: بعضهم يقول: إن مس المرأة ينقض الوضوء، وبعضهم يقول: لا ينقض الوضوء، هل هذا اختلاف تنوع؟

    ونحن نعرف أن هناك قولاً بأن قول الصحابي حجة، لكن هذا القول على إطلاقه لا يأخذ به أحد من أهل العلم إطلاقاً، كلما قال الصحابي قولاً كان حجةً، هذا لا يقوله إنسان على وجه الأرض إطلاقاً، إنما قول الصحابي أحياناً يكون حجة، وأنا أضرب لك مثلاً: إذا قال الصحابي قولاً ليس من موارد الاجتهاد، أو كما يقول بعض الفقهاء: لا يقال بالرأي، وإنما هو توقيفي، هذا القول يؤخذ به لا لأن الصحابي قاله؛ وإنما لأنه يحمل في طواياه أنه لم يكن من اجتهاد من عنده، وإنما تلقاه من النبي عليه الصلاة والسلام، أو يتحدث بأمر غيبـي مما كان أو مما سيكون، فإذا كان مما سيكون يؤخذ بقوله؛ لأنه أمر غيبـي لا يمكن أن يتحدث به الإنسان برأيه واجتهاده، فيكون قد تلقاه من الرسول عليه السلام، هذا بما يتعلق بالمستقبل من الزمان، وإذا كان هذا الأمر الغيبـي يتعلق بما مضى من الزمان فلا يؤخذ على إطلاقه، وإنما ينظر إذا كان من المحتمل أن يكون من الإسرائيليات فلا يقال به.

    السائل: وإذا كان قول الصحابي مخالفاً لقول الله ورسوله.

    الشيخ: أنا سأذكر لك تفاصيل أقوال العلماء في قول الصحابي هل هو حجة أم ليس بحجة؟ فأنا أتيتك بأمثلة، وآخر مثال نريد أن نذكره ما ثبت عن ابن عباس من قوله: [إن القرآن نزل جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا] هذا قول ابن عباس، ما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن العلماء يعتبرونه في حكم حديث مرفوع للرسول عليه السلام، لماذا؟

    لأنه أولاً: يتحدث في أمر غيبـي.

    وثانياً: لأنه لا يمكن أن يكون من الإسرائيليات، فإنه يتحدث عما يتعلق بالقرآن ونزوله، وأنه نزل إلى مكان اسمه بيت العزة، وهذا البيت هو في السماء الدنيا وليس في الثانية أو ما فوقها، فقالوا : هذا في حكم المرفوع.

    أما الصحابي يقول قولاً برأيه وباجتهاده، فهذا ليس موضع اتفاق أنه ينبغي أن نأخذ به، فمنهم من يأخذ ومنهم من لا يأخذ، وحينذاك نرجع إلى أصل الآية السابقة: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، فليس عندنا دليل في السنة فضلاً عن القرآن أن الصحابي يرى رأياً فيجب علينا أن نتبعه، هذا غير موجود، ولا على ذلك إجماع -أيضاً- من المسلمين حتى يقال: نتبعهم ولا نخالف سبيلهم، هذا ما عندي بالنسبة للسؤال، وجزاكم الله خيراً.

    قول ابن عباس: إن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى الله

    السؤال: قلتم بأن الأشياء التوقيفية يؤخذ قول الصحابي فيها، قال ابن عباس : إن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى الله، فما تقولون؟

    الجواب: هذا الحديث عن ابن عباس فيه عدة روايات، ولذلك حكم علماء الحديث عليه بالاضطراب، في الرواية الأولى قال: رأى ربه، والثانية: رآه بقلبه، والثالثة: رآه بعينه، والرابعة: رآه.. فهذا الاضطراب هو الذي يمنع أن نحتج به وندخله في صلب أنه لا يقال بمجرد الرأي، أما المسألة المعروفة في الخلاف بين ابن عباس من جهة وبين السيدة عائشة من جهة أخرى، فقد صح عنها في حديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث مسروق.. أنه جاء إلى السيدة عائشة فقال لها: (يا أم المؤمنين! هل رأى محمدٌ ربه؟ قالت: لقد قف شعري لما قلته، قال: يا أم المؤمنين! أليس يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13]؟ قالت: أنا أعلم الناس بذلك، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله ستمائة جناح، ثم قالت -وهذا الشاهد-: ثلاث من حدثكموهن فقد أعظم على الله الفرية: من حدثكم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله فرية، ثم تلت قول الله تبارك وتعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً [الشورى:51] ومن حدثكم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قول الله تبارك وتعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65] ومن حدثكم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً أمر بتبليغه فقد أعظم على الله فرية، ثم تلت قول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] ) فإذاً: قول ابن عباس لا ينطبق في الحالة السابقة عليه من ناحيتين:

    أولاً: أن المسألة سياسية بينه وبين السيدة عائشة، وهي كما قلنا من أعرف الناس فيما يتعلق بشخصية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنها زوجته.

    ثانياً: أن ابن عباس اضطربت الرواية عنه، ففي بعضها كما سمعتم أنه رآه بقلبه، وهذا ليس موضع اختلاف.

    معنى بيع العينة وحكمه

    السؤال: ما معنى بيع العينة وما حكمه؟

    الجواب: بيع العينة مثله: كأن تريد أن تشتري براداً، والحقيقة أنك لا تريد أن تشتري براداً، إنما تريد قروشاً، فتأتي إلى التاجر فتشتري براداً -مثلاً- بمائة جنيه، وقبل أن يسمي لك الثمن -تأتي معاملة نعتقدها أيضاً غير مشروعة- يقول لك: تريد أن تشتري نقداً أم تقسيطاً؟ وأنت كما قلنا في صورة بيع العينة لا تريد أن تشتري أصلاً، فتقول له: أنا أريد أن أشتري بالتقسيط، فهذا البراد لو قلت له: أريده نقداً ربما قال لك: بثمانين أو بتسعين وتقسيطاً يقول لك: مائة، فتقول: سجل عليَّ مائة، انتهى كل شيء وما انتهى أي شيء. لماذا؟

    ستعود أنت وقد اشتريت البراد بائعاً ويعود التاجر البائع لك شارياً، فتقول له: اشتر أنت مني هذا البراد نقداً، هو كان يبيعه لك بالتقسيط -مثلاً- بثمانين، فالآن يريد أن يشتريه منك بخمسة وسبعين أو دون ذلك، بحسب ما يناسبه ويناسب جشعه وطمعه، فأنت تأخذ الخمسة والسبعين ديناراً وتنطلق، وقد سجل عليك بذلك مائة دينار، هذه هي صورة بيع العينة.

    والعينة مشتقة من عين الشيء وذاته، أي: هذا البراد عينه وذاته بيع واشتري بمجلس واحد، ودون أن يتزحزح من مكانه، وبثمنين مختلفين، ثمن باهظ وهو ثمن البيع الأول، وثمن ناقص وهو ثمن البيع الثاني، كل ذلك لف ودوران واحتيال، كاحتيال اليهود على استحلال ما حرم الله من الربا، فبدل أن يأتي شاري البراد عن طريقة بيع العينة إلى التاجر وهو لا يريد أن يشتري، يقول: يا أخي! أنا بحاجة إلى خمسة وسبعين ديناراً، أعطني اليوم، وأعطيك بعد كذا شهر مائة دينار، هذا ربا مكشوف اليهود ما فعلوها، يدفع بدل خمسة وسبعين مائة! هذا ربا مكشوف، لذلك زين لهم الشيطان سوء أعمالهم وقال لهم: هذا ربا مكشوف، لكن ابحث عن الحكم الشرعي وتوصل إلى مأربك الذي هو أخذ الدين بربا بواسطة بيع العينة، تماماً كما صح عن الرسول عليه السلام أنه قال: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شي حرم ثمنه) ما هو معنى الحديث؟

    حرم الله على اليهود الشحوم، كما قال مشيراً إلى ذلك: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء:160] ومنها: شحوم الدابة الذبيحة، فكان محرماً عليهم أن ينتفعوا بالشحم، يرمونه أرضاً كما يرمون القاذورات ونحوها مما لا يستفاد منه، فصبر اليهود على ذلك مدة، ثم وسوس لهم الشيطان فقال لهم: كيف تضيعون هذه الشحوم هكذا أرضاً؟ خذوها وضعوها في الأواني الضخمة -الحلل- وأوقدوا النار من تحتها حتى تذوب هذه الشحوم وتعطي شكلاً جديداً، فتستطيعون أن تبيعوها وتنتفعوا بأثمانها، وكذلك فعلوا، فاستحقوا بهذا السبب كغيره من الأسباب لعنة الله عز وجل عليهم.. ما الفرق بين الشحم قبل أن يذوب وبين الشحم بعد ما يذوب؟

    هو شحم من قبل وهو شحم من بعد، هذا لا يشك فيه عاقل إطلاقاً، لكن هكذا الشيطان زين لهم هذا التغيير لاستحلال ما حرم الله عز وجل.. ما الفرق بين أن يعطي التاجر الرجل المحتاج للمال خمسة وسبعين ليوفيها بعد ذلك مائة، وبين إدخال الوسيط بينهما والنتيجة واحدة لا تختلف؟ أخذ خمسة وسبعين وسيوفيها مائة، هل هذا حلال؟ حاشا لله! ولذلك جاء في حديث في سنده عندي شيء من الضعف، وقد جود إسناده الحافظ ابن كثير رحمه الله أن الرسول عليه السلام قال: (لا ترتكبوا الحيل كما فعلت يهود)، وقد وقع المسلمون في مثل هذا الاحتيال في كثير من الأمور، هناك أناس عندنا كانوا تجاراً، وأعرف أحدهم وهو تاجر في السوق، يأتي الفقير فيحمله كيس سكر وفيه عشرات الجنيهات الذهبية، يقول: خذ هذا الكيس زكاة مالي، فيهتم الرجل؛ لأنه لا يستطيع أن يحمل الكيس، يحاول أن يبحث عن حمال، فيقول له: أنا أشتري منك الكيس بدلاً من أن تحمله إلى البيت، فيدفع له ثمن الكيس وفيه ما يساوي مائة كيس، هذا بظنه أنه أدى زكاة ماله وطهر نفسه، وهو بالعكس خبثها، ولو أبقى هذه الجنيهات في صندوقه كان أقل شراً له، لا أقول خيراً له من هذه الحيلة الشيطانية.

    فبيع العينة: هو بيع الشيء في مجلس واحد مرتين بثمنين متباينين، كوسيط لاستحلال الربا المكشوف.

    موقف أهل السنة من المذاهب ومدى اعتبارها من الفرق

    السؤال: ما موقفنا من المذاهب؟ وهل نعتبرها من الفرق أم لا؟

    الجواب: نحن نعتبر كل طائفة وكل جماعة تصر على مخالفة الكتاب والسنة بالمفهوم السلفي، وأقول: تصر على ذلك بالتعبير الشامي (عيني عينك) أي: عناداً وإصراراً، فهي تعتبر طائفة من الطوائف وفرقة من الفرق الضالة، لكن الأئمة الأربعة وأتباعهم الأولين، لا يمكن جعلهم في شيء من هذه الطوائف إطلاقاً؛ لأن منهجهم كان معتمداً على الكتاب والسنة واتباع ما كان عليه السلف الصالح، ومع الأسف أقول: إن أكثر الأئمة الأربعة اشتهاراً بأنه يؤيد بعض الشيعة على السنة هو الإمام أبو حنيفة، وأنا أعترف بهذا، ولكن لم يكن ذلك في اعتقادي عناداً منه ومعاندةً منه للسنة؛ وإنما لأن السنة كانت إحاطته بها في دائرة ضيقة جداً، بسبب انشغاله وانكبابه على تفريع واستنباط الأحكام من نصوص الكتاب أو الأحاديث التي وصلت إليه، لذلك تكثر عنه الآراء التي تخالف السنة، أما من حيث موقفه من هذا القيد وهو التمسك بما كان عليه السلف والصحابة بصفة خاصة فهو مشهور عنه، فإ،ه يقول: إذا جاء القول عن الصحابة ... لكن إذا اختلفوا فنحن بشر وهم بشر، فنأخذ من حيث أخذوا، فهو إذاً أقرب الأئمة الذين يمكن أن يقال فيهم، مع ذلك لا يمكن أن يقال فيه شيء إطلاقاً؛ لأن منهجه لا يخالف منهج السلف الصالح، لكن من أتباعه المتأخرين من تعصبوا له، كما أن الأئمة الآخرين -أيضاً- تعصبوا لهم أتباعهم.

    الخلاصة: يمكن نحن أن نضم بكل صراحة المتعصبين من المذهبيين الذين يؤثرون التقليد للمذهب، وليته كان مذهب الإمام الأول؛ لأنهم يتبعون قول المتأخرين منهم، وكثير منهم يصرح حينما نعارضهم بأقوال الأئمة أنفسهم، يقولون: نحن لا نأخذ بأقوال الأئمة المتقدمين، نحن نأخذ بأقوال المشايخ المتأخرين؛ لأن هؤلاء درسوا أفكار الأمة وفيها راجح ومرجوح، ولذلك هم لا يتبعون الأئمة أنفسهم وإنما المتأخرين منهم، فهؤلاء المتعصبون لأقوال أئمتهم المتأخرين مخالفون في ذلك نصوص الكتاب والسنة، ويمكن أن نعتبرهم من الفرق، أما نفس الأئمة فحاشاهم من ذلك حاشاهم!

    لعل في هذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين.