إسلام ويب

آه ...آه يا مسلمون!للشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه المادة يتحدث الشيخ عن بعض مآسي المسلمين في العالم، والأوضاع المتردية التي تحياها الشعوب المسلمة، ومن تكالب الأعداء عليهم، واتفاق الخصوم فيما بينهم على عداوة الإسلام والمسلمين، متبعاً إياها بالحديث عن الموت وشيء من التذكير والوعظ.

    1.   

    غربة الدين وأهله

    الحمد لله رب العالمين، نحمدك يا رب ونستغفرك ونستهديك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، جل ثناؤك وعظم جاهك ولا إله غيرك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو القاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فحيا الله هذه الوجوه المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور:

    أحبائي يا ملء الفؤاد تحيةً     تجوز إليكم كل سدٍ وعائقِ

    لقد شدني شوق إليكم مكللٌ     بالحب والتقدير والدعاء المشفقِ

    وأرقني في المظلمات عليكم     تكالب أعداء سعوا بالبوائقِ

    طلبتم رضا الرحمن قلباً وقالباً     وما طلبوا إلا حقير المآزقِ

    فسدد الله على درب الحق خطاكمُ     وجنبكم فيه خطير المزالقِِ

    طبتم جميعاً أيها الأطيار الأطهار، وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وحيى الله صاحبة النقاب والحجاب في عهد غربة الإسلام الثانية التي أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فاسمحوا لي أن أكرر هذه التحية إلى صانعة الأجيال ومربية الرجال، إلى من تربعت طيلة القرون الماضية على عرش حيائها، تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها:

    يا درة حفظت في الأمس غاليةً     واليوم يبغونها للهو واللعبِ

    يا حرة قد أرادوا جعلها أمة     غريبة العقل أو غريبة النسبِ

    هل يستوي من رسول الله قائده     دوماً وآخر هاديه أبو لهبِ

    وأين من كانت الزهراء أسوتها     ممن تقفت خطا حمالة الحطبِ

    فلا تبالي بما يلقون من شبهٍ     وعندكِ الشرع إن تدعيه يستجبِ

    سليه من أنا من أهلي لمن نسبي     للغرب أم أنا للإسلام والعربِ

    لمن ولائي لمن حبي لمن عملي     لله أم لدعاة الإثم والكذبِ

    وما مكاني في دنيا تغوث بنا     في موضع الرأس أم في موضع الذنبِ

    هما سبيلان يا أختاه ما لهما     من ثالثٍ فاكسبي خيراً أو اكتسبي

    سبيل ربك والقرآن منهجه     نورٌ من الله لم يحجب ولم يغبِ

    فاستمسكي بعرى الإسلام واعتزي     وصابري واصبري لله واحتسبي

    حياكِ الله يا صاحبة النقاب، حياكم الله يا أصحاب أوسمة السنة والشرف، يا أصحاب اللحى، حياكم الله جميعاً، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يربط على قلوبكم، وأن يثبتنا وإياكم على الحق، وأن يشرفنا وإياكم بالعمل لهذا الدين، وأن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيءٍ قدير.

    1.   

    المستقبل لهذا الدين

    أيها الأحبة في الله: تلبيةً لرغبة أحبابنا وإخواننا فإن حديثي الليلة مع أحبابي في الرقائق، وكم كنت أتمنى أن أعتذر عن الحديث في هذا الموضوع؛ لأنني أعلم يقيناً أنه لا يجيد الحديث عن الرقائق إلا أصحاب القلوب الحية، وأشهد الله أني لست منهم، كما كنت أتمنى أن يكون حديثنا في كل وقتٍ وفي كل مكان عن تصحيح بعض المفاهيم، وإيقاظ العقول والقلوبِ لهذه التحديات الخطيرة، ولهذه المؤامرات الكبيرة الرهيبة التي تحيط بأمتنا في الليل والنهار، والتي تحاك لهذا الدين، وتُحاك للمسلمين لاستئصال شأفتهم، وللقضاء على هذا الدين، ولكنني أقول بملء فمي: إن هذه المؤامرات، وإن هذه المكائد، التي تكاد لهذا الدين ولهذه الأمة في الليل والنهار، إنما هي إلى زوال، وإن أهلها إلى فناء، وسيبقى الإسلام شامخاً يناطح كواكب الجوزاء؛ لأنه دين رب الأرض والسماء.

    إن المستقبل يا شباب الصحوة لهذا الدين ورب الكعبة رغم كيد الكائدين، ولن تستطيع جميع الأفواه ولو اجتمعت أن تطفئ نور الله: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8].

    نعم. أقول بملء فمي: نامت الأمة بل وراحت في سباتٍ عميق، وأقول بملء فمي: مرضت واعتراها الركود إلى سنوات طويلة، ولكن الأمة بحمد الله لم تمت، ولن تموت بإذن الله جل وعلا.

    نعم. ما تجنيه الأمة اليوم من ثمار الحنظل المرة إنما هي نتيجةٌ لفترة رقادها الطويلة التي طالت وطالت، فسلبت أرضها، وسفكت دماؤها، وانتهك عرضها، وهانحن نرى الآن، وينطبق على الأمة الآن قول القائل الصادق:

    آه يا مسلمون متم قروناً     والمحاق الأعمى يليه محاق

    أي شيءٍ في عالم الغاب نحن     آدميون أم نعاج تساق

    نحن لحمٌ للوحش والطير منا الـ     جثث الحمر والدم الدفاق

    وعلى المحصنات تبكي البواكي     يا لعرض الإسلام كيف يراق

    سراييفو تباد والعالم كلـ     ـه خسة وخيانةً ونفاق

    سراييفو من دولة المجد عثما     ن أبوها والفاتح العملاق

    سراييفو من قلب مكة بالتو     حيد يعلو لواءها الخفاق

    تركوها وحولها من كلاب الصـ     ـرب طوقٌ من خلفه أطواق

    قدمتها الصلبان للصرب قربا     ناً وللصرب كلهم عشاق

    فوالله لو فعلنا بالصرب ما فعلو     ه لرأينا مثل الذي رآه العراق

    انتهك عرضنا، وضاع شرفنا، ومسخت هويتنا، وراح عزنا، وزالت سيادتنا، وزعزع انتماؤنا يوم أن رقدت الأمة وطال رقادها، ونامت فطال سباتها؛ ولكنني أبشركم -أيها الأحباب- وأقول: إن أمة الإسلام قد مرضت واعترتها فترات من الركود الطويل، ولكنها بحمد الله تعالى ما ماتت ولم تمت ولن تموت بإذن الله مصداقاً لبشرى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث معاوية : (لا تزال طائفة من أمتي قائمةً بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس) فأسأل الله جلا وعلا أن يشرفني وإياكم لأن نكون من أفراد هذه الطائفة؛ إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيءٍ قدير.

    1.   

    حياة القلوب وموتها

    إذاً: أيها الأحباب! إن حديثنا الليلة في الرقائق لا ينقسم عن هذه التحديات، فإننا لن نواجه هذه المؤامرات الموثورة إلا برجال، وإننا الآن نريد أن نربي هؤلاء الرجال، وهؤلاء الرجال لن نبدأ تربيتهم إلا بتصفيح وتصليح قلوبهم، فإن الحديث عن الرقائق ليس بمعزلٍ عن مجابهة هذه التحديات؛ لأننا نرى الآن من بين أبناء الأمة قلوباً صدئة علاها الران، نرى أصحاب هذه القلوب الآن مع أنهم يتكلمون بألسنتنا ويلبسون زينا إلا أنهم قد انطلقوا بدون أدنى خجلٍ أو وجلٍ يحاربون الله ويصدون عن سبيل الله جلا وعلا.

    فهؤلاء هل تعتقدون أنهم يحملون في صدورهم قلوباً تعرف ملك الملوك جل وعلا؟

    هل يحملون في صدورهم قلوباً ترق إذا ذكر لله؟ وتبكي عيونهم إذا تلي كلام الله؟ وترق أفئدتهم إذا ذكِّروا بالله جل وعلا؟ وبيومٍ سيتركون فيه الجاه، والكراسي الزائلة، والمناصب الفانية، لا وزارة، ولا إمارة، ولا سيارة، ولا عمارة، ولا جاه، ولا منصب، وإنما سيقف هذا عارياً يبن يدي ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض ليكلمه ربه جل وعلا دون ترجمان: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).

    هؤلاء نسوا يوماً سيعرضون فيه على الله، لماذا؟ لأن قلوبهم قد ماتت في أكفان صدورهم، كفنتها الصدور منذ زمن، إذا ذكِّروا بالله سخروا، وإذا ذكِّروا بحديث رسول الله استهزءوا، وصفوا النقاب بأنه خيمة، ووصفوا اللحية بأنها عفن، ووصفوا شريعة الله بأنها تخلف، هل تعتقدون أن هؤلاء وإن كانوا يتحركون بين الأحياء يحملون قلوباً حية تعرف ملك الملوك جل وعلا؟ لا والله. لا والله.

    إذاً: فالنقطة الأولى -أيها الأحباب- هي كما قال الحبيب: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فلنفتش جميعاً في قلوبنا وعن قلوبنا.

    أين يقع قلبك أيها الحبيب؟! هل قلبك من القلوب الحية؟ هل قلبك من القلوب السليمة؟ هل قلبك من القلوب المريضة؟ هل قلبك من القلوب الميتة؟ سل نفسك أيها الحبيب فتعالوا بنا لنخاطب القلب والعقل معاً بهذه الحقيقة الكبيرة، فوالله ما ظلم الظالمون، وما جار المتجبرون، وما ظلم الطغاة المتكبرون إلا يوم أن غفلوا عن يومٍ سيعرضون فيه بين يدي ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، إلا يوم أن اعتقد أنه إله مخلد، إلا يوم أن رن في أذنيه قول فرعون -وهؤلاء أتباع الفراعنة- كما قال الله تعالى: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] إلا يوم قال بلسان الحال: يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51].

    1.   

    (وجاءت سكرة الموت بالحق)

    فيا أيها الحبيب! أخاطب الجميع الآن، أخاطب الكبير والصغير، أخاطب الرجل والمرأة، أخاطب الشاب والفتاة، أخاطب كل مسلم بهذه الحقيقة التي غفل عنها كثيرٌ من الناس، والتي سماها الله في قرآنه (بالحق) فقال جل وعلا: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] والحق أنك تموت، والله حيٌ لا يموت: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19] والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19] والحق أن قبرك روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران: ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] ذلك ما كنت منه تهرب وتجري وتفر، تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وإلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وإلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ولكن ثم ماذا؟ أيها القوي الفتي، يا أيها الذكي العبقري! يا أيها الأمير! يا أيها الوزير! يا أيها الكبير! يا أيها الصغير!

    كل باكٍ فسيُبكى

    كل ناعٍ فسيُنعى

    كل مذخورٍ سيفنى

    كل مذكورٍ سينسى

    ليس غير الله يبقى

    من علا فالله أعلى

    يا من غرك جاهك! يا من غرتك وزارتك! يا من غرك كرسيك! يا من غرك منصبك! يا من غرك مالك! يا من غرك جندك! يا من غرتك قوتك! تذكر يوم أن تخرج من هذه الدنيا وقد انفض عنك الجمع، انفض عنك الجند والمال والأهل، انفض عنك الأحباب، فوقفت بين يدي الله جل وعلا ليسألك عن القليل والكثير، وعن الصغير والكبير.

    تذكر وقوفك يوم العرض عريانا     مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا

    والنار تلهب من غيضٍ ومن حنقٍ     على العصاة ورب العرش غضبانا

    اقرأ كتابك يا عبدي على مهلٍ     فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا

    لما قرأت ولم تنكر قراءته     أقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا

    قال الجليل خذوه ...

    خذوه هو الذي حارب الله وحارب سنة رسول الله، وحارب النقاب، وهو الذي أعلن الحرب على الحجاب، وحارب الأبرار، وحارب الأخيار، خذوه.

    قال الجليل خذوه يا ملائكتي     وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا

    المشركون غداً في النار يلتهبوا     والمؤمنون بدار الخلد سكانا

    وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] ذلك ما كنت منه تهرب: : كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ [القيامة:26] من الذي يرقيه؟ من الذي يبذل له الرقية؟ ومن الذي يقدم له الطب والعلاج؟ من الذي يحول بينه وبين أمر الله جل وعلا؟!

    انظر إليه وهو على فراش الموت، وهو من هو؟ صاحب الجاه والوزارة والإمارة والملك، نام على فراش الموت، التف الأطباء من حول رأسه، ذلك يبذل له الرقية، وذلك يقدم له العلاج، فهم يريدون شيئاً، وملك الملوك يريد شيئاً آخر.

    انظر إليه وقد زحف الموت إليه، وقد اصفر وجهه، وشحب، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وبدأ يشعر بزمهريرٍ قارص يزحف إلى أنامل يديه وقدميه، يحاول جاهداً أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا تريد أن تتزحزح إلا لمن يسر الله له النطق بلا إله إلا الله، لأهل الإيمان، ولأهل التوحيد، ولأهل الاستقامة.

    في هذه السكرات ينظر فإذا وعى ما حوله في لحظة الصحوات بين السكرات والكربات، ينظر فيرى ملائكة من بعيد تقترب يفرح أهذه ملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب؟ يا ترى أهذا الذي جالسٌ عند رأسي الآن من هو؟ إنه ملك الموت، يا ترى ماذا سيقول لي؟ هل سيقول لي: يا أيتها الروح الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان وربٍ راضٍ غير غضبان، أم سيقول لي: يا أيتها الروح الخبيثة! اخرجي إلى سخطٍ من الله وعذاب؟ فإذا نظر إلى أهله وأولاده وأحبابه ووعاهم نظر إليهم نظرة استعطاف ورجاء وأمل، وهو يقول بلسان الحال بل بلسان المقال: يا أحبابي! يا إخواني! يا أولادي! لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، أنا أبوكم، أنا أخوكم، أنا كبيركم، أنا الذي بنيت لكم القصور، وعمرت لكم الدور، أنا الذي كان يقف الناس بين يدي، وكان يركع الناس بين يدي، لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، أفدوني بأعماركم وبأموالكم، من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين، فهنا يعلو صوت الحق: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:83-96].

    سفري بعيدٌ وزادي لن يبلغني     وقوتي ضعفت والموت يطلبني

    ولي بقايا ذنوبٍ لست أعلمها     الله يعلمها في السر والعلنِ

    أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً     على المعاصي وعين الله تنظرني

    ما أحلم الله عني حيث أمهلني     وقد تماديت في ذنبي ويسترني

    كأنني وحولي من ينوح ومن     يبكي عليَّ وينعاني ويندبني

    وقد أتوا بطبيبٍ كي يعالجني     ولم أرَ الطب هذا اليوم ينفعني

    واشتد نزعي وصار الموت يجذبها     من كل عرقٍ بلا رفقٍِ ولا هونِ

    كأنني بين تلك الأهل منطرحاً     على الفراش وأيديهم تقلبني

    وقام من كان أغلى الناس في عجلٍ     نحو المغسل يأتيني يغسلني

    فجاءني رجلٌ منهم فجردني     من الثياب وأعراني وأفردني

    وغادروني على الألواح منطرحاً     وصار فوقي خرير الماء ينظفني

    وأسكب الماء من فوقي وغسلني     غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفنِ

    وحملوني على الأكتاف أربعةً     من الرجال وخلفي من يشيعني

    فقدموني إلى المحراب وانصرفوا     خلف الإمام فصلى ثم ودعني

    صلوا عليَّ صلاةً لا ركوع لها     ولا سجود لعل الله يرحمني

    وأنزلوني إلى قبري على مهلٍ     وقدموا واحداً منهم يلحدني

    فكشف الثوب عن وجهي لينظرني     فأسكب الدمع من عينيه أغرقني

    وقال هلوا عليه الترب .....

    يا مسكين! يا من ضحك الناس عليك! يا من نفخك الناس نفخاً! يا من غرك الناس غروراً! يا مسكين! رجعوا وتركوك، يا مسكين! في التراب وضعوك، يا مسكين! للحساب عرضوك، يا مسكين! والله لو ظلوا معك ما نفعوك، فلم يبق لك إلا عملك مع رحمة الحي الذي لا يموت.

    وقال هلوا عليه الترب واغتنموا     حسن الثواب من الرحمن ذي المننِ

    يا نفس! ويحك توبي!

    اتق الله، اتق الله ولا تحارب الله ورسوله، ولا تحارب الأطهار، ولا تحارب الأخيار.

    يا نفس ويحك توبي واعملي حسناً     عساك تجزين بعد الموت بالحسنِ

    وامنن علي بعفوٍ منك يا أملي     فأنت الرحمن ذو المننِ

    : وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ [المدثر:27] من يرقيه؟ من يبذل له الرقية؟ من يقدم له العلاج؟ من يحول بينه وبين ما وقع به؟ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ [المدثر:27] من يرتقي بروحه إلى السماء؟ تفسيرٌ آخر .. من يحمل روحه ويرتقي بها إلى الله جل وعلا؟ أي: من الملائكة التي نزلت لتشيع هذه الروح بعد معالجة ملك الموت لها.

    الحقيقة الكبرى

    قال تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] إنها الحقيقة الكبرى التي تصبغ الحياة البشرية بصبغة الذل والعبودية لقهار السماوات والأرض.

    إنها الحقيقة الكبرى التي تُعلن على مدى الزمان والمكان، في أذن كل حاكم، وكل أديب، وكل مفكر، وكل سامع، أنه لا بقاء إلا للحي الذي لا يموت.

    إنها الحقيقة التي تسربل بها طوعاً أو كرهاً العصاة والطائعون.

    إنها الحقيقة التي شهد كأسها الأنبياء والمرسلون.

    إنها الحقيقة التي تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة الذل والعبودية للحي الذي لا يموت جل وعلا.

    أيها الحبيب الكريم: إنها الحقيقة التي أمرنا الحبيب بالإكثار من ذكرها: (أكثروا من ذكر هادم اللذات، قيل: وما هادم اللذات يا رسول الله؟! قال: الموت) والحديث رواه بعض أصحاب السنن من حديث عمر بن الخطاب ، وهو حديثٌ حسن.

    تذكر..

    يا نفس قد أزف الرحيل     وأظلك الخطب الجليلُ

    فتأهبي يا نفس لا     يلعب بك الأمل الطويلُ

    فلتنزلن بمنزلٍ     ينسى الخليل به الخليلُ

    وليركبن عليك فيه     من الثرى ثقلٌ ثقيلُ

    قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليلُ

    لقي الفضيل بن عياض رجلاً فسأله الفضيل عن عمره، قال الفضيل: كم عمرك؟ قال الرجل: ستين سنة، قال الفضيل: إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله توشك أن تصل، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الفضيل: هل عرفت معناها؟ قال: نعم عرفت أني لله عبدٌ وأني إليه راجع، قال الفضيل: يا أخي! إن من عرف أنه لله عبدٌ وأنه إليه راجع، عرف أنه موقوفٌ بين يديه، ومن عرف أنه موقوفٌ عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً، فبكى الرجل وقال: يا فضيل! وما الحيلة؟ قال الفضيل : يسيرة، قال: وما هي يرحمك الله؟ قال: أن تتقي الله فيما بقي يغفر الله لك ما قد مضى.

    1.   

    رسالة إلى أصحاب الكراسي والأقلام

    إلى أصحاب الكراسي، إلى أصحاب الأقلام، إلى أصحاب صفحات الصحف والمجلات..

    أيا من يدعي الفهم     إلى كم يا أخا الوهم

    تعبي الذنب بالذم     وتخطي الخطأ الجم

    أما بان لك العيب     أما أنذرك الشيب

    وما في نصحه ريب     ولا سمعك قد صم

    أما نادى بك الموت     أما أسمعك الصوت

    أما تخشى من الفوت     فتحتاط وتهتم

    فكم تسدر في السهو     وتختال من الزهو

    وتنصب إلى اللهو     كأن الموت ما عم

    كأني بك تنحط     إلى اللحد وتنغط

    وقد أسلمك الرهط     إلى أضيق من سم

    هناك الجسم ممدود     ليستأكله الدود

    إلى أن ينخر العود     ويمسي العظم قد رم

    وزود نفسك الخير     ودع ما يعقب الضير

    وهيئ مركب السير     وخف من لجة اليم

    بذا أوصيت يا صاح     وقد بحت كمن باح

    فطوبى لفتىً راح     بآدابيَ يأتم

    وصدق الله إذ يقول: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة:26-30].

    ويفتح سجله، ويفتح ملفه، ويفتح كتابه وإذا به: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة:31-32].

    1.   

    مواقف البعث والنشور

    : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق:19-20] لا بد من استقرار هذه الحقيقة في النفس، يموت الصالحون والطالحون، يموت الظالمون والمظلومون، يموت المجاهدون والقاعدون، يموت المستعلون بالعقيدة والمستذلون للعبيد، يموت المخلصون الصادقون، الرجال الذين يأبون الضيم والذل، والجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن، يموت أصحاب الاهتمامات الكبيرة والأهداف الراقية العالية، والفارغون التافهون الذين لا يعيشون فقط إلا من أجل شهواتهم ونزواتهم، ومن أجل متعهم الرخيصة: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

    : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق:19-20].

    ليت الأمر توقف عند الموت، لكن كلا. من علم أن الموت موعده، والقيامة مورده، والوقوف بين يدي الله مشهده، فحق له أن يطول بالدنيا حزنه.

    من النافخ؟

    إسرافيل، ويأمره الله جل وعلا أن ينفخ نفخة الفزع: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [النمل:87] فيأمره أن ينفخ نفخة ثانية: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزمر:68] أي: فمات، وحينئذٍ إذا أمر الله إسرافيل بالنفخ في الصور نفخة الصعق، ومات كل حيٍ على ظهر هذه الأرض، بل وأمر الله بموت الملائكة جميعاً يسود صمتٌ رهيب، يشق هذا الصمت صوت جليل مهيب، يسأل صاحب الصوت ويجيب، فما من سائل يومئذٍ غيره ولا مجيب، كما في الصحيحين : (إذا مات كل حي ينطق الحق جل وعلا، ويقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟! أين المتكبرون؟! أين الجبارون؟!) وفي رواية مسلم : (يقول الحق جل وعلا: لمن الملك اليوم؟ فيجيب على ذاته ويقول: الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16]).

    أين الظالمون؟ وأين التابعون لهم في الغي؟ بل أين فرعون وهامان؟!

    أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم     وذكرهم في الورى ظلماً وطغيان

    هل أبقى الموت عزٍ لعزته     أو هل نجا منه بالسلطان إنسان

    لا والذي خلق الأكوان من عدمٍ     الكل يفنى فلا إنس ولا جان

    أنا الملك .. لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16].. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزمر:67] ثم يُؤمر إسرافيل بالنفخة الثالثة ألا وهي: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68] قيامٌ .. انظر إلى هذا المشهد، فوالله أنه من أرهب مشاهد القيامة، يوم ترى الأرض كلها تتشقق هنا وهناك، ليخرج الناس جميعاً من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ليخرج الناس من قبورهم حفاةً عراةً مرتاعين: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:1-8].

    أيها الحبيب: يخرج الناس جميعاً ممتدة رقابهم، شاخصة أبصارهم، يستجيبون لهذا الداعي الذي جاء ليقودهم إلى أرض المحشر، ليرى العبد نفسه واقفاً بشخصه ولحمه عارياً بين يدي ربه جل وعلا، ليعطى صحيفته، هذه الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها، هذه الصحيفة التي لا تغادر مخبأة أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها، وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها.

    تكليم الله للعبد وأخذ الكتاب باليمين أو بالشمال

    انتبه أيها الحبيب! سينادى عليك في هذا المشهد الرهيب، في يوم الفضائح، ويوم القيامة والزلزلة والحسرة، في يوم الحاقة والقارعة: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30]

    مثل لنفسك أيها المغرور     يوم القيامة والسماء تمور

    إذ كورت شمس النهار وأدنيت     حتى على رأس العباد تسير

    وإذا النجوم تساقطت وتناثرت     وتبدلت بعد الضياء كدور

    وإذا الجبال تقلعت بأصولها     فرأيتها مثل السحاب تسير

    وإذا البحار تفجرت نيرانها     فرأيتها مثل الجحيم تفور

    وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت     وتقول للأملاك: أين نسير

    وإذا العشار تعطلت وتخربت     خلت الديار فما بها معمور

    وإذا الجليل طوى السما بيمينه     طي السجل كتابه المنشور

    وإذا الصحائف نشِّرت وتطايرت     وتهتكت للعالمين ستور

    وإذا الجنين بأمه متعلقٌ     يخشى القصاص وقلبه مذعور

    هذا بلا ذنبٍ يخاف جنايةً     كيف المصر على الذنوب دهور

    وإذا الجحيم تسعرت نيرانها     فلها على أهل الذنوب زفير

    وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت     لفتىً على طول البلاء صبور

    ينادى عليك باسمك لترى نفسك بين يدي الله بدون متكلمٍ أو ترجمان، كما في حديث عدي بن حاتم وهو مخرج في الصحيحين : (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).

    إن كنت من المؤمنين الموحدين قربك الله جل وعلا منه، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يُدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع رب العزة عليه كنفه) والكنف لغة لا تأويلاً للصفة: هو الستر والرحمة، فلا تؤولوا صفة ولا تعدوها: (حتى يضع رب العزة عليه كنفه، ويقرره بذنوبه) هذا العبد المؤمن، يقرره الله بذنوبه ويقول له: (أنت عملت كذا يوم كذا، وعملت كذا يوم كذا، فيقول المؤمن: ربِ أعرف! ربِ أعرف! فيقول الله جل وعلا: ولكني سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم) اللهم اجعلنا من هؤلاء.

    ويعطيك الله كتابك بيمينك، وتنطلق ينير وجهك، ويشرق النور من على يمينك، ومن بين يديك: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8].

    أهل الأنوار إذا أعطاه الله الكتاب بيمينه انطلق في أرض المحشر وقد أشرقت أعضاؤه وأنار وجهه، ينطلق إلى أحبابه وإخوانه وإلى من هم على شاكلته ليبشرهم، فلقد سعد سعادة لن يشقى بعدها أبداً، وفاز فوزاً لن يخيب بعده أبداً، ينطلق في أرض المحشر وكتابه بيمينه، ويقول لأحبابه ولإخوانه ولخلانه: هيا اقرءوا معي كتابي، انظروا هذا توحيدي وصلاتي وزكاتي وحجي ودعوتي وصبري على الابتلاء واحتسابي، وهذا ديني: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:19-24].

    وإن كانت الأخرى -والعياذ بالله- أعطاه الله كتابه بشماله أو من وراء ظهره، واسود وجهه، وكسي من سرابيل القطران، وقيل له: انطلق إلى أمك الهاوية، فينطلق في أرض المحشر وكتابه بشماله، وقد اسود وجهه، ويقول كما قال الله حكاية عن هذا الصنف الخبيث: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:25-37] نسأل الله أن يسترنا وإياكم يوم العرض، وتحت الأرض، وفوق الأرض، إنه ولي ذلك ومولاه.

    حقارة الدنيا

    أيها الحبيب الكريم: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق:20] .. (يُؤتى بأنعم رجلٍ في الدنيا، ويغمسه الله غمسة واحدة في جهنم، ويقول له: هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت نعيماً قط، ويؤتى بأتعس رجل من أهل الدنيا -ولكنه يوم القيامة من أهل الجنة- فيغمسه الله غمسة واحدة في جنات النعيم ويقول له: هل رأيت بؤساً قط؟) تذكر الآلام والمحن والفتن والاتهامات والابتلاءات والأذى: (هل رأيت بؤساً قط؟! فيقول: لا وعزتك ما رأيت بؤساً قط) أنساه نعيم الجنة كل بؤسٍ وشقاء، كما أن الأول أنساه جحيم جهنم كل نعيمٍ في الدنيا.

    أيها الحبيب: إن الدنيا قصيرة، مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لا بد من دخول القبر، وأريد أن أبشركم أيها الشباب! أيها الأطهار! أيها الأخيار! يا من عضضتم بالنواجذ على دينكم، في وقتٍ تكال لكم فيه الضربات كيلاً، وتصب على رءوسكم المحن صباً! اعلموا أن سلعة الله غالية: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) .. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    1.   

    هل من مشمر للجنة؟

    أيها الشاب الحبيب: يا من ابتليت في عرضك! يا من ابتليت في رزقك! يا من ابتليت في عملك! يا من ابتليت في دينك! اصبر فورب الكعبة ما هي إلا أيام وستجد نفسك بين يدي الله جل وعلا، فإن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، وإن دنياكم دار ممر، وإن أخراكم هي دار المقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تفضحوا أستاركم عند من يعلم أسراركم.

    أيها الحبيب: اصبر فإن سلعة الله هي الجنة، وما أدراكم ما الجنة؟

    في الجنة: (ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ورد في سنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان ، وفي إسناد الحديث سليمان بن موسى مختلفٌ فيه، وبقية رجال الإسناد ثقات من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم وصف الجنة يوماً لأصحابه، فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم: (هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصرٌ مشيد، ونهرٌ مضطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجةٌ حسناء جميلة، ثم قال الحبيب: ألا من مشمرٍ للجنة؟ فقال الصحابة: نحن المشمرون لها يا رسول الله! فقال لهم: قولوا: إن شاء الله عز وجل) أسأل الله أن يمتعني وإياكم بالنظر إلى وجهه الكريم.

    أيها الحبيب الكريم..

    النفس تبكي على الدنيا وقد علمت     أن السلامة فيها ترك ما فيها

    لا دار للمرء بعد الموت يسكنها     إلا التي كان قبل الموت يبنيها

    فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه     وإن بناها بشرٍ خاب بانيها

    أموالنا لذوي الميراث نجمعها     ودورنا لخراب الدهر نبنيها

    وكم من مدائن في الآفاق قد بنيت     أمست خراباً وأفنى الموت أهليها

    أين الملوك التي كانت مسلطنةً     حتى سقاها بكأس الموت ساقيها

    إن المكارم أخلاقٌ مطهرةٌ     الدين أولها والعقل ثانيها

    والعلم ثالثها والحلم رابعها     والجود خامسها والفضل باقيها

    لا تركنن إلى الدنيا     وزخرفها     فالموت لا شك يفنينا ويفنيها

    واعمل لدار غدٍ رضوان خازنها     والجار أحمد والرحمن بانيها

    قصورها ذهبٌ والمسك طينتها     والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها

    أنهارها لبنٌ مصفى ومن عسلٍ     والخمر يجري رحيقاً في مجاريها

    والطير تجري على الأغصان عاكفة     تسبح الله جهراً في مغانيها

    من يشتري الدار في الفردوس يعمرها     بركعة في ظلام الليل يحييها

    أيها الحبيب الكريم: اعلم بأن نعيم الجنة الحقيقي ليس في لبنها، ولا في خمرها، ولا في حورها، ولا في قصورها، ولا في ذهبها، ولكن نعيم الجنة الحقيقي في التمتع بالنظر إلى وجه ربها: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله تعالى: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير بين يديك، فيقول ربنا جل وعلا: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى -وفي لفظ مسلم : ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ ألم تبيض وجوهنا- فيقول الله جل وعلا: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟! فيقول أهل الجنة: وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟! فيقول الله جل وعلا: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً -وفي لفظ مسلم : فيكشف الله الحجاب بينه وبينهم فما أُعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه الله جل وعلا، ثم تلا النبي قول الله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]) والحسنى: هي دخول الجنة، والزيادة: هي التمتع بالنظر إلى وجه الله جل وعلا في الجنة.

    أيها الحبيب: هل ستموت؟ إنك تعلم يقيناً بأنك ميت، وتعلم أن الموت نهاية كل حيٍ وإن تعددت الأسباب، فلم الجبن والكسل والخوف والتواني عن دعوة الحق؟

    ...........................     تعددت الأسباب والموت واحدُ

    لماذا يتحرك كل أهل الباطل غضباً لباطلهم، ولا يتحرك أهل الحق لحقهم؟ ماذا تنتظر؟ ومن تنتظر؟ هل تنتظر الأوباش الأنجاس يتحركون لدعوة الله جل وعلا؟!!

    1.   

    الدعوة إلى الله مسئولية الجميع

    أيها الشباب: إنني أحملكم المسئولية جميعاً أمام الله، ليست الدعوة مسئولية الدعاة فحسب، ولكن كل مسلمٍ ومسلمة مسئولٌ مسئولية كاملة عن دين الله، فهيا -أيها الشباب- تحركوا من الآن، أيها الشاب صحح دينك، صحح اعتقادك، افهم إسلامك فهماً كاملاً شاملاً، وحول الإسلام في حياتك إلى واقع، وإلى منهج حياة، ثم انطلق على بركة الله، بقدر ما منَّ الله به عليك من علم وصدقٍ وإخلاص، لدعوة الناس إلى دين الحق بالحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، فإن الله جل وعلا يقول لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159].

    أيها الحبيب: كن من حواري وأنصار رسول الله، ففي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نبيٍ بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا وكان له في أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف -أسأل الله ألا نكون منهم- يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يُؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).

    أيها الحبيب الكريم: خذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) والحديث رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر .

    يا طالب العلم: فرق بين طلب العلم وبين الدعوة إلى الله، فإن طلب العلم لا ينتهي البتة، كما قال أحمد بن حنبل: مع المحبرة إلى المقبرة. لكن الدعوة إلى الله واجب كل مسلمٍ ومسلمة، فلتتحرك أيها الحبيب للدعوة إلى الله، ولدين الله، بكلمتك الطيبة، وبدعوتك الصادقة، وبسلوكك وأخلاقك لنظهر للدنيا كلها حقيقة إسلامنا، فإننا الآن نعيش زماناً أصبح يُحكمُ فيه على الإسلامِ من خلال مكانة المسلمين المنحطة.

    فنسأل الله جل وعلا أن يشرفنا وإياكم بأن نكون من حواري وأنصار رسول الله، وأن نتحرك للدعوة إلى الله، ولدين الله، ونحن على يقين جازم أن الأجل لا يقربه جبن جبانٍ ولا حرص حريص، وأن الرزق بيد الله جل وعلا، وبأن الأمر كله لله، فكن على يقينٍ بالله وثقةٍ بالله، واعلم بأن الملك كله لله، والأمر كله لله، وأسكن في قلبك الطمأنينة التي لا يجب على الإطلاق أن تشيبها شائبة شكٍ، أو أن تعصف بها رياح قنوط وأن الإسلام قادمٌ، وأن المستقبل لهذا الدين رغم كيد الكائدين.

    وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    والسلام عليكم ورحمة الله.