إسلام ويب

بشرى وأمل!للشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن آلام المسلمين وجراحهم قد كثرت، حتى أصبح المسلمون يعيشون في ذل وهوان، إلا أن ذلك لا يعني اليأس من التغيير، والرضا بالهزيمة؛ لأن موعود الله قادم لا محالة؛ ولأن المسلمين الصادقين هم أهل النصر وليس المتخاذلين. ولنا في رسول الله وأصحابه مثل وعبرة في الصبر والصدق والتحمل. وما يعيشه المسلمون من اضطهاد وحروب لا يعني أن الوضع سلبي على إطلاقه، بل إن له إيجابيات، وإن كانت الكفة لصالح الكفر وفق سنن الله الكونية، إلا أن النصر قريب.

    1.   

    المسلمون .. آلام وجراح

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمد عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلَّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، التي سيطول والله شوقنا إليها، وزكَّى الله هذه الأنفس التي انصهرنا معها في بوتقة الحب في الله، وشرح الله هذه الصدور العامرة التي جمعنا وإياها كتاب الله تعالى.

    طبتم جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الأعزاء وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في هذا الملتقى المبارك -بدولة قطر المباركة- على طاعته، وأن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أحبتي في الله: بشرى وأمل! هذا هو عنوان محاضرتنا مع حضراتكم في هذه الليلة الميمونة المباركة.

    بشرى وأمل! وقد يئن كثيرٌ من الأحبة الآن ويقول بلسان الحال، بل وربما بلسان المقال، ويمنعه الحياء أن يعلو وأن يرفع صوته بهذا ويقول: أية بشرى وأي أمل؟ أية بشرى تريد أن تضمد بها جراحنا الليلة؟ وأي أمل تريد أن تطمئن به قلوبنا الليلة؟

    أية بشرى وأي أمل وبرك الدماء وأكوام الأشلاء تجسد الفجيعة وتحكي المأساة؟!

    أية بشرى وأي أمل وقد زال ظل الخلافة، وتمزقت الأمة إلى أجزاء، بل وتفتتت الأجزاء هي الأخرى إلى أجزاء؟!

    أية بشرى وأي أمل وقد بتر من جسد الأمة القدس الحبيب: أولى القبليتين، ومنتهى مسرى سيد الثقلين؟!

    أية بشرى وأي أمل وقد اتفق أعداء الإسلام على الرغم من اختلاف عقائدهم، و(أيديولجياتهم) ونظمهم وأفكارهم، ما اتفقوا على شيء بقدر ما اتفقوا على الكيد للإسلام، واستئصال شأفة المسلمين؟!

    أية بشرى وأي أمل وطلائع البعث الإسلامي الأبية تتعرض الآن لأشد الضربات وأعنف الهجمات؟!

    ففي كل بلد على الإسلام دائرة     ينهد من هولها رضوى وثهلان

    ذبحٌ وصلب وتقتيل بإخوتنـا     كما أعدت لتشفي الحقد نيران

    يستصرخون ذوي الإيمان عاطفة     فلم يغثهم بيوم الروع أعوان

    هل هذه غيرة أم هذه ضعة     للكفر ذكر وللإسلام نسيان

    أية بشرى وأي أمل والإبادة الجماعية للمسلمين في كل مكان في البوسنة، والشيشان، وطاجكستان، وتركستان ، بورما، وكمبتسيا، وسيرلنكا، والفلبين، والهند، وفلسطين الذبيحة ... وفي كل مكان؟

    أية بشرى وأي أمل وقد ذلت الأمة كلها بعد عزة، وجهلت بعد علم، وضعفت بعد قوة، وأصبحت تتأرجح في سيرها، بل ولا تعرف طريقها، بل وتعرضت الآن للذل والخزي والهوان والعار، وضربت من قِبَل أذل وأخس وأنذل وأحقر أمم الأرض؟!

    أية بشرى وأي أمل وقد أصبحت الأمة -كما ذكرت- قصعة مستباحة لأذل أمم الأرض، وتحولت إلى غثاء من النفايات البشرية على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية، وتفصل بينها الآن حدودٌ جغرافية، ونعراتٍ قومية مصطنعة، وترفرف على سمائها رايات القومية والوطنية، وتحكمها قوانين الغرب العلمانية ، وتدور بها الدوامات السياسية، فلا تملك الأمة نفسها عن الدوران، بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي تدور فيه؟

    أهذه هي الأمة التي ذكرها الله عز وجل في قرآنه بالخيرية وعلل خيريتها بقوله: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]؟ وقد بات في الأمة الآن من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، بل ولو رفعت صوتك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأصبحت متهماً تؤخذ بالنواصي والأقدام.

    إن قلت قال الله قال رسولـه     همزوك همز المنكر المتعالي

    صحفي يتهمني في إحدى المجلات ويقول: إنك إن جلست معه انهال عليك بسيلٍ من الأدلة من القرآن والسنة! هذه سبة؟! هذه تهمة؟!

    إن قلت قال الله قال رسولـه     همزوك همز المنكر المتعالي

    أو قلت قد قال الصحابة والألـى     تبعاً لهم بالقول والأعمال

    أو قلت قـال الشافعي وأحمد     و أبو حنيفة والإمام الغالي

    صدوا عن وحي الإله ودينـه     واحتالوا على حرام الله بالإحلال

    يا أمةً لعبت بدين نبيها     كتلاعب الصبيان في الأوحال

    حاشا رسول الله يحكم بالهوى     تلك إذاً حكومة الضلال

    أية بشرى وأي أمل وقد تحولت الأمة الآن إلى هذا الحال، وبات فيها من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف؟!

    أهذه الأمة التي زكاها الله بالوسطية في قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143] وقد جنحت الآن إلى اليسار أو اليمين، أو إلى الشرق أو الغرب؟

    أهذه هي الأمة التي زكاها الله في القرآن بالوحدة فقال: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92] وقد تشرذمت وتشتتت وتفتتت إلى أجزاءٍ ودويلات، بل وتفككت الأجزاء الأخرى إلى أجزاءٍ كما ذكرت؟

    ما الذي جرى لأمةٍ دستورها القرآن؟

    ما الذي حدث لأمةٍ نبيها محمد عليه الصلاة والسلام؟

    ما الذي بدل عزها؟

    ما الذي بدل علمها؟

    ما الذي أذلها لمن كتب الله عليهم الذل والذلة من إخوان القردة من أبناء يهود؟

    أية بشرى وأي أمل؟؟!!

    أبعد هذا كله تريد أن تقدم لنا في هذه الليلة بشرى وأمل بعد أن بدأت أول ما بدأت بالعزف، على وتر الجراح والآلام؟ هل عندك بعد ذلك من بشارات؟ هل عندك بعد ذلك من آمال تريد أن تزفها الليلة إلينا؛ لتضمد الجراح ولتطمئن القلوب؟

    1.   

    إن النصر مع الصبر وإن الفرج مع الكرب

    أيها الأحبة .. أيها الأخيار .. أيها المسلمون .. يا من تقرءون القرآن في الليل والنهار، أقول لكم: رويداً رويداً! ومهلاً مهلا!.. فبالرغم من هذا كله، وبالرغم مما ذكرت، أقول لكم بلغةٍ يحدوها الأمل، وبقلبٍ يملؤه اليقين في موعود الله وموعود رسول الله أقول لكم:

    لئن عرف التاريخ أوساً وخزرجا     فلله أوسٌ قادمون وخزرج

    وإنّ كنوز الغيب تخفي طلائعاً     حرة رغم المكائد تخرج

    إن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم رغم كيد الكائدين، وإن أمة الإسلام قد تمرض، نعم. بل قد مرضت، وقد تعتريها فترات من الركود .. بل وربما من الركود الطويل، ولكنها بحمد الله جل وعلا لا تموت ولن تموت.

    وإن الذي سيفصل في الأمر عند نهايته ليس ضخامة الباطل، أبداً، وإنما الذي سيفصل في الأمر في نهاية الطريق قوة الحق، ولا شك على الإطلاق أن معنا الحق الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض، ومن أجله خلق الله الجنة والنار، ومن أجله أنزل الله الكتب، ومن أجله أرسل الله الرسل، ومعنا رصيد فطرة الكون، ومعنا رصيد فطرة الإنسان، ومعنا قبل كل ذلك وبعد كل ذلك الملك جل وعلا، ويا لها والله من معية كريمة مباركة لو عرفنا قدرها، قال جل وعلا: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21] وقال: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173].

    وعد الله جل وعلا، ووعد الله لا يتغير ولا يتبدل، فالنصر لهذا الدين سنة ربانية ماضية كما تمضي النجوم والأفلاك والأقمار في مدارها الذي حدده لها الملك جل وعلا.

    وهاهو القرآن يؤكد، وهاهو الصادق المصدوق يؤكد، وهاهو التاريخ والواقع يشهدان، فانتبه معي أيها الحبيب:

    جراح النبي قبل النصر والتمكين

    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وحده في مكة يدعو إلى لا إله إلا الله مع فئة قليلة مستضعفة، ويوم أن صعد على جبل الصفا ؛ ليعلن هذه الدعوة بصورة جهرية؛ أرعدت مكة وأبرقت، ودقت طبول الحرب على أشدها على رأس النبي والموحدين معه، وما من مكان تحرك فيه المصطفى في أرض مكة إلا ووجد أرض مكة أرضاً صلبةً صلدة لا تتلقى بذرة التوحيد.

    فعُذِّب، ووضعت النجاسة على ظهره، ووضع التراب على رأسه، بل وتقدم إليه المجرم عقبة بن أبي معيط وخنقه خنقاً شديداً، حتى كادت أنفاس الحبيب أن تخرج، وجاء صديق الأمة الأكبر ليدفع عقبة عن رسول الله وهو يقول: [أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم] ولا يجد في أرض مكة الأرض الخصبة التي تتلقى بذرة التوحيد، فيأمر أصحابه المضطهدين المعذبين بالهجرة، وبترك الديار والأوطان ... إلى أين؟

    إلى الحبشة.

    لماذا؟ لتغسل شلالاتها دماء وجروح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن بـالحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد، بل ويضطر النبي صاحب الدعوة إلى ترك مكة للهجرة ... إلى أين؟ إلى الخروج إلى الطائف ، يمشي على قدميه المتعبتين بلا راحلة، ولا زاد.

    والله ما انطلق إلى أهل الطائف يريد مالاً، ولا جاهاً، ولا وجاهة، ولا ثراءً، بل خرج يريد لهم خيري الدنيا والآخرة، ويريد أن يُخرجهم من أوحال الشرك والوثنية إلى أنوار الإيمان والتوحيد برب البرية جل وعلا.

    وفعل أهل الطائف بالحبيب ما تعلمون! فعلوا به أسوأ ما يُفعل بالإنسان، بل وذهب إليهم في اليوم الأخير يرجوهم رجاءه الأخير أن اكتموا خبر زيارتي عن أهل مكة حتى لا يشمت بي الأعداء هناك، فأبى أهل الطائف على النبي أن يحققوا له حتى هذا الرجاء الأخير، واضطروا النبي إلى أن يرفع هذه الدعوات وهذه الكلمات الحارة الصادقة، وإن كان الشيخ الألباني قد ضعف إسناد الحديث، إلا أن الحديث رواه الإمام الطبراني وقال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد : ورجاله ثقات إلا ابن اسحاق وهو مدلسٌ ثقة، ووقفت على طريقٍ آخر لهذا الحديث ولله الحمد والمنة رواه ابن اسحاق موصولاً عن محمد بن كعب القرظي، والروايتان تقوي الأولى الأخرى وهكذا.. فلا بأس على الإطلاق أن أستشهد بهذه الرواية لا أن أستأنس بها.

    رفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله أكف الضراعة قائلاً: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني؟! أم إلى عدوٍ ملكته أمري؟! إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن لا ينزل بي غضبك، أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).

    ويعود المصطفى، وفي الطريق يؤيده الله بهذا النصر الغيبـي، وانتبه إلى أولى البشارات: ينادي منادٍ من السماء .. إنه جبريل يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: يا رسول الله! لقد سمع الله ما قاله قومك لك، وقد أرسل الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، فمره بما شئت يا رسول الله، فسلم ملك الجبال على المصطفى -والحديث في الصحيحين - وقال: مرني بما شئت يا رسول الله، لو أمرتني أن أُطبق عليهم الأخشبين لفعلت، والأخشبان: جبلان عظيمان بـمكة يقال للأول: أبو قبيس، ويقال للثاني: الأحمر.

    انتبهوا أيها الأخيار .. والله الذي لا إله غيره لو كان ممن ينتقم لذاته ولمنصبه ولزعامته وقيادته وصدارته وريادته؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ملك الجبال فلحطم ملك الجبال أهل الطائف ، ولهدم ودمدم هذه الرءوس الصلبة والجماجم العنيدة، ولسالت دماءٍ غزيرة ليرى أهل مكة بـمكة دماء أهل الطائف في مكة .

    ولكن ماذا قال نهر الرحمة، وينبوع الحنان؟ قال: (بل إني أرجو الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبد الله جل وعلا).

    تمكينه تعالى لرسوله بعد الابتلاء

    يصبر الحبيب، ويضطر لترك بلده إلى المدينة، وفي مدة لا تساوي من حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، بل ولا تساوي في بناء الدول شيئاً على الإطلاق، يرجع المصطفى مع عشرة آلاف موحدٍ لله جل وعلا ليفتح مكة ؛ وليأمر النبي بلالاً رضي الله عنه ليصعد على سطح الكعبة، ليرفع الأذان لأول مرة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتتهلل حجارة الكعبة فرحاً لهذا التوحيد، ولهذا الثوب الجديد الذي كساها إياه إمام الموحدين، وقدوة المحققين محمد صلى الله عليه وسلم.

    ويحطم النبي الأصنام، ويردد قول الله جل وعلا: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81].

    من كان يظن في أول الأمر عندما وقف النبي على جبل الصفا لدعوة قومه؛ أن تمر هذه الرحلة بهذه السرعة؛ ليرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحاً؟ إنه وعد الله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173]؟

    صبر أبو بكر حتى كان التمكين

    من كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة بعد موت المصطفى صلى الله عليه وسلم، وظهرت فتنة الردة بصورة تكاد أن تلتهم الأخضر واليابس، من كان يظن في هذا اليوم العصيب الذي جسده عروة بن الزبير رضوان الله عليه وقال: [كان المسلمون كالغنم المبعثرة في الليلة الشاتية الممطرة؛ لفقد نبيهم ولقلة عددهم وكثرة عدوهم].

    انظر إلى هذا الواقع، وإلى هذا الحال، مات النبي فارتد كثيرٌ من العرب، وظهرت فتنة الردة، وفتنة من يدعي النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بل ذهب أحد المسلمين لـأبي بكر رضي الله عنه ليقول له: يا خليفة رسول الله! الزم بيتك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، فماذا قال الرجل الذي يزن في ميزان الرجال أمة؟ ماذا قال الصديق الذي قيضه الله للأمة يوم الردة كما قيض الله للأمة أحمد بن حنبل يوم المحنة؟ أبو بكر الذي يكاد القلب يهتز حياءً ووجلاً من هذا الرجل؛ لأن التاريخ قد ظلمه، فكم من المسلمين الآن لا يعرف عن أبي بكر الكثير! بل ولست مبالغاً إن قلت: والله لا يعرف كثيرٌ من المسلمين عن أبي بكر إلا القليل، بل ومنهم من لا يعرف عن هذا العملاق شيئاً.

    إنه صديق الأمة الذي لخص الإمام ابن القيم حياته تلخيصاً بديعاً فقال وتدبر معي كلامه؛ فلا يتسع الوقت لأقف معك وقفة موجزة مع أبي بكر ، فخذ هذا الوصف الدقيق من ابن القيم رحمه الله تعالى، يقول في حق أبي بكر رضي الله عنه:

    هذا هو أبو بكر الذي عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار؛ فألقى له الصديق حب الحُب على روض الرضا، واستلقى على فراش الفقر آمناً مطمئناً، فرفع الطائر الحب إلى حوصلة المضاعفة وتركه هنالك، ثم علا الطائر على أفنان شجرة الصدق يغرد للصديق بأغلى وأعلى فنون المدح وهو يتلو في قول الصديق قول ربه جل وعلا: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:17-21].

    قيض الله للإسلام وللأمة أبا بكر فقال قولته الخالدة: [والله لو منعوني عقال بعيرٍ كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه بالسيوف] وأمر بإرسال وبإنفاذ بعث أسامة .

    قالوا: يا خليفة رسول الله! لقد ظهرت فتنة الردة، وظهر مدعو النبوة، ولا داعي الآن لأن ترسل هذا الجيش، ولا بد أن يبقى هذا الجيش في المدينة ليؤمنها، فقال الصديق قولته الخالدة: [والله لأنفذن بعث أسامة وإن تخطفتني الذئاب]، وفي لفظ: [وإن جرت الكلاب بين أرجل أمهات المؤمنين لأنفذن بعث أسامة ، كيف يبرم رسول الله عقداً ولا أبرمه أنا].

    وسار جيش أسامة الذي كان فتحاً عظيماً من الله على أبي بكر رضي الله عنه، حيث أن المرتدين خارج جزيرة العرب قد نظروا إلى هذا الأمر نظرة عجيبة، وقالوا: لولا أن أبا بكر يملك من القوة ومن الجيوش في المدينة ما يستطيع أن يدفع بها الشر عن المدينة ما أرسل بعث أسامة.

    انظر إلى الفتح والتأييد والمدد من الله جل وعلا!

    وانطلق الجيش، وانتهت فتنة الردة، وقيض الله للأمة خالد بن الوليد رضي الله عنه، وانتهت حروب الردة، وقتل من ادعى النبوة، وخرج الإسلام من هذه الفتنة قوياً شديداً، وفي أول الأمر ظن كثير من الناس أنه لن تقوم للإسلام قائمة.

    جراح أعقبها النصر والتمكين

    ومن كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة بعد الحروب الصليبية المتكررة، بعد سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وهدم المساجد والبيوت، حتى قيض الله للأمة صلاح الدين -أسأل الله أن يرزق الأمة بـصلاح الدين - فهزم الصليبيين الحاقدين في معركة حطين ، وخرج الإسلام قوياً بعد الحروب الصليبية؟

    من كان يظن أن تبقى للإسلام قائمة بعد حروب المغول والتتار، وبعد الهجمة الشرسة التي روعت البلاد والعباد، حتى جسَّد الإمام ابن الأثير الجزري رحمه الله تعالى هذه المأساة المروعة، فقال: "لقد انصرفت عدة سنين عن تسجيل هذه الحادثة، فأنا أقدم قدماً وأؤخر أخرى؛ فمن ذا الذي يسهل عليه أن يكتب بيديه نعي الإسلام والمسلمين، فليتني لم أولد قبل هذا اليوم وكنت نسياً منسيا".

    حتى قيض الله للأمة البطل الفاتح قطز ، فحرر البلاد والعباد، وخرج الإسلام من هذه الأزمة الطاحنة قوياً شديداً صلباً؟

    ومن كان يظن أن تبقى في وقتنا المعاصر امرأة بوسنية واحدة، أو رجلٌ بوسني واحد، أو طفلٌ بوسني واحد، لقد قرر جميع الخبراء العسكريين مع بداية حرب البوسنة منذ ثلاث سنوات تقريباً أن الحرب لن تستمر أكثر من أسبوع، وسيفني الجيش الصربي شعب البوسنة ، ووالله لو علم الصرب أن هذه الحرب ستعيد الإسلام من جديد إلى هذه الأرض، وسترد كثيراً من البوسنيين إلى الإسلام، والله ما أطلق الصرب على البوسنيين رصاصة واحدة.

    انظروا إلى المحن! أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3] إنه التمحيص: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    انتهت الآن الحرب البوسنية وإن كانت في الواقع والحقيقة لم تنته بعد -أسأل الله أن يضمد الجراح، وأن يسكن الآلام- وبقي البوسنيون، بل وعاد الكثير من البوسنيين إلى الإسلام، بل ورفع اسم الإسلام في هذه المنطقة ودب الرعب في قلوب هؤلاء، مع أن المسلمين في قمة الضعف والذل والهوان.

    من كان يظن أن تستمر الحرب في الشيشان إلى يومنا هذا؟ لأنه بكل أسف حينما يتناول كثيراً من دعاتنا كثير من هذه القضايا، يطرح دائماً وأبداً جانب السلبيات فحسب، ولو نظرنا إلى هذا النصر العظيم في مقابل قوة أهل الباطل، وحجم أهل الباطل، وما يملكون من عتاد وسلاح، لكان ما يحققه المسلمون من نصرٍ زهيدٍ -في أعيننا ونظرنا- لكان هذا النصر نصراً عظيما بالمقارنة إلى حجم وقوة أعداء الدين.

    فينبغي ألا ننظر بمنظار قاتم على طول الخط، ولا مانع من أن نشخص الداء، ولكن ينبغي أن نصف الدواء، ولا مانع من أن نبين المرض، لكن لا يمنع على الإطلاق في الوقت ذاته أن نقول بأن هناك بوادر للشفاء، وللأمل، وللخير، فهذه الفتن ما ضرت الإسلام قط، بل هذه الفتن في صالح الإسلام، كيف ذلك؟!

    إنه التمحيص، حتى لا يثبت على الصف ولا يحمل هذه الراية إلا الرجال الأطهار الذين هم أهل لأن يكونوا من حواري وأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الذين يحملون الدعوة ويتاجرون بها في سوق الشهوات؛ تشترى منهم أو لا تُشترى؛ فهؤلاء لا يصلحون ابتداءً أن يكونوا أصحاب رسالة، فإذا ما هبت عاصفة أو فتنة سرعان ما تبعثر هؤلاء كما تتفرق الفئران، وهذه من رحمة الرحيم الرحمن؛ ليبقى على الصف من صفت نفسه، وخلصت سيرته، وطهر الله قلبه؛ ليرفع راية لا إله إلا الله .. كيف لا وأنت ستمضي على طريق محمد بن عبد الله.

    فإن الطريق ليس هيناً لينا، وليس مفروشاً بالورود ولا بالرياحين، وهأنذا ألخص لك الطريق أيها الحبيب المبارك في كلماتٍ حتى لا تُنسى، وأقول لك: إن سلكت طريق الدعوة إلى الله ورأيت أن الطريق ممهدة، وأنها مفروشة بالورود والزهور والرياحين؛ فاعلم علم اليقين أنك قد ضللت الطريق، وابتعدت عن طريق محمد ونوح وموسى وعيسى وكل الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه.

    الطريق بينٌ واضح، فتن ومحن وابتلاءات للتمحيص والتمييز، ليثبت على الصف الخالصون المخلصون، أسأل الله أن يشرفنا وإياكم أن نكون منهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أيها الأحبة: من كان يظن أن تبقى الحرب الشيشانية إلى يومنا هذا، والشيشان شعبٌ صغير أعزل، يحارب القوة الثانية في العالم كله؟

    بل ومن كان يظن أن الأفغان يخرجون الدب الروسي الغبي الوقح بعد هذه السنوات الطوال؟ ولكن بكل أسف! رأينا ما رأينا يوم أن دبت الفرقة والخلاف بين القلوب والصفوف؛ فسقط على كابول من الصواريخ والقنابل ما لم يسقط عليها طيلة الحرب مع الروس، ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

    وهذه أيضاً سنةٌ ربانية .. فمحالٌ أن يتنـزل النصر مع الخلاف، ومحالٌ أن تتنزل السكينة مع التشرذم والتهارش، ولا يختلف اثنان ممن يعملون الآن على الساحة الإسلامية في أن العقبة الكئود الأولى في طريق العمل الإسلامي هي: عقبة التشرذم والتهارج والاختلاف والبعد عن المنهج: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] أي: تذهب قوتكم: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105].

    من كان يظن أيها الأحبة أن تستمر الحرب إلى الآن، بل ويكبد المجاهدون الشيشان الروس الخسائر الفادحة؟

    1.   

    بشائر النصر

    أيها الأخيار الكرام: إنه وعد الله، ولا بد أن يبقى هذا الإسلام، ولا بد في النهاية أن ينتصر الإسلام، ووالله إننا لا نخاف على الإسلام، بل نخاف على المسلمين إن تخلوا عن الإسلام، أما الإسلام في ذاته كدين وكمنهج فإنه قادم كقدوم الليل والنهار.

    وخذوا معي بعض الأدلة القرآنية والنبوية على هذه الحقائق.

    كتابة النصر لمن قاتل في سبيل الله

    وأستهل هذه البشريات والآمال بآية من كتاب الكبير المتعال، يقول الله عز وجل: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:39-40] وقد تحقق وعد الله عز وجل في عهد نبيه، ونصر الله القلة الضعيفة المستضعفة يوم أن نصرت دين الله عز وجل، ووعد الله محفوظ، ووعد الله قائم لكل من ينصر دين الله أن ينصره الله جل وعلا.

    ما علينا إلا أن ننصر دين الله، ولكن بماذا؟

    بما منَّ الله عز وجل به علينا من قوة، فلم يأمرنا الله أن نعد الإعداد الذي يخرج عن طوقنا واستطاعتنا أبداً. بل ما أمرك الله إلا بقوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] وأمرك الله عز وجل بالتقوى بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] فابذل ما استطعت من الإعداد لتنصر بهذا الإعداد دين الله، واترك النصرة بعد ذلك لمن وعد بالنصرة كل من نصر دينه جل وعلا.

    ما علينا إلا أن ننصر الدين على قدر استطاعتنا، وإلا فإن العلمانيين الآن يريدون أن يوقعوا بالإسلاميين، ويقولون لهم: ماذا تملكون وماذا بأيديكم، وأنا لا أقلل أبداً على الإطلاق من شأن القوة المادية، فإن هذه (دروشة) لأنه بكل أسف أمتنا الآن فيها من هم (دراويش) لا يجيدون إلا الكلام، شأنها في ذلك شأن جحا، هل تعرفون جحا الذي صنع يوماً ساقية على النهر لتأخذ الماء من النهر ولترد نفس الماء إلى نفس النهر، فقالوا: عجباً لك يا جحا! تصنع ساقية على النهر لتأخذ الماء من النهر ولترد نفس الماء إلى نفس النهر؟! فقال جحا: يكفيني نعيرها، منشورات .. بيانات صاخبة.. خطب رنانة. هذا لن يعيد الإسلام إلى الأرض، وإن كان هذا نوع من أنواع العمل؛ لكننا لن نعيد الإسلام مرة أخرى إلا إذا حولنا الإسلام إلى منهج حياة، إلى واقع يتألق سمواً وروعة وجلالاً؛ فإن العالم الغربي الآن يحكم على الإسلام من خلال واقع المسلمين المر الأليم.

    فيجب علينا أن نبذل قدر استطاعتنا، وليس معنى ذلك أنني أقلل من شأن القوة المادية في مواجهة أعداء الإسلام أبداً، وإنما أقول: نعد على قدر المستطاع وعلى قدر الطاقة؛ فالأمة تحتاج إلى تنظيم جهود، ووالله إن الأمة مليئة بالطاقات وبالخيرات.

    ولعلكم تذكرون سلاحاً واحداً استخدمته هذه الأمة، لا لمدة أسابيع ولا لمدة شهور بل لمدة أيام؛ فوقف الشرق الملحد والغرب الكافر يوم أن استخدم المسلمون سلاح البترول في حرب أكتوبر.

    الأمة مليئة بالطاقات المادية والعددية، وتعجبني الآن كلمة لـجمال الدين الأفغاني ، مع تحفظي على كلماتٍ كثيرة للقائل، إلا أننا نقول بأننا نقبل الحق على لسان أي أحد، ونرد الباطل على لسان أي أحد، يقول هذا الرجل للهنود يوم أن احتلهم الإنجليز: (لو أن ملايينكم ذباب يطن في آذان الإنجليز لخرقتم آذانهم).

    أمةً تملك طاقة عددية هائلة جبارة، وتملك طاقة مادية جبارة هائلة، ولكن الأمة تحتاج إلى التقاء الصفوف، وإلى تجميع الطاقات، وتنظيم الجهود، وكلمة واحدة، ونظام الصف ... ماذا أعني بنظام الصف؟

    أمتنا أمة النظام، وبكل أسف! تذهب إلى بلاد الغرب فترى نظام الصف موجوداً في أقل الأمور، ففي المطعم ترى نظام الصف، وفي المطار ترى نظام الصف، وفي الركوب على الباص ترى نظام الصف، فإذا ما أتيت إلى هذه الأمة رأيت نظام القطيع -الذي يقوى على الآخر يدوسه- وتردد الأمة بلسان الحال قول الشاعر الجاهلي القديم:

    ونشرب إن وردنا المـاء صفواً     ويشرب غيرنا كدراً وطينا

    نظام القطيع في كل شيء، مع أن الأمة صاحبة نظام الصف، يقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4] ليس صفاً معوجاً ولا مختلاً، وإنما كأنه البنيان المرصوص الذي رصت لبناته بمنتهى الدقة والإحكام، والبراعة والجمال في آن واحد، بل وقال المصطفى في الصلاة: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) يا سبحان الله! ما علاقة تسوية الصف بالقلب؟! انظر إلى هذا الحديث، فالأمة تحتاج إلى تنظيم وتجميع للطاقات، وكلٌ مسئول على قدر استطاعته.

    ابذل ما استطعت، واتصل بالمسئولين بمنتهى الأدب والحكمة والرقة والبلاغة، واتصل بمن تظن أنه يبذل شيئاً لدين الله، لتلتقي الجهود، ولتلتقي كل هذه الطاقات، وسترون والله العجب العجاب، ولكن ليبدأ كل واحدٍ منا بنفسه؛ لأننا بكل أسف نعلق الأخطاء دوماً على الآخرين، وقد حذرنا الله من هذا الداء فقال: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165].

    إذاً: من هذه البشارة أخلص إلى أنه من نصر دين الله على قدر استطاعته، وعلى قدر ما مكنه الله عز وجل من قوة ومن طاقة سينصره الله عز وجل، وهل تستطيع قوةٌ على ظهر هذه الأرض أن تحارب ملك الملوك؟!!

    يا إخوة: ترون الآن سيولاً تجرف بيوتاً ومدناً، وترون زلازل وبراكين تدمر حضارات، وتزلزل وتبيد مطارات: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر:31].

    سبحان الله! تعجبني عبارة هذا العربي في أرض الجزيرة في القديم يوم أن خوفوه من الإنجليز، وقالوا: هؤلاء يملكون طائرات، قال: ما معنى طائرات؟ لا يعرف معنى الطائرات، قالوا: هذه طائرات تطير في السماء تنزل وتسقط النار، لا يستوعب هذا المشهد، ولا يعرف معنى الطائرة .. لكن انظروا إلى التوحيد الذي استقر في قلبه، وإلى اليقين الذي افتقدته الأمة الآن، قال قولةً عجيبة: الطائرة أعلى أم ربنا أعلى؟! قالوا: لا، ربنا أعلى، قال: إذاً فلا تخف، سبحان الله!

    إنها الفطرة التي تفتقدها الأمة الآن، بل والله إن من أبناء الأمة الآن من يشك في رزق الرزاق، ونسمع على أعلى مستوى من يقول: "كنت أعتمد على الشرق والآن أنا أعتمد على الغرب، فإن لم أعتمد على الغرب فعلى من أعتمد؟!!" على الله الذي وعد برزق كل دابة: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] وربك يرزق الكفار؛ فهل ينسى أن يرزق من وحدوا العزيز الغفار؟ هذا محال.

    استخلاف الله للمسلمين في الأرض

    خذوا البشارة الثانية: يقول الله عز وجل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55] هذه شروط الاستخلاف يا إخوة: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:55].

    ووالله لقد حقق الله وعده، وتحقق وعد الله لرسوله وأصحابه والموحدين معه، واستخلفهم الله في الأرض، فأذلوا الأكاسرة، وأهانوا القياصرة ... هذا هو الإسلام وهذه هي العبودية لله، من رعاة للغنم في أرض الجزيرة إلى سادة وقادة لجميع الأمم.

    وجيء بتاج كسرى إلى عمر بن الخطاب في مدينة رسول الله ، فقال عمر قولته الجميلة: [والله إن قوماً أدوا هذه الأمانة كاملةً غير منقوصة، والله إنهم لأمناء؛ فقال له علي بن أبي طالب : يا أمير المؤمنين! عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا].

    جيء بتاج كسرى إلى عمر رضي الله عنه؛ لأنهم حققوا شروط الاستخلاف، صرفوا العبادة لله جل وعلا، وحققوا العبودية لله سبحانه، واستكملوا الشروط فكانت: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:55].

    وشروط الاستخلاف والتمكين لا زالت في أيدينا؛ لأن وعد الله لكل فئة تحقق شروط الاستخلاف والتمكين بصرف العبادة كاملة إلى الله، وبتحقيق العبودية خالصة إلى الله جل وعلا، أن يمكن الله جل وعلا لهذه الطائفة التي ستكون حينئذٍ جديرة بالاستخلاف والتمكين.

    صدود الكفار بأموالهم هو حسرة عليهم

    ويشرق علينا نور البشارة الثالثة من سورة الأنفال، ويا لها والله من بشارة!

    يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36] هل تصدقون الله رب العالمين؟! إنه كلام الله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36] لتتم هنالك إن شاء الله تعالى حسرتهم الكبرى.

    أيها الأحبة: كم من أموالٍ أنفقت لتنصير المسلمين؟

    وكم من أموال أنفقت للقضاء على طلائع الصحوة؟

    وكم من أموال أنفقت لتقويض صرح الأسرة المسلمة، ببث الأفلام الداعرة والمسلسلات الفاجرة؟

    وكم من أموال أنفقت على أندية الروتر العالمية؟

    وكم من أموال أنفقت على أندية الماسونية العالمية؟

    وكم من أموال أنفقت بالجملة لإخراج المسلمين عن إسلامهم؟

    ولكن ما هي النتيجة؟ النتيجة بموعود الله فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36] وعلى أرض الواقع جسدت هذه المعاني العظيمة وثيقة للتنصير الكنسي التي صدرت عبر مائة وخمسين صفحة، وأجريت خلال خمس سنوات، ونشرتها لأول مرة جريدة " نيويورك تايمز إنترناشيونال " في عددها الصادر في شهر يناير لعام (1991م) وفي هذه الوثيقة يصرخ بابا الفاتيكان جنبلي الثاني، وينادي على المسحيين -على حد تعبيره وإلا فهم النصارى- ويأمرهم بالوقوف صفاً واحداً أمام الزحف الإسلامي الهائل في بلاد أوروبا على الرغم من أنك لو فتشت لوجدت الجهود المبذولة لدين الله لا تساوي شيئاً على الإطلاق، ولكنه دين الفطرة.

    ولا أدري هل تابع أحدكم هذا الخبر أم لا؟ فقد نشرته جريدة بريد الإسلام التي تتابع أخبار الإسلام والمسلمين في بلاد الغرب، نشرت خبراً عجيباً في حديقة (الهايفبارك في بريطانيا وفي إنجلترا ) هذه الحديقة تضم كل المآسي.

    وجاء بعض الشباب المسلم العاقل الواعي، الذي تحتاج الأمة إليه الآن، وينظر إلى الأمور كلها نظرة واعية دقيقة، ليعيش العصر بالقرآن والسنة، فقالوا: لماذا لا نتخذ ركناً في هذه الحديقة لندعو هذه الجموع إلى الإسلام؟ لماذا لا نعرف هؤلاء بالإسلام؟ وبكل أسف حضرت مؤتمراً في " دتريت " ودعي إلى هذا المؤتمر رئيس تحرير جريدة " نيويورك تايمز إنترناشيونال "، وقال هذا الرجل كلمةً حتى وإن كانت خبيثة آلمت قلبي وقلب كل مسلم حين ذاك، يوم أن قال: أيها المسلمون! أنتم تعلمون أن صورة الإسلام مشوهة في الشرق وفي الغرب بصفة خاصة، لكن هل بذلتم الجهود لتظهروا الصورة الحقيقية لإسلامكم؟ عار وشنار على مليار مسلم، تبذل الأموال الطائلة في أمورٍ تافهة، ولا تُبذل لتبني هذه القضية عبر هذه الوسائل الإعلامية العالمية؛ لنبين صورة الإسلام المشرقة التي شوهت ولوثت ومسخت، على أن الإسلام دين العدل والرحمة، والأمن والأمان.

    وما يوصم به الإسلام الآن من رعب وإرهاب وتطرف؛ فإن الإسلام بريء منه كبراءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب.

    أيها الأحبة الكرام: هذه الأموال الطائلة التي تنفق وبالرغم من ذلك ينتصر دين الله عز وجل ويمتد، فوقف هؤلاء الإخوة في هذه الحديقة وأرادوا أن يبينوا للناس الإسلام، فقام قسيس ليرد على هذا الأخ المبارك البريطاني المسلم، ولما ضعفت حجته لجأ إلى الأسلوب الآخر المعروف، ألا وهو السب والشتم والتسفيه، فسب هذا القسيس رب العزة والنبي محمداً صلى الله عليه وسلم.

    سبحان الله! هذا نصرٌ غيبـي يرسله الله من آن إلى آخر ليطمئن القلوب القلقة، فيقول الخبر: يصاب هذا القسيس بدورانٍ شديد ويسقط على الفور مغشياً عليه، فلما اقتربوا منه وجدوه قد هلك، وقد فارق الحياة، فاقترب رئيس الشرطة الذي كان مكلفاً بحراسة هذا الجمع من هذا الأخ المبارك، وقال له: أربك قويٌ بهذه الصورة؟! فقال له: ولكن اعلم أن الذي قدّر هذا قد يُقدِّر أن يقول غير هذا أكثر مما قال هذا، ولا يفعل به بمثل ما فعل بهذا، حتى لا نعتمد على مثل هذه الأمور: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:62].

    لا بد من أن يبذل المسلمون سبل النصر: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36].

    وأختم البشائر القرآنية بهذه البشارة في سورة الصف، يقول جل وعلا: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف:8-9] لا بد من إظهار الدين، هل يضر السماء نبح الكلاب؟! وهل تستطيع جميع الأفواه وإن اجتمعت أن تطفئ نور الله في السماء؟

    وهل تستطيع الطحالب الحقيرة أن توقف سير البواخر العملاقة على سطح الماء؟

    لا والله.. أبداً: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8] وعد الله عز وجل.

    بشائر نبوية بالفتح

    وخذوا بعض البشائر السريعة من كلام الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، والحديث رواه أحمد ، والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي من حديث تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليبلغن هذا الأمر -أي: هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيزٍ أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).

    وفي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده ، والطبراني في الأوسط ، والبزار بسند حسن، وقال الهيثمي : رجاله ثقات من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوة؛ فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عضوضاً؛ فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً؛ فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) ونحن الآن نعيش مرحلة الحكم الجبري، والمرحلة القادمة بموعود رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).

    وفي الحديث الذي رواه أحمد، والحاكم بسندٍ جيد، من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رجل: يا رسول الله! أي المدينتين تفتح أولاً، أقسطنطينة أم رومية -أي روما-؟ فقال المصطفى الصادق المصدوق: مدينة هرقل تفتح أولاً) أي: تفتح القسطنطينة أولاً، هل تعلم متى فتحت القسطنطينة، فتحت بعد هذه البشارة النبوية بثمانية قرون، ويبقى الشطر الثاني في الحديث وعدٌ لا يتخلف إن شاء الله جل وعلا.

    وأختم البشائر النبوية بهذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم ، من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، فيختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم.. يا عبد الله! ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر يهود).

    بل ستعجب أن النبي قد حدد أرض المعركة كما في رواية البزار ، وقال الهيثمي في المجمع : ورجالها رجال الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم شرقي نهر الأردن وهم غربيه) ولم تكن هناك يومها دولة تسمى بـالأردن، ولكنه كلام الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، والواقع والتاريخ يشهدان بأن الإسلام قادم، وبأن المستقبل لهذا الدين رغم كيد الكائدين.

    انتشار الإسلام في الغرب

    إن أصواتاً مرتفعة الآن تصرخ في الغرب وتنادي وتحذر من قدوم الإسلام، يقول المفكر الشهير اسبنجلز : "إن للحضارات دورات فلكية، فهي تغرب هنا لتشرق هناك، وإن حضارة أوشكت على الشروق في أروع صورة، ألا وهي حضارة الإسلام، الذي يملك وحده أقوى قوة روحانية عالمية نقية".

    فلا تغتروا بما عند الشرق أو الغرب، فإن الغرب الآن ينهار من الداخل، وتعجبني عبارة سيد قطب رحمه الله وغفر له إذ يقول: "إن أحشاء الغرب تتمخض الآن بمولود جديد يسمى الإسلام" إنها الفطرة، فطرة الله جل وعلا، ما من واحدٍ من هؤلاء عرف الإسلام وحقيقة الإسلام إلا وشرح الله عز وجل صدره له.

    لكن يبقى أن نبذل نحن لهؤلاء، وأن نقدم نحن لهم الإسلام الجميل بصورته المشرقة التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    الغرب هذه البالونة الضخمة التي تعبد الآن في الأرض من دون الله من قِبل كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام، لا بد أن نعرف حقيقتها أيها الأحبة:

    قالوا لنا فالغرب فيه صناعة     وسياحة ومظاهر تغرينا

    لكنه خاوٍ من الإيمان     لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزينا

    الغرب مقبرة المبادئ لم يـزل     يرمي بسهم المغريات الدينا

    الغرب مقبرة العدالة كلما     رفعت يدٌ أبدى لها السكينا

    الغرب يكفر بالسلام وإنـما     بسلامه الموهوم يستهوينا

    الغرب يحمل خنجراً ورصاصةً     فعلام يحمل قومنا الزيتونا

    كفرٌ وإسلامٌ فأنى يلتقي     هذا بذلك أيها اللاهونا

    أنا لا ألوم الغرب في تخطيطـه     لكن ألوم المسلم المفتونا

    وألوم أمتنا التي رحلت علـى     درب الخضوع ترافق التنينا

    وألوم فينا نخوةً لم تنتفض     إلا لتضربنا على أيدينا

    أيها الأحبة: إن أطباء الغرب وعلماء الغرب يقفون الآن في دهشة وحيرة أمام حالات الانتحار الجماعية، أمام الحالات المتزايدة للمصابين بالحالات النفسية والعصبية؛ لأن هؤلاء قد أعطوا البدن كل ما يشتهيه، وبقيت الروح في أعماق البدن تصرخ وتبحث عن دواءٍ، وتبحث عن غذاء، ولا يعلم دواء وغذاء الروح إلا خالق الروح: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85].

    ونرى في الأفق كوكبة مضيئة، إنه أعظم حدثٍ في النصف الثاني من القرن العشرين، وهذا من الآمال العظيمة، والبشارات الكبيرة أن نرى شباباً في ريعان الصبا، ونرى فتياتٍ في عمر الورود، ما من يومٍ يمر إلا وتلتحق جموع بالصحوة الراشدة، أسأل الله أن تكون كذلك.

    نرى الآن في مصر والجزائر ... وغيرها، نرى بدون مبالغة عشرات الألوف من الإخوة الشباب، والأخوات الملتزمات وسط هذه الفتن، ووسط هذه الضربات، يحرص الجميع على حضور المحاضرات، وعلى حضور خطب الجمعة، لا في المساجد بل في الشوارع، وتحت حرارة الشمس المحرقة، يصلون على الأرض وعلى التراب.

    فأينما توجهت يا عبد الله وجدت خشوعاً ورجوعاً جديداً إلى الله، ووجدت شباباً يبكي ويتضرع وقد ولى ظهره لـواشنطن وبنكوك ولندن وباريس ومدريد ، ووجه وجهه من جديد لـمكة زادها الله تشريفاً وتكريماً، ولى وجهه صوب بيت الله الحرام، وأعطى ظهره لعواصم الكفر على ظهر الأرض، ويصرخ بأعلى صوته، ودموع الخشوع والبكاء والندم تتلألأ على وجهه الأنور الأزهر، وهو يقول: آيبون.. تائبون.. عابدون.. لربنا حامدون، نريد كتاب الله، نريد سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    إنها الصحوة المباركة، إنه الأمل الذي أقلق العالم كله الآن في النصف الثاني من القرن العشرين.

    صبح تنفس بالضياء وأشـرقا     والصحوة الكبرى تهز البيرقا

    وشبيبة الإسلام هذا فيلق     في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا

    وقوافل الإيمان تتخذ المدى     درباً وتصنع للمحيط الزورقا

    ما أمر هذي الصحوة الكبرى سوى     وعد من الله الجليل تحققا

    هي نخلة طاب الثرى فنما لهـا     جذعٌ قويٌ في التراب وأعذقا

    هي في رياض قلوبنا زيتونة     في جذعها غصن الكرامة أورقا

    فجرٌ تدفق من سيحبس نـوره     أرني يداً سدت علينا المشرقا

    يا نهر صحوتنا رأيتك صافيـاً     وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى

    قالوا تطرف جيلنا لما سمى     قدراً وأعطى للطهارة موثقا

    ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا     ومضى على ضرب الكرامة وارتقى

    أوكان إرهاباً جهاد نبينا     أم كان حقاً بالكتاب مصدقا

    أتطرفٌ إيماننا بالله في     عصرٍ تطرف بالهوى وتزندقا

    إن التطرف أن نذم محمداً     والمقتدين به ونمدح عفلقا

    إن التطرف أن نرى من قومنا     من صانع الكفر اللئيم وأطرقا

    إن التطرف أن نبادل كافـراً     حباً ونمنحه الولاء محققا

    إن التطرف وصمة في وجه من      جعل البوسنة رماداً محرقا

    شتان بين النهر يعذب مـاؤه     والبحر بالملح الأجاج تمزقا

    يا جيل صحوتنا أعيذك أن أرى     في الصف من بعد الإخاء تمزقا

    لك في كتاب الله فجرٌ صادقٌ     فاتبع هداه ودعك ممن فرقا

    لك في رسولك أسوةٌ فهو الذي     بالصدق والخلق الرفيع تخلقا

    يا جيل صحوتنا ستبقى شامخاً     ولسوف تبقى باتباعك أسمقا

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تعدد الجماعات الإسلامية

    السؤال: نظراً لوجود الجماعات في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وتعددها، فهذا من الأنصار وهذا من المهاجرين، وهذا من أهل الصفة، وهؤلاء أهل البيعة، ومع اختلاف الجماعات في أيامنا هذه وبعد الشق بينها وبين الجماعات الأولى التي كانت في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، ما هو المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه الجماعات الإسلامية في هذا العصر؟

    الجواب: أيها الأحبة: أركز المنهج في نقاط محددة فأقول:

    تعلموا الإسلام بشموله وكماله، وافهموا الإسلام فهماً صحيحاً كما أراده لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفهمه، ثم حولوا هذا الإسلام الذي فهمتموه بشموله وكماله في حياتكم وبيوتكم إلى منهج حياة، وإلى واقع، ثم تحركوا بهذا الإسلام بشموله وكماله إلى الدنيا كلها، وارفعوا عن العوام جهلهم، واربطوهم بالإسلام وبينوا لهم حقيقة الدين، فلقد آن دورك أيها الموحد وأيها العملاق الحنون؛ فقم بعد فهمك للإسلام بشموله، واعمل به في بيتك وبين إخوانك وبين أهلك وأحبابك، وقم بعد ذلك وضم العالم كله إن استطعت إلى صدرك، وأسمعه خفقات قلبك الذي وحد الله جل وعلا.

    قم ودثر العالم كله ببردتك ذات العبق المحمدي، قم واسق الدنيا كأس الفطرة لتروى بعد ظمأ، ولتحيا بعد موت، ولتهدى بعد ضلال، فمعك الحق والنور، اعرف هذا الحق، وحول هذا الحق في حياتك إلى منهج، وتحرك بهذا المنهج بعد ذلك إلى الآخرين.

    ابذل على قدر استطاعتك لدين الله، وعلى قدر ما منَّ الله به عليك من طاقات.

    يا إخوة! ذكرت أننا لا نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة على المنصات أو على المنابر، بل إننا نحتاج أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة لدين الله كل من موقع إنتاجه، وموطن عطائه ومسئوليته، نريد الآن الكوادر الإسلامية المتخصصة التي تكون قادرة على تسيير شئون الحياة كلها من منظور الإسلام.

    أريد الطبيب المسلم الذي يجسد الإسلام في موطن عمله، والمهندس المسلم الذي يحول الإسلام إلى واقع على أرض عطائه وإنتاجه، وكذا أريد المدرس المسلم، والمرأة المسلمة، أريد الكوادر الإسلامية المتخصصة التي تخدم دين الله في كل مكان، وهناك الدعاة لهم دورهم ولهم وظيفتهم، أما أن نعتقد أنا نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة وخطباء ووعاظ، فلا.

    كان هناك خالد بن الوليد .. اذهب يا خالد وادع الناس في اليمن ، لا. لا يقدر، ليست وظيفته هذه، بل اذهب أنت يا معاذ على اليمن ، وأنت يا خالد أمْسِك السيف، فأنت سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه حسناً .. وأبي بن كعب؟

    لا. أتركه في القرآن يعلم الأمة القرآن، وعبد الله بن مسعود ؟ علم القرآن ، وحذيفة ؟ احفظ أحاديث الفتن، وتعرف على الشر، وزيد .. تعلم الفروض والفرائض ... كل له دوره.

    وهذا هو الذي أظهر لنا عظمة أصحاب النبي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختار الرجل المناسب فوضعه في المكان الذي يتناسب مع قدراته وكفاءاته وعطاءاته؛ فبذل كل واحد في الموطن الذي يناسبه أقصى ما عنده من طاقة لدين الله عز وجل، فبرع وأبدع وأفاد واستفاد.

    تدبروا معي هذه الرسالة المباركة التي يرسل بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح على جبهة الشام ، والجيوش على جبهة الشام بدأت تتخلخل، فأمر خالد بن الوليد أن يذهب بسرعة إلى أبي عبيدة بن الجراح ، وأن يتولى القيادة العامة على جبهة الشام ، وخالد بن الوليد سيف الله، ترياق الوساوس والشياطين، ويكتب رسالة، وانتبه لهذه الرسالة الجميلة الرقيقة، يقول أبو بكر الصديق:

    [بسم الله الرحمن الرحيم.. من خليفة رسول الله إلى أخيه أبي عبيدة بن الجراح ، سلام الله عليك وبعد، فإني قد وليت خالد بن الوليد قيادة الجبهة في بلاد الشام ، فاسمع له وأطع، ووالله ما وليته القيادة إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وأنت عندي خير منه].

    هنا التجرد، هنا العمل للدين بحق، وبصدق، وبرجولة، خالد رجل الساعة.. اذهب يا خالد فـأبو عبيدة أمين الأمة تأخر الآن. المكان لـخالد ، إذاً: يبرز خالد.

    ونأتي لتعلم القرآن فنقول: لا. تأخر يا خالد، وتقدم أنت يا بن مسعود ... كفاءات .. قدرات .. فليس كل الأمة نريد أن نحولها إلى وعاظ على المنصات، لا. فمن يصنع؟ ومن يتاجر؟ ومن يرزع؟ ومن يبدع؟ نريد كل الطاقات التي في الأمة أن تتفجر على هذا الأساس.

    أنا أقول: وجود الجماعات التي في الساحة من أكبر النعم لو كان الاختلاف بينها اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، لو كان الخلاف الموجود الآن بين الجماعات التي تعمل للإسلام اختلاف تنوع، أي: هذه تجيد التنظيم، وهذه جماعة تجيد الحركة والتحرك لتبليغ الدعوة، وهذه جماعة تجيد التمحيص والتحقيق للروايات والتصفية والتربية، وهذه جماعة تجيد تحريك روح الجهاد في قلوب الأمة، وأنا أقف وأبدأ من حيث انتهى إخواني، وأبني من حيث بنى الآخرون لتتظافر الجهود، لا آتي وأهدم ما بنيت أنت.

    إذاً: الخلاف هنا اختلاف تنوع يثري العمل الإسلامي، ويثري الحركة كلها، وحينئذٍ ليس هناك مشكلة في المسميات، ولا مشاحة في الاصطلاح؛ لأن المسميات هذه كانت موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كان هناك المهاجرون والأنصار، وأهل الصفة، وأهل بيعة الرضوان، لكن متى أنكر النبي أن توجد هذه المسميات؟ عندما تحولت إلى نعرات كما هو الواقع حينما تحولت إلى نعرة فقال: (دعوها فإنها منتنة) مجرد مسميات، والكل يعمل تحت لواء: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ [الحج:78].

    إذاً: التنوع إثراء للحركة كلها، ولكن الواقع يقول غير هذا؛ فالاختلاف الآن اختلاف تضاد، أنا الذي أقعد على المنصة، وأنت تتأخر .. ومن أنت لتقول .. ومن أنت ليرجع إليك؟ ... إنه مرض في القلب.

    مرضان خطيران يا إخوة: الجهل والهوى، الهوى ملك ظلوم غشوم يصم الآذان عن سماع الحق، ويعمي الأبصار عن رؤية الدليل، فشيخي الذي أتلقى العلم على يديه هو الأوسع علماً، والأبلغ حجة، والأقوى بياناً، والأعظم دليلاً، والأسطع برهاناً، وجماعتي هي جماعة المسلمين، وما عداها من الجماعات فليست من جماعة المسلمين، قال الله تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس:32] ما شاء الله..!!

    هذا هو الاستشهاد بالأدلة؟!! لا يليق هذا أبداً، فلو كان الاختلاف الآن اختلاف تنوع لأثرى هذا العمل كل على قدر استطاعته لخدمة الحركة الإسلامية، فنريد أن تتضافر الطاقات والجهود، ولو أن كل مسلم حمل هم الدين في قلبه، وفكر وهو نائم في الدين، وفي الدعوة: أعمل ماذا؟ وكيف أفكر؟ وكيف أخطط؟ وكيف أستغل المال؟ وكيف أستغل الزوجة؟ وكيف أستغل الولد؟ وكيف أستغل الكرسي؟ وكيف أستغل الوظيفة؟ وكيف أستغل كل طاقة منَّ الله بها علي في دين الله لتلتقي الجهود وتتضافر في وقت استغلت فيه كل الطاقات للباطل وللكفر.

    إذاً: كلنا نفهم الإسلام بكماله وشموله، فلنعمل نحن بالإسلام؛ لأن مسألة أننا: إن شاء الله نكون (كنيفاً ملئ علماً) دون أن نحول هذا العلم إلى واقع، ليس له حاجة أبداً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2].

    نحن لا نطلب العلم على أساس أن طلب العلم غاية يا إخوة، لا. نحن نقول: إن طلب العلم وسيلة لغاية: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ليس مسألة أننا نأتي بالشباب.. احفظ كذا.. واحفظ كذا.. واحفظ كذا، وفي النهاية لا نجد شيئاً على أرض الواقع .. أخلاق بعيدة عن العلم الذي تعلمه، ومعاملات سيئة إلا من رحم ربك، ليس هذا هو الهدف، وليست هذه هي الغاية.

    يقول علي : [يا حملة العلم! اعملوا به، فإن العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيأتي أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يقعدون حلقاً، يباهي بعضهم بعضاً، حتى إن أحدهم ليغضب على جليسه إن تركه وجلس إلى غيره، أولئك لا ترفع أعمالهم إلى الله عز وجل].

    القضية ليست قضية تحصيل وهي الغاية، بل إنها وسيلة لغاية، لا خير في علم لم يورثك الخشية، ولا بركة في علم لم يقربك إلى الله، ولا نفع في علم لم يملء قلبك ذلاً ورهبة لله، إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل القطر عن الصفا، وكم من مذكر بالله وهو ناسٍ لله، وكم من مخوف من الله وهو جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله وهو بعيد عن الله، وكم من تالٍ لكتاب الله وهو منسلخ عن آيات الله.

    إذاً: نعلم ونتعلم ونفهم ونعمل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3].. أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم الصدق.

    ثم بعد ذلك نحول هذا العمل إلى دعوة، فأنا أدعو بلساني، وأنت تدعو بمالك، وهذا يدعو من خلال وظيفته، وهذا يدعو بأولاده، وهذا يدعو بكتاب، وهذا يدعو بشريط، وهذا يدعو بهدية، وهذا يدعو بزيارة، وهذا يدعو بحضور محاضرة، وهذا يدعو بلصق إعلان.

    الطاقات موجودة لكن نريد العمل، هذا دورك أيها المسلم ودور الأخت المسلمة، فقد آن الأوان لتبذل كل الجهود، ولتجيش الأمة كل الطاقات.

    ثم بعد ذلك أيها الأحبة أقول: لا تتعجلوا.. لا تتعجلوا، من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، أتأتي على شجرة لا زالت ثمرتها لم تنضج؟ ما شاء الله، عينك على هذه الشجرة، تقطف واحدة لتأكل فلا تستطيع؛ لأنك تعجلت، لا تستطيع أن تتذوق هذه الثمرة، محال أن نجني الثمرة قبل النضج، فلا تستعجلوا، إن الله لا يعجل لعجلة أحد، يقول البعض: والمعذبون.. والسجون.. معتقلات.. ابتلاءات.. متى؟!! يا رب.. هذا ليس من شأننا، هذا سوء أدب مع ربنا، ما علينا إلا أن نبذل كل الطاقات، ونترك النتائج لرب الأرض والسماوات، وليس أحد أغير على الحق وأهله من الله أبداً.. الله عز وجل أغير على دينه وعلى الموحدين الذين يصب على رءوسهم البلاء صباً، لكن أنت تبذل.

    يا إخوة: ربنا جل وعلا لن يسألنا لِمَ لَمْ تنتصروا؟ لا. أنا لست مكلفاً بهذا، أنا لست مكلفاً أن أهدي الناس، لكن أنا مكلف بدعوة الناس، ومكلف بالبلاغ، إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد:7] فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [الرعد:40] لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272] بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل:125] وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] آيات كثيرة، أنا ما عليَّ إلا أن أدعو، لكن أن يهتدي المدعو ليس من شأني، ولا من شأن العبيد، بل هو من شأن العزيز الحميد، ولو استطاع أعظم داعية على ظهر الأرض أن يهدي أحداً لهدى عمه أبا طالب لكنه ما استطاع صلى الله عليه وسلم.

    فأنا أتحرك للدعوة لكن النتائج ليست لي، أترك النتائج لله عز وجل، لن يسألنا الله لِمَ لم تنتصروا ولكن سيسألنا: لماذا لم تعملوا؟ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105].

    وأسأل الله أن يشرفنا وإياكم بالعمل لهذا الدين.

    مضمون الدعوة السلفية

    السؤال: هل من دعوة للشباب إلى الدعوة السلفية؟

    الجواب: السلفية ليست جماعة، وليست حزباً ضيقاً، وفي الوقت ذاته ليست دروشة، السلفية تُظلم كثيراً ممن يظنون أنهم سلفيون، كلام أقوله بمنتهى الصراحة والوضوح وبعلو الصوت، السلفية تيار نوراني ممتد على رأسه المصطفى، ومن خلفه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ وأبي وأصحابه، ومن خلف هؤلاء التابعون، ومن خلف هؤلاء تابعو التابعين، ويتبع هؤلاء كل من سار على دربهم واقتفى أثرهم إلى يوم القيامة.

    ومن ثم ومن هذا المنطلق فـالسلفية ليست حكراً على أحد، وليست من حق أحد دون أحد، إنما كل مسلم يقرأ القرآن، ويقرأ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويبحث عن فهم القرآن والسنة بفهم أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأبي حنيفة ، والأوزاعي ، والثوري، فهؤلاء هم سلف الأمة، من الذي ينكر هذا ويرد هذا؟ من الذي يقول: أنا لا أريد أن أفهم القرآن بفهم ابن مسعود الذي قال: [ما من آية من كتاب الله نزلت إلا وأنا أعلم أين نزلت، ومتى نزلت، وفيما نزلت، ولو أعلم أن أحداً من أهل الأرض أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطايا لركبت إليه] من يكره بعد هذا ألا يفهم القرآن بفهم هذا العملاق القرآني؟ هذا عبد الله بن مسعود ، من من إخواننا في الإخوان يكره هذا؟ ومن في التبليغ يكره هذا؟ أو في الجماعة الإسلامية يكره هذا؟ أو في السلفيين يكره هذا؟ في أي فصيلة من الفصائل من يقول بغير هذا؟

    ونحن لا نريد بهذا أن نقطع الطريق ونقول: حده إلى الصحابي، لا. أبداً، الخير ممتد إلى قيام الساعة: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي نصر الله وهم ظاهرون على الناس) أبواب الاجتهاد ما أغلقت ولن تغلق إلى قيام الساعة، ويبقى علماء على الخط والطريق، فكل من اقتفى أثر الصحابة والتابعين ومن سار على دربهم فهو منتسب إلى السلف، وكل من عاش مع السلف ولم يقتفِ أثرهم، ولم يسر على دربهم فلا ينتسب لا من قريب ولا من بعيد إلى السلف.

    فكم من أناس عاشوا معهم وليسوا منهم، وكم من أناس لم يعيشوا معهم وهم منهم، لابد أن نفهم هذا الفهم أيها الأخيار الكرام حتى لا تثور من آن إلى آخر مثل هذه النعرات، جماعتنا جماعة المسلمين، بل: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ [الحج:78].

    وأنا أوالي كل مسلم على ظهر الأرض يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، على قدر قربه وبعده من منهج الله جل وعلا، نريد أن نفهم هذا الفهم لتلتقي الصفوف وتلتقي القلوب. أما: أنا سلفي وأنت إخواني، أو أنا إخواني وأنت سلفي، بمجرد أني لا أنتمي إلى جماعتك وأنت لا تنتمي إلى جماعتي فلن ألقي عليك السلام، ولا أعترف لك ألبتة بأي مساحة أرضية ألتقي فيها معك أو تلتقي فيها معي، فهذا ظلم مزق الشمل وشتت الصف.

    أنا أحب كل مسلم على ظهر الأرض يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله على قدر قربه أو بعده من المنهج، محال أن يكون ولائي لرجل تقي نقي من أهل السنة والجماعة يعمل لله كحبي لرجل مسلم بسيط متكاسل، يصلي فرضاً ويدع فروضاً، لا. أنا أحب هذا لإسلامه لكن محال أن أسوي بين هذا وذاك، فولائي لكل مسلم يوحد الله ويؤمن برسول الله على قدر قربه أو بعده من منهج الله جل وعلا، هذا هو الإنصاف، بل ولو زل مسلم بكبيرة لا أكفره، ولا أخرجه من الملة، بل لقد أقيمت الحدود على أصحاب رسول الله .. منهم من زنى، ومنهم من شرب الخمر، بل ويوم أن سب صحابي هذا الشارب للخمر ما قَبِل الرسول، وقال: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم) وفي لفظ قال: (والله ما أعلم إلا أنه يحب الله ورسوله) وهو شارب للخمر!!

    لأنه ما خرج بكبيرته من الدين ولا من الملة أبداً. يوالى على قدر طاعته، ويعادى على قدر معصيته، الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من الشرك والمشركين، هذه مفاهيم لابد أن ترسخ وتستقر في القلوب والأذهان.

    أيها الأحبة: في هذه المرحلة الحرجة لابد أن تلتقي الصفوف والقلوب على كتاب الله وعلى سنة رسول الله، إذ أننا نلتقي على أصول كبيرة جداً وكثيرة جداً، وهذا الخلاف في أمور فرعية، أو حتى يا أخي لو خالفتك في أمر عقدي -وأنا أعي ما أقول جيداً- ولا أقول في أمر منهجي، فمن سيصحح لي خطئي إن ابتعدت أنت وانصرفت عني؟!

    أنا على خطأ عقدي، تعال اقترب مني، حقي عليك النصيحة، لا تصعد على منبرك اليوم الثاني وتقول: فلان الفلاني عنده خطأ في العقيدة، وعنده خلل وعنده وعنده.. حسناً تعال، هل جربت هذا؟! هل اقتربت مني وذبت معي في بوتقة الحب في الله، ووجهت إليَّ النصيحة بحكمة ورحمة وتواضع؟ هل أشعرتني أنك مخلص في نصحك لي؟ هل أشعرتني أن قلبك يحترق على خطئي العقدي؟

    والله الذي لا إله غيره لو أشعرتني بذلك لذلل الله قلبي للحق الذي أجراه هو على لسانك، جربوا هذا يا إخوة، وهذا الكلام كله معروف واضح لا يحتاج إلى توضيح، وكله منصب في دائرة إخواننا في أهل السنة والجماعة، إنما ليس المراد بهذا إطلاقاً أنني أريدها وحدة كما ذكرت تجمع شتاتاً متناقضاً متناثراً على غير حق واتباع وهدى؛ لا...!

    فإن تضميد الجراح على ما فيها من عفن وقذر ونتن لن يزيد الجراح إلا سقماً، لكن نخرج العفن والنتن وبعد ذلك نضمد الجراح، هذا هو الذي يبقي الوحدة والصف متميزاً إن شاء الله تعالى، وأسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا وإياكم على الحق.