إسلام ويب

فبهت الذي كفرللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المخالفون المخاصمون لدين الله ولشرعه ولرسله كثر، يتزعمهم دجالون يناظرون عن باطلهم بحجج أوهن من بيوت العنكبوت .. ولقد تحدث الشيخ عن قصة مريم عليها السلام حينما حملت بعيسى عليه السلام، وكيف صبرت عند هذا الابتلاء وواجهت بني إسرائيل معتمدة على الله جل وعلا، ثم تكلم عن مناظرة حدثت بينه وبين أحد القساوسة من النصارى الذين يقولون: إن عيسى ولد الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

    1.   

    التمسك بالدين مصدر عز الأمة

    إن الحمد لله، نحمده سبحانه وتعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أحبتي في الله: وبعد أن انتهت هذه الأحداث المؤلمة التي مرت بها أمتنا المسلمة في هذه الشهور والأيام الماضية، وكان من الواجب علينا أن نعلِّق على هذه الأحداث من منظور إسلامي، بعد أن أبطل الله جل وعلا نار هذه الحرب، نسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وباسمه الأعظم الذي إن سئل به أعطى، وإن دعي به أجاب، أن يجعل نهاية هذه الحرب بداية خير للإسلام والمسلمين، وأن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً، وأن يوفق المسلمين ليعوا هذا الدرس جيداً، وأن يعودوا إلى الله عز وجل، وأن يعودوا إلى إسلامهم الذي ضمن الله لهم به العزة والكرامة في الدنيا والآخرة، فما دام المسلمون متمسكين بهذا الإسلام فهم أعزة، وهم أصحاب القيادة والريادة، وإن تخلى المسلمون عن إسلامهم وعن مصدر البقاء الحقيقي لهم بعزة وكرامة في هذه الأرض، إن تخلى المسلمون عن مصدر هذا العز والكرامة تخلى الله جل وعلا عنهم، وإن نسوا الله تبارك وتعالى نسيهم، وإن كان ذلك كذلك فسوف يصلون إلى حالة من الذل والهوان لا يكاد يصدقها عقل، فلقد أذل الله جل وعلا اليهود وكتب عليهم الذلة والمهانة، ولكن الله قد أذل المسلمين إلى كتب عليهم الذل، وهل هناك أذل ممن أذله الله للأذل؟!

    فلا مصدر لعزة المسلمين وكرامتهم وبقائهم وسيادتهم وقيادتهم -لأنهم ما خلقوا إلا ليقودوا ركب البشرية كلها- إلا إذا عادوا إلى الله جل وعلا، وتمسكوا بإسلامهم الذي ضمن الله لهم بتمسكهم به العزة والكرامة، فنسأل الله عز وجل أن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً، وأن يعودوا إلى إسلامهم عوداً حميداً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    وقفات وعبر مع آيات من سورة مريم

    وبهذه الجولة مع هذه الأحداث المؤلمة، تعالوا بنا -أحبتي في الله- لنعود مرة أخرى إلى آيات القرآن الكريم، وإلى موضوعنا الذي كنا بصدده قبل بداية هذه الأحداث المؤلمة، فمع اللقاء العشرين ما زلنا نطوف بكم في بستان سورة مريم، وأظن أن الأحداث قد أنستنا ما ذكرناه في سورة مريم، فتعالوا بنا لنراجع أحداث السورة، ومع آيات الحق جل وعلا.

    يقول الحق تبارك وتعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً [مريم:16-26].

    بشارة جبريل لمريم عليها السلام

    توقفنا في اللقاء الأخير مع آيات هذه السورة المباركة عند هذا الحوار الكريم بين مريم وجبريل عليهما السلام، حينما خلت مريم بنفسها لشأن من شئونها الخاصة بها في هذا المكان الشرقي البعيد، وضربت الحجاب بينها وبين أعين الناس جميعاً، وفي هذا المكان الشرقي البعيد، وفي هذه الخلوة الكاملة التامة التي ضربت فيها الحجاب بينها وبين أعين الناس، إذ بها تفاجأ بمفاجأة عنيفة تهز القلب وتزلزل الفؤاد، إنه رجل سوي! بشر كامل مع مريم العذراء الطاهرة في هذه الخلوة الكاملة! وإذ بها تنتفض انتفاضة العذراء التي هُددت في عرضها، رجل وهي لا تعلم عن هذا الرجل شيئاً! فسرعان ما استجارت واستعاذت بالله جل وعلا قائلة: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً [مريم:18] إن كنت ممن يتقي الله جل وعلا، وتزلزله كلمة الاستعاذة بالله عز وجل، فكم من الناس من يذكر بالله ولا يخشع قلبه! وكم من الناس من يوعظ ولا يتعظ! إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19].

    قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً [مريم:18] فجاءتها البشارة الطيبة التي نزلت على قلبها نزول الندى على الزهرة الظمأى: قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً [مريم:19] وهنا ترد مريم على هذه البشارة الطيبة رد الأنثى المهددة في عرضها وشرفها بمنتهى الصراحة والوضوح الذي لا لبس فيه ولا غموض، فإذا بها تقول: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً [مريم:20] فيأتيها الجواب واضحاً وضوح الشمس في ضحاها: قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:21] أي: إنه أمر يسير أمام قدرة الله جل وعلا .. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] .. وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [مريم:21] أي: علامة على عظيم قدرة الله جل وعلا، فالله له مطلق القدرة، وله كمال القدرة، وله تمام القدرة، فهو الفعال لما يشاء -كما يقول صاحب معارج القبول - كيف شاء، في أي وقت شاء .. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [مريم:21] أي: علامة على كمال ومطلق قدرة الله جل وعلا.

    وأنا أقول دائماً: إن من كلف نفسه أن يبحث عن حدود قدرة الله كمن كلف نملة ضعيفة أن تنقل جبلاً عملاقاً من مكان إلى آخر؛ فقدرة الله لا تحدها حدود، فله مطلق القدرة وكمالها وتمامها، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فخلق الخلق، وبعث الخلق -في كمال قدرته- كنفس واحدة سبحانه وتعالى، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فما من جبل على ظهر هذه الأرض إلا ويعلم الله ما في وعره، ولا بحر على سطح هذه الأرض إلا ويعلم ما في قعره، وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:11].

    قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [مريم:21] اختارك الله يا مريم ليعرض على البشرية من خلالك المعجزة الكبرى؛ لأنه إذا كان قد خلق آدم من غير أب وأم، وخلق حواء من أب دون أم؛ فإنه سيخلق عيسى من أم دون أب، ويخلق سائر البشر من أم وأب؛ لتظهر قدرة الله جل وعلا في جزئية الخلق، وليعلم الناس جميعاً أن الله على كل شيء قدير.

    قصة عزير .. ودلالتها على كمال قدرة الله تعالى

    قال سبحانه في سورة البقرة في قصة عزير : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259] مر عزير على قرية بيت المقدس ، بعدما دمرها الله تعالى وأصبحت القرية خاوية على عروشها، فمر ووقف على هذه الأطلال ثانية، وتعجب وقال: هل يحيي هذه الله بعد هذا الموت والدمار والفناء؟! فأماته الله عز وجل مائة عام كاملة.

    أيها الأحبة: أماته الله مائة عام وأحياه مرة أخرى؛ ليبرهن للناس أنه على كل شيء قدير.

    وبعد ما أحيا الله عزيراً سأله عن طريق الملك: كم لبثت؟ فنظر -كما يقول الإمام ابن كثير - فوجد أن الشمس ما زالت باقية، فظن عزير أنها شمس نفس اليوم الذي نام فيه، قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ [البقرة:259] والدليل على ذلك -انظر إلى وجه المقارنة الأول الثابت الذي لا يتغير- انْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة:259] أي: لم يتغير لونه ولم يتغير طعمه -وانظر إلى الوجه الآخر من وجوه المقارنة- وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ [البقرة:259] فنظر إلى الحمار فوجده عظاماً بالية، قد تحول إلى رميم، وتراب، فهل يتحول هذا التراب بعد هذه الحالة التي وصل إليها إلى حالة كاملة مرة أخرى من الخلق؟!

    قصة العاص بن وائل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ذهب العاص بن وائل -عليه من الله ما يستحق- إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظام بالية، أخذها في يديه ووقف بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وفتَّ العظام فحولها إلى رميم وتراب، ثم قال: (يا محمد! أتزعم أن الله يحيي هذه العظام بعد ما صارت رميماً؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: نعم، يميتك ثم يبعثك ثم يدخلك جهنم) فأنزل الله قوله تعالى في آخر سورة يس: أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:77-83].

    افتراء النصارى على الله سبحانه وتعالى

    قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ [مريم:21] قدرة كاملة، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:21] في علم الله جل وعلا: (فحملت) هكذا بفاء الترتيب والتعقيب.

    وبداية -أيها الأحبة- أود أن أقول: إننا لو تتبعنا كتب النصارى التي تكلمت عن الحمل لانخلعت القلوب، وارتعدت الأفئدة، فإننا نجد كلاماً يستحي من ذكره في حق الله جل وعلا، فلقد وصفوا الله في هذه الجزئية بأوصاف شنيعة، وبكلمات تنخلع لها القلوب، وأنا لن أتكلم عن هذه الكلمات أبداً؛ لأنه لا يمكن على الإطلاق أن تدنس بيوت الله عز وجل، أو حتى الأفواه بمثل هذه الكلمات التافهة الفارغة التي وصفوا الله عز وجل بها، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وقد صفوا الله عز وجل بها في كيفية حمل مريم عليها السلام.

    ولذلك لما سئل أحد قساوستهم الذي شاء الله أن يفضحه بعد ذلك على رءوس الخلائق والأشهاد، لما قيل له: إذا أردت أن تقص على ابنتك قصة مريم، وقصة حملها، وقصة ولادة عيسى، فمن أي الكتب تستطيع أن تقرأها عليها؟ فقال بجرأة متبجحاً: أقرؤها على ابنتي من القرآن. لأن القرآن -أيها المسلمون- والإسلام قد كرم وشرف مريم أكثر من تشريف النصارى لها.

    وقد جلست يوماً إلى أحد كبرائهم، بل إلى كبيرهم، وقد قدر الله هذا اللقاء، وطال المجلس والوقت، وظل يتحدث عن مريم وعيسى وعن توحيدهم المزيف، ويقول لي: إننا لا نختلف معكم في توحيدكم، قلت: كيف ذلك؟ قال: لأنكم تقولون بأن الله عز وجل: هو الله، وهو الرحمن، وهو الكريم، أسماء متعددة، وكذلك نحن نقول: باسم الأب والابن وروح القدس، هذه مثل تلك، قلت: حاشا لله، تعالى الله عما قلت علواً كبيراً، وطال الحديث أيها الأحباب، وكان حديثاً في حلقة مفرغة؛ وأردت أن أنهي هذا اللقاء في حضور كثير من المسئولين، فقمت ونظرت إلى هذا الكبير وقلت له: أما قرأت هذا الخبر؟ قال: وأي خبر؟ قلت له: خبر عجيب ومرعب ومزلزل، فانتبه وجلس على الكرسي جلسة ما، ونظر إليَّ وأخذ يدقق النظر، ثم صرخ قائلاً: ما هو الخبر؟ فقلت: خبر زواج البابا. فجلس على الكرسي براحة تنهد وتنفس الصعداء، ونظر إلى المسئول الكبير وقال له: ألم أقل لك بأن هذا الشاب كذاب؟ قلت: ولم هذا الاتهام؟ قال: من أين لك هذا الخبر؟ عليك أن تأتي بالجريدة التي قرأت فيها هذا الخبر، عليك أن تأتي بالدليل، قلت: وإن لم آتِ بالدليل فلماذا لا تصدقني؟ قال: لأن البابا لا يتزوج، هذا قانوننا وهذا ديننا وشرعنا، البابا أسمى من أن يتزوج. فقلت: سبحان الله! إن كان البابا عندكم أسمى من أن يتزوج، فكيف تزوجون الله بمريم؟ أما تستحون؟ لمَ هذه البجاحة؟ البابا عندكم وفي قانونكم ودينكم المزيف لا يتزوج، أنتم وشأنكم، فإن كان هذا حال عبد حقير ذليل ضعيف تقولون: بأنه أسمى من ذلك، أسمى من أن يحتضن امرأة، أو أن يتزوج امرأة، أو أن يكون مرتبطاً بامرأة في الحلال، وما استحييتم أن تقولوا في قصة حمل مريم كلاماً تنخلع له القلوب وتقشعر له الأبدان، وتزوجوا الله -تعالى الله عن ذلك- بمريم؟! فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.

    كيفية حمل مريم عليها السلام

    أقول: إنهم قالوا كلاماً -أيها الأحبة- تنخلع له القلوب في حمل مريم، ولكننا نحن الموحدين لله عز وجل لا نقول ما قالته النصارى تعالى الله عن ذلك، وحاشا لله وعياذاً به جل وعلا.

    نقول وأقولها بداية: ينبغي على كل موحد لله ألا يبحث على الإطلاق عن كيفية الحمل، الله جل وعلا قال: قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:21] فلا ينبغي أن نتتبع الطريق كما تتبعه النصارى، أو أن نزل كما زلوا؛ بأن نبحث عن كيفية الحمل، فنقول: كيف حملت؟ هل نفخ الله في درعها؟ هل نفث الله في جيبها؟ هل كان النافخ هو الله؟ هل كان النافخ هو جبريل؟ لا ينبغي على الإطلاق أن نبحث وراء كل هذه الأمور أبداً؛ لأن المؤمن يثق بوعد الله جل وعلا، وبكلام الله عز وجل، ويصدق كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: فَحَمَلَتْهُ [مريم:22] كيف؟ لا تسأل، هذا أمر هين أمام قدرة الله الذي خلق آدم من غير أب وأم، أيعجز عن خلق عيسى من أُم دون أب؟! سبحان الله العظيم! فَحَمَلَتْهُ [مريم:22] انتهى الأمر بفاء التعقيب والترتيب، وحملت مريم بعيسى عليه السلام.

    فهنا لو تتبعنا الإسرائيليات في كتب التفسير لوجدنا العجب، يقولون: إن مريم حملت بعيسى ووضعته في ساعة واحدة، وهذا أمر أيضاً هين أمام قدرة الله، لا نناقشه، لكن الذي عليه جمهور أهل التفسير: أن مريم عليها السلام قد حملت بعيسى حملاً عادياً كأي امرأة -وإن كان الأمر الأول كما قلت: هين أمام قدرة الله جل وعلا- فرد أصحاب الرأي الأول الذين قالوا: بل حملت ووضعت في ساعة واحدة وقالوا: إن الفاء في اللغة العربية تأتي للترتيب والتعقيب، فقال الله عز وجل: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ [مريم:22-23] أي: طلق الولادة، والفاء هنا للترتيب والتعقيب.

    ولكننا نرد ونقول: إن فاء الترتيب والتعقيب تأتي وتعقب كل شيء بحسبه، ما الدليل؟ الدليل قول الله جل وعلا: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:12-14] انظر إلى الفاء التي جاءت هنا في مراحل ثلاث، والحديث الصحيح يخبر بأن بين كل صفتين وبين كل حالتين أربعين يوماً.

    إذاً: فاء التعقيب تأتي مع كل شيء بحسبه، وقد ورد في الحديث الصحيح من حديث ابن مسعود الذي رواه البخاري ومسلم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق- يقول: (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك -أربعين يوماً- ثم يكسى باللحم، ويؤمر الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).

    إذاً: قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن بين كل مرحلة وأخرى أربعين يوماً، فتعقيب كل شيء بحسبه.

    فَحَمَلَتْهُ [مريم:22] حملت مريم حملاً عادياً، ولذلك لما رأى يوسف النجار -وكان بحدم معها بيت المقدس- معالم الحمل الحقيقية وبوادر الحمل ظهرت عليها، ذهب إليها -كما ذكر الإمام ابن كثير- وقال: يا مريم! إني سائلك عن شيء ولا تعجلي عليَّ فيه، فقالت مريم -وكأنها فهمت ماذا يريد أن يقول يوسف-: يا يوسف! قل ما شئت ولا تقل إلا قولاً حسناً. فقال يوسف: يا مريم! هل يكون زرع بغير بذر؟ -يعرض لها في الكلام- وهل يكون شجر بغير غيث؟ وهل يكون ولد بغير أب؟ قالت: نعم يا يوسف! قال: كيف ذلك يا مريم؟ قالت: يا يوسف ! ألم تعلم أن الله تعالى خلق الزرع يوم خلقه من غير حب ومن غير بذر، وخلق الشجر يوم خلقه من غير غيث، وخلق آدم يوم خلقه من غير أب ولا أم؟ قال: أقول: إن الله على كل شيء قدير، وإِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يّـس:82].

    ظهور الحمل .. الولادة

    فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً [مريم:22] لما اتسع بطنها بالحمل، وكادت المدة أن تنتهي، وبدأ الخبر يتسرب إلى بني إسرائيل، واغتم بيت آل عمران غمة شديدة، فقد كانت شائعة مدوية، دوت في أرجاء بني إسرائيل، وما أدراكم من بنو إسرائيل في تزوير وإشاعة الشائعات والفاحشة! امتلأت البيوت بهذا الخبر المزري، وقالوا: ما فعل هذه الفعلة إلا يوسف النجار، فهو معها في خلوة واحدة، وفي مكان واحد.

    ولما ضاق صدر مريم عليها السلام بهذه الشائعات والكلمات التي تزلزل قلب أي امرأة فضلاً عن العذراء الطاهرة العفيفة الشريفة، خرجت مريم عليها السلام ومعها حملها: فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً [مريم:22] أي: ذهبت إلى مكان بعيد، واختفت عن أعين الناس حتى لا يراها الناس ولا ترى الناس، وفجأة كما يقول الحق جل وعلا: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ [مريم:23] فأجاءها إجاءةً، أجاءها الطلق حتى اضطرها إلى جذع نخلة لتتمسك به، وتعض عليه من شدة الألم فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:23] تألمت وهي العذراء التي لا علم لها بمثل هذا الأمر قبل ذلك، ولا يوجد معها امرأة تعينها، وتعلم كل امرأة على وجه هذه الأرض هذه الآلام المضنية، التي تتعرض لها الأنثى أثناء الولادة، فضلاً عن عذراء تلد لأول مرة ولا يوجد معها أنيس ولا جليس.

    ولما رأت أن الأمر قد انتهى، وأن المدة قد انتهت، وأن الولد سينـزل عن قريب؛ قالت بصوت ضعيف: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً [مريم:23] يا ليتني لم أواجه مثل هذا اليوم، وهي تقول ذلك برغم الوعد الكريم الذي وعدها به جبريل عليه السلام، ولكنها تقول ذلك خوفاً من الناس الذين سيقعون في عرضها حين يتكلمون عنها، وقالت ذلك خوفاً من مواجهة الفضيحة أمام الناس من منظورهم البشري.

    يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا [مريم:23] في هذه الآية دليل شرعي على جواز تمني الموت إذا ما وقع العبد في مصيبة أو فتنة يخشى منها ضياع الدين، ولكن يكره أن يتمنى العبد الموت إذا وقع به ضر أو بلاء من بلاء الدنيا، كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنياً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي).

    ظهور الآيات ونزول الفرج

    ومع هذه الآلام النفسية والبدنية .. امرأة ضعيفة، وحدها، عذراء طاهرة شريفة عفيفة، وإذ بها تلد الولد، ووسط هذه الآلام ومريم تقول هذه الكلمات التي تنم عن ألم شديد، تأتي المفاجأة الكبرى التي تريح القلب ويطمئن لها الفؤاد، فيناديها عيسى من تحتها، وهذا هو الراجح، قال ابن عباس : [(فناداها مَنْ تحتها) أي: جبريل] وقال مجاهد وقتادة عن سعيد بن جبير وغيرهم وكذلك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) أي: عيسى. وهناك القراءة الأخرى: (فناداها مَنْ تحتها) بالله عليك! تخيل طفلاً رضيعاً يناديها من تحتها ويطمئنها ويقول: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً [مريم:24-26] وأنا الذي سأبرئ ساحتك إن شاء الله عز وجل.

    يا لها من بشارة عجيبة! هذا وعد الله للمتقين أيها الأحباب، وعد قطعه الله جل وعلا على نفسه، حق على الله لمن اتقاه أن يتولى هدايته، ورعايته، ونهايته، حق على الله لمن اتقاه أن يستره فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض .. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] طفل رضيع ما زال مولوداً ينادي أمه بهذه الكلمات التي تطمئن القلب والفؤاد: لا تحزني والله معك، لا تحزني ومعك قدرة الله، لا تحزني ومعك رحمة الله، لا تحزني والله جل وعلا معك بقدرته، وبرحمته، وبلطفه، وبإرادته، لا تحزني وانظري إلى آثار رحمة الله عز وجل، فلقد فجر الله لها جدولاً من الماء لتشرب منه، وأنبت لها التمر في النخل وكانت النخلة يابسة: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً [مريم:25] وهذا الجدول من الماء من تحت قدميك فاشربي الماء وكلي التمر.

    موقف هاجر عند فراق زوجها إبراهيم عليهما السلام

    وهنا أذكر موقف هاجر عليها السلام، يوم أن ذهب بها الخليل إبراهيم مع ولدها الرضيع إسماعيل، وتركهما إلى جوار بيت الله الحرام، ونظرت هاجر عليها السلام إلى هذا المكان المقفر الموحش الذي لا سبب فيه من أسباب الحياة الظاهرة، وقالت له حينما هم بالانصراف: يا إبراهيم! لمن تتركنا في هذا المكان؟ وإبراهيم لا يرد، وأخيراً مع توسلات هاجر عليها السلام ينظر إبراهيم إلى السماء، ففهمت هاجر أن الله جل وعلا أمره بذلك، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ فأشار برأسه أن نعم، فقالت: إذاً فلن يضيعنا الله أبداً.

    هذا وعد الله لأوليائه ولأحبابه وللأتقياء: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] والرسول صلى الله عليه وسلم يوم أن أخذ بكل ما يمكن أن يؤخذ به من الأسباب في يوم الهجرة، ويوم أن انقطعت به الأسباب، وقال الصديق رضي الله عنه: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال له الرسول: يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟) ومن كان الله معه فمن ضده؟ ومن عليه؟ ومن يكيده؟

    وكما يقول الإمام ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم : فمن كان الله معه فمعه القوة التي لا تقهر، والفئة التي لا تغلب ولا تهزم، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل. وكما قال الله جل وعلا لموسى وهارون: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:43-46].

    فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً [مريم:24-26].

    ونعاود الحديث بعد جلسة الاستراحة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    التوكل على الله والأخذ بالأسباب

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الأحبة: انظروا إلى آيات قدرة الله جل وعلا: فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً [مريم:24] حتى إن كان المنادي هو جبريل كما قال أصحاب الرأي الأول، فإنها أيضاً كرامة، فجَّر الله لها عيناً من الماء، أو نهراً من الماء، وأسقط جل وعلا عليها الرطب، ولكن هنا ملحظ جميل ينبغي أن يتوقف عنده:

    يقول لها المنادي: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:25] سبحان الله! يوم أن سألت مريم عن الأسباب قال: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:25] وقبل ذلك كان رزقها يأتيها بدون أسباب، كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:37]ولكنها حينما سألت عن الأسباب، وعن الكيفية، وكيف ذلك، وكيف يكون أَنَّى يَكُونُ لِي [مريم:20] قال: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً [مريم:25].

    وهنا ملحظ آخر: وهو أنه لا بد من الأخذ بالأسباب، فمن التوكل على الله جل وعلا الأخذ بالأسباب وترك النتائج إلى مسبب الأسباب، أما أن نقول: نحن متوكلون على الله، وندع الأسباب، ولا نأخذ بأسباب القوة، وبأسباب البقاء والقيادة والكرامة في الأرض، ونقول: إننا موحدون ومؤمنون، ولم تأتنا قوة؛ فهذا أمر غير شرعي، بل لا بد من الأخذ بالأسباب، قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال:60]، علينا أن نحرث الأرض ونلقي البذر في الأرض ونتولاه بالعناية والرعاية، ومع ذلك لا نتوكل على الأسباب، ولا نعتمد على الأسباب، وإنما نترك النتائج لمسبب الأسباب جل وعلا.

    يقول الإمام الشاطبي في الموافقات : فمن أخذ بالأسباب وتوكل عليها واعتمد عليها، وظن أن الأسباب وحدها ترزق وتنصر فقد أشرك بالله عز وجل. خذ بالأسباب كما أمرك الله، ولكن إياك أن تعتقد أن الأسباب وحدها ترزق أو تنصر، وإنما توكل على مسبب الأسباب جل وعلا، خذ بالأسباب واترك النتائج لمسبب الأسباب تبارك وتعالى .. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:25].

    وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي بسند حسن، ورواه أبو داود وابن ماجة والحاكم في المستدرك من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً).

    وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً [مريم:25-26] لا تحزني ولا تقلقي، فإن الذي أجرى لك هذه الكرامات، وأجرى أمام عينيك هذه الآيات البينات الواضحات على كمال قدرته جل وعلا، هو وحده القادر على أن يبرئك.

    فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً [مريم:26] وهذا كان وارداً في شرعهم، يقول الإمام ابن حجر والإمام ابن قدامة : كان جائزاً في شرعهم. فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً [مريم:26] فاطمأن قلبها، وانشرح صدرها، وقويت على أن تواجه القوم بعد هذه الآيات البينات، وحملت ولدها المبارك، وذهبت به لتواجه القوم ومعها كل هذه الأدلة والبينات، وقبل كل ذلك وبعده معها الله عز وجل الذي قدر ولا راد لمشيئته ولا راد لقدرته.

    أسال الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.

    اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، وباسمك الأعظم الذي إن دعيت به أعطيت، وإن سئلت به أجبت، نسألك اللهم بعزك أن تنصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اجعل هذا البلد مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين.

    اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.

    اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.

    اللهم وفق ولاة الأمر للعمل بكتابك، والاقتداء بنبيك صلى الله عليه وسلم.

    اللهم أصلح ذات بين المسلمين، اللهم ألف بين قلوبهم يا رب العالمين، اللهم وحد صفوفهم يا أرحم الراحمين، اللهم قيض لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    أحبتي في الله: ما كان من توفيق فمن الله جل وعلا، وما كان من خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.