إسلام ويب

التربية لماذا 1للشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مع هذه الصحوة المباركة في أرجاء المعمورة، ونتيجة للانفصام الموجود عند المستقيمين، وعدم ترتيب الأعمال والأولويات، وكذلك نتيجة مخالطة الشباب أصحاب المنح والدراسات الخارجية للمجتمعات الغربية، ثم رجوعهم بفكر آخر، وقد انصهروا في بوتقة الغرب متأثرين تمام التأثر، ومؤثرين في بلدانهم كذلك، لأجل هذا وغيره لابد من التربية الإسلامية الصحيحة، التي تنشئ المسلم العقدية والعبادية والأخلاقية وغيرها من الجوانب.

    1.   

    أسباب اختيار موضوع: (التربية لماذا؟)

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فحياكم الله جميعاً أيها الأطهار الأخيار، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، إنه على كل شيء قدير.

    أحبائي:

    يا ملء الفؤاد تحية     تجوز إليكم كل سد وعائق

    لقد شدني والله شوق إليكم     مكلل بالحب والتقدير والدعاء المشفق

    وأرقني في المظلمات عليكـم     تكالب أعداء سعوا بالبوائق

    أردتم رضا الرحمن قلباً وقالبـا     وما طلبوا إلا حقير المآزق

    فسدد الله على درب الحق خطاكم     وجنبكم فيه خفي المزالق

    مرحباً بأحبابي.. مرحباً بإخواني.. مرحباً بالأطهار الأخيار.. أسأل الله عز وجل أن يحشرني وإياكم في زمرة سيد الدعاة وإمام النبيين، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

    لقاء هام، ألا وهو لقاؤنا في هذه الليلة الكريمة المباركة: التربية لماذا؟

    السبب الأول: الصحوة المباركة وحاجتها إلى منهج تربوي أصيل

    أيها الأحبة! لقد شاء الله جل وعلا في وقت تجمعت فيه كل جاهليات الأرض للقضاء على الإسلام، واستئصال شأفة المسلمين، شاء الله أن يبزغ في الأفق، نور يشرق، وأمل يتجدد، أضحى حقيقة كبيرة لا تنكر، بل وأفزعت هذه الحقيقة المشرقة العالم بأسره، وكيف لا وهي أكبر حدث إنساني في النصف الثاني من القرن العشرين، يتمثل في صحوتكم الإسلامية العالمية المباركة، فها نحن نرى بفضل الله جل وعلا كوكبة كريمة، وثلة مباركة عظيمة، من شباب في ريعان الصبا، وفتيات في عمر الورود، تلك الكوكبة الكريمة المباركة التي جاءت بعد بدر والقادسية واليرموك وحطين، جاءت من جديد لتمضي على طريق الدعوة الطويل، الضارب في شعاب الزمان، من لدن نوح إلى نبينا صلى الله عليه وسلم.

    جاءت هذه الكوكبة لتمضي على ذات الطريق، مستقيمة الخطا، ثابتة الأقدام، تجتاز الصخور والأشواك والحجارة، تسيل دماء، وتتمزق هنا وهناك أشلاء، ولكن الركب الكريم في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا يحيد؛ لأنه على ثقة مطلقة بنهاية الطريق، وبانتصار الحق ومحق الباطل، وأن الحق ظاهر خالد، والباطل زاهق زائل.

    فحيثما توجهتم -أيها الأحباب- وجدتم صحوة عارمة عالمية مباركةً، فلقد أقمت في أمريكا منذ ثلاثة أشهر فقط، بدعوة كريمة للمشاركة في ثلاثة مؤتمرات إسلامية، وأبشركم -ولله الحمد- فقد حضر المؤتمر في قلب قلعة الكفر ما يزيد على ستة آلاف موحد وموحدة، احتلوا ساحة أكبر فندق في مدينة تريت وصدح المؤذن بكلمة التكبير والتوحيد في قلب قلعة الكفر خمس مرات، من منا كان يتوقع أن تصل الصحوة إلى قلعة الكفر؟! من منا كان يظن أن يكون هذا العمل المنظم الدقيق للإسلام في قلب أمريكا؟! إنه وعد الله.

    صبح تنفس بالضيـاء وأشرق     والصحوة الكبرى تهز البيرقا

    وشبيبة الإسلام هذا فيلق     في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا

    وقوافل الإيمان تقتحم المـدى     درباً وتصنع للمحيط الزورقا

    ما أمر هذه الصحوة الكبـرى سـوى     وعد من الله الجليل تحققا

    هي نخلة طاب الثرى فنما لهـا     جذع قوي في التراب وأعذقا

    هي في رياض قلوبنا زيتونة     في جذعها غصن الكرامة أورقا

    فجر تدفق من سيحجب نوره     أرني يداً سدت علينا المشرقا

    يا نهر صحوتنا رأيتك صافيـا     وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى

    قالوا: تطرف جيلنا لمـا سمـا     قطراً وأعطى للطهارة موثقا

    ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا     ومضى على درب الكرامة وارتقى

    أو كان إرهاباً جهـاد نبينـا     أم كان حقاً بالكتاب مصدقا

    أتطرف إيماننا بالله في     عصر تطرف في الهوى وتزندقا

    إن التطرف أن نـذم محمـداً     والمقتدين به ونمدح عفلقا

    إن التطرف أن نرى من قومنا     من صانع الكفر اللئيم وأطرقا

    إن التطرف أن نبادل كافـراً     حباً ونمنحه الولاء محققا

    إن التطرف وصمة في وجه من     جعلوا البوسنة رماداً محرقا

    شتان بين النهر يعذب مـاؤه     والبحر بالملح الأجاج تمزقا

    يا جيل صحوتنا أعيذك أن أرى     في الصف من بعد الإخاء تمزقا

    لك في كتاب الله فجر صادق     اتبع هداه ودعك ممن فرقا

    لك في رسولك قدوة فهو الذي     الصدق والخلق الرفيع تخلقا

    يا جيل صحوتنا ستبقى شامخاً     سوف تبقى بالتزامك أسمقا

    هذه الصحوة المباركة هي السبب الأول من أسباب اختياري لموضوع ليلتنا هذه (التربية لماذا؟) فإن هذه الصحوة

    -أيها الأطهار- في أمس الحاجة إلى منهج تربوي أصيل، يقود خطاها وسيرها ومسراها، حتى لا يضيع جهد هذه الصحوة المباركة سُدى، كما يضيع ماء الأمطار بين الوديان والشعاب، من أجل أن تكون صحوةً مثمرةً بناءهً قويةً راشدةً، فإنها في أمس الحاجة إلى هذا المنهج التربوي المنبثق من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، بفهم سلف الأمة الصالح رضوان الله عليهم جميعاً، هذا هو السبب الأول من أسباب اختياري لهذا العنوان.

    السبب الثاني: الانفصام بين المنهج المنير والواقع المرير

    أما السبب الثاني فهو: الانفصام بين المنهج المنير والواقع المرير.

    أيها الأخيار! إن المجتمع الإسلامي الذي شاد القرآن الكريم صرحه الشامخ، وأرسى لبناته المتينة العظيمة القوية، على يد أعظم مرب عرفته الدنيا صلى الله عليه وسلم-بأبي هو وأمي- كان مجتمعاً فريداً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ، كان مجتمعاً تمثلت فيه العبودية الكاملة لله وحده لا شريك له، وتتمثل هذه العبودية فيما يلي:

    أولاً: في العقيدة الصحيحة الصافية الخالصة، امتثالاً عملياً لقول الله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].

    وتمثلت هذه العبودية ثانياً في العبادة الصحيحة، بكمال ركنيها من كمال حب، وكمال ذل، وبشرطيها من إخلاص واتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وتمثلت هذه العبودية ثالثاً: في الجانب التعبدي والتشريعي في تطبيق شريعة الله جل وعلا امتثالاً عملياً لقول الله سبحانه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    وتمثلت هذه العبودية رابعاً: في الجانب الأخلاقي والسلوكي والمعاملات امتثالاً عملياً، لقول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    وتمثلت هذه العبودية خامساً: في المحبة الصادقة والاتباع الصحيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجسد هذا الاتباع الصادق وهذه المحبة الخالصة صحابي جليل جاء إلى الحبيب المصطفى ليقول له يوماً: (يا رسول الله! والله إنك لأحب إليّ من نفسي، وأحب إليّ من ولدي ومالي، وإني إذا كنت في بيتي فذكرتك يا رسول الله لا أصبر حتى آتي لأنظر إليك، وإني تذكرت موتك اليوم يا رسول الله، وعرفت أنك بعد موتك سترفع مع النبيين في الجنة، وإذا مت أنا فلن أستطيع أن أراك يا رسول الله، فبكيت) فلم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم جواباً أمام هذا الحب المتدفق الحاني، فنزل قول الله جل وعلا: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً [النساء:69-70].

    عبودية كاملة -أيها الأحباب- إنه مجتمع رباه القرآن وطهر ظاهره وباطنه، ورباه المصطفى صلى الله عليه وسلم فنقله من الكفر والعصبية والعنصرية البغيضة إلى واحة التوحيد والتسامح والمحبة والإخاء، لا فرق في هذا المجتمع بين أحد، ولا فضل لمن ارتفع على من تواضع، ولا لمن اغتنى على من افتقر، ولا لمن حكم على من حُكِم، بل الكل سواء لا فضل لأحدهم إلا بالتقوى مصداقاً لقول ربنا: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13] هذه بعض سمات العبودية الكاملة في هذا المجتمع لله جل وعلا وحده لا شريك له.

    مظاهر الانفصام بين المنهج المنير والواقع المرير

    وظل هذا المجتمع -أيها الأحباب- يرفل في ثوب التوحيد والعبودية الكاملة لله جل وعلا، حتى ابتعد هذا المجتمع رويداً رويداً عن أصل عزه، ومعين شرفه، ونبع كرامته، وراح يلهث وراء الشرق الملحد تارة، ووراء الغرب الكافر تارة أخرى، فوقع في هذا الانفصام الذي عنونت له بقولي: الانفصام بين المنهج المنير والواقع المرير، وإليكم بعض مظاهر هذا الانفصام النكد، بين المنهج والواقع:

    ففي جانب العقيدة، نرى العقيدة اليوم تذبح شر ذبحة على أيدي أبنائها إلا من رحم ربك جل وعلا، فسمعنا ورأينا من يسأل غير الله، ويذبح لغير الله، ومن ينذر لغيره، ومن يستعين بغيره، ومن يلجأ إلى غيره، ومن يفوض الأمر إلى غيره، ومن يتوكل على غيره، ومن يطوف بغير بيته، بل وسمعنا ورأينا على شاشات التلفاز في احتفال مولد السيد البدوي من يقول: إننا الليلة نحتفل بمولد السيد البدوي المهاب، الذي إن دعي في البر والبحر أجاب.

    فأين الله؟! أين الله؟!

    ذبحت العقيدة شر ذبحة، ولوثت العقيدة ودنس التوحيد، وصرفت العقيدة والعبادة لغير الله العزيز الحميد، والمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: (من ذبح لغير الله فقد أشرك، ومن نذر لغير الله فقد أشرك، ومن حلف بغير الله فقد أشرك) ويوصي ابن عباس وصيته الخالدة: (يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)

    يا صاحب الهم إن الهم منفرج     أبشر بخير فإن الفارج الله

    وإذا بليت فثق بالله وارض بـه     إن الذي يكشف البلوى هو الله

    الله يحدث بعد العسر ميسـرة     لا تجزعن فإن الصانع الله

    والله ما لك غير الله من أحـد     فحسبك الله في كلٍ لك الله

    إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وقل لربك بقلبك وجوارحك ولسانك وعملك: اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، وأبرأ من الأمل إلا فيك، وأبرأ من التسليم إلا لك، وأبرأ من التفويض إلا إليك، وأبرأ من التوكل إلا عليك، وأبرأ من الصبر إلا على بابك، وأبرأ من الذل إلا في طاعتك، وأبرأ من الرهبة إلا لجلالك العظيم، وأبرأ من الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمت فضائلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك ووعدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها ويسرتها يا أرحم الراحمين!

    أخلصوا العبادة لله، فمن مظاهر الانفصام في جانب العقيدة، أننا نرى العقيدة قد ذبحت شر ذبحة على يد أبنائها إلا من رحم ربك جل وعلا.

    وفي جانب العبادة: نرى كثيراً من الناس قد صرف العبادة لغير الله، بل ومن أبناء الأمة من يدعي الآن ويقول: إنني ممن يعتقد أن للكون أقطاباً وأوتاداً وأبدالاً تسير شئونه وتدبر نظامه، والله سبحانه وتعالى يقول: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران:154] الملك ملكه، والكون كونه، والأمر كله له، لا تسأل أحداً دونه ولا غيره، حتى ولو كان الحبيب صلى الله عليه وسلم.

    وفي جانب التشريع: وقعت الطامة الكبرى التي لم تكن تخطر لأحد ألبتة على بال، نعم فلقد نحي شرع الله جل وعلا، ووقع في الأرض المنكر الأكبر، بتنحية شرع الله وتحكيم القوانين الوضعية الكافرة الجائرة، واستبدل المسلمون بالعبير بعراً، وبالثريا ثرى، والرحيق المختوم حريقاً محقاً مدمراً، يوم أن نحّو شريعة الله واستبدلوا بها شريعة المهازيل من البشر من العلمانيين والديمقراطيين والشيوعيين، وأصحاب الأهواء والشبهات والشهوات، ولا حول ولا قوة إلا بالله رب الأرض والسماوات.

    أما في جانب الأخلاق والسلوك والمعاملات حدث عن هذا الانفصام ولا حرج، فإن هذا الانفصام النكد في جانب الأخلاق والمعاملات والسلوك إنما هو أمر حتمي، وهي نتيجة حتمية للتخلف العقدي والتعبدي والتشريعي مع غياب المنهج التربوي الأصيل المنبثق من القرآن والسنة بفهم سلف الأمة.

    كذلك في الجانب النفسي نرى هزيمةً نفسيهً مدمرةً ومنكرةً.

    هذه -أيها الأحبة- بعض مظاهر الانفصام النكد، بين المنهج المنير والواقع المرير.

    الذوبان في بوتقة مناهج الغرب الدخيلة

    أما السبب الثالث من أسباب طرحي لهذا الموضوع هو: الذوبان في بوتقة المناهج التربوية الغربية الدخيلة، فلقد هزمت الأمة هزيمة نفسية نكراء، وراحت تنظر إلى هذه الحضارة الغربية المادية نظر الملهوف الذي فقد كل شيء، وأصبح مستعداً للذوبان في أي شيء، وللتفاعل مع أي منهج، حتى ولو كان يخالف العقيدة والسنة النبوية الصحيحة، فانساحت الأمة، وراحت تحاكي محاكاة عمياء، تقلد الشرق الملحد تارة، وتدور في فلك الغرب الكافر تارة أخرى، وهانحن الآن نراها تدور في فلك الوسط مرة ثالثة، وصدق فيها قول من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم وراءهم، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) فمن غير هؤلاء؟ اتبعت الأمة طريق المغضوب عليهم من اليهود، وطريق الضالين من النصارى، وتركت طريق الأطهار الأخيار الأبرار، تركت أصل عزها، ونبع شرفها ومجدها وكرامتها وسيادتها بل وبقائها، وراحت تلهث وراء الشرق الملحد تارة ووراء الغرب الكافر تارة أخرى، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    وهنا قد يئن الإخوة ويقولون بنظرة حزن وألم: فما هو الحل، وما هو العلاج، وما هو السبيل إلى الإصلاح؟

    والجواب في كلمة واحدة، نعم في كلمة واحدة ألا وهي: التربية.

    قد يئن الآن بعض الأحبة ويقول: أهذا هو الطريق، وذاك هو العلاج؟!

    فأقول: نعم. يقول: آه والله إنه لطريق طويل.

    والجواب: إنه على الرغم من طوله فإن هذا الطريق هو الذي سلكه أعظم مربٍ عرفته الدنيا.

    لقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم دولة -أيها الأحباب- فما هي المنهجية الصحيحة لإقامة دولة الإسلام؟

    اذهبوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لنرى كيف أقام دولة أذلت الأكاسرة، وأهانت القياصرة، وغيرت مجرى التاريخ في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً.

    والله ما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالتربية، بتربية أفراد قلائل من الصحابة الأطهار الأخيار الكرام، خلا بهم بعيداً عن هذا المجتمع الجاهلي الذي كفر بالله وأشرك به، في دار منعزلة بعيدة، لأنه لا بد من الانفصال ولا بد من التميز، ولا بد من المفاصلة، أما أن نعيش وسط هذا المجتمع، وأن نحاكيه، وأن نقلده، وألا نعتز بعقيدتنا، أو نستعلي بديننا، أو ننفصل بإيماننا، أو نظهر للدنيا توحيدنا وإسلامنا، فلن نستطيع أن ننقل للدنيا هذا النور الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم.

    خلا النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الأطهار في دار بعيدة متواضعة، في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، وبدأ مع هؤلاء، ليربيهم على القرآن، وعلى السنة الصحيحة، ليصقل نفوسهم، وليهذب ضمائرهم، وليربي أخلاقهم وقلوبهم، ثم قام بهم ومعهم وعلى أكتافهم ليقيم للإسلام دولة أذلت الأكاسرة، وأهانت القياصرة، وغيرت مجرى التاريخ في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً.

    وانتبه -أيها الشاب الحبيب- والله إني لأعلم أن دماء الإخلاص تتدفق في عروقك حباً لهذا الدين، وأنك الآن على استعداد لأن تقدم دمك وروحك ونفسك لدين الله جل وعلا، وهذا خير عظيم كثير، واحمد الله أن شرفك الله بحمل همِّ هذا الدين، فغيرك يسير ويمشي في هذه الدنيا بلا غاية ولا هدف، لا يعرف له غاية، ولا يعرف له هدفاً، بل ولا يعرف له مصيراً، فاحمد الله أن شرفك بهذا الدين:

    ومما زادني فخراً وتيهاً     وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبـادي     وأن صيرت أحمد لي نبيا

    أيها الحبيب! لا تتعجل، ولا تتعجلوا النتائج -أيها الأطهار- فإن دين الله قادم -إي وربي- كقدوم الليل والنهار، لا تتعجلوا النتائج؛ لأن الله جل وعلا لن يسألنا لماذا لم تنتصروا؟ ولكن الله جل وعلا سيسألنا لماذا لم تعملوا؟ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105] أما النتائج فعلمها عند ربي، ومن الأدب مع الله جل وعلا ألا نتعجل النتائج، وألا نقول لربنا: يا رب! لقد دعونا كثيراً فلم يستجب لنا أحد.

    يا رب! لقد دعونا كثيراً وما زال الطغاة والطواغيت والظلمة والمتكبرون والمتجبرون هم الذين بيدهم القوة والسطوة، وهم الذين بيدهم السلطان، وإن أهل التوحيد يعذبون ويضطهدون، ويصب البلاء على رءوسهم صباً، وتصب المحن على رءوسهم صباً. هذا من سوء أدبنا مع الله جل وعلا، ابذل دمك وروحك، وابذل جاهك ووقتك، واحمل همَّ الدين في قلبك، وتحرك لدين الله، واعلم بأن النتائج ليست عليك، ولن يسألك الله عن نتائج دعوتك.

    اصبروا، والله لقد جاء صحابي متحمس كتحمس شبابنا الأطهار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة يوماً ليقول له: (يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا! ألا تستنصر لنا! والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ يجلس، ويحمر وجهه ويغضب من هذا الطرح ويقول: والذي نفسي بيده! لقد كان الرجل يؤتى به من قبلكم، فينشر بالمنشار أو يوضع المنشار في مفرق رأسه ويشق نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون العظم واللحم، فما يصده ذلك عن دين الله، فوالله ليُتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون).

    أيها الشباب! اصبروا، والله ذلكم وعد الله، ووعد من لا ينطق عن الهوى: (والله ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) والحديث رواه أحمد والطبراني واللفظ له وهو حديث صحيح الإسناد من حديث تميم الداري رضي الله عنه.

    هذا وعد الله، وكلام الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:3-5].

    فلا ينبغي أبداً أن يعادي بعضنا بعضاً، أو يحقر بعضنا بعضاً، أو يسخر بعضنا لمنهج البعض الآخر، أبداً، وإنما نعلم جميعاً أن كل جهد يبذل لدين الله فهو على خير، وأسأل الله أن يصحح لي ولكم النيات، وأن يتقبل مني وإياكم جميعاً صالح الأعمال.

    1.   

    المصادر التي يجب أن نستقي المنهج التربوي منها

    لقد حان الوقت -أيها الأحبة- لتتربى هذه الجموع الغفيرة التربية الصحيحة على القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، وحان الوقت لواضعي ومخططي المناهج التربوية لأبنائنا وبناتنا في المدارس والجامعات، حان الوقت أن يتخلصوا من عقدة النقص أمام المناهج التربوية الغربية الدخيلة على عقيدتنا وديننا، فإننا نحمل الإسلام الذي يملك وحده المنهج التربوي الأصيل الصحيح، القادر على أن يقود البشرية بل والإنسانية كلها إلى ذروة المجد والعلى، وواحة الهناء والسعادة في الدنيا والآخرة.

    فينبغي أن نعلم أن المصادر الأصيلة الصافية الصحيحة التي ينبغي أن تُستقى منها مناهج تربيتنا هي ما يلي:

    أولاً: القرآن الكريم.

    ثانياً: السنة الصحيحة.

    ثالثاً: منهج السلف باعتباره يمثل التطبيق العملي للقرآن والسنة.

    وأقول تفصيلاً:

    المصدر الأول: القرآن الكريم

    القرآن الكريم فهو النبع الأول، والمعين الصافي الذي ينبغي أن يكون مصدراً أولاً للمناهج التربوية الإسلامية الحديثة الصحيحة، لماذا؟

    لأنه كلام الخالق الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، الذي يعلم ما يصلح خلقه وما يفسدهم، فلا بد من العودة إلى هذا النبع الكريم الصافي المبارك، القرآن بين أيدينا هو مصدر التربية الأول لجيل الصحابة وللرعيل الأول، وما زال القرآن بحروفه وألفاظه ورسمه لم يتغير منه حرف، ولم تتبدل منه كلمة، ولم تحذف منه آية، هو القرآن الذي ربى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، لا زال نوره وحرفه بين أيدينا.

    وإن للقرآن منهجه التربوي الفريد في لمس القلوب، وتحريك العواطف، واستجاشة الوجدان، ولقد بدأ هذا القرآن -لحكمة من الله جل وعلا- يتنزل ليربي على فترات: وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً الإسراء:106] يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: فالفرق مقصود، والمكث مقصود لحكمة من الله جل وعلا: وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً [الإسراء:106] كان القرآن يتنزل بحسب المشاكل والحاجات ليربي الصحابة تربية عملية واقعية سلوكية، وهم بدورهم حولوا القرآن إلى منهج عملي، وإلى مجتمع متحرك مرئي، ومنظور ومسموع.

    القرآن الكريم الذي بدأ يربي الصحابة وكانت أولى خطواته في التربية: ترسيخ العقيدة، ومن ثم -أيها الدعاة، والشباب، والمدرسون، والآباء- إنني اليوم لا أخاطب فئة واحدة، ولكني أخاطب كل من نصبه الله لمهمة التربية، أخاطب الدعاة والعلماء، وأخاطب الشباب والآباء، وأخاطب المدرسين والمدرسات، أخاطب الأمهات، أخاطب كل من أمنه الله هذه الأمانة العظيمة، أمانة التربية.

    لقد بدأ القرآن أول ما بدأ -ليربي الصحابة- بترسيخ العقيدة في القلوب؛ لأنه والله لا تصح تربية على الإطلاق إلا إذا تربى الناس على العقيدة الصحيحة، وعرفوا ابتداءً من خالقهم، ومن رازقهم، ومن إلههم، ومن الذي ينبغي أن تصرف العبادة له؟ من الذي يستحق أن يسأل؟ ومن الذي يستحق أن يذكر؟ هذه أول لبنة من لبنات التربية التي لا بد أن تؤسس على بينة ووضوح وجلاء.

    بدأ القرآن بترسيخ العقيدة في القلوب، فعرفهم خالقهم، وللقرآن -كما ذكرت- أسلوبه بدون تعقيد، بمنتهى البساطة والوضوح، وانظر معي هذه الآيات من سورة النمل كيف حركت قلوب هؤلاء، واستجاشت عواطفهم، ولامست وجدانهم، وعرفتهم -في النهاية- بخالقهم ورازقهم وإلههم ومعبودهم جل وعلا، اسمع معي -أيها الحبيب- يقول الحق تبارك وتعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [النمل:60-64] آيات عجيبة، تخاطب القلب، تخاطب أعماق الفطرة: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل:60]حدائق ذات بهجة، ذات جمال، ذات نضرة.

    فللواحة الخضراء والماء جاريـا     وهذه الصحاري والجبال الرواسي

    سل الروض مزداناً سل الزهر والنـدى     سل الليل والإصباح والطير شاديا

    وسل هذه الأنسام والأرض والسمـا     وسل كل شيء تسمع التوحيد لله ساريا

    ولو جن هذا الليل وامتد سرمداً     فمن غير ربي يرجع الصبح ثانيا

    أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60] لا رب غيره، ولا معبود سواه.

    الله ربي لا أريد سواه     هل في الوجود حقيقة إلا هو

    الشمس والبدر من أنوار حكمته     والبر والبحر فيض من عطاياه

    الطير سبحه والوحش مجده     والموج كبره والحوت ناجاه

    والنمل تحت صخور الصم قدسه     والنحل يهتف حمداً في خلاياه

    والناس يعصونه جهراً فيسترهم     والعبد ينسى وربي ليس ينساه

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18].

    وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ * وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:33-40].

    أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60].

    يا أحمد بن حنبل ما الدليل على وجود الله؟

    فقدم ورفع البيضة، وقال: هذا حصن حصين أملس، ليس له باب وليس له منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينما هو كذلك إذ انصدع جداره وخرج منه حيوان سميع بصير.

    القرآن له أسلوبه، ولذا خاف المشركون على أنفسهم من أسلوب القرآن في التربية، وحذر بعضهم البعض الآخر: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26] بل والله لتعجبون -أيها الأحباب الأطهار الخيار الكرام- أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في السنة الخامسة من البعثة المباركة، في مكة زادها الله تشريفاً وتكريماً، خرج ليصلي في الكعبة المشرفة، ووقف النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، ومن بين يديه جلس المشركون، وجلس صناديد الكفر والشرك، وقرأ سورة النجم، وفي أواخر السورة قرأ قوارع تطير لها القلوب والأفئدة: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:57-62] وقام الحبيب صلى الله عليه وسلم وخر ساجداً لله فلم يتمالك المشركون أنفسهم فقاموا خلفه وخروا سجداً لله جل وعلا، وهم على الشرك والكفر.

    وقصة سجود المشركين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم رواها الإمام البخاري في صحيحه ، وعنون لهذا الباب بعنوان: باب: سجود المسلمين مع المشركين، ورواه مختصراً من حديث ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بسورة النجم وسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر:21] إنه جلال القرآن، إنه كلام الحق جل وعلا، هذا هو مصدر التربية الأول، عرف القرآن الإنسان مَنْ خالقه؟ وبعدما أجابه على هذا السؤال، عرفه على مصيره، ما هو مصيره؟

    وما هي الغاية؟

    وما هو الهدف؟

    ولماذا تعيش؟

    وما هذه النتيجة؟

    أجاب بمنتهى الوضوح، وعرفه بأنه لا بد أن يأتي يوم سيقف فيه بين يدي الله ليسأل عن القليل والكثير، وعن الصغير والكبير: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8] أجاب القرآن، وهذا هو الأسلوب التربوي الصحيح، أن يجيب المنهج على كل تساؤل واستفسار، إجابة مقنعة وواقعية ومنطقية، إجابة تريح القلب والعقل، وتريح الوجدان والفؤاد.

    ولذا أنادي الآن أساتذتي وأحبابي من المدرسين والمدرسات ألا يضيق صدره بسؤال طالبه، وإنما ينبغي أن يفتح صدره لطلابه وأن يجيب عليهم، وأن يحاول أن يقنعهم بالجواب، وأن يربطهم بالجواب ربطاً واقعياً عملياً سلوكياً حتى ينطلق الطالب وهو على ثقة ويقين.

    ويعجبني هذا الأستاذ الذي جاءه تلميذه يوماً فقال له: يا أستاذي! لقد علمت أنك ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياك، قال: وماذا تريد يا بني؟

    قال: إني في شوق إليه، ووالله إني لأريد أن أراه في منامي، فدلني ماذا أصنع وماذا أفعل؟

    فقال أستاذه ليعلمه تعليماً عملياً سلوكياً، قال: أنت مدعو عندي الليلة للعشاء، فذهب التلميذ إلى أستاذه، وأحضر الأستاذ لتلميذه العشاء، وأكثر فيه نسبة الملح ومنع عنه الماء، ولما طلب التلميذ الماء أبى أستاذه عليه، وقال له: نم وقبل الفجر نستيقظ، لأعلمك كيف ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياك، فنام التلميذ وهو يتلوى من شدة العطش، وهو في أشد الحاجة إلى جرعة ماء.

    فلما استيقظ سأله أستاذه: قبل أن أعلمك كيف ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرؤيا هل رأيت الليلة شيئاً في نومك؟

    قال: نعم.

    قال: ماذا رأيت؟

    قال: رأيت الأمطار تمطر، والأنهار تجري، والبحار تسير؛ لأن همه في الماء فرأى الأمطار والبحار والأنهار.

    فقال الأستاذ الذكي: نعم، صدقت نيتك فصدقت رؤيتك، ولو صدقت محبتك لرأيت رسول الله.

    وسيلة إيضاح عملية، تقنع وتريح القلب، وتطمئن الفؤاد، فبعد أن أجاب القرآن الإنسان مَنْ خالقه؟ وعرفه ما هو مصيره، وإذا ما عرف الإنسان خالقه ومصيره اطمأن قلبه وارتاح، وتخلص من عقدة القلق والحيرة والشك والاضطراب التي يعانيها هؤلاء الذين شذوا عن منهج ربنا جل وعلا، ووالله إن من شرح الله صدره للحق، إنما هو في نعمة عظيمة لا يعرف قدرها إلا من حرمها.

    يعبر عن هذا الحرمان رجل ضال، لا يعرف له هدفاً ولا طريقاً ولا مصيراً فيقول:

    جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت..

    ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت..

    وسأمضي في طريقي شئت هذا أم أبيت..

    كيف جئت..؟ كيف أبصرت طريقي..؟ لست أدري..

    جعلك الله لا تدري!

    لست أدري!!

    ويظل يقطع الطريق كالبهيمة لا يعرف له طريقاً، ولا هدفاً ولا مصيراً، وصدق الله الخالق إذ يقول: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ الأعراف:179] فاسجد لربك شكراً يا من وحدت خالقك! ويا من عرفت غايتك وهدفك! ويا من عرفت مصيرك، اعلم أنك في نعمة ربما لا تتذوقها ولا تعرف فضلها، ولا يعرف فضلها إلا من حرمها والعياذ بالله.

    أسأل الله أن يتم علي وعليكم نعمة الهداية والإيمان والتوحيد والإسلام، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.

    وبعد أن أجاب الإسلام والقرآن الإنسان إجابة شافية، من خالقك؟ وما هو مصيرك؟ وعرفه باليوم الآخر، لم يدع صغيرة ولا كبيرة إلا وقد قال فيها قولاً، وبيّن منهجها في الحياة الحربية والسياسية والاقتصادية، والإعلامية، والتعليمية، والعلمية، ولا أريد أن أستطرد لأقف مع كل جزئية لأبين المنهج القرآني في كل جانب من هذه الجوانب، فإن القرآن -يا أحبابي- منهج حياة، ولم لا وهو منهج خالق هذا الإنسان؟!

    أكتفي بهذا القدر لكي لا أشق عليكم لأني أرى الإخوة واقفين من قبل المغرب، أسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في الجنة اللهم آمين يا رب العالمين!

    في عجالة -أيها الأحباب- أقول: القرآن الكريم هو المصدر الأول من مصادر التربية، وللقرآن أسلوب فريد في التربية، لأنه يحرك القلب، ويلامس الوجدان، ويستجيش العواطف، ويعرف الإنسان بكل شيء، ويجيب على كل شيء، فلم يدع القرآن مجالاً من مجالات الحياة إلا وقد وضح المنهج التربوي الصحيح في هذا المجال.

    لا تظنوا يا إخواني أن القرآن لم يطرق مجال السياسة أو الاقتصاد أو التعليم أو التربية. كلا.

    بل إن القرآن منهج حياة، لا تسمعوا لهؤلاء الذين يريدون أن يضحكوا علينا، ويفصلوا ديننا ويحبسوه في المساجد، ويغلقوا عليه بالأقفال، ويقولون: بأن الإسلام في المساجد، فإذا ما خرجت -أيها المسلم- من المسجد فإياك ثم إياك أن تخرج بإسلامك خارج المسجد، فلا سياسة في الدين ولا دين في السياسة.

    الإسلام منهج حياة، القرآن منهج حياة متكامل، لم يدع صغيرة ولا كبيرة ولا شاردة ولا واردة إلا وقد أدلى فيها بدلو، وبين فيها حكماً، وحدد فيها منهجاً، فيجب على المسلمين أن يعودوا إليه مرة أخرى، ليعود مجتمعنا مجتمعاً يحاذي مجتمع الرعيل الأول.

    المصدر الثاني: السنة المطهرة

    المصدر الثاني من مصادر التربية: السنة المطهرة وهناك صنف خبيث يدندن حول القرآن دون السنة، ويقولون: إننا لا ننكر القرآن، ونريد أن نأخذ بالقرآن، ولكن السنة فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع، فلا داعي إذاً للأخذ بالسنة، ويكفينا أن نأخذ بالقرآن، ولا يدري أنه إذا أخذ القرآن وضيَّع السنة فقد ضيع القرآن والسنة معاً.

    وقد قال الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ذلك، وبيّن أنه سيأتي من أبناء الأمة من يقول هذا، كما في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك ، وصحح إسناده شيخنا الألباني من حديث المقدام بن معد يكرب ، أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) وفي رواية: (ألا إن ما حرم الله كما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم)

    فلا بد -أيها الأحبة- من السنة مع القرآن، بل لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة والحاكم في المستدرك وصححه أيضاً الشيخ الألباني، أنه صلى الله عليه وسلم قال: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وأرجو الله ألا ننساها.

    أقول: إذا كان كل طالب علم يتأثر بالمنهج الذي يدرسه، فما ظنكم إذا كان المنهج الذي يدرس هو القرآن والسنة؟! وإذا كان كل طالب علم يتأثر بأستاذه الذي يأخذ عنه فما ظنكم إذا كان الأستاذ هو محمد صلى الله عليه وسلم؟!

    شخصية النبي صلى الله عليه وسلم منهج تربوي متكامل، وسنته صلى الله عليه وسلم كذلك، ولا أستطيع أبداً أن أقف وأبين من خلال سيرته وحياته أركان وعناصر وبنود هذا المنهج التربوي الأصيل، بل سأكتفي بمثال واحد تربوي فذ لأبين لكم أن شخصيته صلى الله عليه وسلم كانت منهجاً تربوياً فريداً متكاملاً.

    حديث رواه أحمد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: [جاء شاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله سؤالاً عجيباً غريباً] هل يا ترى جاء الشاب يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجهاد في سبيل الله؟ أم جاء يسأله عن الإنفاق في سبيل الله؟ أم جاء يسأله في أن يخرج معه للغزو؟

    كلا..

    ولكنه جاء يسأل سؤالاً غريباً، أتدرون ما الذي سأله هذا الشاب؟

    جاء ليقول لرسول الله: (يا رسول الله؟ أتأذن لي بالزنا؟!) ما غضب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ارتفع صوته، ولا احمر وجهه، ولا أمر الصحابة أن يحملوه من بين يديه ومن خلفه ليلقوه خارج المسجد ولكنه ابتسم في وجهه ابتسامة حانية مشرقة، ونظر إليه وقال: (ادن) واقترب الشاب من النبي صلى الله عليه وسلم، وفي همسات تربوية حانية يقول له المربي الأعظم، والأستاذ الحبيب: (أترضاه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: فكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم، أتحبه لابنتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، وكذلك لعماتهم وخالاتهم).

    ثم بعد هذا كله مد الحبيب يده الحانية -فإنه بحر الرحمة، وينبوع الحنان، وأستاذ التربية- ووضعها على صدر هذا الشاب، وتضرع إلى الله بالدعاء وقال: (اللهم اشرح صدره، واغفر ذنبه، وحصن فرجه)

    أي تربية هذه يا إخوان؟!

    وكلكم يعلم قصة الأعرابي الذي جاء ليبول في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وكلكم يعلم قصة ماعز وكيف رده النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوبه، وكلكم يعلم قصة الغامدية وكيف ردها النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوب، فهو نبي الرحمة، وينبوع الحنان.

    والرسول صلى الله عليه وسلم شخصيته منهج تربوي فضلاً عن سنته، وإذا كانت العظمة تحب لذاتها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب لذاته فضلاً عن أنه رسول من عند الله جل وعلا، وهذا الحب بين المربي وطلابه والأستاذ وتلاميذه هو المفتاح الأول للتربية الصحيحة.

    والله لقد أحب أصحاب النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم حباً ليس له في تاريخ العالمين نظير، فلقد جاء عروة بن مسعود الثقفي رسول من قبل قريش في صلح الحديبية، وقف يكلم النبي عليه الصلاة والسلام -وكان من عادة العرب إذا أرادوا أن يتوددوا إلى من يتكلمون معه أن يمد أحدهم يده ليعبث بلحية من يتكلم معه- فمد عروة بن مسعود يده ليداعب شعرات طيبات من لحية الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام، وكان المغيرة بن شعبة رضوان الله عليه يقف عند رأس النبي عليه الصلاة والسلام يظلل عليه من الشمس، وبيده السيف، فإذا مد عروة يده ليداعب شعرات لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضربه المغيرة بنصل السيف على يده وهو يقول: [أخر يدك عن لحية رسول الله قبل ألا تصل إليك]

    يعجب عروة بن مسعود ويرجع إلى قومه ليسجل هذه الشهادة، ويقول: يا قوم! والله لقد وقفت على الملوك، ولقد أتيت كسرى في ملكه، والنجاشي وقيصر، والله ما رأيت أحداً يعظمه أصحابه كما رأيت أصحاب محمد يعظمون محمداً! والله إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا تكلم أنصتوا له، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه.

    أحبوا النبي صلى الله عليه وسلم حباً ليس له في تاريخ الدنيا ولا في تاريخ العالمين نظير، فشخصية النبي صلى الله عليه وسلم فضلاً عن سنته منهج تربوي أصيل متكامل.

    ومن أراد أن يتتبع سيرة المصطفى فسيجد المنهج التربوي الأصيل الذي به وعليه تربى الجيل الأول، ووالله لن نصل إلى ما وصلوا إليه إلا إذا عدنا إلى هذا النبع الصافي، وكيف لا وقد رباه الله على عينه ليربي به الدنيا، زكاه في عقله فقال: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:2] وزكاه في صدقه فقال: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3] وزكاه في صدره فقال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] وزكاه في ذكره فقال: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4] وزكاه في طهره فقال: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح:2] وزكاه في فؤاده فقال: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11] وزكاه في بصره فقال: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17] وزكاه في معلمه فقال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:5] وزكاه في حِلْمه فقال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] وزكاه كله فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] صلى الله عليه وسلم.

    المصدر الثالث: منهج السلف الصالح

    أما المصدر الأخير بإيجاز فهو: منهج السلف الصالح باعتباره يمثل التصديق العملي للقرآن والسنة.

    واعلموا -أيها الإخوة- أن السلفية ليست جماعة، وليست حكراً على أحد، وليست حزباً لأحد، بل إن السلفية تيار ممتد إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وإلى الصحابة كـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وإلى التابعين، وإلى الأئمة الراشدين المهديين، فمن سلك طريق هؤلاء فهو منتسب إلى سلف الأمة الصالح، حتى ولو لم يعاصرهم بالمكان والزمان، ومن تنكب عن طريقهم وسلك طريقاً غير طريقهم، ودرباً غير دربهم فليس منهم وإن جمع بينه وبينهم الزمان والمكان، فلا ينبغي أبداً أن يأتي أحد أحبابنا ليجعل من السلفية جماعة حزبية ضيقة، وإنما السلفية تيار ممتد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبناء الطائفة المنصورة في كل زمان، وكان هؤلاء الذين يسيرون على طريق المصطفى، وعلى طريق سلف الأمة الصالح، وعلى طريق التابعين وتابع التابعين، وعلى طريق الأئمة الراشدين المهديين من بعدهم، من سار على هذا الطريق فهو منتسب إلى سلف الأمة الصالح، وأي شرف هذا، وأي نسب هذا!!

    فلا ينبغي هذا التعصب، وهذا التحزب والتخلف.

    يا أحبابي! إننا الآن نقبل على مرحلة حرجة، وعلى مرحلة خطيرة تحتاج منا أن نكون جميعاً يداً واحدة، وأن نكون جميعاً قلباً واحداً، وأن نكون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، لا شك، وأعلم علم اليقين أن من بين إخواننا من هو على خطأ عقدي، بل ومنهجي، بل وفكري، بل وقد يكون على خطأ حركي، ولكن إذا تخليتم أنتم عنه، وتخليت أنت فمن الذي سيأخذ بأيدي إخواننا إلى الصواب والحق؟ فلننصهر جميعاً في بوتقة الحب في الله مع تصحيح الأخطاء، لا أقول: أن ندني رءوسنا في الرمال كالنعام لا. مع تصحيح الأخطاء العقدية، والمنهجية، والفكرية، بل والحركية، ولكن في ساعة من الحب الندي، والتعرف الجياش، والرحمة الواسعة، فلنكن كمجتمع الصحابة الأول إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

    أيها الأحبة! اعتصموا بالله، وتوكلوا، واجتمعوا على الحق كرجل واحد، والله إن الله جل وعلا سائلنا عن هذا الدين، وإن أعظم خطر علينا هو هذه الفرقة، وهذا الشتات والتزمت، وأنتم تعلمون جميعاً أن أهل الباطل على اختلاف مشاربهم، وأيدلوجياتهم وقوانينهم ونظمهم ما اتفقوا على شيء مثل اتفاقهم على الكيد للإسلام، واستئصال شأفة المسلمين، وأهل الحق متفرقين، متشتتين متناحرين، ومتطاحنين متشرذمين.

    أيها الحبيب! أنا بشر، أخطئ وأصيب، إياك أن ترفعني إلى مرتبة الملائكية أو الرسالة! كلا. فإن أخطأت أنا من يصحح لي الخطأ، من يأخذ بيدي إلى الصواب إن تركتني وأنت أخي وحبيبـي في الله، ولكن الحقيقة ألا يجسوا الأخطاء، وإنما ينبغي أن يتحركوا في ذل وتجرد وتواضع لله، وذلة لأخيك وانكسار لتأخذ بيمينه إلى الحق.

    ووالله -أقولها- إن الأخ لو وجد أن أخاه قد أتاه مخلصاً صادقاً محباً له متجرداً لله يدعوه إلى الحق، ويقول: يا أخي في الله، ويا حبيبـي هذا غلط، وهذا باطل، والدليل من القرآن والسنة الصحيحة كذا وكذا، لو علم الله منك صدق النية لذلل لك القلوب، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

    أسأل الله جل وعلا أن يردنا وإياكم إلى هذا المنهج التربوي الأصيل، إلى القرآن والسنة الصحيحة، بفهم سلف الأمة، باعتبار هذا الفهم يمثل التطبيق العملي للقرآن والسنة.

    أسأل الله جل وعلا أن يجزيكم خير الجزاء على هذا العناء والمشقة والكلف والنصب فجزاكم الله خيراً أيها الأحباب، وأسأل الله أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأسأل الله أن يحرم وجوهكم جميعاً على النار.

    اللهم لا تخرج واحداً من هذا المكان إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وتجارة لن تبور، برحمتك يا عزيز يا غفور!

    اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا شقياً ولا محروماً.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكسُ المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع، وأقر أعيننا بنصر الإسلام وعز المسلمين.

    اللهم اجعل مصرنا بلد الأمن والأمان، اللهم اجعل مصرنا بلد الأمن والأمان، اللهم اجعل مصرنا سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم ارفع عن أبنائنا وشعبنا الغلاء والوباء يا رب العالمين! اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء يا رب العالمين!

    اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم.

    وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.