إسلام ويب

مهلاً يا دعاة الهزيمة!!للشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد هزمت الأمة ونكبت بنكبات كثيرة وخطيرة، وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن نكبة وهزيمة هي من أشد وأخطر الهزائم والنكبات على الأمة الإسلامية، ألا وهي: الهزيمة النفسية في الوقت التي فقدت فيه الأمة جل مقومات النصر، وقد تحدث عن هذه الهزيمة في عدة نقاط ابتدأها باستعراض أعراض الهزيمة، ومناقشتها مناقشة جادة، ثم ذكر أسبابها وذيلها بالعلاج.

    1.   

    الهزيمة النفسية التي أصابت الأمة

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام، وسامحوني فلقد أفسدت عليكم هذه الجلسة الطيبة المباركة، فوالله لا أرى في نفسي أن أجلس في هذا المجلس خلفاً لشيخنا/ مبارك أبي إسحاق ، أسأل الله عزوجل أن يحفظه، وأن يسدد رميته، وأن يفتح بينه وبين قومه بالحق، وأن يبارك فيه وفي ولده، وأن يجعلهم قرة عينٍ له في الدنيا والآخرة، وأن يحفظ دعاة الإسلام الصادقين، وأن يتقبل منا وإياكم جميعاً صالح الأعمال إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أيها الأحبة! هذا قدركم فاحمدوا الله على هذه المصيبة.

    "مهلاً يا دعاة الهزيمة" موضوع خطير، وعنوان جميل، وليسمح الشيخ أن أنسج بنفس خيوطه، وأن أسير على ذات الدرب، والله أسأل أن يجعلنا وإياكم جميعاً من الصادقين.

    أيها الأحبة: لقد هزمت الأمة ونكبت بنكبات كثيرة وخطيرة، ومع ذلك فإن أخطر هزيمة هزمت بها ونكبت بها الأمة هي الهزيمة النفسية؛ لأن الأمة كانت مع كل هزيمة من هذه الهزائم تملك كل مقومات النصر من إيمانٍ صادق، وثقة في الله عزوجل، واعتزاز بهذا الدين، أما اليوم فإن الأمة هزمت هزيمة نفسية نكراء في الوقت الذي فقدت فيه جلَّ مقومات النصر، ضعفت العقيدة -هذا مع حسن الظن- ضعفت الثقة في الله، ضعفت الثقة في نصر الله عزوجل، بل إن العقيدة الآن تذبح شر ذبحة على أيدي الكثيرين ممن ينتسبون إليها، كانت العقيدة بالأمس إذا مس جانبها سمعت الصديق يتوعد والفاروق يهدد ويأمر الصحابة، فيتحرك الجميع ويبذل من أجل العقيدة النفوس والمهج والأموال والأرواح، أما اليوم فإن العقيدة تذبح شر ذبحة؛ ففقدت الأمة جلَّ مقومات النصر مع هزيمة نفسية مدمرة؛ فوقعت في هذا الواقع المر الأليم الذي تحياه وهو معلوم للقاصي قبل الداني، وللصغير قبل الكبير.

    1.   

    أعراض الهزيمة النفسية التي أصيبت بها الأمة الإسلامية

    لا شك -أيها الإخوة- أن لهذه الهزيمة النفسية أعراضاً وأسباباً وعلاجاً، فقف معي في هذه النقاط المحددة، ما هي أهم أعراض هذه الهزيمة؟ وما هي أسبابها؟ وما هي خطوات العلاج؟

    تنحية الشريعة وتحكيم القوانين الوضعية

    أولاً: لا شك أن أخطر عرض من أعراض الهزيمة النفسية التي نكبت بها الأمة في هذا العصر الحديث هو تنحية الشريعة الربانية وتحكيم القوانين البشرية، أخطر عرض بلا منازع، لم يتصور أحد من أئمة السلف الذين قالوا: كفر دون كفر أن ترمى الشريعة في يوم من الأيام بالجمود، أو الرجعية، أو التخلف، أو القصور، أو عدم القدرة على مسايرة روح العصر أو المدنية العصرية الحديثة، أبداً ما شهدت الأمة رمياً للشريعة بالكلية كما تشهده الآن من تنحية الشريعة الربانية وتحكيم القوانين البشرية من صنع المهازيل من خلق الله؛ وهذا أخطر عرض للانهزام النفسي الداخلي، ما كان لمسلم أبداً أن يتصور ذلك، والله عز وجل يقول: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] فالأيام دول، ولا شك أن الدولة الآن للغرب الذي كسب الجولة الأخيرة بلا منازع، ومن عادة المغلوب أن يحاكي المنتصر في كل شيء، من عادة المهزوم نفسياً أن يقلد المنتصر الغالب في كل شيء، فذهبت الأمة المهزومة عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً تقلد الغرب الذي انتصر وكسب الجولة الأخيرة؛ حتى خرج علينا من بني جلدتنا من يقول بالحرف: لقد عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين حتى الالتهابات التي في رئتهم والنجاسات التي في أمعائهم، انهزام خطير جداً، لقد عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين، نحن لا ننكر أن تنقل الأمة أروع ما وصل إليه الغرب في الجانب المادي ما لم يصطدم بعقيدتنا وأخلاقنا وديننا، لا ننكر ذلك ألبتة، لكن بكل أسف تركت الأمة أروع ما وصل إليه الغرب من تكنيكٍ علمي مذهل في الجانب المادي -ونحن لا ننكر ذلك على الإطلاق- وذهبت لتنقل أعفن وأقذر وأحط ما وصل إليه الغرب في الجانب العقدي والأخلاقي والروحي، كما قال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى والحديث مخرج في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لتبعتموهم، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!) ذابت الأمة في بوتقة الغرب المنتصر في هذه الجولة، والذي أصبح إلهاً يعبد لدى الكثيرين من الناس، بل ممن ينتسبون إلى الدين.

    ولله در القائل:

    قالوا لنا الغرب قلت صناعة     وسياحة ومظاهراً تغرينا

    لكنه خاوٍ من الإيمان لا     يرعى ضعيفاً أو يسرّ حزيناً

    الغرب مقبرة المبادئ لم يـزل      يرمي بسهم المغريات الدينا

    الغرب مقبرة العدالة كلما     رفعت يدٌ أفدى لها السكينا

    الغرب يكفر بالسلام وإنـما     بسلامه الموهوم يستهوينا

    الغرب يحمل خنجراً ورصاصة     فعلامَ يحمل قومنا الزيتونا

    كفر وإسلام فأنى يلتقي     هذا بذلك أيها اللاهونا

    أنا لا ألوم الغرب في تخطيطـه     لكن ألوم المسلم المفتونا

    وألوم أمتنا التي رحلت علـى     درب الخضوع ترافق التنينا

    وألوم فينا نخوة لم تنتفض     إلا لتضربنا على أيدينا

    ظنت الأمة المسكينة أنها بتنحيتها لشريعة الملك المحكمة المطهرة التي ضمن الله بها السعادة للبشرية كلها في الدنيا والآخرة أنها ستنجح ظنت الأمة المسكينة التي استبدلت بالعبير بعراً، وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقاً محرقاً مدمراً، ظنت أنها بتمحيص شريعة الله المحكمة وبتحكيم القوانين الغربية الوضعية البشرية أنها قد ركبت قوارب النجاة وسط رياح هوجاء متلاطمة؛ فخابت الأمة وخسرت وغرقت وأغرقت، ولا زالت الأمة تجني ثمار الخسران والضياع والهوان مصداقاً لقول الله عزوجل: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طـه:123-124].

    عرض خطير وهو في نظري أخطر أعراض الهزيمة النفسية، أن تصل الأمة إلى حالة من الذل والعار والهوان والاستسلام إلى أن تنحي شريعة الرحمن جل وعلا، وأن تحكم في الأعراض والأموال والدماء والفروج القوانين الوضعية الفاجرة من وضع المهازيل من خلق الله، من العلمانيين والشيوعيين، والديمقراطيين والساقطين، والراقصين والرويبضة على ظهر أرض رب العالمين، وصدق سيد النبيين صلى الله عليه وسلم إذ يقول والحديث رواه أحمد والحاكم وصححه الألباني : (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) فوالله لم يعد التافهون يتكلمون في أمر العوام بل تطاول التافهون اليوم على أمر الإسلام.

    اليأس من إمكانية التغيير

    ثانياً: العرض الثاني من أعراض الهزيمة النفسية كما نرى: اليأس من إمكانية التغيير، ترى هذا العرض قد تمكن من غالب المسلمين، أصبحت ظاهرة أن تسمع الإرجاف في كل مكان، وأن تسمع نغمة اليأس القاتلة، لا فائدة، لن يستمع إليك أحد، أنت تؤذن في خرابة، أنت تنفخ في قربة مقطوعة، لن تغير الكون.

    لقد أسمعت لو ناديت حياً     ولكن لا حياة لمن تنادي

    ولو ناراً نفخت بها أضـاءت     ولكن أنت تنفخ في رمادي

    يا شيخ! لا تتعب نفسك، لا تتكلم.

    وهذا إرجاف ويأس قاتل من إمكانية تغيير هذا الوضع؛ حتى أصبحت هذه الكلمات معتقداً لكثير من المهزومين نفسياً في مجتمعات المسلمين (لا فائدة) وقد شخص المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه النفسيات المهزومة تشخيصاً دقيقاً كما في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكَهم، أو فهو أهلكُهم) بالضم والفتح، والضم أشهر كما قال النووي : (فهو أهلكُهم) أي: فهو أشد الناس هلاكاً، أو (فهو أهلكَهم) أي: هو الذي حكم عليهم بالهلاك وليسوا كذلك.

    وقال النووي رحمه الله تعالى: (من قال ذلك على سبيل الازدراء والتحقير للناس مع إعجابه بنفسه فهذا مذموم، أما من قال ذلك لما يرى في نفسه وللمسلمين من تقصير فلا بأس بذلك" هذا تأصيل هام جداً، لا بد أن يفهم من خلاله حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكَهم، أو فهو أهلكُهم) وترى هذه النغمة تتردد على ألسنة غالب المسلمين: أنه لا فائدة، واقبل سياسة الأمر الواقع، إسرائيل حقيقة واقعة ينبغي أن نتعامل معها على أنها أصبحت واقعاً لا مراء فيه، وينطلق المفاوض -زعموا- من هذه الهزيمة النفسية فيأخذ على أم رأسه النعال من أذل وأحقر وأنجس أمم الأرض من إخوان القردة والخنازير.

    الدفاع عن الإسلام كمتهم في قفص الاتهام

    العرض الثالث من أعراض الهزيمة النفسية: الدفاع عن الإسلام كمتهم في قفص اتهام، فالغرب يثيرون ثورات ضارية من آن إلى آخر بل في كل آن على الإسلام، ويثيرون عليه الشبهات والشكوك الكثيرة: الإسلام دين انتشر بحد السيف، الإسلام ظلم المرأة، فالزوج سجان قاهر والبيت سجن مؤبد، والأمومة تكافؤ حيواني، ولماذا تزوج الرسول بتسع؟ ولماذا يتزوج المسلم بأربع؟ ولماذا حرم الإسلام الاختلاط؟ ولماذا حرم الإسلام الخلوة؟ ولماذا فرض الإسلام الحجاب على المرأة؟ شبهات يثيرها الغرب وأعداء الإسلام من آن إلى آخر، فينبري فريق من المسلمين للرد على هذه الشبهات من منطلق: أن الإسلام فعلاً متهم في قصف اتهام، وهو في أمس الحاجة إلى أن ينصب لنفسه محامياً بارعاً ليدافع عنه، فتأتي الردود من هذا الباب هزيلة ضعيفة، لا يرد هذا الذي تولى الرد بعزة واستعلاء وبعقيدة وبثقة الإيمان كلا. ولكنه يرد من باب أن الإسلام متهم وهو في قفص اتهام، وهو يريد أن يفتح له هذا الباب فيتكلم بضعف وبخنوع، والله عز وجل يقول: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [الكهف:29] بمنتهى القوة والعزة والاستعلاء: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] فتأتي الردود هزيلة لا تقوى ولا تصلح أبداً، سألتقط بعض هذه الردود لبعض الأعداء مرة أخرى ليأخذوا منها خيطاً لينسجوا على غراره أو من جنسه كلاماً أخطر وأدهى، فترى واحداً من هؤلاء يقول: لقد قال الشيخ فلان كذا وكذا، وقال الشيخ فلان كذا وكذا، ويخدع البسطاء، وأرى أنه من الجفاء أن أذكر هذا العرض الخطير ولا أذكّر بذاك المظهر المنير، فلا يحلو لي أن أسميه عرضاً ذلكم الموقف الذي يتألق عزة وثقة واستعلاء، إنه موقف ربعي بن عامر كلكم يحفظه ويعرفه، فوالله إننا في أمس الحاجة أن نستمع إليه كل لحظة، وأن نربي أبناءنا عليه، ربعي الذي دخل على رستم بمنتهى العزة والاستعلاء، وكلكم يعرف كيفية دخول ربعي ، أرادوا أن يمنعوه ليدخل على قائد الجيوش الكسراوية الكبير، ليدخل عليه ربعي على قدميه، فأبى إلا أن يدخل على ظهر جواده، دعك من هذا وانظر إلى الحوار والكلمات والاستعلاء والعزة والثقة، وانظر إلى النصر المعنوي النفسي قبل كل ذلك.

    يقول رستم : من أنتم؟ وما الذي جاء بكم؟

    فيرد ربعي : [نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، أرسلنا الله بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا قبلنا منه، ومن أبى وحال بيننا وبين دعوة الناس لدين الله؛ قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله؟].

    قال رستم : وما موعود الله؟

    قال ربعي : الجنة لمن مات شهيداً، والنصر لمن بقي منا على ذلك.

    فقال رستم : لقد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر لتنظروا فيه ولننظر فيه؟

    قال ربعي : لا.

    قال: ولم؟

    قال: لقد سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر الأعلى لنفسك واحدة من ثلاث.

    قال: ما هي؟

    قال ربعي : إما الإسلام، وإما الجزية، وإمام القتال.

    فقال رستم : أسيدهم أنت؟ أنت القائد؟

    قال: لا. ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم.

    انظر إلى الاستعلاء، ثقة العزة التي فقدت الآن، ترى الواحد من هؤلاء في بلاد الكفر يمثل دولة، بل إن شئت فقل: يمثل أمة يتكلم وفي مجلسه تشرب الخمور ويستحي أن يقول: هذا حرام، بل والله لست مبالغاً إن قلت: يستحي ألا يمد يده ليدٍ آثمة تمتد إليه بكأس خمر حتى لا يتهم بأنه رجعي متخلف لا يفهم عن (الإيتيكيت) أي شيء، قمة الهزيمة، يستحي المسلم أن يقول: هذا حلال وهذا حرام، هذا حق وهذا باطل، هذه سنة وهذه بدعة، والسبب أنه مهزوم.

    الخوف والحياء من إظهار الهوية المسلمة

    سبحان الله! يستحي المسلم في بلاد الغرب أن يظهر هويته، وهذا عرض رابع من أخطر الأعراض: الخوف من إظهار الهوية المسلمة، يخشى المسلم أن يظهر هويته، بل يستحي أن يلبس -مثلاً- القميص، يستحي أن يقول لأي موقف أو عن أي موقف يخالف الشريعة، هذا لا يصح عندنا، وهذا حرام في ديننا، يخشى أن يتهم بالتطرف والإرهاب والجمود والرجعية وضيق الفهم وقلة الأفق ..، إلى آخر هذه الدعاوى التي يغني بطلانها عن إبطالها أصلاً لدى كل مسلم يفهم شيئاً من دين الله عزوجل، سبحان الله!!

    أقول لإخواني: حينما نسافر مثلاً إلى بلاد الغرب لماذا لا يصر كل واحد منا أن يظهر بهويته هذه، حتى ولو وضع طاقية على رأسه ليظهر بها أنه مسلم فقط، لاحظ أننا نرى اليهودي بأعيننا هنالك في أمريكا يصر على زيه ويلبس الطاقية السوداء الصغيرة أو القبعة، أو ينزل الضفائر على وجهه التي يسمونها بضفائر موسى، فيظهر هويته باستعلاء، بل يحرص اليهود أن يسكنوا أحياء خاصة بهم، بل ويحرص اليهود على أن يعلموا أبناءهم بالمدارس الخاصة بهم، بل وفي المستشفيات الخاصة بهم، بل وتعجبت حينما علمت أن سيارة الإسعاف التي تنقل المرضى لا يمكن لغير اليهودي أن يركبها أبداً، يعتز بدينه.

    ولقد صدمت صدمة عظيمة، قدر الله أني كنت في أمريكا يوم أن أعلنت النتيجة بفوز نتنياهو ، وصدمنا جميعاً بأول تصريح لهذا الرجل الذي يحترم نفسه وعقيدته ودولته وأمته ودينه، صرح تصريحاً خطيراً جداً، فقال: وأخيراً صوت اليهود للتوراة، أي: أعطى اليهود الصوت والأصوات للتوراة، ليس له كشخص، لا. رجل معتز بعقيدته، يحترم دينه ونفسه، يعمل من أجل هذه العقيدة، ويبذل من أجلها كل شيء، في الوقت الذي تخلى فيها أصحاب الحق عن الحق الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار.

    عرض آخر من أعراض الهزيمة النفسية: أن يخشى المسلم أن يظهر هويته أو يتحدث في بلادنا في بلاد المسلمين يخشى الآن كثيرٌ من الآباء أن يطلق الابن لحيته، أو أن تنتقب البنت، أو أن يذهب الولد إلى الجامعة وفي يده المصحف، أو أن يذهب إلى محاضرة للشيخ أبي إسحاق أو غيره، يخشى الوالد، لماذا؟ يقول: يا بني لا أريد أن تحضر مثل هذه الجلسات أو اللقاءات، ولا أريد لك لحية، ولا ولا ..، يخشى الوالد من أن يظهر الابن هويته الإسلامية، إن أظهرت الفتاة الآن هويتها أشاروا إليها بأصابع الاتهام؛ بالإرهاب، والتطرف، والأصولية، والوصولية، والفضولية ..، إلى آخر هذه التهم المعلبة التي تكال للملتزمين في الليل والنهار.

    السلبية القاتلة في الدعوة إلى الله

    عرض خامس وهو أيضاً من أكبر الأعراض للهزيمة النفسية: ألا وهو السلبية القاتلة في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحمل هم هذا الدين بسلبية قاتلة، فجُلَّ المسلمين الآن لا همَّ لهم إلا أن يعيش لشهواته الحقيرة ونزواته الرخيصة، يبذل كل طاقة من أجل العرش والكرش والفرش، لا يحمل للدين هماً، ينظر إلى المنكر فيهز كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه، ينظر إلى مسلم لا يعرف شيئاً عن دين الله، يراه جاهلاً بالسنة فلا يفكر في أن يعلمه السنة بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الرقراقة الرقيقة، لا يحمل للدين هماً ولا للدعوة هماً في قلبه، فراغه سلبياً، بل ربما يبرر لنفسه سلبيته ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105].

    وقديماً خشي الصديق رضوان الله عليه هذه السلبية القاتلة على أفراد الأمة، فارتقى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم جميعاً بعقاب من عنده -وفي لفظ: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم جميعاً بعقاب من عنده- ثم يدعونه فلا يستجاب لهم) والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وصححه الشيخ الألباني .

    نحن سمعنا: ركبوا سفينة واحدة -أيها الأخيار- إن نجت السفينة نجونا جميعاً، وإن هلكت هلكنا جميعاً، ولو كان على سطحها الصالحون كما في الصحيح من حديث النعمان بن بشير : (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً حتى لا نؤذي من فوقنا، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: لو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعاً، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعاً) فلا تكن سلبياً يا أخي، ابذل المعروف ولو بكلمة، تحرك ليرى الله منك أن قلبك يحترق على أحوال الأمة وعلى أمر هذا الدين، على حال الدعوة، تحرك بكل ما تملك، ابذل أقصى ما في طاقتك ولست مسئولاً عن النتائج: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105] .. فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] .. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] .. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7] المهم أن تعمل.

    ولم أر في عيوب الناس عيبـاً     كنقص القادرين على التمام

    أكبر عيب فيك أنك تستطيع أن تؤدي شيئاً ولكنك لا تريد أن تؤديه، ابذل وتحرك، سبحان الله! لعل الله أن يهدي على يديك بكلمة واحدة رجلاً إن رأى الله وعلم منك الصدق، لعلَّ الله أن يهدي على يد زوجتك التي علمتها امرأةً، المهم أن تبذل، وألا تكن سلبياً، تحرك للدعوة وتحرك للدين، فكر! كيف أخطط لدين الله؟ كيف أعمل لدعوة الله؟ أنت تخطط في الليل والنهار لتزيد الألف ألفاً، ولتحصل على العلاوة والمكافأة، ولتنشط في التجارة والعمل، وهذا خير، لكن كما تفكر للدنيا فكر للدين: (من كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وشتت الله عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن كانت الآخرة همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه أمره، وأتته الدنيا وهي راغمة) والحديث صححه الشيخ الألباني بمجموع الطرق، وحسنه بعض أهل العلم من أهل الحديث.

    فلا تنشغل على أمور الدنيا على طول الخط ولا تكن سلبياً، أريد أن أربي الأولاد، لن أغير الكون، دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله! بل هناك والله من يقول: دع ما لله لقيصر، أمرٌ عجب! يجب عليك أن تدعو إلى الله على قدر استطاعتك، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم، والحديث في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو : (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) بل دعا النبي صلى الله عليه وسلم لكل من حمل عنه بدقة وأمانة، فقال والحديث صحيح: (نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع) ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لك بنضارة الوجه، بل وحملك النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمانة الثقيلة، فقال والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان) لا عذر لك أمام الله، ولا عذر لك إن عجزت أن تغير بيدك فغير بلسانك، وإن كنت قادراً على أن تغير بيدك غير بيدك بالضوابط الشرعية المعلومة، والقول الذي يقول: التغيير باليد للحكام، وباللسان للعلماء، وبالقلب لعوام المسلمين، قول لا دليل عليه، بل يجب عليك إن كنت قادراً على أن تغير منكراً بيدك دون أن يترتب على المنكر ما هو أنكر فغير بيدك، ومن نفيس كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين يقول: لقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإن كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه فهو أمر بمنكر وسعي في معصية الله ورسوله، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى بـمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله عليه مكة وصارت مكة دار إسلام وعزم على هدم البيت ورده على قواعد إبراهيم لم يفعل ذلك مع قدرته على فعل ذلك؛ لأن قريشاً كانت حديثة عهدٍ بكفرٍ وقريبة عهدٍ بالإسلام، هذا هو فقه الإنكار، فقه الموازنة بين المفاسد والمصالح، لا تكن متهوراً أو جباناً، فإذا استشكل عليك الأمر فعد إلى المشايخ والعلماء، ولا تتعجل.

    إذاً: إن عجزت أن تغير بيدك فبلسانك، سيقول العاجز: أنا أغير بلساني؟! لا أجيد الكلمة، لا أستطيع التعبير، وقد يسألني الآن طالب علم فيقول: ما صفة التغيير بالقلب؟ كيف أغير المنكر بقلبي؟

    أقول: لا عذر لك أمام الله عزوجل، فيجب عليك أن تأخذ الأمر بجدية وأن تدع هذه السلبية، وأن تتحرك لتحمل هم دعوة خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم، فإن رأيت منكراً وكنت قادراً على أن تغيره بيدك بالضوابط المعلومة للجميع غيره، وإن عجزت فبلسانك، وأذكر أنني نبهت أحبابي في هذا المسجد المبارك قبل ذلك إلى أن يفرقوا بين مقامين؛ لأن الخلط بينهما يحدث إشكالاً أو إشكالات كثيرة ألا وهما: مقام الدعوة، ومقام الجهاد، لا تخلط بين المقامين؛ مقام الدعوة -أيها الحبيب- هو اللين من حرف الألف إلى حرف الياء، من أول خطوة على طريق الدعوة إلى آخر خطوة إن كنت تدعو كافراً فضلاً عن مسلم عاصٍ، فواجب عليك أن تحقق لهذا المقام ضوابطه وشروطه التي حددها الله جل وعلا ولم يدعها لداعية من الدعاة ليحددها بنفسه، فقال سبحانه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] هذا مقام دعوة، وانظر إلى مقام القتال والجهاد: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73] هذا مقام قتال وجهاد، فلا تخلط بين المقامين؛ لأن هذا مقام قتال وليس مقام دعوة: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طـه:43] وفرعون هو الذي قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] الذي قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] والذي قال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ... [الزخرف:51] إلى آخره.

    فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] هذا مقام الدعوة، لكن عندما يكون المقام مقام جهاد: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ [يونس:88] فلا تخلط بين المقامين، فتحرك، فإن عجزت أن تغير بيدك غيرت بلسانك، فإن عجزت فبقلبك، وللقلب شرطان لتحقق الإنكار به:

    الشرط الأول: أن يرى الله عزوجل منك بغضك وكرهك لهذا المنكر.

    الشرط الثاني: أن تترك المكان الذي يُرتكب فيه المنكر وأنت عاجزٌ عن تغييره بيدك أو بلسانك إن استطعت، والله يا شيخ! التلفاز حرام ومنكر، ويعطونا أفلام وهو جالس طوال الليل أمام التلفاز، لماذا لا تتحرك؟ أنت تقضي الليل كله على مشاهدة هؤلاء الساقطين وتأتي لتقول: هم يعرضون علينا المنكر، غير هذا المنكر بقلبك ليرى الله منك بغضه، احتراق قلبك على هذا المنكر الأليم، على هذه السفالة، ولا تجلس لتدنس نظرك وقلبك، فإن الفتن أول ما تعرض تعرض على القلوب؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً ...) إلى آخر حديث حذيفة ، فاحذر الفتن.

    تريد أن تغير المنكر بقلبك بأن تبغض هذا المنكر، وأن تدع المكان الذي يرتكب فيه المنكر؛ لأنك لست قادراً على أن تغيره أو تبدله، قال الله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام:68].

    1.   

    الأسباب الداخلية للهزيمة النفسية التي أصابت الأمة الإسلامية

    لا أريد أن أطيل في الأعراض، فهي معلومة وكثيرة، لكن سوف ندخل مباشرة إلى أهم الأسباب، فمعرفة السبب نصف الدواء، ولذا سيسهل علينا بعد ذلك أن نحدد الدواء بإيجاز شديدٍ جداً، وبنقاطٍ لا تحتاج إلى شرح أو تفصيل.

    الأسباب التي أدت إلى هذه الحالة من الانهزام النفسي تنقسم إلى قسمين:

    أسباب خارجية، وأسباب داخلية.

    وأستهل الحديث بإيجاز بالأسباب الداخلية؛ لخطرها من وجهة نظري، فأنا أعتقد أن الخطر الحقيقي يكمن في الأسباب الداخلية، قال الله عزوجل: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165].

    وأسباب الهزيمة النفسية الداخلية كثيرة:

    ضعف الإيمان

    أهمها وأولها: ضعف الإيمان عند غالب المسلمين.

    فأخطر سبب داخلي للانهزام النفسي هو ضعف الإيمان عند غالب من الناس، رجل ضعيف في الإيمان، مهزوم من داخله، محال أن ينتصر على نفسه بعدما ضعف إيمانه في قلبه، فالإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وهو يزيد وينقص، ويقوى ويضعف، فاسمع إلى هذا الحديث الجميل الذي رواه أبو نعيم في الحلية والديلمي وصححه الشيخ الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينا القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم، فإذا تجلت عنه أضاء) هل تدبرت معنى هذا الحديث؟

    فالقلب تعتريه من آن لآخر سحب مظلمة من أثر المعاصي والذنوب، فتضعف الإيمان في القلب، فإذا انقشعت تلك السحب بالعودة والإنابة، والعمل الصالح والاجتهاد، والاستغفار والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة والنفقة والصلاة والتسبيح .. إلى آخره إذا انقشعت تلك السحب بهذا العمل الصالح يعود الإيمان مرة أخرى إلى قوته ويزداد، وهذا أصل من أصول أهل السنة: الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والزلات، فأنا أتحداك أن يكون قلبك الآن كحال قلبك وأنت أمام مسلسل أو فيلم من الأفلام الهابطة، أبداً، إيمانك الآن في زيادة، فإذا وجدت نفسك في بيئة المعصية قلَّ إيمانك في قلبك، فالإيمان يزيد وينقص.

    فضعف الإيمان من أخطر أسباب الهزيمة النفسية، إنسان ضعيف الإيمان، مهزوم لا يمكن أن يصمد لأي محنة أو لأي ابتلاء، ربما ترد ابنته المنتقبة العفيفة الشريفة من المدرسة للنقاب والعفة والشرف، فيعنفها ويوبخها، بل وربما يضربها، بل وربما مد يده ليسحب النقاب أو الغطاء عن وجهها، واقع نحياه ونشاهده ونسمعه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، الأصل ضعف الإيمان في القلوب، وإذا أردت أن تقف على خطر حقيقة الإيمان، وما الذي يمكن أن يترتب على رسوخه في القلب من تغيير، إذا أردت ذلك فعد معي بسرعة إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لترى كيف حوّل الإيمان هؤلاء الرعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم.

    ماذا كنت تعرف عن أبي ذر ؟ ماذا كنت تعرف عن بلال وعمر وخالد وابن مسعود وصهيب الرومي ؟ ما الذي رفع قدر هؤلاء؟ إيمانهم برب الأرض والسماء، إنه الإيمان الذي صنع الأعاجيب، الإيمان الذي انطلق به هؤلاء الحفاة العراة الجياع على أعظم إمبراطوريات الأرض في فارس والروم فحولوها إلى كثيب مهيل، وأقاموا للإيمان دولة، فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، إنه الإيمان الذي جعل هذا الرجل البدوي يترس على حبيبه النبي صلى الله عليه وسلم ليجعل من ظهره حائط صدٍ منيع لتتحطم عليه السيوف والسهام والنبال والرماح، إنه الإيمان الذي جعل هذا البدوي العربي يحتضن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد ويدافع عنه وهو يقول: نحري دون نحرك يا رسول الله، إنه الإيمان، الإيمان يفعل الأعاجيب.

    ترك الجهاد في سبيل الله

    ثانياً: ترك الجهاد في سبيل الله، وأنا أعلم أن الحديث عن الجهاد تهمة يؤخذ صاحبها بالنواصي والأقدام، لكنه حق فترك الجهاد في سبيل الله من أخطر أسباب الذل والهوان والضعف والعار الذي شربته الأمة ألواناً وأشكالاً، هذا قول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، والحديث رواه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده من حديث ابن عمر وصححه الشيخ الألباني ومن أهل العلم من حسنه ومنهم من ضعفه، من باب الأمانة العلمية أقول، ولم أقف على الراجح من أقوالهم بعد، والشيخ أبو إسحاق يصححه جزاه الله خيراً: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله -ما النتيجة؟- سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) والله إنه الذل.

    يا إخوة: أعتقد أنه لا يوجد الآن مسلم على ظهر الأرض عنده مسحة من عقل وبصيص من نور إلا وقد علم يقيناً أن جميع المحافل الدولية كمجلس الأمن وهيئة الأمم وحلف الأطلسي .. إلى آخر هذه المحافل لن تعيد لهذه الأمة المكلومة جراحها ولا دماءها وأرضها ومقدساتها، لن يعيد للأمة الجراح والأرض والمقدسات والعرض والشرف إلا إذا عادت الأمة من جديد إلى ربها وسنة نبيها، ورفعت لواء ذروة سنام هذا الدين.

    بكل أسف! إذا تحدث الآن أحد عن الجهاد اتهم أنه يدعو للإرهاب والتطرف؛ لأن الإعلام لا بارك الله في القائمين عليه شوهوا صورة الجهاد المشرقة، ولذلك قامت قيامة الإعلام ولم تقعد لما نادى شيخ الأزهر في خبر بسيط جداً في زاوية من زوايا جريدة من الجرائد لما نادى بالجهاد في سبيل الله، وقال: إنه السبيل الوحيد الذي سنقاتل به اليهود.

    سبب من أسباب الذل والهزيمة ترك الجهاد، أمة اثاقلت إلى الوحل والطين، وأنا ذكرت قبل ذلك على هذا المنبر في خطبة على البوسنة حينما قلت: إننا نرى الأمة الآن قد ضنت بالدعاء فهل ستجود بالأموال والدماء؟! اسأل نفسك! هل تدعو الله عزوجل لنصرة الدين في كل سجدة؟ هل تدعو الله عزوجل لإخوانك المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها في كل سجدة؟ سل نفسك! أنا أثق أننا لو قدمنا استمارة استبيان الآن وحددنا فيها هذا السؤال لوجدنا النتيجة مؤلمة، هذا في وسط الملتزمين فما ظنك بوسط الغافلين ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    يقول لي مدير مدرسة، مسؤل عن تربية نشء، يقول لي بعد مؤتمر صانعي السلام: أظن أنه الآن أيها الشيخ لا تستطيع أن تتكلم عن اليهود وعن غير اليهود، فهم أبناء عمومتنا وهم إخواننا، وينبغي أن نمد إليهم يد الصداقة، وقد قال فلان وفلان كذا وكذا. يعني: عقيدة الولاء والبراء قد مسخت الآن من القلوب، أنا أقول لك: هذا مدير في مدرسة ولاّه الله عز وجل تربية نشء، لا يعرف شيئاً عن عقيدة الولاء والبراء، ورحم الله من قال:

    لو صدقت الله فيما زعمته     لعاديت من بالله ويحك يكفر

    وواليت أهل الحق سراً وجهـرة     ولما تعاديهم وللكفر تنصر

    فما كل من قد قال ما قلت مسلم     ولكن بأشراط هناك ستذكر

    مباينة الكفار في كل موطـن     بذا جاءنا النص الصحيح المقرر

    وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم     وتدعوهم سراً لذاك وتجهر

    هذا هو الدين الحنيفي والهدى     وملة إبراهيم لو كنت تشعر

    ويقول آخر:

    أتحب أعداء الحديث وتدعـي     حباً له ما ذاك بالإمكان

    وكذا تعادي زاهداً أحبابه     أين المحبة يا أخا الشيطان

    إن المحبة أن توافق من تحب     على محبته بلا نقصان

    فإن ادعيت له المحبة مع خـلا     فك ما يحب فأنت ذو بهتان

    نسخت ومسخت عقيدة الولاء والبراء، غابت مع غياب العقيدة بمفهومها الشامل الكامل.

    فمن أخطر الأسباب ترك الجهاد، نسأل الله أن يرفع علم الجهاد، وأن يقطع سبيل أهل الزيغ والفساد، وأن يشرفنا وإياكم بالجهاد في سبيله.

    عدم معرفة المسلمين بطبيعة الطريق

    ثالثاً: عدم معرفة غالب المسلمين بطبيعة الطريق، وهذا سبب خطير جداً -أيها الإخوة- من أسباب الهزيمة النفسية التي تصاب بها الأمة الآن.

    كثير من المسلمين إذا التزم أو سلك طريق الالتزام يجهل طبيعة الطريق، فإذا تعرض لمحنة قليلة ووقف عند كمين من الكمائن الأمنية: أين البطاقة؟ تعال تشرف معنا قليل فقط، نتحقق يخرج ليحلق لحيته، لماذا؟ لأنه مهزوم، هزم مع أول محنة، وهزم مع أول محك عملي على طريق الفتنة والابتلاء؛ لأنه يجهل طبيعة الطريق، يعتقد أن طريق الالتزام مفروش بالزهور والورود والرياحين، ونسي أن الطريق مفروش بالدماء والأشلاء، يعوي في جنباته الذئاب، يحمل العقيدة ويظن أنها صفقة إن ربحت فهو معها ومع أهلها، وإن خسرت يقول: ليس لنا دخل بهذه الموضوعات وهذه المواويل: (خليك في حالك وربي العيال، وابسط وفرفش وما لكش دخل) لا دخل لنا بهذا، اجلس ليلة أمام التلفاز وكل واشرب وتمتع.

    وقد بين الله في قرآنه طبيعة هذا الفريق، فقال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11] اللهم سلم، سلم يا رب العالمين.

    مع أول احتكاك عملي على الطريق ينـزلق؛ لأنه جهل طبيعة الطريق، ولا بد -يا إخوة- من هذه الابتلاءات والمحن والفتن؛ للتمحيص والتمييز، ليخرج من الصف من حمل اللواء والعقيدة وراية الدعوة ليتاجر بها، وليثبت على الصف من هو أهل بالتشريف والتكريم للسير على درب الأنبياء: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3].

    عدم معرفة المسلمين بقدراتهم وإمكانياتهم

    السبب الرابع بإيجاز: عدم معرفة غالب المسلمين بقدراتهم وطاقاتهم وإمكانياتهم.

    وهذا سبب خطير جداً قد لا يفطن إليه كثير من أحبابنا.

    المسلمون دائماً يقللون من قدراتهم وطاقاتهم وإمكانياتهم، مع أن الله قد حبا المسلمين طاقات هائلة جبارة، وأنتم يا إخوة قد لا تعرفون طبيعة هذه البيئة التي يعيش فيها المسلمون إلا إذا سافرتم إلى بلاد الغرب، يعني: أخفف عليكم حدة المنهجية في المحاضرة قليلاً، دعينا مرة لمؤتمر في طورنتو في كندا وبعدها عاملين فيها، يعني مشايخ، وجاء وقت الفجر وذهبنا نصلي في المركز الإسلامي بدون سيارة، قلنا: نتمشى، والله يا إخوة ما إن خطونا خطوة واحدة وتعدينا الثانية إلا كل أخ من المشايخ الذين معنا من السعودية كل واحد أمسك أنفه يظن أنها وقعت، يبحث عن أنفه هل هي موجودة أم قد وقعت، وبعدها دخلنا قلنا: ما الحكاية؟ رجل في فندق عمره خمسين سنة، ونحن نمشي بدون سيارة، ودرجة الحرارة اثنين وثلاثين تحت الصفر، سبحان الله!

    فسبحان الله ربنا الذي منَّ على الأمة بأرض مناخها عجيب، ثروات وكنوز بباطن الأرض، وأعظم كنـز العنصر البشري بدين الله، وأعظم كنـز العنصر البشري في الأمة إن اعتز بدين الله، فلا عزة للبشرية إلا بالإسلام، وتعجبني كلمة سيد قطب رحمه الله وغفر له، ومنهجنا كما اتفقنا أننا نقبل الحق على لسان أي أحد ونرد الباطل على لسان أي أحد، من كلماته الرقراقة يقول: إن الحياة البشرية من خلق الله، ولن تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولن تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يقدم لها من يد الله: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طـه:123-124] وأنتم تعلمون أن في الأمة سلاح واحد فقط وهو سلاح البترول استخدمته استخداماً دقيقاً أو صحيحاً للحظات في حرب العاشر من رمضان فتغيرت كل الموازين، سبحان الله! أموال المسلمين هي التي تدير دفة السياسة في بنوك الشرق والغرب، أموالنا نحن المسلمين أموال طائلة، عقول المسلمين هي التي تخطط هنالك وتبني ممررات على جسر مذهل في بركلل في نيويورك يذهل العقول، وكانت المفاجئة أن استوقفني الإخوة بعد ما مررنا وقالوا: انتظر، وقرءوا لي اللافتة على هذا الجسر ليكاد عقلي ساعتها أن يطيش حينما أعلم أن الذي صمم ونفذ هذا الجسر مهندس مسلم من باكستان ، عقولنا ضيق عليها هنا وأغلق في وجهها كل باب أو منفذ للإبداع، أو للعطاء، أو للتفكير، والابتكار، فهربت واستقبلت استقبالاً يليق بهذه العقول، وأغرقت هذه العقول بملايين الدولارات للبذل والبحث العلمي، فأعطت وأبدعت وأنتجت، فهذه بضاعتنا، والله لا نقول ذلك من باب التمسك بأذيال الماضي بل هذا واقع نحياه، لا نريد أن ندندن دائماً على أن هذه حضارتنا من بلاد الأندلس وطليطلة وقرطبة ، بل هذا الواقع نحياه الآن أن العقول التي تبدع وتفكر في الغالب هي عقولنا، هي عقول أبناء هذه الأمة، فلا ينبغي أن نقلل من قدراتنا وطاقاتنا وإمكانياتنا، فأنت تستطيع أن تفعل شيئاً كبيراً وعظيماً.

    النظرة الضيقة للزمان والمكان

    وأختم الأسباب الداخلية بهذا السبب ألا وهو: النظرة الضيقة للزمان والمكان.

    سبب خطير من أسباب الهزيمة النفسية بمعنى: ترى الشاب من أبنائنا الآن وإخواننا ينظر نظرة ضيقة جداً للمكان الذي يعيش فيه، جاءني شاب في الصيف الماضي وقال: يا شيخ! الدعوة في بلادنا ماتت، والمتبرجات كثرن، والملتزمين قلوا، وليس عندنا كتب، وتقريباً بعد خمس أو ست سنين لن يبقى عندنا ولا حافظ للقرآن، والإسلام ضاع، والدنيا ضاقت، نظرة ضيقة جداً، فيحطم اليأس قلبه، مع أنه لو نظر للمكان نظرة أوسع لعلم أن الأرض ما خلت ولن تخلو من أبناء الطائفة المنصورة التي لا يخلو منها زمان أو مكان، وليس هناك داعي للنظرة الضيقة هذه؛ حتى لا يحطم اليأس قلبك، كذلك النظرة الضيقة للزمان .. للتاريخ .. للأمة .. الآن ستضرب بالنعال، والأمة ذلت، والشريعة ضاعت، والإسلام ذهب، وعليه العوض، وليس هناك إسلام، نظرة ضيقة لهذا الواقع الذي نعيش فيه، فيحطم اليأس قلوبنا لما تحياه الأمة الآن من واقع مر أليم، مع أنك لو نظرت إلى التاريخ ونظرت نظرة أوسع إلى الزمان؛ لعلمت أن الأمة قد مرت بمراحل أصعب، ومع ذلك غير الله الواقع وبدل الله الحال.

    انظر يا أخي! ابتداء من فتنة الردة غير الله الواقع وبدل الله الحال، ثم ابتليت الأمة بالهجمات التترية الطاحنة، وظل التتار يذبحون المسلمين في بلاد العراق أربعين يوماً، وستعجب إذا قلت لك: بأن صلاة الجماعة تعطلت من مساجد الجامعة في بغداد أربعين يوماً لا يصلي في المسجد مسلمٌ واحد، أصيب المسلمون بهزيمة نفسية، وحالة من الذعر مرعبة، اقرأ التاريخ اقرأ البداية والنهاية لـابن كثير ، اقرأ الكامل لـابن الأثير ، اقرأ تاريخ الطبري ، سترى عجباً عجاباً، يكاد عقلك أن يقف وأنت تتابع الكلمات في الصفحات، أربعين يوماً لا تصلى صلاة الجماعات خوفاً من هجمات التتار الذين يذبحون المسلمين في الليل والنهار، ومع ذلك قيض الله عزوجل للإسلام والمسلمين من هزم التتار شر هزيمة، وغير الله الحال.

    القرامطة المجرمون انقضوا على المسلمين في بيت الله الحرام فذبحوهم ذبح الخراف، بل واقتلعوا الحجر الأسود من الكعبة، وصرخ رئيسهم أبو طاهر القرمطي عليه من الله ما يستحقه والحجر بين يديه وهو يقول: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ وظل الحجر بعيداً عن الكعبة (22 سنة) وغير الله الحال وعاد الحجر إلى بيت الله الكبير المتعال، وطاف المسلمون ببيت الله.

    الصليبيون أغلقوا بيت المقدس وعلقوا الصلبان على كل جدار من جدرانه، ومنع الصليبيون المسلمين من الصلاة في بيت المقدس (91 سنة) لم يصل مسلم في بيت المقدس، وغير الله الحال، وتغير الواقع، ونحن على يقين مطلق كما أننا نراكم الآن بعيوننا أن الله عز وجل سيغير الحال، وعد الله ووعد الصادق رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه.

    إذا عرف التاريخ أوساً وخزرجاً     فلله أوس قادمون وخزرج

    وإن كنوز الغيب تخفي طلائعاً     حرة رغم المكائد تخرج

    1.   

    علاج الهزيمة النفسية التي أصابت الأمة

    العلاج لهذا المرض العضال، وأول جرعة معرفة الداء، لا ينبغي أن نرفع رءوسنا وأن نشمخ بأنوفنا لننكر أن الأمة قد هزمت، بل إن الاعتراف بالواقع وتشخيص الداء نصف الدواء.

    ثانياً: العودة الجادة إلى كتاب الله والسنة الصحيحة لرسول الله، وتربية أبناء الأمة على العقيدة بشمولها وكمالها. يعني: كفاية هذا العنصر لو تحول إلى واقع يكفي.

    فالحرب الآن -يا إخوة- حرب اعتقاد، أقول دائماً: ليس الصراع بيننا وبين اليهود صراع حدود لكنه صراع عقيدةٍ ووجود، الحرب في إسرائيل حرب عقدية، الحرب في البوسنة حرب عقدية، الحرب في الشيشان حرب عقدية، الحرب في الفلبين حرب عقدية، الحرب في طاجكستان حرب عقدية، الحرب في مورو حرب عقدية، هي العقيدة، هي الأصل، تربية أبناء الأمة على العقيدة الصحيحة بشمولها وكمالها، وإحياء روح الجهاد.

    يا أخي! أخرج من بيتك ولداً لله ربه على الجهاد، اغرس في نفسه وقلبه روح الجهاد، أخبره بسير المجاهدين والأبطال الفاتحين، ربِ ولدك على هذه السيرة بعزة واستعلاء، ربه على التخلص من الوهن الذي حذر منه الأمة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأخيراً: الثقة في الله عزوجل، وفي أن الله ناصر دينه، مهما علا الباطل وانتفخ وكأنه غالب وانزوى الحق وضعف كأنه مغلوب فإن الجولة في النهاية للحق، وعد الله عزوجل، قال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173] وقال تعالى: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36]، وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55] .. وقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33] .. وقال تعالى: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47].

    ولا أريد أن أطيل بذكر بعض الأحاديث، ففي هذا كفاية، والله أسأل أن يجعلنا وإياكم جميعاً ممن يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ.

    وسامحوني على هذه الإطالة الطويلة، وأرى أني لست أهلاً للإجابة بين يدي الشيخ فأدع الإجابة له إن شاء الله تعالى إن رغب الآن وإلا ففي محاضرة له مقبلة، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.