إسلام ويب

قل آمنت بالله ثم استقمللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، فهو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان .. هذه هي حقيقة الإيمان، والاستقامة عليه .. كان هذا محور حديث الشيخ؛ مبيناً حقيقة الإيمان والاستقامة، وموضحاً أثر الفكر الإرجائي على الأمة.

    1.   

    الإيمان بالله والاستقامة على شرعه

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم جل وعلا الذي جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أحبتي في الله: وصية غالية أذكر بها نفسي وأحبابي وإخواني، ولم لا وهي وصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال الله في حقه: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    الوصية رواها مسلم في صحيحه من حديث أبي عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك -وفي لفظ لـأحمد والترمذي -: لا أسأل عنه أحداً بعدك) فلخص له النبي -أيها الأخيار- طريق السعادة وطريق النجاة في الدنيا والآخرة في كلمتين اثنتين، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (قل آمنت بالله ثم استقم).

    كلمتان اثنتان: إيمان بالله جل وعلا، واستقامة على هذا الدرب الكريم الطاهر المنير، هذا هو طريق النجاة، هذا هو طريق الفوز في الدنيا والآخرة، وفي رواية أحمد قال سفيان : (قلت: يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به، فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: قل ربي الله ثم استقم. فقال سفيان : فما أخوف ما تخاف عليَّ يا رسول الله؟ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانه ثم قال: هذا).

    1.   

    أثر الفكر الإرجائي على الأمة

    أيها الحبيب الكريم: والله ما دمر الأمة إلا فكر إرجائي نخر في جسدها نخراً، لقد ذلت الأمة الآن لمن كتب الله عليهم الذلة من إخوان القردة والخنازير، يوم أن انحرفت الأمة عن حقيقة الإيمان، ويوم أن غاب عن الأمة المفهوم الحقيقي لمعنى الإيمان، فانطلق كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام يرددون بألسنتهم كلمة التوحيد والإيمان، من غير أن يقفوا لها على معنى أو على مقتضى، ومن غير أن يحولوا مقتضيات هذه الكلمة العظيمة في حياتهم إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة.

    أيها الأحبة: ما أيسر التنظير! بل إن رفوف المكتبات تئن بالمراجع والمجلدات، وما وجدنا هذا الكم الهائل من المطبوعات بين سلف الأمة الصالح، ولكن البون الشاسع والفارق الكبير بيننا وبين هذه القمم الشماء والمثل العليا، أنهم كانوا إذا سمعوا عن الله أمراً، وإذا وقفوا لله على نهي، وإذا عرفوا لله حداً؛ امتثلوا الأمر واجتنبوا النهي ووقفوا عند حدود الله، وحولوا هذا المنهج النظري في جانب الإيمان إلى تصديق وإلى منهج عملي في واقع هذه الحياة؛ فسادوا الدنيا شرقاً وغرباً، وحولهم هذا المنهج المنير -يوم أن حولوه في حياتهم إلى واقع عملي- حولهم من رعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم، واستطاعوا في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق أن يقيموا للإسلام دولة عظيمة من فتات متناثر، فإذا هي دولة وبناء شامخ لا يطاوله بناء.

    ويوم أن امتد الفكر الإرجائي إلى الأمة ونخر جسدها نخراً، وانطلق كثير من الناس يردد كلمة الإيمان والتوحيد من غير أن يصدقها قلبه، ومن غير أن يحولها في حياته إلى واقع عملي وإلى منهج حياة، فهو يقف عند قول الله تعالى في أمر فيمتثل، ويقف عند قول الله تعالى في قول آخر فلا يمتثل، يقرأ قول الله في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] فيمتثل أمر الله في هذا الجانب، وفي السورة ذاتها يقف عند أمر الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178] فيقول: هذا الأمر لا يليق ولا يتفق مع مدنية هذا القرن .. يقرأ قول الله تعالى في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6] فيمتثل، وفي السورة ذاتها: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] الظَّالِمُونَ [المائدة:45] فلا يمتثل.

    ومنهم من ردد بلسانه كلمة الإيمان وقد ضيع الصلاة، وامتنع عن الزكاة، وفعل الزنا، وشرب الخمر، وحرص على ذلك، والطامة الكبرى أنه بمجرد أن ردد لا إله إلا الله يعتقد أنه قد حصّل صكاً من صكوك الغفران، بدخول الجنان، والنجاة من النيران.

    1.   

    حقيقة الإيمان

    أيها الحبيب الكريم: اعلم أن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، قال الحبيب المصطفى كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) وقال الحسن : [ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل] فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه، فكلمة الإيمان حقيقة كبيرة ذات تكاليف، كلمة الإيمان أمانة عظيمة ذات أعباء.

    فلا بد أن نعلم أن للإيمان أركاناً، لابد أن يحولها المؤمن في حياته إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة، كما بينها لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) فأين حقيقة هذا الإيمان في قلوبنا وفي واقعنا الآن؟

    من صور الشرك في توحيد الربوبية

    إن من الأمة الآن من يقول: ربي الله، ومع ذلك فهو يشك في أن الرزاق هو الله .. من الأمة الآن من أشرك في توحيد الربوبية، وأما أن تقر لله بالأمر والخلق والرزق والتصريف والتدبير، فهذا الجانب قد أقر به المشرك الأول في الجزيرة ، إن سألته عن خالقه ورازقه: لمن تلجأ إذا وقع بك الضر في البحر؟ يقول: لله، ومن أبناء الأمة الآن يا إخوة -ولست مبالغاً- من أشرك حتى في هذا الجانب، في جانب توحيد الربوبية.

    ولقد سمعنا بآذاننا رئيس دولة خرجت من بين برك الدماء والأشلاء يقول إنه ممن يعتقد أن للكون أقطاباً وأوتاداً وأبدالاً تدبر نظامه وتسير شئونه!! وسمعنا بآذاننا على شاشة التلفاز المصري من يقول: إننا الليلة نحتفل بمولد سيدي السيد البدوي المهاب، الذي إن دعي في البر والبحر أجاب!! وسمعنا من يقول الآن في الشهرين الماضيين فقط: إن القرآن منتج ثقافي!! وقرأنا لعميد الأدب العربي -زعموا- وهو يقول: ارفعوا القداسة عن القرآن، وضعوا القرآن بين أيديكم كأي كتاب من الكتب يستحق النقد ويستحق الثناء!! وسمعنا من هذه الأمة من يقول:

    هبوا لي ديناً يجعل العرب أمـة     وسيروا بجثماني على دين برهم

    سلام على كفر يوحد بيننا     وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم

    إن الإيمان ليس كلمة فقط، الإيمان كلمة وتصديق وعمل وواقع، لابد أن نحول أركان الإيمان في حياتنا إلى منهج حياة، إلى واقع عملي، وقد حفظنا قديماً: لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، فإذا استقرت حقيقة الإيمان في القلب فلابد وحتماً أن تنعكس على هذه الجوارح، فتسمع الأمر لله، والنهي لله، وتقف عند حد الله، وشعارك السمع بلا تردد، والطاعة بلا انحراف، قال تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور:51-52].

    الإيمان قول وتصديق وعمل، ووالله لو علمت قريش أن كلمة الإيمان ما هي إلا مجرد كلمة سترددها الألسنة، دون أن تتحول في حياتها إلى واقع ضخم كبير؛ لرددتها مراراً وتكراراً، وما دخلت هذا الصراع الرهيب مع ابنها البار الذي خلعت عليه بالإجماع لقب الصادق الأمين قبل أن يبعث نبياً من رب العالمين.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمه وهو على فراش الموت: (يا عم! قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله يوم القيامة. فيقول طاغوتان كبيران إلى جوار رأس أبي طالب : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟)وكأنه لو قال كلمة الإيمان سيرغب عن ملة عبد المطلب ، إنهم يعلمون أن هذه الكلمة لابد أن تخلعه من الشرك خلعاً، لابد إن قالها أن يخلع رداء الكفر كله، ورداء الشرك كله على أول عتبة للإيمان بالله جل وعلا، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (قل. وهما يقولان: أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فالتفت إليهما وقال: بل على ملة عبد المطلب ، فخرج المصطفى وهو يقول: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. فنـزل قول الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113]).

    فيا أيها الأحبة الكرام: من الناس الآن من يردد كلمة الإيمان وهو لا يعرف لها معنى، ومن الناس من يرددها وهو لا يقف لها على مقتضى، ومن الناس من يرددها وقد قسم حياته إلى قسمين: قسم في جانب العبادات، فهو يمتثل أمر الله وأمر هذه الكلمة في هذا الجانب التعبدي، والجانب الآخر في المعاملات والسلوك والأخلاق، لا ترى لهذه الكلمة واقعاً في هذا الجانب على الإطلاق، فلابد أن نعي حقيقة الإيمان.

    أركان الإيمان ومعانيها

    (قل: آمنت بالله) أن تؤمن بالله رباً، أن تؤمن بالله إلهاً معبوداً، لا يستحق العبادة سواه، أن تؤمن بأسماء جلاله وصفات كماله، وما أحوجنا إلى أن نتعبد لله بالأسماء والصفات من جديد! فليست العبرة أن يردد كل مسلم منا الأسماء الثابتة، بل إن العبرة أن يحول المسلم مقتضى هذا الاسم في حياته إلى واقع .. أن يعيش معنى الرزاق، معنى الرحمن، معنى القوي، معنى القيوم، معنى المقيت، نقف على هذه المعاني.

    والله -يا إخوة- ما عرفت معنى المقيت إلا منذ أيام قليلة، وقفت عند هذا الاسم، وقرأت أقوال السلف ورجعت الأصول اللغوية التي يرد إليها حقيقة هذا الاسم، ومن أعجب ما علمت عن اسم المقيت: أن من أجمل معانيه أن كل عضو من أعضاء هذا البدن -فضلاً عن الكون- له قوت، مادة (قوت) القاف والواو والتاء، فإنه تخلف عنه هذا القوت توقفت حياته .. كل عضو فيك له قوت، إن امتنع هذا القوت عن هذا العضو تعطل، فعينك لها قوت لتعمل طوال العمر، وقلبك ومخك، وهكذا.

    يقول أحد العلماء المعاصرين: لو أردنا أن نصنع مصنعاً يقوم بما يقوم به المخ من وظائف وأعمال؛ لاحتجنا إلى مساحة الكرة الأرضية ثلاث مرات!! ليقف الإنسان مع هذه المعاني؛ ليتعرف بعدها على عظمة الله وعلى جلاله، فهو الذي يعطي الكون كله ما يحتاجه ليظل يعمل لهذا الإنسان المتمرد على الرحمن جل وعلا.

    أن تؤمن بالله رباً إلهاً معبوداً لا يستحق العبادة سواه، أن تؤمن بأسماء جلاله وصفات كماله التي أثبتها لذاته في قرآنه، وأثبتها له المصطفى صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف لا للفظها ولا لمعناها، ومن غير تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلست أعلم بالله من الله، ولست أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأن تؤمن بالملائكة، وأن تعتقد أن لله ملائكة معك: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:11-12] لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11] وأن للجبال ملائكة، وللعرش ملائكة، وللسحاب ملائكة، وللقطر ملائكة، وللأرزاق ملائكة، فإذا ما آمن الإنسان بهذه الحقيقة استحى، وراقب هذا الملك الذي يراقبه وينتظر قولة أو فعلة ليسطرها عليه في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى.

    وأن تؤمن بالكتب التي نزلها الله على أنبيائه ورسله، وأن تؤمن بالرسل: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة:285] وأن تؤمن باليوم الآخر -وما أحوجنا لتكرار الحديث الآن عن اليوم الآخر؛ لأننا نعيش زماناً طغت فيه الماديات، وانصرف كثير من الناس عن التفكر في اليوم الآخر، وعن لقاء رب الأرض والسماوات جل وعلا، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره.

    1.   

    حقيقة الاستقامة على دين الله

    لابد أن نحول هذه الأركان -أركان الإيمان- في حياتنا إلى واقع، فإن منَّ الله عز وجل بهذا الفكر، وردد لسانك وصدق قلبك، وترجمت جوارحك وأعمالك؛ فاستقم على هذا الدرب، واستقم على هذا الخير، وعلى هذه الطاعة، وعلى هذا النور.

    أبشرك بقول الحافظ ابن رجب الحنبلي طيب الله ثراه، حينما قال: وأصل الاستقامة أن يستقيم القلب على التوحيد، فإن استقام القلب على التوحيد؛ استقامت الجوارح كلها على طاعة العزيز الحميد.

    إن القلب هو الأصل، وبكل أسف يفرط كثير منا ومن طلاب العلم في التنقيب عن أحوال قلبه، فربما يغتر الطالب بتحصيله، ربما يغتر بمراجعه التي بين يديه في الليل والنهار، ولا يشعر بقسوة قلبه، أو مرضه أو غفلته، فكم من الناس مرضت قلوبهم في صدورهم وهم لا يشعرون! بل وكم من الناس ماتت قلوبهم في صدورهم وهم لا يشعرون! قال ابن السماك : كم من مذكر بالله وهو ناسٍ له! وكم من مخوف من الله وهو جريء عليه، وكم من مقرب إلى الله وهو بعيد عنه، وكم من تالٍ لكتاب الله وهو منسلخ عن آياته! نسأل الله السلامة والعافية.

    يقول أبو هريرة : [القلب هو الملك، والأعضاء جنوده ورعاياه، فإن طاب الملك طابت الجنود والرعايا، وإن خبث الملك خبثت الجنود والرعايا] وجاء من حديث النعمان في الصحيحين ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب) فإن الفتن أول ما تعرض -كما ذكرت- تعرض على القلب، فإن تشرب القلب الفتنة -والعياذ بالله- ثم تشرب الفتنة تلو الفتنة علا الران القلب، فحجب صاحب هذا القلب عن الله تعالى، قال سبحانه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:14-15] وقال صلى الله عليه وسلم: (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض كالصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض) أسأل الله جل وعلا أن يجعل قلوبنا من هذا النوع الكريم.

    فأصل الاستقامة أن يستقيم قلبك على التوحيد، فإن استقام القلب على التوحيد نجوت، يقول ابن القيم طيب الله ثراه: التوحيد هو الإكسير الأعظم، الذي لو وضعت منه ذرة على جبال من الذنوب لأذابتها.

    لكن بشرط أن تحقق التوحيد، وأن تجرده وتخلصه، ثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) وثبت في الصحيحين من حديث عبادة وفي رواية عتبان : (من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله دخل الجنة) وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة الطويل وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع نعليه لـأبي هريرة وقال: اذهب بنعليَّ هاتين، فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة) فلابد من اليقين، وأن تجرد وتحقق وتخلص التوحيد لله جل وعلا.

    هذا التوحيد إن زلت قدمك، وجذبت أشواك المعاصي ثيابك، فتبت وأنبت إلى الله سبحانه، وقابلت الله جل وعلا بهذا التوحيد الخالص، فهذا التوحيد يبدد ضباب الذنوب وغيومها، كما في حديث البطاقة الذي صححه شيخنا الألباني وهو حديث صحيح، يقول ابن القيم : السر الذي من أجله ثقلت بطاقة التوحيد، وطاشت السجلات في الكفة الأخرى، هو تجريد التوحيد لله جل وعلا. وثبت في صحيح مسلم من حديث أنس ، وفي سنن الترمذي واللفظ للترمذي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).

    إنه التوحيد الخالص لله جل وعلا، لا تستهن بحقيقة التوحيد ولا بقدره، فلقد ظل النبي يعلم أصحابه التوحيد في مكة ثلاثة عشر عاماً، ولا تظنوا -أحبتي- أن النبي يوم أن انتقل إلى المدينة قد انتقل من التوحيد ليعلم الصحابة غير التوحيد، كلا! فإن التوحيد لا ينتقل منه إلى غيره بل ينتقل معه إلى غيره، وفي كل مرحلة من مراحل تأسيس النبي لدولة الإسلام ما أضاع التوحيد، ولا غيّب منهج التوحيد أبداً، لأننا نسمع الآن نغمة خبيثة تقول: ما الداعي لأن تدندنوا حول التوحيد، وأن تكثروا الكلام عن التوحيد، فإن النبي بدأ بالتوحيد لأنه بدأ في أمة مشركة، أما الآن فالأمة -ولله الحمد- أمة موحدة. قلت: سبحان الله! أين القائل لهذا من واقع مر أليم تحياه الأمة، ففي كل عام يحج الملايين من أبناء الأمة إلى كثير من القبور هنا وهناك؟! أين التوحيد الذي يقال بأن الأمة قد دخلت قصره لا من أبوابه بل من نوافذه؟! فالتوحيد لا ينتقل منه إلى غيره، بل ينتقل معه إلى غيره.

    أيها الحبيب: استقم على هذا الدرب: (قل آمنت بالله ثم استقم) قرأ عمر بن الخطاب قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] قرأها يوماً على المنبر فقال: [ثم استقاموا فلم يروغوا روغان الثعالب] عرفت فالزم، ذقت الحلاوة، ذقت طعم الإيمان؛ لأن للإيمان طعماً كما في صحيح مسلم ، قال المصطفى: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً) هذا هو الذي ذاق طعم الإيمان، فإن ذقت طعم الإيمان فاستقم، لا ترغ روغان الثعالب -عافاني الله وإياك- استقم على هذا الدرب، على درب الإيمان، على طريق التوحيد، على طريق سنة النبي محمد، بفهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، فهم أفهم الناس لكتاب الله، وأعلم الناس بأسباب نزول الآيات على قلب رسول الله، فالزم هذا الدرب وسر عليه تفلح وتسعد في الدنيا والآخرة.

    1.   

    أقوال العلماء في وقت تنزل الملائكة على أهل الاستقامة

    أيها الأحبة! يقول الله: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] هذا فضل الاستقامة على الإيمان: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30] وفي وقت تنزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة قولان:

    الأول: قاله مجاهد والسدي وزيد بن أسلم، قالوا: تتنـزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة وهم على فراش الموت، إذا نزل بهم الخطب الأفضع، والأمر الأشنع، وسكرات الموت، التي لا يستطيع أي بليغ أو فصيح مهما أوتي من بلاغة وبيان أن يعبر عنها على الإطلاق؛ لأن هذا مما لا يدرك إلا إذا واقعه وعاينه الإنسان بنفسه.

    لقد خشيت عائشة على رسول الله حينما نزلت به سكرات الموت، وقالت: إنها لا تنكر بعد ذلك شدة الموت على أحد بعد ما رأت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. كان المصطفى لما نزلت به السكرات يضع يده في ركوة بها ماء، ويمسح العرق عن جبينه الأزهر الأنور ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات) والحديث في صحيح البخاري ، وفي لفظ لـأحمد : (كان المصطفى يقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، اللهم هون عليَّ سكرات الموت) إنه خطبٌ فضيع، وفي هذه اللحظات -أيها الأخيار- يأتي الشيطان ليجتال وليصرف الإنسان عن حقيقة الإيمان، كما ثبت مع الإمام أحمد وقرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى وقال: منهم -أي: من الناس- من تحضره الملائكة لتقول له ذلك، ومنهم من لا يقال له ذلك، إلا أن الموقف رهيب عصيب في هذه اللحظات، لحظات السكرات والكربات والضيق والهم، لحظة أن يعاين الإنسان الحقيقة، تتنـزل إليه الملائكة إن كان من أهل الإيمان والاستقامة لتبشره بهذه البشارة: أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] من أنتم؟ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا [فصلت:31] -أي في الجنة- مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:31-32].

    ثبت في سنن ابن ماجة بسند صححه الشيخ الألباني ، أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال من حديث أبي هريرة : (تحضر الملائكة -أي: عند الموت- فإذا كان الرجل صالحاً تقول الملائكة: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب راضٍ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج) فالملائكة تبشر أهل الإيمان والاستقامة وهم على فراش الموت بهذه البشارة العظيمة.

    القول الثاني: قاله ابن عباس وابن أبي حاتم وغيرهما، قالا: تتنـزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة عند الخروج من القبور يوم البعث والنشور، يوم الفضيحة، نسأل الله أن يستر علينا وعليكم، ترى الفضائح في هذا اليوم، إذ أن كل عبدٍ سيبعث من قبره على ما مات عليه من طاعة أو معصية، ولك أن تتصور -بالله عليك- هذا المشهد، ثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يبعث كل عبدٍ على ما مات عليه).

    إن عشت على الطاعة مت على الطاعة وبعثت عليها، وإن عشت على المعصية -عافاني الله وإياك- مات صاحب المعصية عليها وبعث عليها.

    يقول الحافظ ابن كثير طيب الله ثراه: لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فإن عشت على الطاعة مت على الطاعة وبعثت عليها، وإن عاش الإنسان على المعصية مات عليها وبعث عليها.

    والله يا إخوة -وسوف أفرد لذلك إن شاء الله محاضرة لخطورة الأمر- لقد حدثني أخ من المنصورة عندنا في مصر عن جارٍ كان يسكن فوقه، وكان مدمن للغناء وما عرف للمسجد طريقاً ولا سبيلاً، ذكروه بالله فما تذكر، فكبر الرجل وكان مولعاً بـأم كلثوم ، فلما نام على فراش الموت لا زال الغناء يملأ أركان البيت، مع أن ملائكة الله جل وعلا قد وجدت الرجل يحتضر، يقول: فلما علمت ذلك وسمعت صراخ النساء صعدت إليهم، فرأيت الرجل يحتضر، فبكيت وقلت: اتقوا الله، أبوكم يموت ويحتضر وأنتم لا زلتم تضعون شريط الغناء، أهذا وقت غناء؟ ضعوا شريطاً للقرآن لعل الله أن ييسر عليه، يقسم بالله أنهم استجابوا لذلك، فامتدت يده على شريط الغناء ونزل فأتى بشريط للقرآن، يقول: حينما وضعت شريط القرآن في المسجل، وإذ بالرجل على فراش الموت ينظر ويقول: دع الغناء فإنه ينعش قلبي، وما تكلم بعدها!!

    وفي الشهر الماضي كان هناك رجل في منصب يصد عن سبيل الله وعن دينه، وهو في كامل فتوته وشبابه، أصيب بألم بسيط في بطنه، وأراد أن يخرج ما في جوفه، فدخل إلى الخلاء -أعزكم الله- ومن كثرة ما غلبه القيء لم يقو على أن يقف، فبرك على ركبته أمام الحمام الأفرنجي المعلوم ليخرج ما في جوفه، وظل يقيئ ويقيئ حتى صرخ صرخة فخرجت فيها روحه، ووجهه في هذا المكان القذر النجس.

    لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، وهذا شيخنا المبارك الشيخ كشك رحمه الله وغفر له، مات في اليوم الذي أحبه من كل قلبه، في يوم الجمعة، دخل الخلاء فاغتسل وخرج، ثم لبس ثوبه الأبيض وتطيب وصلى ركعتين في بيته، وأراد أن يصلي ركعتين ليخرج إلى المسجد المجاور إلى بيته، فصلى الركعة الأولى في كامل قوته وصحته، فلقد كنت عنده قبل موته بثلاثة أيام، الرجل في صحة، وفي الركعة الثانية وهو يركع سقط على الأرض، فأسرع إليه أهله فوجدوا روحه قد فاضت إلى الله جل وعلا.

    لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، ففي هذا اليوم العصيب يوم الفضائح -نسأل الله الستر والعافية- يخرج أهل الإيمان والاستقامة من القبور، فتستقبلهم ملائكة العزيز الغفور بالبشارات: أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32] نزلاً، أي: ضيافة وإكراماً وإنعاماً من غفور رحيم، غفر لكم الذنوب ورحمكم في يوم الأهوال والكروب.

    هذا جزاء المؤمنين المستقيمين على طاعة رب العالمين جل وعلا، قال صلى الله عليه وسلم لـسفيان بن عبد الله : (قل آمنت بالله ثم استقم) وهأنذا أذكر نفسي وأقول لها: قولي: آمنت بالله ثم استقيمي، وأذكر إخواني قولوا: آمنا بالله ثم استقيموا على درب الإيمان، وعلى درب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والله أسأل أن يختم لي ولكم بالإيمان، وأن يرزقنا وإياكم الاستقامة على الإيمان، وأن يبعثنا في زمرة الموحدين تحت لواء قدوة المحققين، وسيد النبيين، إنه ولي ذلك ومولاه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.