إسلام ويب

الحمل بالمسيحللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ضمن فوائد سورة مريم يقف الشيخ منبهاً على عقيدة التوحيد، وذلك من خلال سياق قصة مريم عليها السلام حين جاءها الملك، وقصة حملها وولادتها بعيسى عليه السلام، وقد بيَّن -حفظه الله- قدرة الله وعنايته ورعايته ورزقه لمريم، ودعا أخيراً إلى الأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله.

    1.   

    موقف أهل الإسلام من عيسى عليه السلام

    الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].

    أحمدك يا ربِ وأستعينك وأستغفرك وأستهديك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. جل ثناؤك، وعظم جاهك، ولا إله غيرك، أحمدك حمداً كثيراً طاهراً طيباً مباركاً فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، والصمد الذي لا منازع له، والغني الذي لا حاجة له، والقوي الذي لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، هو جبار السماوات والأرض، فلا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، إنما قوله لشيءٍ إذا أراده أن يقول له كن فيكون.

    وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وأستاذنا محمد رسول الله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء ويا سيد المرسلين، وأشهد لك يا سيدي ويشهد معي الموحدون أنك قد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيل ربك حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسا، وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلِّ اللهم وسلم وبارك عليك يا رسول الله، وجزاك الله عنا خير ما جزى الله به نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه.

    أما بعد:

    عقيدة أهل السنة في عيسى عليه السلام

    فيا أيها الأحباب! تعالوا بنا لنطوف سوياً في روضة القرآن الكريم، ومع اللقاء الرابع عشر على التوالي مازلنا نطوف مع حضراتكم في بستان سورة مريم.

    نكرر القول بين يدي كل لقاء من لقاءات تفسيرنا لسورة مريم ونقول أولاً: بأن عقيدتنا نحن الموحدون هي لا إله إلا الله، نقولها في كل زمان ومكان، نبتغي بها وجه ربنا ذي الجلال والإكرام ونقول: لا إله إلا الله، لا شريك له، ولا ند، ولا كفء، ولا شبيه، ولا ضد قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    هذه هي عقيدتنا، وهذا هو توحيدنا، قالها لنا نبينا صلى الله عليه وسلم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) هكذا قال ابن عبد الله، فقلناها والحمد لله، ونسأل الله أن يتوفانا على لا إله إلا الله.

    ثانياً: نبرئ عيسى عليه السلام مما نسبه إليه النصارى، ونقول: بأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم عليها السلام، ليس إلهاً، ولا ابناً للإله جل وعلا، وإنما هو عبد الله ورسوله، ونقول ما قاله الله جل وعلا: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة:116] هكذا قال النصارى وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [البقرة:116-117].

    لا زوجة له، ولا نِد له، ولا ولد له، ولا كفء له، ولا شبيه له، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    ثالثاً: نهتف في كل لقاءٍ مع أستاذنا ومعلمنا الإمام ابن القيم ونقول لهؤلاء النصارى:

    أعباد المسيح لنا سؤالٌ     نريد جوابه ممن وعاهُ

    إذا مات الإله بصنع قومٍ     أماتوه فهل هذا إلهٌ

    ويا عجباً لقبرٍ ضم رباً     وأعجب منه بطنٌ قد حواهُ

    أقام هناك تسعاً من شهور     لدى الظلمات من حيضٍ غذاه

    وشق الفرج مولوداً صغيراً     ضعيفاً فاتحاً للثدي فاه

    ويأكل ثم يشرب ثم يأتي     بلازم ذاك هل هذا إله

    تعالى الله عن إفك النصـارى     سيسأل كلهم عما افتراه

    حوار مريم والمَلَك

    أما بالنسبة لتفسير الآيات، فلقد توقفنا في اللقاء الماضي عند قول الحق جل وعلا: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:16-21].

    لقد توقفنا في اللقاء الماضي عند قول الحق جل وعلا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:21] هذه العذراء التي تربت على الطهر والعبادة والعفاف احتجبت يوماً من أيام حياتها عن قومها لقضاء حاجةً من حوائجها الخاصة جداً، وفجأة في هذه الخلوة، ووراء هذا الحجاب، وجدت أمام عينيها وبين يديها بشراً سوياً كاملاً مكتملاً، فقالت: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً [مريم:18] أي: إن كنت تتقي الله جل وعلا، وإن كنت ممن يخافون الله جل وعلا، فطمأنها هذا البشر السوي قائلاً: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً [مريم:19] فسألت العذراء في تعجبٍ ودهشةً واستغراب. قالت: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً [مريم:20] ليس لي زوج، ولم أكون زانية في يومٍ ما أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً [مريم:20] فطمأنها الملك ثانيةً وهو جبريل عليه السلام قائلاً: قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:21].

    وهنا اطمأنت مريم لهذا الكلام، واطمأنت واستسلمت لقضاء الله وقدره قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ [مريم:21] قدرة الله لا تحدها حدود وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً [مريم:21] ولنجعل هذا المولود آية، أي: علامة؛ علامة على ماذا؟ علامة على قدرتنا وعلى كمال جلالنا وعظمتنا وَرَحْمَةً مِنَّا [مريم:21] رحمةً منا لمن شهد لي بالوحدانية وله بالرسالة والنبوة وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:21] إذا قدر الله وإذا أراد الله شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون، وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:21].

    1.   

    حمل مريم بين عقيدة النصارى والمسلمين

    نحن اليوم على موعدٍ مع المشهد الثاني؛ لأني قسمت قصة مريم إلى ثلاثة مشاهد، المشهد الأول -تكلمنا عنه في اللقاء الماضي- إلى قول الله جل وعلا: قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:21].

    المشهد الثاني: هو قول الله جل وعلا: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً [مريم:22-26] هذا هو المشهد الثاني.

    فحملت! كنت أود أن يكون موضوعنا اليوم عن معنى كلمة فحملت فقط؛ لأن هذه اللفظة تحمل معانٍ عظيمة وكثيرة.

    معنى قوله تعالى: (فحملته) عند النصارى

    ماذا قال النصارى في حمل مريم؟ وماذا قال الموحدون في حمل مريم؟!

    قال النصارى عن معنى كلمة: (فحملت) واستمعوا إلى هذا الهراء، والافتراء، والكذب، ماذا قال النصارى عن معنى: (فحملت)؟! ماذا قالت أناجيل النصارى: برنابا ، ومتى، مرقص، قالت أناجيل النصارى في حمل مريم

    بالإجماع: أي حملت بالإله؛ لأن اليعقوبية والنسطورية تقولان -وهاتان طائفتان من طوائف النصارى، كطوائف البروتستانت والأرثوذكس اليوم- بأن أم مريم هي زوجة الرب الإله، ولما أراد الإله أن يتجسد في الناسوت - لأنني قلتُ لكم بأنهم يقولون بأن الإله لاهوتاً وناسوتاً في آنٍ واحد- نزل إلى مريم، -استمع إلى هذه الألفاظ- نزل رب السماوات والأرض من على كرسيه وعرشه -هكذا قالوا- ودخل في فرج مريم، والتحم الإله ببطن مريم، وأقام هناك تسعة أشهر كاملة يتخبط بين اللحم والدم والحيض ثم خرج بعد ذلك لاهوتاً من جنس أبيه، وناسوتاً من جنس أمه، ثم بعد ذلك عاش ما قدر لنفسه أن يعيش، ثم صلبه اليهود وقتلوه، ودفن في قبره ثلاثة أيام ثم ترك الإله القبر، وصعد ليجلس عن يمين أبيه، وتجلس أمه عن يسار الرب ليحكم بين الناس يوم القيامة!

    هذا ما قاله النصارى، وهذا هو افتراء النصارى!!

    معنى قوله تعالى: (فحملته) عند المسلمين

    ولكن تعالوا بنا لنفخر ولنعلي هذا الإسلام على رءوس الأزمان والأشهاد، فحقٌ لنا أن نفخر بأننا موحدون ننتسب إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

    ماذا قال الموحدون في حمل مريم؟ ماذا قال قرآننا عن معنى كلمة: (فحملته)؟ ماذا قال نبينا عن معنى كلمة: (فحملته)؟ ما هو كلام المسلمين المؤمنين، وما هو كلام علمائهم؟

    يقول علماؤنا: لا ينبغي لنا أن نلهث وراء كيفية الحمل؛ لأنه لا يعلم كيفيته إلا من أمر به.

    انظر إلى الأدب، انظر إلى الكمال والجلال، لا ينبغي لنا أن نلهث، أو أن نبحث، أو أن ندقق في كيفية الحمل، كيف حملت مريم؟! وكيف نفخ جبريل؟! وفي أي مكان نفخ؟! هل نفخ جبريل في فرجها أو جيبها أو كمها أو درعها؟! لا يجب أن نسأل على الإطلاق، لأننا نقر ونعترف أن الذي أراد ذلك هو الله وكل شيءٍ هينٌ أمام قدرته وعظمته وإرادته، قال الله سبحانه وتعالى: قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:21].

    انتبهوا معي لهذا الملحظ الجميل في قوله سبحانه: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40] إذا أراد الله شيئاً فإنما يقول له: ...، وانتبهوا معي إلى هذه اللفظة، هذه الكلمة التي تتكون من حرفين: لام وهاء، أن يقول له: كن فيكون، نحن نفهم هذه العبارة وهذه الكلمة، إذا قال له: كن فيكون، كلمة له، تحمل معنى شيء، يعني: قال الله للجدار كن فكان، قال له كن أيها الجدار فكان، قال لهذه السماء كوني فكانت.

    قال له: معنى كلمة (له) أنها تحمل معنى شيء وجد، وهذا يلفت أنظارنا إلى أن الله عز وجل يقول: إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن، أي أن هذا الشيء وجد قبل أن يقول الله كن، كلمة له موجود، وبعد ذلك يقول كن، إذاً: هو كان ويكون، دليلٌ على القدرة، والعظمة، والإرادة، قبل أن يقول الله كن إذا أراد الشيء كان، وإن كان هذا الأمر يحدث معي أنا إن كنت من المؤمنين الموحدين ودخلت الجنة، فإن هذا الأمر يحدث معك، فإذا كنت من أهل الجنة واشتهيت فاكهةً معينة، أو طعاماً معيناً قبل أن يتحرك لسانك بطلب هذه الفاكهة، وبطلب هذا الشيء ما عليك إلا أن تقول: سبحانك اللهم، وقبل أن تطلب تجد ما اشتهيته أمام عينيك وبين يديك.

    إذا كان هذا أمرٌ لي أنا الإنسان، فكيف سيكون الحال مع خالق الإنسان والأكوان، إذا قال الله: كن لابد أن يكون.

    فالله سبحانه وتعالى يقول: فحملته، ما ينبغي لنا أن نسأل، وما ينبغي لنا أن نبحث كيف كان الحمل، وكيف نفخ جبريل، هذا أمرٌ لا يعلمه إلا الله، المهم أننا نعلم أن قدرة الله لا تحدها حدود، فحملته انتهى الأمر وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً [مريم:21].

    عجز الإنسان عن إدراك حقيقة الروح

    نحن في هذه الأيام في القرن العشرين، الذي صعد الإنسان فيه إلى سطح القمر، وصنع فيه الإنسان السيارة والطيارة والصاروخ والقنبلة النووية، وبالرغم من ذلك ما من قوة على ظهر هذه الأرض في عصرنا هذا اخترقت أو تجرأت على أن تقول: إننا قد أدركنا ما هي الروح، الإنسان عاجز إلى الآن عن إدراك ما هي الروح التي قال الله عنها: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85].

    أي: أنكم مهما وصلتم وتوصلتم إلى أعلى مراتب درجات العلم، فإنكم لم ولن تستطيعوا أن تصلوا إلى كنه الروح أو ما هي الروح؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد اختص وحده بعلمها.

    خلاف أهل الإسلام في مدة الحمل

    كيفية الحمل؛ الله أعلم به، قال بعض العلماء بأن معنى كلمة فحملته: أي: حملت مريم بعيسى وولدته في ساعة واحدة، وهم يستدلون بقول الله جل وعلا: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ [مريم:22-23] فهم يستدلون بوجود الفاء هنا على أنها في اللغة تحمل معنى الترتيب والتعقيب، وهذا يحمل معنى سرعة الحمل والولادة.

    ولكننا نقول لهم: لا. وإنما حملت مريم بعيسى حملاً عادياً تسعة أشهر، وهذا هو رأي جمهور العلماء، ورأي جمهور المفسرين، أن مريم حملت بعيسى حملاً عادياً تسعة أشهر.

    الدليل: إذا كنتم تستدلون بفاء الترتيب والتعقيب، فإننا نقول: فاء الترتيب والتعقيب تأتي في اللغة العربية بحسب الشيء الذي يليه.

    بمعنى: أن الله لما تكلم عن مراحل خلق الإنسان قال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً [المؤمنون:12-14] جاءت هنا فاء الترتيب والتعقيب والحديث في صحيح البخاري ومسلم أن بين كل مرحلةٍ ومرحلة أربعين يوماً.

    إذاً: فالتعقيب يأتي بحسبه، أنزل الله الماء من السماء فتصبح الأرض مخضرة، كلمة: فتصبح، فاء الترتيب والتعقيب هنا لا تفيد أنه بمجرد نزول المطر اخضرت الأرض، لا. بل أخذت وقتاً وهذا الوقت بحسب الشيء الذي يليه.

    فمريم حملت بعيسى حملاً عادياً تسعة أشهر، والدليل على ذلك أيضاً: أنها لما ظهرت عليها بوادر الحمل، وكبرت بطنها وثقلت كان يخدم معها في البيت رجلٌ صالحٌ يسمى: يوسف النجار ، هذا الرجل الذي اتهم اليهود مريمَ به، قالوا: إن الذي فعل بها هذه الفعلة هو يوسف؛ لأنه هو الذي يوجد معها في بيت المقدس .. هذا لما نظر إلى بطن مريم، وإلى ثقل بطن مريم، تعجب! وأخذ يفكر في حقيقة الأمر، وكلما سيطر عليه هذا الهاجس وهذا التفكير دفعه بعنفٍ وقوةٍ وشدة لما يعلم من براءتها وطهرها وعفتها وعبادتها ودينها، ولكن سرعان ما يعود هذا الخاطر مرةً ثانية فيقول لنفسه: إذا كانت هي تقيةً ورعة، وأنا أقر بذلك فكيف هذا الحمل؟! كيف كبر بطنها وثقل ويظل يعيش مع هذا الخاطر يدفعه مرة ويسيطر عليه مرات، وفي النهاية ذهب إليها وقال: يا مريم! إني سائلك عن أمرٍ فلا تعجلي عليَّ فيه، فقالت مريم: وكأنها فهمت ماذا سيقول يوسف ، قالت: يا يوسف سلني عما شئت ولكن قل قولاً جميلاً؟ فقال لها يوسف مُعرّضاً في الكلام، قال لها يا مريم هل ينبت زرعً بغير بذر؟ وهل ينبت شجر بغير غيث؟ وهل يكون ولدٌ بغير أب؟!

    فقالت مريم: نعم. قال لها: كيف؟! فقالت له: يا يوسف ! ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر؟! ألم تعلم يا يوسف أن الله أنبت الشجر يوم خلقه من غير غيثٍ ولا مطر؟! ألم تعلم يا يوسف أن الله يوم خلق آدم خلقه من غير أبٍ وأم؟! فنظر إليها قائلاً: أعلم أن الله على كل شيءٍ قدير!!

    ولم يستطع بعد ذلك أن يناقشها، أو يجادلها، وتركها إلى حالها.

    وانتصرت مريم، ولذا فإن الله جل وعلا يقول: نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [الواقعة:57-59] من الخالق؟ الله أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:58-74] سبحان ربي العظيم.

    أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ [الواقعة:58] أفرأيتم هذه النطفة وهذا المني الذي يقذفه أحدكم بشهوة، ويجعل الله منه الولد بقدرته؟ من هذه النطفة ومن هذا الماء تكون أنت أيها الإنسان الكامل المغرور فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق:5-8].

    أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [الواقعة:58-59] .. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:63-64] .. أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة:68-69].

    من الذي خلق؟ الله.

    ومن الذي أنزل؟ الله.

    ومن الذي ينبت؟ الله.

    ألم تعلم يا يوسف أن الله خلق الزرع يوم خلقه من غير بذر؟! وخلق الشجر يوم خلقها من غير غيث؟! وخلق آدم يوم خلقه من غير أبٍ وأم.

    يقول سبحانه: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ [البقرة:259] رجل مرّ على قرية مهجمة لا أثر فيها لأي حياة، فنظر إلى هذا البناء متعجباً وقال: كيف يحي الله هذا الموات؟!

    أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:259-260].

    أعلم أن الله على كل شيءٍ قدير، وأعلم أن الله عزيزٌ حكيم، قدرة الله لا تحدها حدود إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40].

    1.   

    ولادة عيسى عليه السلام

    حملته حملاً عادياً بقدرة الله وبأمره، وطال وقت الحمل، وظهرت بوادره، وهنا ضاق قلبها، وضاقت نفسها، وضاقت ذرعاً بهذه الفضيحة المنتظرة، فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً [مريم:22] لما اقترب الوقت وحان الأجل، وعلمت أن أ/رها سيفضح بين قومها، خرجت بهذا الحمل الذي كاد أن ينزل صاحبه فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً [مريم:22] خرجت إلى مكانٍ بعيد، إلى ما وراء الجبال حتى لا يراها أحد من الناس.

    إلجاء المخاض لمريم وشدته عليها

    فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً [مريم:22] وهنا في هذا المكان البعيد عن أعين الناس، ولكنه قريبٌ من عين الذي لا يغفل ولا ينام، لا يتركها ربها أبداً، هنا يقول الله سبحانه: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ [مريم:23] انظر إلى دقة اللفظ: فأجاءها، بمعنى: فألجأها المخاض إلجاءً فاضطرها اضطراراً، وكلكم يعلم لا أقول النساء وإنما أقول أنتم أيضاً، فما من امرأة أو رجل إلا ويعلم شدة الوضع عند المرأة، فلقد رأيت زوجتك، وأمك، وأختك، وابنتك تتألم وتصرخ وأنت إلى جوارها في مكانٍ آخر، لأن آلام الوضع لا يعلمها إلا من جربت هذا الألم، ربما تألمت أنت لألمها إلا أن الألم الحقيقي لا تعرف قدره أنت مهما كان ألمك.

    فهنا جاءها المخاض: أي الطلق، وآلام الولادة والوضع: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ [مريم:23] أي: ففاجأها المخاض، واضطرها الطلق اضطراراً إلى جذع نخلة قريب من هذا المكان الذي ذهبت إليه وجلست فيه: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:23] استندت على هذا الجذع وهي تتألم.

    ولكم أن تتخيلوا معي عذراء لأول مرة تلد، ليس معها أم، ولا أخت، ولا زوج، ولا ابن، ولا أي مخلوق، لكن معها الله، ومن كان الله معه فلا يحزن، عذراء تلد لأول مرة، وأعتقد أن النساء يعلمن ويعرفن هذا الأمر جيداً، فتاة تلد لأول مرة دون أن يكون معها إنسان.

    فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:23] وفجأة نزل الوليد، وليس الإله! هل هناك إلهٌ يولد؟! هل هناك إلهٌ ينـزل من فرج؟! هل يليق بالإله أن يتلبط بين الدماء والحيض؟!! هل يليق بالإله أن يلتقم الثدي ليشرب من جوع؟! هل يليق بالإله أن يأكل الطعام ليسد جوعه؟! هل يليق بالإله أن يلف في لفائف، وأن يتبول وأن يتغوط؟! تعالى الله عما يقول النصارى علواً كبيراً!

    ونزل الوليد، وهنا رأت مريم نفسها أمام الفضيحة بجميع أركانها، لا مفر منها، ولدها أمام عينيها وبين يديها، وهنا قالت بلسان المرأة الضعيفة التي تعلم علم اليقين أنها في مواجهة قومها، قالت: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً [مريم:23] ليتني متُ قبل هذا اليوم، ليتني ما رأيته، ليتني ما عشتُ إلى هذا اليوم، ماذا سأقول لقومي؟ وماذا سأقول لأهلي؟ وقد انتشر الخبر وشاع في بيت زكريا، وبيت عمران، وبني اسرائيل، بل واتهموها بـيوسف النجار ، وأن الفضيحة إذا خرجت من بيت الورع فإن الألسنة ترددها أيما ترديد، ولكن الفضيحة إن خرجت من بيت الفضيحة والرذيلة لا يأبه لها، ولا يهتم بها أحد، أما أن تخرج الفضيحة من بيت التقى والورع فإنها الفضيحة!!

    شاع الخبر في بني إسرائيل ومريم في هذه اللحظات أخذت تفكر وتتجاذب مع نفسها أطراف الحديث والحوار، ماذا سأقول لقومي؟! وماذا سيكون جوابي؟! يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً [مريم:23].

    وهنا ملحظٌ فقهيٌ عظيم، وهو: يجوز للمسلم أن يتمنى الموت إن كان تمنيه للموت من فتنةٍ ستدمر عليه دينه، ولكن لا ينبغي للمسلم أن يتمنى الموت لفقره، أو لمرضه، أو لرسوب ابنه، أو لمعاكسة زوجته إياه، لا ينبغي له أن يتمنى الموت لما ورد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ وقع به، وإن كان ولابد فاعلاً أو متمنياً فليقل: اللهم توفني ما كانت الوفاة خيراً لي، وأحييني ما كانت الحياة خيراً لي) هذا ملحظ سريع في الآية.

    تفريج الله لكربة مريم

    وفي وسط هذا الذهول، والفزع، والرعب، والألم، ألمٌ نفسي وبدني، ألمٌ نفسي لما ستلاقيه من قومها، وألمٌ بدني لآلامٌ الطلق والوضع ولا سنيد لها ولا معين يساندها أو يعاونها، هذه الآلام المتلاحقة في وسطها يشق هذه الآلام ويشق هذا السكون، وهذا الجو صوتٌ جميلٌ ندي، إنه صوت الوليد الرضيع، إنه الطفل الذي ولد منذُ لحظات، لا أقول منذُ ساعات، وإنما أقول منذُ لحظات، وهنا مريم تتألم وتنظر بعينيها إلى السماء لتفكر في حقيقة أمرها، ومواجهة قومها، وحقيقة هذا الأمر، وفجأة تسمع صوتاً ندياً جميلاً: فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي [مريم:24].

    لِمَ كل هذا الحزن؟! ولِمَ كل هذا الألم؟! ولِمَ كل هذا البكاء؟! فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا [مريم:24] قيل بأن المنادي هو جبريل وقيل هو عيسى، ولكن الأرجح أن النداء كان من عيسى؛ لأن عيسى تكلم وهو صبيٌ طفلٌ صغيرٌ رضيع: فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي [مريم:24] لا تحزني والله معك!! لا تحزني والله راعيك!! لا تحزني والله حافظك!! لا تحزني فإن الذي قدر لك هذا هو الله!! لا تحزني، لا تخافي؛ لأن من كان مع الله كان الله معه، ومن كان الله معه فلا ينبغي له أن يحزن، ولا ينبغي له أن يخاف أو يضطرب أو يفكر .. لا تحزني، لا تخافي: قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً [مريم:24] فجر الله لها عيناً من الماء العذب الفرات في هذه الصحراء، نظرت ووجدت عين ماء تحت هذا الطفل الصغير، جدولاً كما ورد فيما رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين البخاري ومسلم : (فجر الله لها جدولاً صغيراً من الماء).

    َلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً [مريم:24] سرياً: أي جدولاً أو نهراً صغيراً من الماء : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً [مريم:25] فكلي من هذا الرطب، واشربي من هذا الماء وقري عيناً، لا تحزني، هذا هو وعد الله للمتقين، هذا هو عهد الله على ذاته للمؤمنين، حقٌ على الله لمن اتقاه أن يحسن الله بدايته، وأن يتولى الله رعايته، وأن يحسن الله نهايته، حقٌ على الله لمن اتقاه أن يستره الله فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض.

    َلَّا تَحْزَنِي [مريم:24] وهنا أتذكر هذا المشهد المماثل تماماً بتمام، يوم أن ذهب إبراهيم الخليل مع ولده إسماعيل وأمه هاجر عليهم السلام وذهب بهما إلى مكانٍ لا زرع فيه ولا نبات، ولا إنس فيه ولا حياة، وترك الولد والأم وقال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم:37] وتركهما الخليل وأراد أن ينصرف، فنظرت إليه هاجر وقالت: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟! إلى من تكلنا في هذا المكان الذي لا أنس فيه ولا زرع فيه ولا سبب من أسباب الحياة؟! وإبراهيم لا ينطق ولا يتكلم كلما كلمته هاجر ، وأخيراً نظر إبراهيم إلى السماء، مشيراً أن الذي أمره بذلك هو الله، فقالت هاجر : آلله أمرك بهذا، فأشار برأسه أن نعم، أي أن الذي أمرني بذلك هو الله، فنظرت إليه هاجر قائلةً: إذا فاذهب، فإنه لن يضيعنا أبداً.

    طالما أن الله هو الذي أمرك فلن يضيعنا الله أبداً.

    يقول عيسى لمريم: َلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً [مريم:24] ثم قال: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً [مريم:25-26].

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    رزق الله لمريم حال نفاسها

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    قال الله: فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً [مريم:24] فجر الله لك عيناً من الماء، فاشربي وكلي من الرطب، رُطَباً جَنِيّاً [مريم:25] أي: رطباً طيباً طرياً، وهنا قال العلماء فضلاً عن علماء قرننا العشرين: بأنه لا يوجد للنفساء طعامٌ أطيب من طعامٍ أنزله الله لمريم في فترة نفاسها وهو التمر، أطيب طعام للمرأة النفساء هو التمر أو الرطب؛ لأنه طعامٌ قدره الله لمريم فيه فاكهة.

    وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً [مريم:25-26] اطمأني، فليطمئن قلبك، وَقَرِّي عَيْناً [مريم:26] ليطمأن قلبك أن الله الذي قدر لك الماء، وأن الله الذي أنزل إليك التمر من الشجرة العجفاء، قادرٌ على أن يبرئ ساحتك أمام قومك بأمره وقدرته، وَقَرِّي عَيْناً [مريم:26] لا تحزني، كلي واشربي وقري عيناً.

    وهنا أراد هذا الطفل الصغير أن يلقن أمه حجتها، وقال لها: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً [مريم:26] هذه هي نهاية المشهد الثاني، لو رأيتِ أحداً من الناس من قومك يكلمك ويجادلك فلا تردي، وإنما عليك أن تشيري أنك صائمة، نذرت الصوم لله جل وعلا، وكان الصيام عن الكلام مشروعاً في دينهم، وهو محرمٌ في ديننا، هكذا قال ابن حجر في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري ، وهكذا قال الإمام ابن قدامة ، وهكذا قال أئمة المسلمين بأن الصوم عن الكلام في ديننا محرم، ولكنه جائز في دينهم.

    قالت: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً [مريم:26] كما قال الله لزكريا: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً [مريم:10] حتى إن زكريا إذا ما جاء ليذكر الله، نطق لسانه بذكر الله، وإذا ما جاء ليتكلم مع الناس لم يستطع لسانه النطق ولا الكلام كما شرحنا ذلك بالتفصيل إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً [مريم:26].

    وننتهي هنا ونكمل إن شاء الله جل وعلا في الأسبوع المقبل المشهد الثالث، وهو مشهد لقاء مريم مع قومها، وما الذي دار؟ وما هو الحوار؟ وماذا قالت مريم؟ وماذا قال أهلها؟ وماذا قال الصبي الصغير؟ والطفل الرضيع؟ لنخرج بعد ذلك ببيان عقيدة النصارى الباطلة التي يعتقدونها في هذه الأيام، ولنفخر نحن الموحدون بعقيدة لا إله إلا الله.

    1.   

    دعوة للأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله

    هنا ملحظ أخير في الآية، وسوف أعلق عليه في الدرس إن شاء الله جل وعلا حينما قال الله لمريم: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:25] تخيل معي امرأة ضعيفة أنهكها الوضع، وقضى على كل قوةٍ فيها، وفي ساعة ولادتها لا سبب إطلاقاً من أسباب الطعام إلا أن تخدم نفسها، لكنه كما هو معهود أن المرأة التي وضعت لا تصنع شيئاً، وإنما تنام لترى من يغسل لها الثياب، ويقدم الطعام، والشراب .. وهكذا؛ ولكن هذه المرأة في هذا الوضع لا يمكن لمخلوقٍ أن يأتيها بطعامٍ أو شرابٍ وهي التي ستخدم نفسها بنفسها!

    والله سبحانه وتعالى يقول لها: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:25] أمر عجيب!! يا مريم اعملي! في هذا الضعف يا رب؟! في هذا المرض؟! وهذه الحالة؟!

    وأي جذع؟! هل ستهز جذع وردة ريحان، أو فل، أمر يسير ومذلل وسهل؟! ولكن الهز هنا لأي شيء؟ لجذع نخلة! والنخلة: نخلة البلح، وأنتم تعلمون أن أعظم جذع هو جذع النخلة، لا يقوى عنترة بن شداد على هزه، فكيف لامرأة ضعيفة في نفاسها أن تهز الجذع، والمقصود بالهز أن تهزه لينزل الرطب، يعني: لابد وأن يكون الهز قوياً شديداً؛ لأن شدة الهز ستتناسب مع كمية الرطب النازلة وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً [مريم:25].

    هنا ملحظ جميل، لا يظن أحد أن هز مريم الجذع يميناً أو يساراً سينـزل الرطب، وإنما هي دعوةٌ من الله للأخذ بالأسباب ثم بعد ذلك التوكل على مسبب الأسباب.

    يا مريم! حتى وأنتِ في هذه الحالة خذي بأسباب الرزق، لابد أن تسعى لرزق الله، وتأخذ بالأسباب، أما أن تجلس لتنتظر الزرق من السماء دون عمل، فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، إلا إذا وصل الإنسان إلى درجة اليقين التي وصلت إليها مريم حينما دخل عليها زكريا المحراب في الشتاء فوجد عندها فاكهة الصيف، ودخل عليها في الصيف فوجد عندها فاكهة الشتاء، فتعجب قال: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:37] هذه درجة يقين عالية جداً ليست لكل الناس، وإنما لابد من الأخذ بالأسباب؛ لأن التوكل الحقيقي على رب الأرباب جل وعلا هو أن نأخذ بجميع الأسباب، ولكن لا نتكل على هذه الأسباب؛ لأن الأسباب لا تسعف، ولا تأتي برزق، وإنما نأخذ بالأسباب متوكلين على مسبب الأسباب وعلى رب الأسباب جل وعلا.

    ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح من حديث عمر بن الخطاب، وخرجه ابن ماجة، والنسائي، وابن حبان، والحاكم والترمذي ، وقال عنه الترمذي : حديثٌ حسنٌ صحيح وليس في البخاري ومسلم ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً) الطائر ينهض في الصباح الباكر ولا يظل نائماً إلى الظهر، فهو الذي يوقظك لصلاة الفجر، في النهار المبكر يترك مسكنه منزله، وعشه ليسعى على رزقه، يغدو من الغدوة من الصباح المبكر، يغدو خماصاً فارغ البطن، خاوي البطن، فيقدر الله له الرزق في أي مكان، فيحصل الطائر على رزقه ويعود إلى عشه وقد تكفل الله برزقه قائلاً: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6].

    فعليك أن تأخذ بالأسباب وأن تتوكل بعد ذلك على مسبب الأسباب، أما أن تقول: أنا متوكلٌ على الله دون أخذٍ بالأسباب، فهذا أمرٌ مردودٌ ومرفوض ما فعله سيد الأحباب محمد صلى الله عليه وسلم، ففي ليلة الهجرة أخذ أسباب الحيطة والاحتياط، والأمن والأمان، ولذا فإنه لما علم أنه قد أخذ بجميع الأسباب، ووجد أن الأسباب قد انقطعت يوم أن وصل المشركون إلى الغار، وقال له الصديق : [لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا] يعلم النبي أن الأسباب لا تنجي قال له: (يا أبا بكر ! لا تحزن ما ظنك باثنين الله ثالثهما).

    هنا اللجوء إلى مسبب الأسباب؛ لأن الأسباب قد انقطعت حينها، وقد أعيتها الحيل، ولم تستطع أن تنجي محمداً وصاحبه صلى الله عليه وسلم، ولذا فاللجوء هنا إلى الله، إلى مسبب الأسباب، ولذا فعليك أن تأخذ بالأسباب.

    يا طالب العلم! ذاكر، واسهر الليل، وحصل الدروس، ثم بعد ذلك توكل على الله، وقل: أنا معتمدٌ على الله وليس على مذاكرتي وتحصيلي؛ لأن من اعتمد على عقله ضلَّ، ومن اعتمد على الناس ذلَّ، ومن اعتمد على ماله قلَّ، ومن اعتمد على الله لا ضلَّ ولا قلَّ ولا ذلَّ.

    فخذ بالأسباب، وتوكل على مسبب الأسباب، أما أن تأخذ بالأسباب وتقول: إن الأسباب هي التي ستنجحني، أو بأن الأسباب هي التي سترزقني، لا، وإنما الرزق بيد مسبب الأسباب جل وعلا، يقول ربنا في الحديث القدسي الجليل: (يابن آدم! لا تخشى من ضيق الرزق فخزائني مملوءة وخزائني لا تنفذ أبداً) فعليكم أن تحصلوا الأسباب، وألا تعتمدوا عليها، فإن الرزق والفلاح والنجاح بيد مسبب الأسباب: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً [مريم:25-26].

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم استر عيوبنا، اللهم آمن روعاتنا، اللهم توفنا على الإيمان وأنت راضٍ عنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا ما يرضيك من آمالنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

    اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، اللهم لا تدع لأحدٍ منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلى شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصٍ إلا هديته، ولا حاجةً هي لك رضى ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.

    اللهم كما خلقتنا موحدين اختم لنا بالإيمان والتوحيد، اللهم كما خلقتنا مؤمنين فاختم لنا بالإيمان والتوحيد، اللهم كما خلقتنا موحدين فاختم لنا بالإيمان والتوحيد، اللهم توفنا على لا إله إلا الله، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض.

    اللهم اجعل بلدنا مصر بلد الأمن والأمان، ووفق ولاة أموره للعمل بكتابك والاقتداء بشرع نبيك صلى الله عليه وسلم.

    عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم.

    ولا تنسوا التبرع لبيت الله جل وعلا، ادخروا في خزائن الله، ادخروا في خزائن الله وفي بنك حسنات الله، الذي يضاعف الله فيه الحسنات، فإن الحسنة عند الله بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فلا تنسو هذا الخير وهذا الفضل الذي ساقه الله إليكم في الدنيا.

    أسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب.

    وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.